إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام

1188- وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، ابن الحارث بن سَخْبَرة _بفتح المهملة وسكون المعجمة وفتح الموحَّدة_ الأزديُّ النَّمَريُّ _بفتح النُّون والميم_ الحوضيُّ البصريُّ، المتوفِّى سنة خمسٍ وعشرين ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج الواسطيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الْمَلِكِ) زاد أبو ذرٍّ والأَصيليِّ: ((ابن عميرٍ)) بالتَّصغير، القبطيُّ [1] كان له فرسٌ سابقٌ، يُعرَف بالقبطي، فَنُسِبَ إليه: الفرسي، ويقال له: القبطيُّ، ومن لا يدري: القرشي وليس كذلك، قاضي الكوفة بعد الشَّعبيِّ، المتوفَّى سنة ستٍّ وثلاثين ومئةٍ، وله مئة سنةٍ وثلاث سنين (عَنْ قَزَعَةَ) بالقاف والزَّاي والعين [2] المفتوحات وقد تسكن الزَّاي، ابن يحيى، ويقال: ابن الأسود البصريِّ، مولى زيادٍ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الأنصاريِّ الخدريِّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) قال [3]: (أَرْبَعًا) هي الآتية قريبًا في «باب مسجد بيت المقدس» [خ¦1197] كما قاله ابن رُشَيدٍ، وهي: «لا تسافر المرأة يومين إلَّا و [4]معها زوجها أو ذو محرمٍ، ولا صومَ في يومين: الفطر والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتَين؛ بعد الصُّبح حتَّى تطلع الشَّمس، وبعد العصر حتَّى تغرب، ولا تُشدُّ الرِّحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد» [5] (قَالَ: سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) قال قَزَعَة: (وَكَانَ) أبو سعيدٍ (غَزَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً) كذا اقتصر المؤلِّف على هذا القدر لقصد الإغماض؛ لينبِّه غير الحافظ على فائدة الحفظ؛ كما نبَّه عليه ابن رشيدٍ.
وفي هذا السَّند التَّحديث، والإخبار، والإفراد [6]، والسَّماع والقول، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرج حديثه المؤلِّف في «الصَّلاة ببيت المقدس» [خ¦1197] و«الحجِّ» [خ¦1864] و«الصَّوم» [خ¦1992]، ومسلمٌ في «المناسك» والتِّرمذيُّ في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ في «الصَّوم» وابن ماجه فيه وفي «الصَّلاة».
(ح) للتحويل من سند إلى آخر كما مرَّ.
1189- قال المؤلِّف: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: ((وحدَّثنا)) (عَلِيٌّ) هو ابن المدينيِّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ ابن شهابٍ (عَنْ سَعِيدٍ) بكسر العين، هو ابن المسيَّب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وليس هذان السَّندان للمتن التَّالي؛ لأنَّ حديث أبي سعيدٍ اشتمل على أربعة أشياء كما مرَّ، ومتن أبي هريرة هذا اقتصر على شدِّ الرِّحال فقط، حيث روى (عَنِ [7] النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة وفتح المعجمة، والرِّحال _بالمهملة_ جمع: رَحْلٍ للبعير؛ كالسَّرج للفرس؛ وهو أصغر من القتب، وشدُّه كنايةٌ عن السَّفر؛ لأنَّه لازم له، والتَّعبير بشدِّها خرج مخرج الغالب في ركوبها للمسافر، فلا فرق بين ركوب الرَّواحل وغيرها، والمشي في هذا المعنى، ويدلُّ لذلك قوله في بعض طرقه: «إنَّما يسافر...» أخرجه مسلمٌ، والنَّفي هنا بمعنى النَّهي، أي: لا تُشَدُّ الرِّحال إلى مسجدٍ للصَّلاة فيه (إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِد الْحَرَامِ) بمكَّة؛ بخفض دال «المسجدِ» بدلٌ من «ثلاثة»، أو بالرَّفع خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي المسجد الحرام، والتَّاليان عطفٌ عليه، والمراد هنا بـ «المسجد الحرام»: أرضُ الحرم كلِّها، قيل لعطاء فيما رواه الطَّيالسيُّ: هذا الفضل في المسجد وحده
ج2ص343
أو في الحرم؟ قال: بل في الحرم؛ لأنَّه كلُّه مسجدٌ (وَمَسْجِد الرَّسُولِ) محمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) بطيبة، عبَّر به دون مسجدي: للتَّعظيم أو هو من تصرُّف الرُّواة، وروى أحمد بإسنادٍ رواتُه رواة الصَّحيح [8] من حديث أنسٍ رفعه: «مَن صلَّى في مسجدي أربعين صلاةً لا تفوته صلاةٌ كُتِبَ [9] له براءةٌ من النَّار، وبراءةٌ من العذاب، وبراءةٌ من النِّفاق» (وَمَسْجِدِ الأَقْصَى) بيت [10] المقدس؛ وهو من إضافة الموصوف إلى الصِّفة عند الكوفيِّين، والبصريُّون يؤوِّلونه بإضمار المكان، أي: ومسجد المكان الأقصى، وسُمِّي به لبعده عن مسجد مكَّة في المسافة، أو لأنَّه لم يكن وراءه مسجدٌ، وقد بطل بما مرَّ من التَّقدير بـ: لا تُشَدُّ الرِّحال إلى مسجدٍ للصَّلاة فيه، المعتضدِ بحديث أبي سعيدٍ المرويِّ في «مسند أحمد» بإسنادٍ حسنٍ مرفوعًا: «لا ينبغي للمطيِّ [11] أن تُشدَّ رحاله إلى مسجدٍ تُبتَغى [12] فيه الصَّلاة غير المسجد الحرام، والأقصى، ومسجدي» هذا قول ابن تيمية، حيث منع من زيارة قبر [13] النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو من أبشع [14] المسائل المنقولة عنه، وقد أجاب عنه المحقِّقون من أصحابه أنَّه كَرِه اللَّفظ أدبًا، لا أصل الزِّيارة، فإنَّها من أفضل الأعمال، وأجلِّ القُرَب [15] الموصلة إلى ذي الجلال، وأنَّ مشروعيَّتها محلُّ إجماعٍ بلا نزاعٍ. انتهى [16]. فشدُّ الرِّحال [17] للزِّيارة أو نحوها؛ كطلب علمٍ ليس إلى المكان، بل إلى مَن فيه، وقد التبس ذلك على بعضهم، كما قاله المحقِّق التَّقيُّ السبكيُّ، فزعم أنَّ شدَّ الرِّحال [18] إلى الزِّيارة في غير الثَّلاثة داخلٌ في المنع، وهو خطأٌ؛ لأنَّ الاستثناء _كما مرَّ_ إنَّما يكون من جنس المستثنى منه؛ كما إذا قلت: ما رأيت إلَّا زيدًا؛ كان تقديره: ما رأيت رجلًا واحدًا إلَّا زيدًا، لا ما رأيت شيئًا أو حيوانًا إلَّا زيدًا، وقد استدلَّ بالحديث: على أنَّ من نذر إتيان أحد هذه المساجد لزمه ذلك، وبه قال مالكٌ وأحمد والشَّافعيُّ في «البويطيِّ»، واختاره أبو إسحاق المروزيُّ، وقال أبو حنيفة: لا يجب مطلقًا، وقال الشَّافعيُّ في «الأمِّ»: يجب في المسجد الحرام لتعلُّق النُّسُكِ به، بخلاف المسجدين الآخرين [19]، وهذا هو المنصوص لأصحابه، واستدلَّ به أيضًا: على أنَّ من نذر إتيان غير هذه الثَّلاثة لصلاةٍ أو غيرها لا يلزمه؛ لأنَّه لا فضل لبعضها على بعضٍ، فتكفي صلاته في أيِّ مسجدٍ كان، قال النَّوويُّ: لا اختلاف [20] فيه إلَّا ما رُوِيَ عن اللَّيث أنَّه قال: يجب الوفاء به، وعن الحنابلة روايةٌ: أنَّه يلزمه كفَّارة يمينٍ، ولا ينعقد نذره، وعن المالكيَّة روايةٌ [21]: إِن تعلَّقتْ به عبادةٌ تختصُّ [22] به كرباطٍ لزم [23]، وإلَّا فلا، وذُكر عن محمَّد بن مسلمة: أنَّه يلزم في مسجد قباء؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان يأتيه في [24] كلِّ سبتٍ. فإن قلت: ما المطابقة بين التَّرجمة والحديث؟ أُجِيبَ بأنَّه من التَّعبير بالرِّحلة إلى المساجد؛ لأنَّ المراد بالرِّحلة إليها: قصد الصَّلاة فيها؛ لأنَّ لفظ: «المساجد» يشعر بالصَّلاة.
وفي هذا السَّند الثَّاني التَّحديث، والعنعنة، والقول، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرج حديثَه هذا مسلمٌ وأبو داود في «الحجِّ» والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».
ج2ص344


[1] في هامش (ص): (قوله: «القبطيُّ»: كان له فرسٌ سابقٌ يُعرَف بالقبطيِّ؛فنُسِبَ إليه، فيقال له: الفرسيُّ، أي: بالفاء، ويقال له: القبطيُّ، ومن لا يدري يقول: القرشيُّ؛ بالقاف، وليس كذلك). انتهى. من «جامع الأصول».
[2] «العين»: ليس في (ص) و(م).
[3] «قال»: مثبتٌ من غير (د) و(م).
[4] «و»: ليس في (د).
[5] قوله: «وهي: لا تسافر المرأة يومين إلَّا... ولا تُشدُّ الرِّحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد»، سقط من (م).
[6] «والإفراد»: مثبتٌ من (د) و(س).
[7] في (د) و(م): «أنَّ».
[8] في سنده نبيط بن عمر ليس من رجال الصحيحين وفيه جهالة. انظر المسند (12583).
[9] في (ب) و(س): «كتبت»، وكذا في المسند.
[10] في (د) و(م): «ببيت».
[11] في (د): «المصلِّي».
[12] في (د): «يُبتغى»، كذا في المسند.
[13] «قبر»: مثبتٌ من (د) و(س).
[14] في (د): «أشنع».
[15] «وأجلِّ القرب»: سقط من (ص).
[16] في هامش (ص): (عبارة «الفتح»: ومن جملة ما استدلَّ به على دفع ما ادَّعاه غيره من الإجماع على مشروعيَّة زيارة قبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ما نُقِلَ عن مالكٍ: أنَّه كَرِهَ أن يقول: زرت قبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم»، وفي هامش (ص): «وقد أجاب عنه المحقِّقون من الصَّحابة: بأنَّه كَرِه اللَّفظ أدبًا، لا أصل الزِّيارة؛ فإنَّها من أفضل الأعمال، وأجلِّ القُرَب الموصلة إلى ذي الجلال، وإنَّ مشروعيَّتها محلُّ الإجماع بلا نزاعٍ، والله أعلم بالصَّواب). انتهى.
[17] في (م): «الرَّحل».
[18] في (م): «الرحل».
[19] في (د): «الأخيرين».
[20] زيد رفي (د): «ما».
[21] زيد في (س): «أنَّه».
[22] في (د): «تخصُّ».
[23] «لزم»: مثبتٌ من (د) و(س).
[24] «في»: مثبتٌ من (م).