إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت

1178- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزديُّ القصَّاب (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: ((حدَّثنا)) (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ) بفتح العين المهملة وتشديد الموحَّدة (الْجُرَيْرِيُّ) بضمِّ الجيم وفتح الرَّاء؛ نسبةً إلى جُرَير بن عُبَادٍ؛ بضمِّ العين وتخفيف الموحَّدة (هُوَ ابْنُ فَرُّوخٍ) بفتح الفاء وضمِّ الرَّاء المشدَّدة، آخره خاءٌ معجمةٌ، وذلك ساقطٌ عند أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ) بفتح النُّون وسكون الهاء (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي) صلى الله عليه وسلم الَّذي تخلَّلت محبَّته [1] قلبي فصارت [2] في خلاله، أي: في [3] باطنه، وقوله هذا لا يعارضه قولُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم [خ¦3654]: «لو كنت متَّخذًا خليلًا غير ربِّي لاتخذت أبا بكرٍ» لأنَّ الممتنع أن يتَّخذ هو عليه الصلاة والسلام غيره تعالى خليلًا، لا أنَّ غيره يتَّخذه هو (بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ) بضمِّ العين، أي: لا أتركهنَّ (حَتَّى) أي: إلى أَنْ (أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) البيض (مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) لتمرين النَّفس على جنس الصِّيام؛ ليدخل في واجبه بانشراحٍ، ويُثاب ثواب صوم الدَّهر بانضمام ذلك لصوم رمضان؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها، و«صومِ» بالجرِّ بدل من «ثلاثٍ» [4]، وبالرَّفع: خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي «صوم»، و«صلاةٍ» و«نومٍ» الَّتاليان معطوفان عليه، فيجُرَّان أو يُرفعان
ج2ص338
(وَصَلَاةِ الضُّحَى) في كلِّ يومٍ؛ كما رواه [5] أحمد، «ركعتين» كما يأتي في «الصِّيام» [خ¦1981] وهما أقلُّها، ويجزيان [6] عن الصَّدقة الَّتي تصبح على مفاصل الإنسان في كلِّ يومٍ؛ وهي ثلاث مئةٍ وستُّون مفصلًا كما في حديث مسلمٍ عن أبي ذَرٍّ، وقال فيه: «ويجزي [7] عن [8] ذلك ركعتا الضُّحى» (وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ) ليتمرَّن على جنس الصَّلاة في الضُّحى؛ كالوتر قبل النَّوم في المواظبة؛ إذ اللَّيل وقت الغفلة والكسل، فتطلب النَّفس فيه الرَّاحة، وقد رُوِيَ أنَّ أبا هريرة كان يختار درس الحديث باللَّيل على التَّهجُّد، فأمره بالضُّحى بدلًا من [9] قيام اللَّيل؛ ولهذا أمره عليه الصلاة والسلام: أن [10] لا ينام إلَّا على وترٍ، ولم يأمر بذلك أبا بكرٍ ولا عمر ولا غيرهما من الصَّحابة، لكن قد وردت وصيَّته عليه الصلاة والسلام بالثَّلاث أيضًا لأبي الدَّرداء كما عند مسلمٍ، ولأبي ذَرٍّ كما عند النَّسائيِّ، فقيل: خصَّهم بذلك؛ لكونهم فقراء لا مال لهم، فوصَّاهم بما يليق بهم؛ وهو الصَّوم والصَّلاة، وهما من أشرف العبادات البدنيَّة، فإن قلت: ما وجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة؟ أُجِيبَ بأنَّه يتناول حالتي الحضر والسَّفر، كما يدلُّ عليه قوله: لا [11] أدعهنَّ حتَّى أموت»، فحصل التَّطابق من أحد الجانبين، وهو الحضر، وذلك كافٍ في المطابقة [12]، وفي الحديث: استحباب تقديم الوتر على النَّوم، لكنَّه في حقِّ من لم يثق بالاستيقاظ، فأمَّا من وثق به فالتَّأخير أفضل؛ لحديث مسلمٍ: «من خاف ألَّا يقوم من آخر اللَّيل فليوتر [13] أوَّله، ومَن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر اللَّيل» فإن أوتر ثمَّ تهجَّد لم يعده؛ لحديث أبي داود، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ: «لا وتران في ليلةٍ».
ورواة حديث الباب بصريُّون إلَّا شعبة فإنَّه واسطيٌّ، وفيه التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّوم» [خ¦1981]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».
ج2ص339


[1] زيد في (د): «في».
[2] في (ب) و(س): «فصار».
[3] «في»: ليس في (ص) و(م).
[4] في (د): «بثلاثٍ».
[5] في غير (د): «زاده».
[6] في (س) و(ص): «يجزئان».
[7] في (س): «ويجزئ».
[8] في (ص) و(م): «من».
[9] في (د) و(ب) و(س): «عن».
[10] في (ب) و(س): «أنه».
[11] زيد في (د): «و».
[12] قوله: «فإن قلت: ما وجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة؟... وذلك كافٍ في المطابقة»، سقط من (م).
[13] زيد في (د): «من».