إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: فرض رسول الله زكاة الفطر صاعًا من تمر

1503- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ) بفتح السِّين والكاف، آخره نونٌ، البزَّار _بالزَّاي المعجمة ثمَّ الرَّاء المهملة_ القرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ) بفتح الجيم والضَّاد المعجمة، بينهما هاءٌ ساكنةٌ آخره ميمٌ، ابن عبد الله الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا [1] إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ (عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ) بضمِّ العين وفتح الميم (عَنْ أَبِيهِ) نافعٍ مولى عبد الله بن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قَالَ: فَرَضَ) أي: أوجب (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) وما أوجبه فبأمر الله، وما كان ينطق عن الهوى (زَكَاةَ الْفِطْرِ) من صوم رمضان، ووقتُ وجوبها غروبُ الشَّمس ليلة العيد؛ لكونه أضافها إلى الفطر، وذلك وقت الفطر، وهذا قول الشَّافعيِّ في [2] الجديد، وأحمد ابن حنبل، وإحدى الرِّوايتين عن مالكٍ، وقال أبو حنيفة: طلوع الفجر يوم العيد، وهو قولُ الشَّافعيِّ في القديم (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ) بنصب «صاعًا» على التَّمييز، أو هو [3] مفعولٌ ثانٍ؛ وهو خمسة أرطالٍ وثلث رطلٍ بالبغداديِّ، وهذا [4] مذهب مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد وعلماء الحجاز، وهو مئةٌ وثلاثون درهمًا على الأصحِّ عند الرَّافعيِّ، ومئةٌ وثمانيةٌ وعشرون درهمًا [5] وأربعة أسباع درهمٍ على الأصحِّ عند النَّوويِّ، فالصَّاع على الأوَّل: ستُّ مئةِ درهمٍ وثلاثةٌ وتسعون درهمًا وثلث درهمٍ، وعلى الثَّاني: ستُّ مئةِ درهمٍ وخمسةٌ وثمانون درهمًا وخمسةُ أسباعِ درهمٍ، والأصل الكيل، وإنَّما قدِّر بالوزن استظهارًا، قال في «الرَّوضة»: وقد يشكل [6] ضبط الصَّاع بالأرطال، فإنَّ الصَّاع المُخرَج به في زمن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مكيالٌ معروفٌ، ويختلف قدره وزنًا باختلاف جنس ما يخرج؛ كالذُّرة والحمُّص وغيرهما [7]، والصَّواب ما قاله الدَّارميُّ: إنَّ الاعتماد على الكيل بصاعٍ مُعايَرٍ بالصَّاع الذي كان يُخرَج به في عصر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومن لم يجده؛ لزمه إخراج قدرٍ يُتيقَّن أنَّه لا ينقص عنه، وعلى هذا فالتَّقدير بخمسة أرطالٍ وثُلثٍ تقريبٌ، وقال جماعةٌ من العلماء: الصَّاع: أربع حفناتٍ بكفَّي رجلٍ معتدل الكفَّين، حكاه النَّوويُّ في «الرَّوضة»، وذهب أبو حنيفة ومحمَّدٌ إلى أنَّه ثمانيةُ أرطالٍ بالرَّطل المذكور، وكان أبو يوسف يقول كقولهما، ثمَّ رجع إلى قول الجمهور لمَّا تناظر مع [8] مالكٍ بالمدينة، فأراه الصِّيعان التي توارثها أهل المدينة عن أسلافهم من [9] زمن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) ظاهره أنَّه يُخرِج من أيِّهما شاء صاعًا، ولا يجزئ غيرهما، وبذلك قال ابن حزمٍ، لكن ورد في رواياتٍ أخرى ذكرُ أجناسٍ أُخَر، تأتي _إن شاء الله تعالى_ [خ¦1506] (عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ) وظاهره أنَّ العبد يُخرِج عن نفسه، وهو قول داود الظَّاهريِّ منفردًا به، ويردُّه قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «ليس على المسلم في عبده صدقةٌ إلَّا صدقة الفطر»، وذلك يقتضي أنَّها ليست عليه، بل على سيِّده، وقال القاضي البيضاويُّ: وجعل وجوب زكاة الفطر على السَّيِّد كالوجوب على العبد مجازًا؛ إذ ليس هو أهلًا لأن [10] يُكلَّف بالواجبات الماليَّة، ويؤيِّد ذلك عطف «الصَّغير» عليه (وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى) والخنثى (وَالصَّغِيرِ) أي: وإن كان يتيمًا، خلافًا لمحمَّد بن الحسن وزُفَر (وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) دون الكفَّار؛ لأنَّها طهرةٌ والكفَّار ليسوا من أهلها، نعم؛ لا زكاة على أربعةٍ: من لا يفضل عن منزله، وخادمٌ يحتاج إليهما ويليقان به، وعن قوته وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد ويومَه ما يخرجه فيها، وامرأةٌ غنيَّةٌ لها زوجٌ معسرٌ وهي في طاعته، فلا يلزمها إخراج فطرتها؛ بخلاف ما إذا لم تكن في طاعته، وبخلاف الأَمَة فإنَّ فطرتها تلزم سيِّدها، والفرق تسليم الحرَّة نفسها؛ بخلاف الأمة؛ بدليل أنَّ لسيِّدها أن يسافر بها ويستخدمها، والمكاتب لا تجب فطرته عليه لضعف ملكه،
ج3ص85
ولا على سيِّده؛ لأنَّه معه كالأجنبيِّ والمغصوب أو الآبق؛ لتعطُّل فائدتهما على السَّيِّد؛ لكنَّ الأصحَّ وجوبُ الإخراج عليه عنهما تبعًا لنفقتهما، وعن منقطع الخبر إذا لم تمضِ مدَّةٌ لا يعيش في مثلها؛ لأنَّ الأصل بقاؤه حيًّا، فإن مضت مدَّةٌ لا يعيش في مثلها؛ لم تجب فطرته، ويُستثنَى أيضًا عبد بيت المال، والعبد الموقوف فلا تجب فطرتهما؛ إذ ليس لهما مالكٌ مُعيَّنٌ يُلزَم بها (وَأَمَرَ) عليه الصلاة والسلام (بِهَا) أي بالفطرة (أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ) أي: صلاة العيد.
تنبيهٌ: قوله: «من المسلمين» ذكر غيرُ واحدٍ أنَّ مالكًا تفرَّد بها من بين الثِّقات، وفيه نظرٌ، فقد رواها جماعةٌ ممَّن يُعتمَد على حفظهم، منهم: عمر بن نافعٍ، والضَّحَّاك بن عثمان، وكثير ابن فَرْقَدٍ، والمُعلَّى بن إسماعيل، ويونس بن يزيد، وابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر العمريُّ، وأخوه عبيد الله بن عمر، وأيُّوب السَّختيانيُّ على اختلافٍ عنهما في زيادتها، فأمَّا رواية عمر بن نافعٍ؛ فأخرجها البخاريُّ في «صحيحه» [خ¦1503] وأمَّا رواية الضَّحَّاك بن عثمان؛ فأخرجها مسلمٌ في «صحيحه»، وأمَّا رواية كثير بن فَرْقَدٍ؛ فرواها الدَّارقطنيُّ في «سننه» والحاكم، وأمَّا رواية المُعلَّى بن إسماعيل؛ فرواها ابن حبَّان في «صحيحه»، وأمَّا رواية يونس ابن يزيد؛ فرواها الطَّحاويُّ في «بيان المشكل»، وأمَّا رواية ابن أبي ليلى وعبد الله بن عمر العمريِّ وأخيه عبيد الله التي فيها بزيادة قوله: «من المسلمين»؛ فرواها الدَّارقطنيُّ في «السُّنن» [11]، وأمَّا رواية أيُّوب السَّختيانيُّ؛ فذكرها الدَّارقطنيُّ، وهذه الزِّيادة تدلُّ على اشتراط الإسلام في وجوب زكاة الفطر، ومقتضى ذلك أنَّه لا تجب على الكافر زكاة الفطر [12] لا عن نفسه ولا عن غيره، فأمَّا عن نفسه؛ فمتَّفَقٌ عليه، وأمَّا عن غيره من عبدٍ [13] وقريبٍ؛ فمُختلَفٌ فيه، وللشَّافعيَّة وجهان مبنيَّان على أنَّها تجب على المؤدِّي ابتداءً أو على المُؤدَّىَ عنه، ثمَّ يتحمَّلها المؤدِّي، والأصحُّ الوجوب بناءً على الأصحِّ، وهو وجوبها على المُؤدَّى عنه، ثمَّ يتحمَّلها المؤدِّي، وهو المحكيُّ عن أحمد، أمَّا عكسه _وهو إخراج المسلم عن قريبه وعبده الكافرين_ فلا تجب عند مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد، وقال أبو حنيفة [14] بالوجوب.
وفي هذا الحديث التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ، وقال: حديثٌ [15] حسنٌ صحيحٌ.
ج3ص86


[1] «حدَّثنا»: سقط من (م).
[2] «في»: ليس في (د).
[3] «هو»: ليس في(د).
[4] في غير (ص) و(م): «وهو».
[5] في(ص): «مئةٌ وثلاثون درهمًا» وفي (م): «مئةٌ وثمانيةٌ وعشرون درهمًا».
[6] في (م): «يستشكل».
[7] في (د) و(م): «وغيرها».
[8] زيد في (م): «قول».
[9] «من»: ليس في (د).
[10] في (د): «بأن».
[11] «في السُّنن»: ليس في (ص) و(م).
[12] في (م): «الفطرة».
[13] في (ص): «عبده».
[14] في هامش (ص): (قوله: «وقال أبو حنيفة».. إلى آخره: الذي قال به أبو حنيفة: وجوب صدقة العبد الكافر دون القريب الكافر؛ كما في «قاضي خان»). انتهى.
[15] «حديثٌ»: ليس في (د) و(م).