متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

الفصل الأوَّل:

في فضيلة أهل الحديث وشرفهم في القديم والحديث

أقول مستمدًّا من الله تعالى الإعانة على التَّوفيق للإيضاح والإبانة:

رُوِينا عن ابن مسعودٍ [/ج1ص3/] رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضَّر اللهُ امرءًا سمع مقالتي، فحفظها ووعاها وأدَّاها، فَرُبَّ حامل فقهٍ إلى مَنْ هو أفقه منه»، رواه الشَّافعيُّ والبيهقيُّ، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ بلفظ: «نضَّر اللهُ امرءًا سمع منَّا شيئًا فبلَّغه كما سمعه، فَرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامعٍ»، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ، وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال في حجَّة الوداع: «نضَّر اللهُ امرءًا سمع مقالتي، فوعاها، فَرُبَّ حامل فقهٍ ليس بفقيهٍ» الحديث، رواه البزَّار بإسنادٍ حسنٍ، وابن حبَّان في «صحيحه» من حديث زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه، وكذا رُوِي من حديث معاذ بن جبلٍ والنُّعمان بن بشيرٍ وجُبير بن مُطعمٍ وأبي الدَّرداء وأبي قِرصافة، وغيرهم من الصَّحابة رضي الله عنهم، وبعض أسانيدهم صحيحٌ، كما قاله المنذريُّ، وقوله: «نضَّر الله»؛ بتشديد الضَّاد المُعجمَة وتُخفَّف، والنُّضْرة: الحُسْن والرَّونق، والمعنى: خصَّه الله تعالى بالبهجة والسُّرور؛ لأنَّه سعى في نَضارة العلم وتجديد السُّنَّة، فجازاه في دعائه له بما يُناسب حالَه في المُعامَلة. وأيضًا: فإنَّ مَنْ حفظ ما سمعه وأدَّاه كما سمعه من غير تغييرٍ؛ كأنَّه جعل المعنى غضًّا طريًّا [1] ، وخُصَّ الفقه بالذِّكر دون العلم؛ إيذانًا بأنَّ الحامل غيرُ عارٍ عن العلم، إذ الفقه علمٌ بدقائق العلوم المُستنبَطة من الأقيسة، ولو قال: غير عالم؛ لزم جهله وقوله: «رُبَّ»؛ وُضِعَت للتَّقليل، فاستُعيرَت في الحديث للتَّكثير، وقوله: «إلى من هو أفقه منه» صفةٌ لمدخول رُبَّ، استُغنِي بها عن جوابها؛ أي: رُبَّ حامل فقهٍ أدَّاه إلى مَنْ هو أفقه منه لا يفقه ما يفقهه المحمول إليه، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهمَّ ارحم خلفائي»، قلنا: يا رسول الله، ومَنْ خلفاؤك؟ قال: «الذين يروون أحاديثي ويعلِّمونها النَّاس»، رواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط»، ولا ريبَ أنَّ أداء السُّنن إلى المسلمين نصيحةً لهم مِن وظائف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فمن قام بذلك؛ كان خليفةً لمن يبلِّغ عنه، وكما لا يليق بالأنبياء عليهم السَّلام أن يهملوا أعاديهم ولا ينصحوهم، كذلك لا يحسن بطالب الحديث وناقل السُّنن أن يمنحها صديقه ويمنعها عدوَّه، فعلى العالم بالسُّنَّة أن يجعل أكبرَ همِّه نشرَ الحديث، فقد أمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالتَّبليغ عنه، حيث قال: «بلِّغوا عنِّي ولو آيةً...» الحديث، رواه البخاريُّ رحمه الله، قال المظهريُّ: أي: بلِّغوا عنِّي أحاديثي ولو كانت قليلةً. قال البيضاويُّ رحمه الله: قال: «ولو آيةً» ولم يقل: ولو حديثًا؛ لأنَّ الأمر بتبليغِ الحديثِ يُفهَم منه بطريق الأولويَّة، فإنَّ الآياتِ مع انتشارها وكثرةِ حَمَلَتِها، تكفَّل الله تعالى بحفظها وصونها عن الضَّياع والتَّحريف. انتهىَ.

وقال إمام الأئمَّة مالكٌ رحمه الله تعالى: بلغني أنَّ العلماء يُسأَلون يوم القيامة عن تبليغهم العلم كما يُسأُل الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام، وقال سفيان الثَّوريُّ: لا أعلم عملًا أفضل من علم [2] الحديث لمن أراد به وجه الله تعالى، إنَّ النَّاس يحتاجون إليه حتَّى في طعامهم وشرابهم، فهو أفضل من التَّطوُّع بالصَّلاة والصِّيام؛ لأنَّه فرض كفايةٍ، وفي حديث أسامة بن زيدٍ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «يحمل هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدُولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين». وهذا الحديث رواه من الصَّحابة عليٌّ وابن عمر وابن عمروٍ وابن مسعودٍ وابن عبَّاسٍ وجابر بن سَمُرة ومعاذٌ وأبو أُمامة وأبو هريرة رضي الله عنهم، وأورده ابن عديٍّ من طرقٍ كثيرةٍ كلُّها ضعيفةٌ، كما صرَّح به الدَّارقطنيُّ وأبو نُعيمٍ وابن عبد البرِّ، لكن يمكن أن يتقوَّى بتعدُّد طرقه، ويكون حسنًا كما جزم به ابن كيكلدي العلائيُّ، وفيه تخصيص حملة السُّنَّة بهذه المَنْقَبَة العليَّة، وتعظيمٌ لهذه الأمَّة المحمَّديَّة، وبيانٌ لجلالة قدر المحدِّثين، وعلوِّ مرتبتهم في العالمين؛ لأنَّهم يحمون مشارع الشَّريعة ومتون الرِّوايات من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين؛ بنقل النُّصوص المُحكَمة؛ لردِّ المتشابه إليها.

وقال النَّوويُّ في أوَّل «تهذيبه»: هذا إخبارٌ منه صلى الله عليه وسلم بصيانة هذا العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وأنَّ الله تعالى يوفِّق له في كلِّ عصرٍ خَلَفًا من العُدُول يحملونه، وينفون عنه التَّحريف فلا يضيع، وهذا تصريحٌ بعدالة حامليه في كلِّ عصرٍ. وهكذا وقع [/ج1ص4/] ولله الحمد، وهو من أعلام النُّبوَّة، ولا يضرُّ كون بعض الفسَّاق يعرف شيئًا من علم الحديث؛ فإنَّ الحديث إنَّما هو إخبارٌ بأنَّ العدول يحملونه، لا أنَّ غيرهم لا يعرف شيئًا منه. انتهىَ.

على أنَّه قد يُقال: ما يعرفه الفسَّاق من العلم ليس بعلمٍ حقيقةً؛ لعدم عملهم، كما أشار إليه المولى سعد الدِّين التَّفتازانيُّ في تقرير قول «التَّلخيص»: وقد ينزَّل العالم منزلة الجاهل، وصرَّح به الإمام الشَّافعيُّ في قوله: ولا العلم إلَّا مع التُّقى، ولا العقل إلَّا مع الأدب، ولَعَمْري إنَّ هذا الشَّأن من أقوى أركان الدِّين، وأوثق عُرى اليقين، لا يَرْغَبُ في نشره إلَّا صادقٌ تقيٌّ، ولا يَزْهَدُه إلَّا كلُّ منافقٍ شقيٍّ، قال ابن القطَّان: ليس في الدُّنيا مبتدعٌ إلَّا وهو يُبغض أهل الحديث، وقال الحاكم: لولا كثرة طائفة المحدِّثين على حفظ الأسانيد؛ لَدرس منار الإسلام، ولتمكَّن أهل الإلحاد والمبتدعة من وضع الأحاديث وقلب الأسانيد.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «العلم ثلاثةٌ: آيةٌ مُحكمَةٌ أو سُنَّةٌ قائمةٌ، أو فريضةٌ عادلةٌ، وما سوى ذلك فهو فضلٌ»، رواه أبو داود وابن ماجه، قال في «شرح المشكاة»: والتَّعريف في «العلم» للعهد، وهو ما عُلِمَ من الشَّارع، وهو العلم النَّافع في الدِّين، وحينئذٍ العلم مطلقٌ، فينبغي تقييده بما يُفهَم منه المقصود، فيُقال: علم الشَّريعة معرفة ثلاثة أشياء، والتَّقسيم حاصرٌ، وبيانه: أن قوله: «آيةٌ محكمةٌ» يشتمل على معرفة كتاب الله تعالى وما يتوقَّف عليه معرفته؛ لأنَّ المُحكَمة هي التي أُحكِمت عبارتُها، بأن حُفِظت من الاحتمال والاشتباه، فكانت أمَّ الكتاب، فتُحمَل المتشابهات عليها وتُردُّ إليها، ولا يتمُّ ذلك إلَّا للماهر الحاذق في علم التَّفسير والتَّأويل، الحاوي لمقدِّماتٍ يُفتقَر إليها من الأصلين وأقسام العربيَّة، وقوله: «سُنَّةٌ قائمةٌ»؛ معنى قيامها: ثَباتُها ودوامُها بالمُحافَظَة عليها، مِنْ قامت السُّوق: إذا نَفَقَت؛ لأنَّها إذا حُوفِظ عليها كانت كالشَّيء النَّافق الذي تتوجَّه إليه الرَّغبات، ويتنافس فيه المحصِّلون [3] بالطَّلبات، ودوامُها: إمَّا أن يكون بحفظ أسانيدها من معرفة أسماء الرِّجال، والجرح والتعديل، ومعرفة الأقسام مِنَ الصَّحيح، والحسن، والضَّعيف المتشعِّب منه أنواعٌ كثيرةٌ، وما يتَّصل بها من المتمِّمات ممَّا يُسمَّى علمُ الاصطلاح، ممَّا يأتي في الفصل الثَّالث إن شاء الله تعالى، وإما أن يكون بحفظ متونها من التَّغيير والتَّبديل؛ بالإتقان وتفهُّم معانيها واستنباط العلوم منها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى [4] في هذا الشَّرح بعون الله سبحانه؛ لأنَّ جُلَّها، بل كلَّها من جوامع كَلِمِهِ التي اختُصَّ بها، لا سيَّما هذه الكلمة الفاذَّة الجامعة _ مع قِصَر متنها وقُرْب طرقها_ علومَ الأوَّلين والآخرين، وقوله: «أو فريضةٌ عادلةٌ»؛ أي: مستقيمةٌ مُستَنبَطَةٌ من الكتاب والسُّنَّة والإجماع، وقوله: «وما سوى ذلك؛ فهو فضلٌ»؛ أي: لا مدخل له في أصل علوم الدِّين، بل ربَّما يُستعاذ منه حينًا، كقوله: «أعوذ بك من علمٍ لا ينفع»، ولله دَرُّ أبي بكرٍ حميدٍ القرطبيِّ، فلقد أحسن وأجاد حيث قال رحمه الله: [من البسيط]

~ نور الحديث مُبينٌ فادْن واقتبسِ واحْدُ الرِّكابَ له نحو الرِّضا النَّدِسِ [5]

~ واطلبه بالصِّين فهْو العلم إن رُفِعَتْ أعلامُه بِرُباها يا بن أندلسِ

~ فلا تُضِعْ في سوى تقييد شارده عُمْرًا يفوتك بين اللَّحْظ والنَّفَسِ

~ وَخَلِّ سمعَك عن بلوى أخي جَدَلٍ شُغْل اللَّبيب بها ضَرْبٌ من الهَوَسِ

~ ما إنْ سمتْ بأبي بكرٍ ولا عمرٍ ولا أتتْ عن أبي هِرٍّ ولا أَنَسِ

~ إلَّا هوًى وخصوماتٌ ملفَّقةٌ ليست برطْبٍ إذا عَدَتْ ولا يَبَسِ

~ فلا يغرَّك من أربابها هذرٌ أجدى وجدُّك منها نغمة الجرس

~ أَعِرْهُمُ أُذُنًا صُمًّا إذا نطقوا وكُنْ إذا سألوا تُعزَى إلى خَرَسِ [6]

~ ما العلم إلَّا كتاب الله أو أَثَرٌ يجلو بنور هداه كلُّ ملتبسِ

~ نورٍ لُمقتبِسٍ، خيرٌ لُملتمِسٍ حمّى لمُحترِسٍ، نُعْمَى لمبتئِسِ [/ج1ص5/]

~ فاعكف ببابهما على طلابهما تمحو العمى بهما عن كلِّ ملتمِسِ [7]

~ وَرِدْ بقلبك عَذْبًا من حياضهما تغسل بماء الهدى ما فيه من دنَسِ

~ واقْفُ النَّبيَّ وأتباع النَّبيِّ وكُنْ من هديهم أبدًا تدنو إلى قَبَسِ

~ والزم مجالسهم واحفظ محاسنهم واندب مدارسهم بالأربع الدَّرسِ

~ واسلك طريقهمُ واتْبعْ فريقهمُ تكن رفيقهمُ في حضـْرة القُدُسِ

~ تِلك السَّعادة إن تلمم بساحتها فَحُطَّ رَحْلكَ قد عُوفِيت من تَعَسِ

ومن شرف أهل الحديث ما رويناه من حديث عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أولى النَّاس بي يوم القيامة أكثرُهم عليَّ صلاةً»، قال التِّرمذيُّ: حديثٌ [8] حسنٌ غريبٌ، وفي سنده موسى بن يعقوب الزَّمعيُّ، قال الدَّارقطنيُّ: إنَّه تفرَّد به، وقال ابن حِبَّان في «صحيحه»: في هذا الحديث بيانٌ صحيحٌ على أنَّ أولى النَّاس برسول الله صلى الله عليه وسلم في القيامة أصحابُ الحديث؛ إذ ليس من هذه الأمَّة قومٌ أكثر صلاةً عليه منهم. وقال غيره: المخصوص بهذا الحديث نقلة الأخبار الذين يكتبون الأحاديث، ويذبُّون عنها الكذب آناء اللَّيل وأطراف النَّهار، وقال الخطيب في كتابه «شرف أصحاب الحديث»: قال لنا أبو نُعيمٍ: هذه مَنقَبةٌ شريفةٌ يختصّ بها رواة الآثار ونقلتها؛ لأنَّه لا يُعرَف لِعصابةٍ من العلماء من الصَّلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما يُعرَف لهذه العِصابة نسخًا وذكرًا، وقال أبو اليُمْن بن عساكرَ: لِيَهْنَ أهل الحديث كثَّرهم الله تعالى هذه البشرى، فقد أتمَّ الله [9] تعالى نِعَمَه عليهم بهذه الفضيلة الكبرى، فإنَّهم أولى النَّاس بنبيِّهم صلى الله عليه وسلم، وأقربهم _ إن شاء الله تعالى_ وسيلةً يوم القيامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنَّهم يخلِّدون ذكره في طروسهم، ويجدِّدون الصَّلاة والتَّسليم عليه في معظم الأوقات في مجالس مذاكرتهم وتحديثهم ودروسهم، فهم _إن شاء الله تعالى_ الفِرقةُ النَّاجية، جعلنا الله تعالى منهم، وحشرنا في زمرتهم، آمين.

[1] في (م): «رطبًا».
[2] في (د) و (م): «طلب».
[3] في غير (م): «المخلصون».
[4] سقط من (ص) قوله: منها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
[5] في (د): «القدس»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمثبت.
[6] سقط من (ص) قوله: «أَعِرْهُمُ أُذُنًا... تُعزَى إلى خَرَسِ».
[7] سقط من (ص) قوله: «فاعكف... عن كلِّ ملتمِسِ».
[8] «حديث»: مثبتٌ من (ص).
[9] اسم الجلالة ليس في (ص) و (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

الفصل الأوَّل:

في فضيلة أهل الحديث وشرفهم في القديم والحديث

أقول مستمدًّا من الله تعالى الإعانة على التَّوفيق للإيضاح والإبانة:

رُوِينا عن ابن مسعودٍ [/ج1ص3/] رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضَّر اللهُ امرءًا سمع مقالتي، فحفظها ووعاها وأدَّاها، فَرُبَّ حامل فقهٍ إلى مَنْ هو أفقه منه»، رواه الشَّافعيُّ والبيهقيُّ، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ بلفظ: «نضَّر اللهُ امرءًا سمع منَّا شيئًا فبلَّغه كما سمعه، فَرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامعٍ»، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ، وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال في حجَّة الوداع: «نضَّر اللهُ امرءًا سمع مقالتي، فوعاها، فَرُبَّ حامل فقهٍ ليس بفقيهٍ» الحديث، رواه البزَّار بإسنادٍ حسنٍ، وابن حبَّان في «صحيحه» من حديث زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه، وكذا رُوِي من حديث معاذ بن جبلٍ والنُّعمان بن بشيرٍ وجُبير بن مُطعمٍ وأبي الدَّرداء وأبي قِرصافة، وغيرهم من الصَّحابة رضي الله عنهم، وبعض أسانيدهم صحيحٌ، كما قاله المنذريُّ، وقوله: «نضَّر الله»؛ بتشديد الضَّاد المُعجمَة وتُخفَّف، والنُّضْرة: الحُسْن والرَّونق، والمعنى: خصَّه الله تعالى بالبهجة والسُّرور؛ لأنَّه سعى في نَضارة العلم وتجديد السُّنَّة، فجازاه في دعائه له بما يُناسب حالَه في المُعامَلة. وأيضًا: فإنَّ مَنْ حفظ ما سمعه وأدَّاه كما سمعه من غير تغييرٍ؛ كأنَّه جعل المعنى غضًّا طريًّا [1] ، وخُصَّ الفقه بالذِّكر دون العلم؛ إيذانًا بأنَّ الحامل غيرُ عارٍ عن العلم، إذ الفقه علمٌ بدقائق العلوم المُستنبَطة من الأقيسة، ولو قال: غير عالم؛ لزم جهله وقوله: «رُبَّ»؛ وُضِعَت للتَّقليل، فاستُعيرَت في الحديث للتَّكثير، وقوله: «إلى من هو أفقه منه» صفةٌ لمدخول رُبَّ، استُغنِي بها عن جوابها؛ أي: رُبَّ حامل فقهٍ أدَّاه إلى مَنْ هو أفقه منه لا يفقه ما يفقهه المحمول إليه، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهمَّ ارحم خلفائي»، قلنا: يا رسول الله، ومَنْ خلفاؤك؟ قال: «الذين يروون أحاديثي ويعلِّمونها النَّاس»، رواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط»، ولا ريبَ أنَّ أداء السُّنن إلى المسلمين نصيحةً لهم مِن وظائف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فمن قام بذلك؛ كان خليفةً لمن يبلِّغ عنه، وكما لا يليق بالأنبياء عليهم السَّلام أن يهملوا أعاديهم ولا ينصحوهم، كذلك لا يحسن بطالب الحديث وناقل السُّنن أن يمنحها صديقه ويمنعها عدوَّه، فعلى العالم بالسُّنَّة أن يجعل أكبرَ همِّه نشرَ الحديث، فقد أمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالتَّبليغ عنه، حيث قال: «بلِّغوا عنِّي ولو آيةً...» الحديث، رواه البخاريُّ رحمه الله، قال المظهريُّ: أي: بلِّغوا عنِّي أحاديثي ولو كانت قليلةً. قال البيضاويُّ رحمه الله: قال: «ولو آيةً» ولم يقل: ولو حديثًا؛ لأنَّ الأمر بتبليغِ الحديثِ يُفهَم منه بطريق الأولويَّة، فإنَّ الآياتِ مع انتشارها وكثرةِ حَمَلَتِها، تكفَّل الله تعالى بحفظها وصونها عن الضَّياع والتَّحريف. انتهىَ.

وقال إمام الأئمَّة مالكٌ رحمه الله تعالى: بلغني أنَّ العلماء يُسأَلون يوم القيامة عن تبليغهم العلم كما يُسأُل الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام، وقال سفيان الثَّوريُّ: لا أعلم عملًا أفضل من علم [2] الحديث لمن أراد به وجه الله تعالى، إنَّ النَّاس يحتاجون إليه حتَّى في طعامهم وشرابهم، فهو أفضل من التَّطوُّع بالصَّلاة والصِّيام؛ لأنَّه فرض كفايةٍ، وفي حديث أسامة بن زيدٍ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «يحمل هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدُولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين». وهذا الحديث رواه من الصَّحابة عليٌّ وابن عمر وابن عمروٍ وابن مسعودٍ وابن عبَّاسٍ وجابر بن سَمُرة ومعاذٌ وأبو أُمامة وأبو هريرة رضي الله عنهم، وأورده ابن عديٍّ من طرقٍ كثيرةٍ كلُّها ضعيفةٌ، كما صرَّح به الدَّارقطنيُّ وأبو نُعيمٍ وابن عبد البرِّ، لكن يمكن أن يتقوَّى بتعدُّد طرقه، ويكون حسنًا كما جزم به ابن كيكلدي العلائيُّ، وفيه تخصيص حملة السُّنَّة بهذه المَنْقَبَة العليَّة، وتعظيمٌ لهذه الأمَّة المحمَّديَّة، وبيانٌ لجلالة قدر المحدِّثين، وعلوِّ مرتبتهم في العالمين؛ لأنَّهم يحمون مشارع الشَّريعة ومتون الرِّوايات من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين؛ بنقل النُّصوص المُحكَمة؛ لردِّ المتشابه إليها.

وقال النَّوويُّ في أوَّل «تهذيبه»: هذا إخبارٌ منه صلى الله عليه وسلم بصيانة هذا العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وأنَّ الله تعالى يوفِّق له في كلِّ عصرٍ خَلَفًا من العُدُول يحملونه، وينفون عنه التَّحريف فلا يضيع، وهذا تصريحٌ بعدالة حامليه في كلِّ عصرٍ. وهكذا وقع [/ج1ص4/] ولله الحمد، وهو من أعلام النُّبوَّة، ولا يضرُّ كون بعض الفسَّاق يعرف شيئًا من علم الحديث؛ فإنَّ الحديث إنَّما هو إخبارٌ بأنَّ العدول يحملونه، لا أنَّ غيرهم لا يعرف شيئًا منه. انتهىَ.

على أنَّه قد يُقال: ما يعرفه الفسَّاق من العلم ليس بعلمٍ حقيقةً؛ لعدم عملهم، كما أشار إليه المولى سعد الدِّين التَّفتازانيُّ في تقرير قول «التَّلخيص»: وقد ينزَّل العالم منزلة الجاهل، وصرَّح به الإمام الشَّافعيُّ في قوله: ولا العلم إلَّا مع التُّقى، ولا العقل إلَّا مع الأدب، ولَعَمْري إنَّ هذا الشَّأن من أقوى أركان الدِّين، وأوثق عُرى اليقين، لا يَرْغَبُ في نشره إلَّا صادقٌ تقيٌّ، ولا يَزْهَدُه إلَّا كلُّ منافقٍ شقيٍّ، قال ابن القطَّان: ليس في الدُّنيا مبتدعٌ إلَّا وهو يُبغض أهل الحديث، وقال الحاكم: لولا كثرة طائفة المحدِّثين على حفظ الأسانيد؛ لَدرس منار الإسلام، ولتمكَّن أهل الإلحاد والمبتدعة من وضع الأحاديث وقلب الأسانيد.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «العلم ثلاثةٌ: آيةٌ مُحكمَةٌ أو سُنَّةٌ قائمةٌ، أو فريضةٌ عادلةٌ، وما سوى ذلك فهو فضلٌ»، رواه أبو داود وابن ماجه، قال في «شرح المشكاة»: والتَّعريف في «العلم» للعهد، وهو ما عُلِمَ من الشَّارع، وهو العلم النَّافع في الدِّين، وحينئذٍ العلم مطلقٌ، فينبغي تقييده بما يُفهَم منه المقصود، فيُقال: علم الشَّريعة معرفة ثلاثة أشياء، والتَّقسيم حاصرٌ، وبيانه: أن قوله: «آيةٌ محكمةٌ» يشتمل على معرفة كتاب الله تعالى وما يتوقَّف عليه معرفته؛ لأنَّ المُحكَمة هي التي أُحكِمت عبارتُها، بأن حُفِظت من الاحتمال والاشتباه، فكانت أمَّ الكتاب، فتُحمَل المتشابهات عليها وتُردُّ إليها، ولا يتمُّ ذلك إلَّا للماهر الحاذق في علم التَّفسير والتَّأويل، الحاوي لمقدِّماتٍ يُفتقَر إليها من الأصلين وأقسام العربيَّة، وقوله: «سُنَّةٌ قائمةٌ»؛ معنى قيامها: ثَباتُها ودوامُها بالمُحافَظَة عليها، مِنْ قامت السُّوق: إذا نَفَقَت؛ لأنَّها إذا حُوفِظ عليها كانت كالشَّيء النَّافق الذي تتوجَّه إليه الرَّغبات، ويتنافس فيه المحصِّلون [3] بالطَّلبات، ودوامُها: إمَّا أن يكون بحفظ أسانيدها من معرفة أسماء الرِّجال، والجرح والتعديل، ومعرفة الأقسام مِنَ الصَّحيح، والحسن، والضَّعيف المتشعِّب منه أنواعٌ كثيرةٌ، وما يتَّصل بها من المتمِّمات ممَّا يُسمَّى علمُ الاصطلاح، ممَّا يأتي في الفصل الثَّالث إن شاء الله تعالى، وإما أن يكون بحفظ متونها من التَّغيير والتَّبديل؛ بالإتقان وتفهُّم معانيها واستنباط العلوم منها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى [4] في هذا الشَّرح بعون الله سبحانه؛ لأنَّ جُلَّها، بل كلَّها من جوامع كَلِمِهِ التي اختُصَّ بها، لا سيَّما هذه الكلمة الفاذَّة الجامعة _ مع قِصَر متنها وقُرْب طرقها_ علومَ الأوَّلين والآخرين، وقوله: «أو فريضةٌ عادلةٌ»؛ أي: مستقيمةٌ مُستَنبَطَةٌ من الكتاب والسُّنَّة والإجماع، وقوله: «وما سوى ذلك؛ فهو فضلٌ»؛ أي: لا مدخل له في أصل علوم الدِّين، بل ربَّما يُستعاذ منه حينًا، كقوله: «أعوذ بك من علمٍ لا ينفع»، ولله دَرُّ أبي بكرٍ حميدٍ القرطبيِّ، فلقد أحسن وأجاد حيث قال رحمه الله: [من البسيط]

~ نور الحديث مُبينٌ فادْن واقتبسِ واحْدُ الرِّكابَ له نحو الرِّضا النَّدِسِ [5]

~ واطلبه بالصِّين فهْو العلم إن رُفِعَتْ أعلامُه بِرُباها يا بن أندلسِ

~ فلا تُضِعْ في سوى تقييد شارده عُمْرًا يفوتك بين اللَّحْظ والنَّفَسِ

~ وَخَلِّ سمعَك عن بلوى أخي جَدَلٍ شُغْل اللَّبيب بها ضَرْبٌ من الهَوَسِ

~ ما إنْ سمتْ بأبي بكرٍ ولا عمرٍ ولا أتتْ عن أبي هِرٍّ ولا أَنَسِ

~ إلَّا هوًى وخصوماتٌ ملفَّقةٌ ليست برطْبٍ إذا عَدَتْ ولا يَبَسِ

~ فلا يغرَّك من أربابها هذرٌ أجدى وجدُّك منها نغمة الجرس

~ أَعِرْهُمُ أُذُنًا صُمًّا إذا نطقوا وكُنْ إذا سألوا تُعزَى إلى خَرَسِ [6]

~ ما العلم إلَّا كتاب الله أو أَثَرٌ يجلو بنور هداه كلُّ ملتبسِ

~ نورٍ لُمقتبِسٍ، خيرٌ لُملتمِسٍ حمّى لمُحترِسٍ، نُعْمَى لمبتئِسِ [/ج1ص5/]

~ فاعكف ببابهما على طلابهما تمحو العمى بهما عن كلِّ ملتمِسِ [7]

~ وَرِدْ بقلبك عَذْبًا من حياضهما تغسل بماء الهدى ما فيه من دنَسِ

~ واقْفُ النَّبيَّ وأتباع النَّبيِّ وكُنْ من هديهم أبدًا تدنو إلى قَبَسِ

~ والزم مجالسهم واحفظ محاسنهم واندب مدارسهم بالأربع الدَّرسِ

~ واسلك طريقهمُ واتْبعْ فريقهمُ تكن رفيقهمُ في حضـْرة القُدُسِ

~ تِلك السَّعادة إن تلمم بساحتها فَحُطَّ رَحْلكَ قد عُوفِيت من تَعَسِ

ومن شرف أهل الحديث ما رويناه من حديث عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أولى النَّاس بي يوم القيامة أكثرُهم عليَّ صلاةً»، قال التِّرمذيُّ: حديثٌ [8] حسنٌ غريبٌ، وفي سنده موسى بن يعقوب الزَّمعيُّ، قال الدَّارقطنيُّ: إنَّه تفرَّد به، وقال ابن حِبَّان في «صحيحه»: في هذا الحديث بيانٌ صحيحٌ على أنَّ أولى النَّاس برسول الله صلى الله عليه وسلم في القيامة أصحابُ الحديث؛ إذ ليس من هذه الأمَّة قومٌ أكثر صلاةً عليه منهم. وقال غيره: المخصوص بهذا الحديث نقلة الأخبار الذين يكتبون الأحاديث، ويذبُّون عنها الكذب آناء اللَّيل وأطراف النَّهار، وقال الخطيب في كتابه «شرف أصحاب الحديث»: قال لنا أبو نُعيمٍ: هذه مَنقَبةٌ شريفةٌ يختصّ بها رواة الآثار ونقلتها؛ لأنَّه لا يُعرَف لِعصابةٍ من العلماء من الصَّلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما يُعرَف لهذه العِصابة نسخًا وذكرًا، وقال أبو اليُمْن بن عساكرَ: لِيَهْنَ أهل الحديث كثَّرهم الله تعالى هذه البشرى، فقد أتمَّ الله [9] تعالى نِعَمَه عليهم بهذه الفضيلة الكبرى، فإنَّهم أولى النَّاس بنبيِّهم صلى الله عليه وسلم، وأقربهم _ إن شاء الله تعالى_ وسيلةً يوم القيامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنَّهم يخلِّدون ذكره في طروسهم، ويجدِّدون الصَّلاة والتَّسليم عليه في معظم الأوقات في مجالس مذاكرتهم وتحديثهم ودروسهم، فهم _إن شاء الله تعالى_ الفِرقةُ النَّاجية، جعلنا الله تعالى منهم، وحشرنا في زمرتهم، آمين.

[1] في (م): «رطبًا».
[2] في (د) و (م): «طلب».
[3] في غير (م): «المخلصون».
[4] سقط من (ص) قوله: منها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
[5] في (د): «القدس»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمثبت.
[6] سقط من (ص) قوله: «أَعِرْهُمُ أُذُنًا... تُعزَى إلى خَرَسِ».
[7] سقط من (ص) قوله: «فاعكف... عن كلِّ ملتمِسِ».
[8] «حديث»: مثبتٌ من (ص).
[9] اسم الجلالة ليس في (ص) و (م).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة