إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

[كتاب أخبار الآحاد]

((96))
(1) (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. بابُ مَا جَاءَ فِي إِجَازَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ الصَّدُوقِ) أي: العمل بقوله (فِي) دخول وقت (الأَذَانِ، و) الإعلام بجهة القِبْلة لأجل (الصَّلَاةِ، وَ) طلوع الفجر أو غروب الشَّمس في (الصَّوْمِ وَالْفَرَائِضِ)
ج10ص274
من عطف العامِّ على الخاصِّ (وَالأَحْكَامِ) جمع حُكْمٍ وهو خطاب الله تعالى المتعلِّق بأفعال المكلَّفين من حيث إنَّهم مكلَّفون، وهو من عطف العامِّ على عامٍّ أخصَّ منه؛ لأنَّ الفرائض فردٌ من الأحكام، والمراد بـ «الواحد» هنا حقيقة الوحدة، وعند الأُصوليِّين ما لم يتواتر، والتقييد بالصِّدق [1] لا بدَّ منه، فلا يحتجُّ بالكَذوب اتِّفاقًا، أمَّا من لم يُعرَف حالُه، فثالثها: يجوز إن اعتُضِد، قال في «الفتح»: وسقطت البسملة لأبي ذرٍّ والقابسيِّ والجرجانيِّ، وثبتت هنا قبل الباب في رواية كريمة والأَصيليِّ، ويحتمل أن يكون هذا من جملة أبواب «الاعتصام» فإنَّه من جملة متعلَّقاته، فلعلَّ بعض من بيَّض الكتاب قدَّمه عليه، ووقع في بعض النُّسخ: ((كتاب خبر الواحد)) وليس بعده ((بابٌ)) [2] والذي عند الجميع بلفظ «باب» فيكون من جملة «كتاب الأحكام» وهو واضحٌ. نعم وقع [3] في نسخة الصَّغانيِّ: ((كتاب أخبار الآحاد)) ثمَّ ((باب ما جاء...)) إلى آخره (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق، وسقطت الواو لغير أبي ذرٍّ، فـ ((قول)) رَفْعٌ: ({فَلَوْلَا}) فهلَّا ({نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ}) أي: من كلِّ جماعةٍ كثيرةٍ جماعةٌ قليلةٌ منهم يكفونهم النَّفير ({لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ}) ليتكلَّفوا الفقاهة فيه، ويتجشَّموا المشاقَّ في تحصيلها ({وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ}) وليجعلوا مرمى همَّتهم إلى التَّفقُّه إنذار قومهم وإرشادهم ({إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ}) دون الأغراض الخسيسة من التَّصدُّر والتَّرؤُّس، والتَّشبُّه بالظَّلَمة في المراكب والملابس ({لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التَّوبة: 122] ) ما يجب اجتنابه، واستُدِلَّ به على أنَّ أخبار الآحاد يلزم بها العمل؛ لأنَّ عموم كلِّ فرقةٍ يقتضي أن ينفر من كلِّ ثلاثةٍ تفرَّدوا بقريةٍ طائفةٌ إلى التَّفقُّه لتنذر فرقتها كي يتذكَّروا ويحذروا، فلو لم تعتبر الأخبار ما لم تتواتر لم يُفِد ذلك، وسقط لغير كريمة قوله «{لِيَتَفَقَّهُوا}...» إلى آخره، وقال بعد قوله: {طَائِفَةٌ}: ((الآية)) قال البخاريُّ: (وَيُسَمَّى الرَّجُلُ) الواحد (طَائِفَةً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9] فَلَوِ اقْتَتَلَ رَجُلَانِ) ولأبي ذرٍّ والكُشْمِيهَنيِّ: ((الرَّجلان)) (دَخَلَ [4] فِي مَعْنَى الآيَةِ) لإطلاق الطَّائفة على الواحد، وبهذا احتجَّ إمامنا الشَّافعيُّ، وقبله ابن [5] مجاهدٍ، وعن ابن عبَّاسٍ وغيره: أنَّ لفظ «الطَّائفة» يتناول الواحد فما فوقه، ولا يختصُّ بعددٍ معيَّنٍ، وعن ابن عبَّاسٍ أيضًا من أربعةٍ إلى أربعين، وعن عطاءٍ اثنان فصاعدًا (وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ}) بخبرٍ، وتنكير «الفاسق» و«النَّبأ» للتَّعميم، كأنَّه قال: أيُّ فاسقٍ جاءكم بأيِّ نبأ ({فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] ) فتوقَّفوا فيه، وتطلَّبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الفاسق؛ لأنَّ من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوعٌ منه، وفي الآية دليلٌ على قَبول خبر الواحد العدل؛ لأنَّا لو توقَّفنا في خبره لسوَّينا بينه وبين الفاسق، ولخلا التَّخصيص به عن الفائدة، وقال ابن كثيرٍ: ومن ههنا امتنع طوائف من العلماء من قَبول مجهول الحال لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقَبِله آخرون لأنَّا إنَّما أُمِرنا بالتَّثبُّت عند خبر الفاسق، وهذا ليس بمحقَّق الفسق لأنَّه مجهول الحال (وَكَيْفَ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَرَاءَهُ): جمع أميرٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: ((أُمراءً)) _بحذف الضَّمير_ إلى الجهات (وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ) فلو لم يكن خبر الواحد مقبولًا لَما كان في إرساله معنًى، وإنَّما أرسل آخر بعد الأوَّل مع كون خبره مقبولًا؛ ليذكِّره عند السَّهو، كما قال: (فَإِنْ سَهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ) أي: من الأُمراء المبعوثين (رُدَّ) بضمِّ الرَّاء، مبنيًّا للمفعول (إِلَى السُّنَّةِ) أي: الطَّريقة المحمَّديَّة الشَّاملة للواجب والمندوب وغيرهما.
ج10ص275


[1] في (ع): «بالصَّدوق».
[2] في (ص) و(ع): «وبعمدةٍ».
[3] «وقع»: مثبتٌ من (ص).
[4] في (ب) و(س): «دخلا».
[5] زيد في (س) و(ص): «ابن»، وليس بصحيحٍ.