إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه

1190- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام الأئمَّة الأصبحيُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ) بفتح الرَّاء وتخفيف الموحَّدة وبالحاء المهملة، المتوفَّى سنة إحدى وثلاثين ومئةٍ (وَعُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير والخفض، عطفًا على سابقه (بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الأَغَرِّ) كلاهما (عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ) سلمان [1] (الأَغَرِّ) بفتح الهمزة والغين المعجمة وتشديد الرَّاء، المدنيِّ، شيخ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((أنَّ رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَ: صَلَاةٌ) فرضًا أو نفلًا (فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ) من جهة الثَّواب (مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ) تصلَّى (فِيمَا سِوَاهُ) من المساجد (إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) أي: فإنَّ الصَّلاة فيه خيرٌ من الصَّلاة في مسجدي، ويدلُّ له حديث أحمد، وصحَّحه ابن حبَّان من طريق عطاءٍ، عن عبد الله بن الزُّبير رفعه: «وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من مئة صلاةٍ في هذا»، وعند البزَّار _وقال: إسناده حسنٌ_ والطَّبرانيِّ من حديث أبي الدَّرداء يرفعه [2]: «الصَّلاة في المسجد الحرام بمئة ألف [3] صلاةٍ، والصَّلاة في مسجدي بألف صلاةٍ، والصَّلاة في بيت المقدس بخمس مئة صلاةٍ» وأوَّلَه المالكيَّة ومن وافقهم بأنَّ الصَّلاة في مسجده [4] تفضله بدون الأَلْف، قال ابن عبد البرِّ: لفظ «دون» يشمل الواحد،
ج2ص344
فيلزم أن تكون الصَّلاة في مسجد المدينة أفضل من الصَّلاة في مسجد مكَّة بتسع مئةٍ وتسعٍ [5] وتسعين صلاةً، وأوَّله بعضهم: على التَّساوي بين المسجدين، ورجَّحه ابن بطَّالٍ معلِّلًا بأنَّه لو كان مسجد مكَّة فاضلًا أو مفضولًا؛ لم يُعلم مقدار ذلك إلَّا بدليلٍ، بخلاف المساواة، وأُجِيبَ بأنَّ دليله قوله في حديث أحمد وابن حبَّان السَّابق: «وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من مئة صلاةٍ في هذا»، وكأنَّه لم يقف عليه، وهذا التَّضعيف يرجع إلى الثَّواب _كما مرَّ_ ولا يتعدَّى إلى الإجزاء بالاتِّفاق؛ كما نقله النَّوويُّ وغيره، وعليه يُحمَل قول أبي بكرٍ النَّقَّاش المفسِّر [6] في «تفسيره»: حسبت الصَّلاة بالمسجد [7] الحرام، فبلغتْ صلاةً واحدةً بالمسجد الحرام عمر خمس وخمسين سنة وستَّة أشهرٍ وعشرين ليلةً، وهذا مع قطع النَّظر عن التَّضعيف بالجماعة، فإنَّها تزيد سبعًا وعشرين درجةً؛ كما مرَّ، قال البدر بن الصَّاحب الآثاريُّ: إنَّ كلَّ صلاةٍ بالمسجد الحرام فُرادى بمئة ألف صلاةٍ [8]، وكلَّ صلاةٍ فيه جماعة ًبألفي ألف صلاةٍ وسبع مئة ألفِ صلاةٍ، والصَّلوات الخمس فيه بثلاثةَ عشرَ ألف ألفٍ وخمس [9] مئة ألف [10] صلاةٍ، وصلاةُ الرَّجل منفردًا في وطنه غير المسجدين المعظَّمين كلُّ مئةٍ سنةٌ شمسيَّةٌ بمئة ألفٍ وثمانين ألف صلاةٍ، وكلُّ ألف سنةٍ بألف ألف صلاةٍ وثمان مئة ألف صلاةٍ، فتلخَّص من هذا أنَّ صلاة واحدةً في المسجد الحرام جماعةً يفضل ثوابها على ثواب مَن صلَّى في بلده فرادى، حتَّى بلغ عمر نوحٍ بنحو الضِّعف [11]. انتهى. لكن هل يجتمع التَّضعيفان أو لا؟ محلُّ بحثٍ، وهل يدخل في التَّضعيف ما زيد في المسجد النَّبويِّ في زمن الخلفاء الرَّاشدين ومَن [12] بعدهم أم لا؟ إِنْ غلَّبْنا اسم الإشارة في قوله: «في [13] مسجدي هذا»؛ انحصر التَّضعيف، فيه ولم يعمَّ ما زيد فيه؛ لأنَّ التَّضعيف إنَّما ورد في مسجده، وقد أكَّده بقوله: «هذا»، وبذلك صرَّح [14] النَّوويُّ بخلاف المسجد الحرام، فإنَّه يعمُّ الحرم كلَّه كما مرَّ. واستُنبِطَ منه: تفضيل مكَّة على المدينة؛ لأنَّ الأمكنة تُشرَّف بفضل [15] العبادة فيها على غيرها ممَّا تكون العبادة فيه [16] مرجوحةً؛ وهو قول الجمهور، وحُكِيَ عن مالكٍ وابن وهبٍ ومُطرِّفٍ وابن حبيبٍ من أصحابه، لكنَّ المشهور عن مالكٍ وأكثر أصحابه تفضيل المدينة، وقد رجع عن هذا القول أكثر المنصفين [17] من المالكيَّة، واستثنى القاضي عياضٌ البقعة الَّتي دُفِنَ فيها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فحكى الاتِّفاق على أنَّها أفضل بقاع الأرض، بل قال ابن عقيلٍ الحنبليُّ: إنَّها أفضل من العرش.
ورواة هذا الحديث السِّتَّة مدنيُّون،إلَّا شيخ المؤلِّف، فأصله من دمشق، وهو من أفراده، وفيه التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، والقول، وأخرجه مسلمٌ في «المناسك»، والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ».
ج2ص345


[1] في (د): «سليمان»، وهو تحريفٌ.
[2] في (ب) و(س): «رفعه»، كذا في الفتح.
[3] في غير (د) و(س): «بألف»، وليس بصحيحٍ.
[4] في (ص) و(م): «مسجدي».
[5] «تسعٍ»: سقط من (ص) و(م).
[6] «المفسِّر»: ليس في (د).
[7] في (ب) و(س): «في المسجد».
[8] «صلاة»: ليست في (ص) و(م).
[9] في هامش (ص): (قوله: وخمس مئة صلاةٍ، كذا في النُّسخ، ولعلَّه سقط من قلم النُّسَّاخ لفظ «ألف» بعد «خمس مئة»؛ كما هو ظاهرٌ). انتهى. من خط عجمي.
[10] «ألف»: سقط في (ص) و(م).
[11] في (م): «التَّضعيف».
[12] «من»: ليس في (ص) و(م).
[13] «في»: مثبتٌ من (ص).
[14] في (ب) و(س): «قد صرَّح بذلك».
[15] في (ص): «بشرف».
[16] «فيه»: ليس في (ص) و(م).
[17] في (ب) و(د): «المصنفين»، كذا في الفتح.