إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث أبي سفيان: أنَّ هرقل أرسل إليه في ركب من قريش

ولمَّا فرغ من بدء الوحي شرع يذكر جملةً من أوصاف المُوحَى إليه، فقال ممَّا رويناه [1] بالسَّند السَّابق:
7 # (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وتخفيف الميم، واسمه: (الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ) بفتح الحاء المُهملَة والكاف، الحمصيُّ البهرانيُّ، مولى امرأةٍ من بَهراء _بفتح المُوحَّدة_ المُتوفَّى سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومئتين، وللأَصيليِّ وكريمة وأبي ذَرٍّ وابن عساكرَ في نسخةٍ: ((حدَّثنا الحكم بن نافع)) (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة _بالحاء المُهملَة والزَّاي_ دينارٌ القرشيُّ
ج1ص72
الأمويُّ مولاهم أبو بشرٍ، المُتوفَّى سنة اثنتين أو ثلاثٍ وستِّين ومئةٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ) بفتح الهمزة (عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَخْبَرَهُ أَنَّ) بفتح الهمزة (أَبَا سُفْيَانَ) _بتثليث السِّين_ يُكْنَى: أبا حنظلةَ، واسمه: صخرٌ بالمُهملَة ثمَّ المُعجمَة (ابْنَ حَرْبٍ) بالمُهملَة والرَّاء ثمَّ المُوحَّدة، ابن أميَّة، وُلِدَ قبل الفيل بعشر سنين، وأسلم ليلة الفتح، وشهد الطَّائف وحُنينًا، وفُقِئَتْ عينُه في الأولى، والأخرى يوم اليرموك، وتُوفِّي بالمدينة سنة إحدى أو أربعٍ وثلاثين وهو ابن ثمانٍ وثمانين سنةً، وصلَّى عليه عثمان رضي الله عنهما (أَخْبَرَهُ أَنَّ) أي: بأنَّ (هِرَقْلَ) بكسر الهاء وفتح الرَّاء؛ كدِمَشْق، وهو غير منصرفٍ للعجمة والعلميَّة، وحُكِيَ فيه: هِرْقِل؛ بسكون الرَّاء وكسر القاف؛ كخِنْدِف، والأوَّل: هو المتقرِّر الأشهر، والثَّاني: حكاه الجوهريُّ وغيره، واقتصر عليه صاحب «الموعب» والقزاز، ولقبه: قيصر، قاله الشَّافعيُّ، وهو أوَّل من ضرب الدَّنانير، ومَلَكَ الرُّومَ إحدى وثلاثين سنةً، وفي ملكه تُوفِّي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (أَرْسَلَ إِلَيْهِ) أي: إلى أبي سفيان حال كونه (فِي) أي: مع (رَكْبٍ) جمع راكبٍ؛ كصَحْبٍ جمعُ صاحبٍ؛ وهم أولو الإبل العشرة فما فوقها (مِنْ قُرَيْشٍ) صفةٌ لـ «رَكْب»، وحرف الجرِّ لبيان الجنس أو للتَّبعيض، وكان عدد الرَّكْب ثلاثين رجلًا؛ كما عند الحاكم في «الإكليل»، وعند ابن السَّكن: نحوٌ من عشرين، وعند ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ إلى سعيد بن المسيَّب: أنَّ المغيرة بن شعبة منهم، واعترضه الإمام البلقينيُّ بسبق إسلام المغيرة؛ فإنَّه أسلم عام الخندق، فيبعد أن يكون حاضرًا ويسكت مع كونه مسلمًا (وَ) الحال أنَّهم (كَانُوا تُجَّارًا) بالضَّمِّ والتَّشديد على وزن كُفَّارٍ، وبالكسر والتَّخفيف على وزن كِلَابٍ، وهو الذي في الفرع كأصله: جمع تاجرٍ، أي: متلبِّسين بصفة التِّجارة (بِالشَّأمِ) بالهمز وقد يُترَك، وقد تُفتَح الشِّين مع المدِّ، وهو متعلِّقٌ بـ «تجَّارًا» أو بـ «كانوا»، أو يكون صفةً بعد صفةٍ (فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم مَادَّ) بتشديد الدَّال من مادَدَ، فأُدغِمَ الأوَّل في الثَّاني من المثلين، وهو مدَّة صلح الحديبية سنة ستٍّ التي مادَّ (فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ) زاد الأَصيليُّ: ((ابن حرب)) (وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ) أي: مع كفَّار قريشٍ على وضع الحرب عشر سنين، وعند أبي نعيمٍ: ((أربع))، ورجح الأوَّل، و«كفَّارَ» بالنَّصب؛ مفعولٌ معه، أو عطفٌ على المفعول به وهو «أبا سفيان» (فَأَتَوْهُ) أي: أرسل إليه في طلب إتيان الرَّكب، فجاء الرَّسول فوجدهم بغزَّة، وكانت وجه [2] متجرهم؛ كما في «الدَّلائل» لأبي نعيمٍ، فطلب إتيانهم فأتوه (وَهُمْ) _بالميم_ أي: هِرَقْلُ وجماعته، ولأبوي الوقت وذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ والأَصيليِّ ((وهو)) (بِإِيلِيَاءَ) بهمزةٍ مكسورةٍ فمثناتين آخر الحروف أُولاهما [3] ساكنةٌ [4] بينهما لامٌ آخره ألفٌ مهموزةٌ، بوزن كِبْرِيَاء، وإيليا _بالقصر_ حكاه البكريُّ، وإِلْياء؛ بحذف الياء الأولى وسكون اللَّام، قال البرماويُّ: بوزن إعطاء، وإيلاء: مثله، لكن بتقديم الياء على اللَّام، حكاه النَّوويُّ واستغربه، وإيليَّا: بتشديد الياء الثَّانية والقصر، حكاه البرماويُّ عن «جامع الأصول» ورأيته في «النِّهاية»، والإيلياء: بالألف واللَّام؛ كذا نقله النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ» عن مُسنَد أبي يَعلى الموصليِّ واستغربه؛ وهو بيت المقدس، و«الباء» بمعنى: «في» (فَدَعَاهُمْ) هِرَقْلُ حال كونه (فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ) نُصِبَ على الظَّرفيَّة، وهو خبر المبتدأ الذي هو (عُظَمَاءُ الرُّومِ) وهم من ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم على الصَّحيح، ودخل فيهم طوائفُ من العرب من تنوخ وبهراء، وغيرهم من غسَّان كانوا بالشَّام، فلمَّا أجلاهم المسلمون عنها دخلوا بلاد الرُّوم واستوطنوها، فاختلطت أنسابهم، وعند ابن السَّكن: ((وعنده بطارقته والقِسِّيسون والرُّهبان)) (ثُمَّ دَعَاهُمْ) عطفٌ على قوله: «فدعاهم»، وليس بتكرارٍ، بل معناه: أَمَرَ بإحضارهم، فلمَّا حضروا وقعت مهلةٌ ثمَّ استدناهم؛ كما أشعر بها الأداة الدَّالَّة عليها (وَدَعَا تَرْجُمَانَهُ) بالنَّصب على المفعوليَّة، وللأَصيليِّ _كما في «الفتح»_ وأبي الوقت _كما في الفرع كأصله_ وغيرهما: ((بترجمانه))، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((بالتَّرجُمان)) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وضمِّ الجيم فيهما، وقد تُضَمُّ التَّاء فيهما إتباعًا، وهو في ضبط الأَصيليِّ، ويجوز فتحهما وضمُّ الأوَّل وفتح الثَّاني، وهو المفسِّر
ج1ص73
لغةً بلغةٍ؛ يعني: أرسل إليه رسولًا أحضره بصحبته، أو كان حاضرًا واقفًا في المجلس؛ كما جرت به عادة ملوك الأعاجم، ثمَّ أمره بالجلوس إلى جنب أبي سفيانَ؛ ليعبِّر عنه بما أراد، ولم يسمِّ التَّرجمان، ثمَّ قال هِرَقْلُ للتَّرجمان: قل له: أيُّكم أقرب؟ (فَقَالَ) التَّرجمان: (أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ) ضمَّن «أقرب» معنى: «أقعد»، فعدَّاه بالباء، وعند «مسلمٍ» كالمؤلِّف في «آل عمران»: «من هذا الرَّجل؟» [خ¦4553] وهو على الأصل، وفي «الجهاد»: «إلى هذا الرَّجل» [خ¦2941] ولا إشكالَ فيها؛ فإنَّ «أقرب» يتعدَّى بإلى، قال الله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ} [ق: 16] والمُفضَّل عليه محذوفٌ، أي: من غيره، وزاد ابن السَّكن ((الذي خرج بأرض العرب)) (الَّذِي يَزْعُمُ) وعند ابن إسحاق عن الزُّهريِّ: يدَّعي (أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ:) بالفاء، ولأبي الوقت وابن عساكرَ والأَصيليِّ ((قال)) (أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ:) وفي روايةٍ _كما في «اليونينيَّة»_ بغير رقمٍ: ((فقلت)) بزيادة الفاء: (أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا) وللأَصيليِّ كما في الفرع كأصله: ((أنا أقربهم به نسبًا)) أي: من حيث النَّسب، وأقربيَّة أبي سفيانَ لكونه من بني عبد منافٍ، وهو الأب الرَّابع للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ولأبي سفيان، وخصَّ هِرَقْلُ الأقربَ لكونه أحرى بالاطِّلاع على ظاهره وباطنه أكثر من غيره، ولأنَّ الأبعدَ لا يُؤمَن أن يقدح في نسبه، بخلاف الأقرب، لكن قد يُقال: إنَّ القريب مُتَّهمٌ في الإخبار عن نسب قريبه بما يقتضي شرفًا وفخرًا ولو كان عدوًّا له؛ لدخوله في شرف النَّسب الجامع لهما (فَقَالَ) أي: هِرَقْلُ، وللأَصيليِّ وابن عساكرَ وأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي: ((قال)): (أَدْنُوهُ مِنِّي) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ كما في الفرع، وإنَّما أمر بإدناء أبي سفيان لِيُمْعِن في السُّؤال ويشفي غليله (وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ) لئلَّا يستحيوا أن يواجهوه بالتَّكذيب إن كذب؛ كما صرَّح به الواقديُّ في روايته (ثُمَّ قَالَ) هِرَقْلُ (لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ) أي: لأصحاب أبي سفيان: (إِنِّي سَائِلٌ هَذَا) أي: أبا سفيان (عَنْ هَذَا الرَّجُلِ) أي: النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، وأشار إليه إشارة القريب لقرب العهد بذكره، أو لأنَّه معهودٌ في أذهانهم (فَإِنْ كَذَبَنِي) _بالتَّخفيف_ أي: إن نقل إليَّ الكذب (فَكَذِّبُوهُ) بتشديد الذَّال المُعجَمة المكسورة، قال التَّيميُّ: كَذَبَ _بالتَّخفيف_ يتعدَّى إلى مفعولين، مثل صَدَقَ، تقول: كَذَبَني الحديث، وصَدَقَني الحديث، وكذَّب _بالتَّشديد_ يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، وهما من غرائب الألفاظ لمخالفتهما الغالب؛ لأنَّ الزِّيادة تناسب الزِّيادة وبالعكس، والأمر هنا بالعكس. انتهى.
(قَالَ) أي: أبو سفيان، وسقط لفظ «قال» لكريمة وأبي الوقت، وكذا هي ساقطةٌ من «اليونينيَّة» مُطلَقًا (فَوَاللهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ) وفي نسخة كريمة: ((لولا أنَّ الحياء)) (مِنْ أَنْ يَأْثرُوا عَلَيَّ) بضمِّ المُثلَّثة وكسرها، و«عليَّ» بمعنى: عنِّي، أي: رفقتي يروون عنِّي (كَذِبًا) بالتَّنكير، وفي غير الفرع وأصله: ((الكذب)) فأُعَابَ به؛ لأنَّه قبيحٌ ولو على عدوٍّ (لَكَذَبْتُ عَنْهُ) لأخبرت عن حاله بكذبٍ لبغضي إيَّاه، وللأَصيليِّ وأبوي الوقت وذَرٍّ عن الحَمُّويي: ((لكذبت عليه)) (ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ) بنصب «أوَّل» في فرع «اليونينيَّة» كهي، قال في «الفتح»: وبه جاءت الرِّواية، وهو خبر كان، واسمها: ضمير الشَّأن، وقوله الآتي: «أنْ قال» بدلٌ من قوله: «ما سألني عنه»، ويجوز أن يكون «أنْ قال» اسمَ كان، وقوله: «أوَّل ما سألني»: خبره، وتقديره: ثمَّ كان قوله: كيف نسبه فيكم؟ أوَّلَ ما سألني عنه، ويجوز رفعه اسمًا لكان، وذكر العينيُّ وروده روايةً، ولم يصرِّح به في «الفتح»، إنَّما قال: ويجوز رفعه على الاسميَّة، وخبره قوله: (أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ) عليه الصلاة والسلام (فِيكُمْ؟) أي: ما حال نسبه فيكم؟ أهو من أشرافكم أم لا؟ لكن قال العلَّامة البدر الدَّمامينيُّ: إنَّ جواز النَّصب والرَّفع لا يصحُّ على إطلاقه، وإنَّما الصَّواب التَّفصيلُ؛ فإن جعلنا «ما» نكرةً بمعنى: شيءٍ تعيَّن نصبه على الخبرية؛ وذلك لأنَّ «أن قال» مؤول بمصدر معرفة، بل قال ابن هشامٍ: إنَّهم حكموا له بحكم الضَّمير، فإذًا تعيَّن أن يكون «هو» اسم كان، و«أوَّل ما سألني» هو الخبر؛ ضرورة أنَّه متى اختلف الاسمان تعريفًا وتنكيرًا فالمُعرَّف الاسم، والمُنكَّرُ الخبرُ، ولا يُعكَس إِلَّا في الضَّرورة، وإن جعلناها موصولةً جاز الأمران، لكنَّ المُختَار جعل «أنْ قال» هو الاسم لكونه أعرف. انتهى.
قال أبو سفيان: (قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ) أي:
ج1ص74
صاحب نسبٍ عظيمٍ، فالتَّنوين للتَّعظيم؛ كقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] أي: عظيمةٌ (قَالَ) هِرَقْلُ: (فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ) من قريشٍ (أَحَدٌ قطُّ) بتشديد الطَّاء المضمومة مع فتح القاف، وقد يُضمَّان، وقد تُخفَّف الطَّاء وتُفتَح القاف، ولا يُستعَمل إلَّا في الماضي المنفيِّ، واستُعمِل هنا بغير أداة النَّفي، وهو نادرٌ، وأُجِيب: بأنَّ الاستفهام حكمه حكم النَّفي؛ كأنَّه قال: هل قال هذا القول أحدٌ أو لم يقله أحدٌ قطُّ (قَبْلَهُ؟) بالنَّصب على الظَّرفيَّة، وللأَصيليِّ والكُشْمِيهَنِيِّ وكريمةَ وابن عساكرَ: ((مثله)) بدل قوله: «قبله» وحينئذٍ: يكون بدلًا من قوله: «هذا القولَ»، قال أبو سفيانَ: (قُلْتُ: لَا) أي: لم يقله أحدٌ قبله (قَالَ) هِرَقْلُ: (فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ) بكسر الميم؛ حرف جرٍّ (مَلِكٍ؟) بفتح الميم وكسر اللَّام؛ صفةٌ مشبَّهةٌ، وهذه رواية كريمةَ والأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكرَ، ورواه ابن عساكر في نسخةٍ وأبو ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: ((مَنْ)) بفتح الميم؛ اسمٌ موصولٌ، و((مَلَكَ)) فعلٌ ماضٍ، ولأبي ذَرٍّ _كما في «الفتح»_: ((فهل كان من آبائه ملك)) بإسقاط «مِن» والأوَّل أشهر وأرجح، قال أبو سفيان: (قُلْتُ: لَا. قَالَ) هِرَقْلُ: (فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟) وعند المؤلِّف في «التَّفسير»: «أيتَّبعه أشراف النَّاس؟» [خ¦4553] بإثبات همزة الاستفهام، وللأربعة: ((فأشراف النَّاس اتَّبعوه)) قال أبو سفيان: (قُلْتُ) ولغير الأربعة: ((فقلتُ)): (بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ) أي: اتَّبعوه، والشَّرف: علوُّ الحسب والمجد والمكان العالي، وقد شَرُفَ _بالضمِّ_ فهو شريفٌ، وقومٌ شرفاءُ وأشرافٌ، وفي «الفتح»: تخصيص الشَّرف هنا بأهل النَّخوة والتَّكبُّر، لا كلِّ شريفٍ؛ ليخرج مثل العمرين ممَّن أسلم قبل سؤال هِرَقْلَ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ العمرين وحمزة كانوا من أهل النَّخوة، فقول أبي سفيان جرى على الغالب، ووقع في رواية ابن إسحاق: «تبعه منا الضُّعفاء والمساكين والأحداث، وأمَّا [5] ذوو الأنساب والشَّرف فما تبعه منهم أحدٌ»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو محمولٌ على الأكثر الأغلب (قَالَ) هرقل: (أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟) بهمزة الاستفهام، وفي رواية «سورة آل عمران» بإسقاطها، وجزم ابن مالكٍ بجوازه مُطلَقًا، خلافًا لمن خصَّه بالشِّعر، قال أبو سفيان: (قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ) هِرَقْلُ: (فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً) بفتح السِّين المُهملَة في «اليونينيَّة» ليس إلَّا، وبالنَّصب: مفعولٌ لأجله أو حالٌ، أي: ساخطًا، أي: كراهةً وعدمَ رضًا، وجوَّز في «الفتح» ضمَّ السِّين، وعبارته: «سُخطةً» بضمِّ أوَّله وفتحه، وتعقَّبه العينيُّ، فقال: السَّخطة _بالتَّاء_ إنَّما هي بالفتح فقط، والسُّخط _بلا تاءٍ_ يجوز فيه الضَّمُّ والفتح، مع أنَّ الفتح يأتي بفتح الخاء، والسُّخط _بالضَّمِّ_ يجوز فيه الوجهان ضمُّ الخاء معه وإسكانها. انتهى. قلت: في رواية الحَمُّويي والمُستملي: ((سُخْطةً)) بضمِّ السِّين وسكون الخاء، أي: فهل يرتدُّ أحدٌ منهم كراهةً (لدينه بعد أن يدخل فيه؟) أخرج به مَنِ ارتدَّ مُكرَهًا أَوْ لا لسخطٍ لدين الإسلام، بل لرغبةٍ في غيره كحظٍّ نفسانيٍّ [6]؛ كما وقع لعبيد الله بن جحشٍ، قال أبو سفيان: (قُلْتُ: لَا) فإن قلت: لِم لم يستغن هِرَقْلُ بقوله: «بل يزيدون» عن قوله: «هل يرتدُّ أحدٌ منهم....» إلى آخره؟ أجيب: بأنَّه لا ملازمةَ بين الارتداد [7] والنَّقص، فقد يرتدُّ بعضهم ولا يظهر فيهم النَّقص؛ باعتبار كثرة من يدخل وقلَّة من يرتدُّ مثلًا، وإنَّما سأل عن الارتداد لأنَّ من دخل على بصيرةٍ في أمرٍ محقَّقٍ لا يرجع عنه، بخلاف مَنْ دخل في أباطيل (قَالَ) هِرَقْلُ: (فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ) على النَّاس (قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟) قال أبو سفيان: (قُلْتُ: لَا) وإنَّما عدل عن السُّؤال عن نفس الكذب إلى السُّؤال عن التُّهمة تقريرًا لهم على صدقه؛ لأنَّ التُّهمة إذا انتفت انتفى سببها (قَالَ) هرقل: (فَهَلْ يَغْدِرُ) بدالٍ مُهملَةٍ مكسورة، أي: ينقض العهد؟ قال أبو سفيان: (قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ) أي: منَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (فِي مُدَّةٍ) أي: مدَّة صلح الحديبية، أو غيبته وانقطاع أخباره عنَّا (لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا) أي: في المدَّة، وفي قوله: «لا ندري» إشارةٌ إلى عدم الجزم بغدره (قَالَ) أبو سفيان: (وَلَمْ يمْكِنِّي) بالمُثنَّاة الفوقيَّة أو التَّحتيَّة (كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا) أنتقصه به (غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ) قال في «الفتح»: التَّنقيص هنا أمرٌ نسبيٌّ؛ لأنَّ من يقطع بعدم غدره أرفعُ رتبةً ممَّن يجوز وقوع
ج1ص75
ذلك منه في الجملة، وقد كان عليه الصلاة والسلام معروفًا عندهم _بالاستقراء_ من عادته أنَّه لا يغدر، ولكن لمَّا كان الأمر مُغيَّبًا؛ لأنَّه مستقبلٌ أَمِنَ أبو سفيان أن يُنسَب في ذلك إلى الكذب ولهذا أورده على التَّردُّد، ومن ثمَّ لم يعرِّج هِرَقْلُ على هذا القدر منه. انتهى. و«غيرُ» _بالرَّفع_ صفةٌ لـ «كلمةٌ»، ويجوز فيها النَّصب صفةً لـ «شيئًا»، وليس في الفرع غير الأوَّل، وصُحِّح عليه، فإن قلت: كيف يكون «غيرُ» صفةً لهما وهما نكرتان، و«غيرُ» مضافٌ إلى المعرفة؟ أُجِيب بأنَّه لا يتعرَّف بالإضافة إلَّا إذا اشتُهِر المُضَاف بمغايرة المضاف إليه، وههنا ليس كذلك، وعُورِض بأنَّ هذا مذهب ابن السَّرَّاج، والجمهور على خلافه؛ فنحو: {غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] يُعرَب بدلًا من {الَّذِينَ} أو صفةً له؛ تنزيلًا للموصول منزلة النَّكرة، فجاز وصفها بالنَّكرة.
(قَالَ) هِرَقْل: (فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟) نسب ابتداء القتال إليهم، ولم ينسبه إليه عليه الصلاة والسلام؛ لما اطّلع عليه من أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لا يبدأ قومه بالقتال حتَّى يقاتلوه، قال أبو سفيان: (قُلْتُ: نَعَمْ) قاتلناه (قَالَ) هِرَقْلُ: (فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟) بفصل ثاني الضَّميرين، والاختيار: ألَّا يجيء المنفصل إذا تأتَّى أن يجيء المتَّصل، وقِيلَ: «قتالكم إيَّاه» أفصح من «قتالكموه» باتِّصال الضَّمير فلذلك فَصَلَه، وصوَّبه العينيُّ تبعًا لنصِّ الزَّمخشريِّ، قال أبو سفيان: (قُلْتُ) وللأَصيليِّ: ((قال)): (الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ) بكسر السِّين المُهملَة وبالجيم المُخفَّفة، أي: نُوَبٌ، نوبةٌ لنا ونوبةٌ له؛ كما قال: (يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ) أي: يصيب منَّا ونصيب منه، قال البلقينيُّ: هذه الكلمة فيها دسيسةٌ أيضًا؛ لأنَّهم لم ينالوا منه صلى الله عليه وسلم قطُّ، وغاية ما في غزوة أُحُدٍ أنَّ بعض المقاتلين قُتِلَ، وكانت العزَّة والنُّصرة للمؤمنين. انتهى. وتُعقِّب: بأنَّه قد وقعت المقاتلة بينه عليه الصلاة والسلام وبينهم قبل هذه القصَّة في ثلاثة مواطنَ: بدرٍ وأُحُدٍ والخندق، فأصاب المسلمون من المشركين في بدرٍ، وعكسه في أُحُدٍ، وأُصِيب من الطَّائفتين ناسٌ قليلٌ في الخندق، فصحَّ قول أبي سفيان: يصيب منَّا ونصيب منه، وحينئذٍ فلا دسيسةَ هنا في كلام أبي سفيان كما لا يخفى، والجملة تفسيريَّةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، قال في «المصابيح»: فإن قلت: فما يصنع الشَّلوبين القائل: بأنَّها في حكم مفسَّرها، إن كان ذا محلٍّ فهي كذلك، وإِلَّا فلا، وهي ههنا مفسِّرةٌ للخبر، فيلزم أن تكون ذات محلٍّ، لكنَّها خاليةٌ من رابطٍ يربطها بالمُبتَدأ؟ قلت: نقدِّره، أي: ينال فيها منَّا، وننال فيها منه. انتهى. والسِّجالُ: مرفوعٌ خبرٌ للحرب، واستُشكِل جعلُه خبرًا لكونه جمعًا والمبتدأ مُفرَدًا، فلم تحصل المُطابَقة بينهما، وأُجِيب _كما في «الفتح»_: بأنَّ «الحرب» اسمُ جنسٍ، و«السِّجال» اسمُ جمعٍ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ السِّجال ليس اسم جمعٍ، بل هو جمعٌ، وبينهما فرقٌ، وجوَّز أن يكون «سجالٌ» بمعنى: المُساجَلة، فلا يرد السُّؤال أصلًا، وفي قوله: «الحرب بيننا وبينه سجالٌ» تشبيهٌ بليغٌ، شبَّه الحرب بالسِّجال، مع حذف أداة التَّشبيه؛ لقصد المُبالَغة؛ كقولك: زيدٌ أسدٌ؛ إذا أردت به المُبالَغة في بيان شجاعته، فصار كأنَّه عين الأسد، وذكر السِّجال وأراد به النُّوَب؛ يعني: الحرب بيننا وبينه نُوَبٌ، نوبةٌ لنا ونوبةٌ له؛ كالمُسْتَقِيَيْنِ إذا كان بينهما دلوٌ، يستقي أحدهما دلوًا والآخر دلوًا.
(قَالَ) هِرَقْلُ: (مَا) بإسقاط الباء المُوحَّدة في «اليونينيَّة»، وهي مكشوطةٌ في الفرع، وفي بعض الأصول: ((بما)) وفي نسخةٍ: ((فما)) (ذَا يَأْمُرُكُمْ؟) أي: ما الذي يأمركم به؟ قال أبو سفيان: (قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) بالواو، وفي رواية المُستملي: ((اعبدوا الله وَحْدَهُ [8] لا تشركوا به شيئًا)) بحذف الواو، وحينئذٍ: فيكون تأكيدًا لقوله: «وحده» وهذه الجملة عطفٌ على «اعبدوا الله»، وهي من عطف المنفيِّ على المُثبَت، ومن عطف الخاصِّ على العامِّ؛ على حدِّ: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ} [القدر: 4] فإنَّ عبادته تعالى أعمُّ من عدم الإشراك به (وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ) من عبادة الأصنام وغيرها، ممَّا كانوا عليه في الجاهليَّة (وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ) المعهودة، المُفتَتحة بالتَّكبير المختتمة بالتَّسليم، وفي نسخةٍ ممَّا في «اليونينيَّة» بزيادة: ((والزَّكاة)) (وَالصِّدْقِ) وهو القول المطابق للواقع، وفي روايةٍ للمؤلِّف: ((بالصَّدقة)) بدل «الصِّدق» ورجَّحها الإمام البلقينيُّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ويقوِّيها رواية المؤلِّف في «التَّفسير»: «والزكاة» [خ¦4553] وقد ثبت عنده من رواية أبي ذَرٍّ عن شيخه الكُشْمِيهَنيِّ والسَّرخسيِّ اللَّفظان: ((الصِّدق)) و((الصَّدقة))
ج1ص76
(وَالْعَفَافِ) بفتح العين، أي: الكفِّ عن المحارم وخوارم المروءة (وَالصِّلَةِ) للأرحام، وهي كلُّ ذي رحمٍ محرمٍ، مَن لا تحلُّ مناكحته لو فُرِضَتِ الأنوثة مع الذُّكورة، أو كلُّ ذي قرابةٍ. والصَّحيح: عمومه في كلِّ ما أمر الله به أن يُوصَل؛ كالصَّدقة والبرِّ والإنعام، قال في «التَّوضيح»: من تأمَّل ما استقراه [9] هِرَقْلُ من هذه الأوصاف تبيَّن له حسن ما استوصف من أمره، واستبرأه من حاله، ولله دَرُّهُ من رجلٍ ما كان أعقلَه لو ساعدتْه المقادير بتخليد [10] ملكه والأتباع (فَقَالَ) هِرَقْلُ (لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ) أي: لأبي سفيانَ: (سَأَلْتُكَ عَنْ) رتبة (نَسَبِهِ) فيكم، أهو شريفٌ أم لا؟ (فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو) أي: صاحبُ (نَسَبٍ) شريفٍ عظيمٍ (فَكَذَلِكَ) بالفاء، وللأربعة بالواو: ((وكذلك)) (الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي) أشرف (نَسَبِ قَوْمِهَا) جزم به هِرَقْلُ لِمَا تقرَّر عنده في الكتب السَّالفة (وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ أَحَدٌ) ولأبي ذَرٍّ كما قال في الفرع كأصله: ((وسألتك: قال أحدٌ)) (مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ؟) زاد في نسخةٍ: ((قبله)) (فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ:) أي: في نفسي، وأطلق على حديث النَّفس قولًا (لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ؛ لَقُلْتُ: رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ) «يأْتَسِي» بهمزةٍ ساكنةٍ بعدها مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ مفتوحةٌ وسينٌ مُهملَةٌ مكسورةٌ، أي: يقتدي ويتَّبع، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: ((يتأسَّى))؛ بتقديم المُثنَّاة الفوقيَّة على الهمزة المفتوحة وفتح السِّين المُشدَّدة (وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((مَن مَلَكَ)) بفتح الميمين (فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، قُلْتُ) وللأَصيليِّ وابن عساكرَ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: ((فقلت)) (فَلَوْ) ولأبي الوقت: ((لو)) (كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ) فإن قلت: لِمَ قال: «ملك أبيه» بالإفراد؟ أُجِيب: ليكون أعذرَ في طلب الملك، بخلاف ما لو قال: ملك آبائه، أو المراد بالأب ما هو أعمُّ من حقيقته ومجازه، نعم؛ في «سورة آل عمران»: «آبائه» [خ¦4553] بالجمع، فإن قلت: لِمَ قال هِرَقْلُ: «فقلت» في هذين الموضعين؛ وهما: هل قال هذا القول أحدٌ منكم؟ وهل كان من آبائه من ملكٍ؟ أُجِيب: بأنَّ هذين المقامين مقاما فكرٍ ونظرٍ، بخلاف غيرهما من الأسئلة فإنَّها مقام نقلٍ.
قال هِرَقْلُ لأبي سفيانَ: (وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ) «اللَّام» فيه لامُ الجحود لملازمتها النَّفي، وفائدتها: تأكيد النَّفي؛ نحو: {لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} [النساء: 168] أي: لم يكن لِيَدَعَ (الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ) قبل أن يظهر رسالته (وَيَكْذِبَ) بالنَّصب (عَلَى اللهِ) بعد إظهارها (وَسَأَلْتُكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ) غالبًا؛ لأنَّهم أهل [11] الاستكانة، بخلاف أهل الاستكبار المُصِرِّين على الشِّقاق بغيًا وحسدًا؛ كأبي جهلٍ، ويؤيِّد استشهاده على ذلك قوله تعالى: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111] المُفسَّر بأنَّهم الضُّعفاء على الصَّحيح، قال هرقل لأبي سفيانَ: (وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ) فإنَّه لا يزال في زيادةٍ (حَتَّى يَتِمَّ) بالأمور المُعتَبرة فيه؛ من صلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وغيرها [12]؛ ولهذا أُنزِل في آخر سِنِّيه صلى الله عليه وسلم: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] سَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ) بالنُّون، وفي بعض النُّسخ: ((حتَّى)) بالمثنَّاة الفوقيَّة، وفي «آل عمران»: «وكذلك الإيمان إذا خالط» [خ¦4553] قال في «الفتح»: وهو يرجِّح أنَّ رواية ((حتَّى)) وهمٌ، والصَّواب _وهو رواية الأكثر_: «حين» (تُخَالِطُ) بالمثنَّاة الفوقيَّة (بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ) بفتح المُوحَّدة والشِّينين المُعجَمتين وضمِّ التَّاء، وإضافته إلى ضمير «الإيمان»، و«القلوبَ»: نُصِبَ على المفعوليَّة، أي: تخالط بشاشةُ الإيمان القلوبَ التي تدخل فيها، وللحَمُّويي والمُستملي: ((يخالط)) بالمُثنَّاة التَّحتيِّة ((بشاشةَ)) بالنَّصب على المفعوليَّة، و((القلوبِ)) بالجرِّ على الإضافة، والمراد بـ «بشاشة القلوب»: انشراح الصُّدور والفرح والسُّرور بالإيمان (وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ) لأنَّها لا تطلب حظَّ الدُّنيا الذي لا يبالي طالبه [13] بالغدر، بخلاف من طلب الآخرة (وَسَأَلْتُكَ: بِمَا يَأْمُرُكُمْ؟) بإثبات الألف مع
ج1ص77
«ما» الاستفهاميَّة، وهو قليلٌ، كذا قاله الزَّركشيُّ وغيره، وتعقَّبه في «المصابيح»: بأنَّه لا داعيَ هنا إلى التَّخريج على ذلك؛ إذ يجوز أن تكون الباء بمعنى «عن» متعلِّقةً بـ «سأل» نحو: {فَاسأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59] و«ما»: موصولةٌ، والعائد محذوفٌ، ثمَّ أورد سؤالًا [14] وهو أنَّ «أَمَرَ» يتعدَّى بالباء إلى المفعول الثَّاني؛ تقول: أمرتك بكذا، فالعائد حينئذٍ مجرورٌ بغير ما جُرَّ به الموصول معنًى، فيمتنع حذفه، وأجاب: بأنَّه قد ثبت حذف حرف الجرِّ من المفعول الثَّاني فيُنصَب حينئذٍ؛ نحو: أمرتك الخيرَ، وعليه حمل جماعةٌ من المعربين [15] قوله تعالى: {مَاذَا تَأْمُرِينَ} [النمل: 33] فجعلوا «ماذا» المفعولَ الثَّاني، وجعلوا الأوَّل محذوفًا لفهم المعنى، أي: تأمريننا، وإذا كان كذلك جعلنا العائد المحذوف منصوبًا، ولا ضَيْر [16]. انتهى.
(فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَ) أنَّه (يَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ) جمع وثنٍ _بالمُثلَّثة_ وهو الصَّنم، واستفاده هِرَقْلُ من قوله: «ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم» لأنَّ مقولهم الأمر بعبادة الأوثان (وَ) أنَّه (يَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ) ولم يُعرِّج هِرَقْلُ على الدَّسيسة التي دسَّها أبو سفيانَ، وسقط هنا إيراد تقرير [17] السُّؤال العاشر، والذي بعده جوابه، وثبت ذلك جميعه في «الجهاد» [خ¦2941] كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ثمَّ قال هِرَقْلُ لأبي سفيانَ: (فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا) لأنَّ الخبر يحتمل الصِّدق والكذب (فَسَيَمْلِكُ) أي: النَّبيّ صلى الله عليه وسلم (مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ) أرض بيت المقدس، أو أرض ملكه (وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ) أي النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم (خَارِجٌ) قاله لِمَا عنده من علامات نبوَّته عليه الصلاة والسلام الثَّابتة في الكتب القديمة، وفي رواية «سورة آل عمران»: «فإن كان ما تقول حقًّا فإنَّه نبيٌّ» [خ¦4553] وفي «الجهاد»: و«هذه صفة نبيٍّ» [خ¦2681] ووقع في «أمالي المحامليِّ» رواية الأصبهانيِّين من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أبي سفيان: أنَّ صاحب بصرى أخذه وناسًا معه في تجارةٍ، فذكر القصَّة مُختصَرةً دون الكتاب، وزاد في آخرها: قال: فأخبرني هل تعرف صورته إذا رأيتها؟ قلت: نعم، قال: فأُدْخِلْتُ كنيسةً لهم فيها الصُّور فلم أره، ثمَّ أُدْخِلْتُ أخرى فإذا أنا بصورة محمَّدٍ وصورة أبي بكر (لَمْ) بإسقاط الواو، ولابن عساكر في نسخةٍ: ((ولم)) (أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ) أي: من قريشٍ (فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي) وسقطت «أنِّي» الأولى في نسخةٍ، ولأبي الوقت: ((أنَّني)) (أَخْلُصُ) بضمِّ اللَّام، أي: أَصِلُ (إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ) بالجيم والشِّين المُعجَمة، أي: لَتَكَلَّفْتُ (لِقَاءَهُ) على ما فيه من المشقَّة، وهذا التَّجشُّم _كما قاله ابن بطَّالٍ_ هو الهجرة، وكانت فرضًا قبل الفتح على كلِّ مسلمٍ، وفي مُرْسَل ابن إسحاقَ عن بعض أهل العلم: أنَّ هرقل قال: ويحك، والله؛ إنِّي لَأعلمُ أنَّه نبيٌّ مُرسَلٌ، ولكنِّي أخاف الرُّوم على نفسي، ولولا ذلك لاتَّبعته، ونحوه عند «الطَّبرانيِّ» بسندٍ ضعيفٍ: فقد خاف هِرَقْلُ على نفسه أن تقتله الرُّوم كما جرى لغيره، وخفي عليه قوله صلى الله عليه وسلم الآتي: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ» فلو حمل الجزاء على عمومه في الدَّارين لَسَلِمَ لو أسلم من جميع المخاوف (وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ) أي: النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم (لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِيهِ) ما لعلَّه يكون عليهما، قاله مبالغةً في الخدمة، أو لَأزلته عنهما؛ كقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63] قال الزَّمخشريُّ: أي: الذين يصدُّون عن أمره، وقال غيره: عُدِّيَ بـ «عن»؛ لأنَّ في المخالفة معنى التَّباعد والحيد، كأنَّ المعنى: الذين يحيدون عن أمره بالمُخالَفة، فالإتيان بـ «عن» أبلغ للتَّنبيه على هذا الغرض، وفي «باب دعاء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم النَّاس إلى الإسلام والنبوَّة»: «ولو كنت عنده لغسلت قدميه» [خ¦2941] وفي رواية عبد الله بن شدَّادٍ عن أبي سفيان: «لو علمت أنَّه هو لمشيت إليه حتَّى أُقَبِّلَ رأسه وأغسل قدميه»، وزاد فيها: «ولقد رأيت جبهته يتحادر عرقها من كرب الصَّحيفة» يعني: لمَّا قُرِئ عليه الكتاب، وتثنية «قدميه» رواية أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر والأَصيليِّ، وفي روايةٍ: ((قدمه)) بالإفراد.
قال أبو سفيان: (ثُمَّ دَعَا) هِرَقْلُ (بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) أي: من وكَّل ذلك إليه؛ ولهذا عُدِّيَ «الكتابُ» بالباء، كذا قرَّره في «الفتح»، وقال العينيُّ: الأحسن أن يُقال: ثمَّ دعا مَن يأتي بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ج1ص78
وجوَّز [18] زيادة الباء، أي: دعا الكتاب على سبيل المجاز، أو ضمَّن «دعا» معنى: طلب (الَّذِي بَعَثَ بِهِ دحْيَةُ) بكسر الدَّال وفتحها ورفْعِ التَّاء على الفاعليَّة، ابن خليفة الكلبيُّ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت عن المُستملي وابن عساكر: ((بعث به مع دحيةَ)) أي: بعثه عليه الصلاة والسلام معه، وكان في آخر سنة ستٍّ بعد أن رجع من الحديبية (إِلَى عَظِيمِ) أهل (بُصْرَى) بضمِّ المُوحَّدة مقصورًا، بمدينة حوران، أي: أميرها الحارث بن أبي شِمْرٍ الغسَّانيِّ (فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ) فيه مجازٌ؛ لأنَّه أرسل به إليه صحبة عديِّ بن حاتمٍ، كما في رواية ابن السَّكن في «الصَّحابة»، وكان وصوله إليه كما قاله الواقديُّ وصوَّبه الحافظ ابن حجرٍ في سنة سبعٍ (فَقَرَأَهُ) هِرَقْلُ بنفسه أو التَّرجمان بأمره، وفي مُرسَل محمَّد بن كعبٍ القرظيِّ عند الواقديِّ في هذه القصَّة: فدعا التَّرجمان الذي يقرأ بالعربيَّة فقرأه (فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فيه استحباب تصدير الكتب بالبسملة وإن كان المبعوث إليه كافرًا، فإن قلت: قد قدَّم سليمانُ اسمه على البسملة، أُجِيب: بأنَّه إنَّما ابتدأ الكتاب بالبسملة، وكتب اسمه عنوانًا بعد ختمه؛ لأنَّ بلقيس إنَّما عرفت كونه من سليمان بقراءة عنوانه كما هو المعهود؛ ولذلك قالت: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ [19] وإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل: 30] فالتَّقديم واقعٌ على حكاية الحال (مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ) وَصَفَ نفسَه الشَّريفة بالعبوديَّة؛ تعريضًا لبطلان قول النَّصارى في المسيح: إنَّه ابنُ الله، تعالى الله عن ذلك؛ لأنَّ الرُّسل عليهم السلام مستوون في أنَّهم عباد الله، وللأَصيليِّ وابن عساكرَ: ((من محمَّد بن عبد الله رسول الله)) (إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ) أهل (الرُّومِ) [20] أي: المُعظَّم [21] عندهم، ووصفه بذلك لمصلحة التَّأليف، ولم يصفه بالإمرة ولا المُلْك لكونه معزولًا بحكم الإسلام، وقوله: «عظيم» بالجرِّ بدلٌ من سابقه، ويجوز الرَّفع على القطع والنَّصب على الاختصاص، وذكر المدائنيُّ: أنَّ القارئ لمَّا قرأ: «من محمَّدٍ رسولِ الله» غضب ابن أخي [22] هِرَقْلَ، واجتذب الكتاب، فقال له هِرَقْلُ: مَا لَكَ؟ فقال: إنَّه بدأ بنفسه، وسمَّاك صاحب الرُّوم، فقال: إنَّك لَضعيفُ الرَّأي، أتريد أن أرميَ بكتابٍ قبل أنْ أَعْلَمَ ما فيه؟ لئن كان رسولَ الله إنَّه لَأَحَقُّ أن يبدأ بنفسه، ولقد صَدَقَ أنا صاحب الرُّوم، واللهُ مالكي ومالِكُه (سَلَامٌ) بالتَّنكير، وعند المؤلِّف في «الاستئذان»: «السَّلام» [خ¦6260] لَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) أي: الرَّشاد، على حدِّ قول موسى وهارون عليهما السلام لفرعون: {والسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى} [طه: 47] والظَّاهر أنَّه من جملة ما أُمِرَا به أن يقولاه؛ ومعناه: سَلِمَ من عذاب الله مَنْ أَسْلَمَ، فليس المرادُ به التَّحيَّة، وإن كان اللَّفظ يُشعِر به لأنَّه لم يُسْلِم، فليس هو ممَّن اتَّبع الهُدَى (أَمَّا بَعْدُ) بالبناء على الضَّمِّ لقطعه عن الإضافة المنْويَّة لفظًا، ويُؤتَى بها للفصل بين الكلامين، قال في «الفتح»: واختُلِف في أوَّل مَنْ قالها؛ فقِيل: داود عليه السلام، وقيل: يَعْرُبُ بن قحطان، وقِيلَ: كعب بن لؤيٍّ، وقِيلَ: قسُّ بن ساعدة، وقِيلَ: سحبان، وفي «غرائب مالكٍ» للدَّارقطنيِّ: أنَّ يعقوبَ عليه السلام أوَّلُ مَنْ قالها، فإن ثبت وقلنا: إنَّ قحطان من ذرية إسماعيل عليه السلام فيعقوب عليه السلام أوَّلُ مَنْ قالها مُطلَقًا، وإن قلنا: إن قحطان قبل إبراهيم عليه السلام فـ «يَعْرُبُ» أوَّلُ من قالها (فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ) بكسر الدَّال المُهملَة، ولمسلمٍ كالمؤلِّف في «الجهاد»: «بداعية الإسلام» [خ¦2941] أي: بالكلمة الداعية إلى الإسلام؛ وهي شهادة أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، والباء بمعنى «إلى» أي: أدعوك إلى الإسلام (أَسْلِمْ) بكسر اللَّام (تَسْلَمْ) بفتحها (يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ) بالجزم في الأوَّل على الأمر، وفي الثَّاني جوابٌ له، والثَّالث بحذف حرف العلَّة جوابٌ ثانٍ له أيضًا، أو بدلٌ منه، وإعطاء الأجر مرَّتين لكونه مؤمنًا بنبيِّه، ثمَّ آمن بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، أو من جهة أنَّ إسلامه يكون سببًا لإسلام أتباعه، وقوله: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ» فيه غايةُ الاختصار، ونهاية الإيجاز والبلاغة، وجمع المعاني، مع ما فيه من الجناس الاشتقاقيِّ؛ وهو أن يرجع اللَّفظان في الاشتقاق إلى أصلٍ واحدٍ، وعند المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦4553]: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وأسلمْ يؤتك» بتكرار «أَسْلِمْ» مع زيادة الواو في الثَّانية، فيكون الأمر الأوَّل للدُّخول في الإسلام، والثَّاني للدَّوام عليه، على حدِّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} [النساء: 136] قاله في «الفتح»، وعُورِض: بأنَّ الآية في حقِّ المنافقين، أي: يا أيُّها الذين آمَنوا نِفَاقًا آمِنوا إخلاصًا، وأُجِيب: بأنَّه قول مجاهدٍ. وقال ابن عبَّاسٍ: في مؤمنِي أهل الكتاب، وقال جماعةٌ من المفسِّرين: خطابٌ للمؤمنين، وتأويل {آمِنُوا بِاللهِ}: أقيموا
ج1ص79
أو دُومُوا واثبتوا على إيمانكم (فَإِنْ تَوَلَّيْتَ) أي: أعرضت عن الإسلام (فَإِنَّ عَلَيْكَ) مع إثمك (إِثْمَ اليَرِيْسِيْنَ) بمُثنَّاتين تحتيَّتين: الأولى مفتوحةٌ والثَّانية ساكنةٌ بينهما راءٌ مكسورةٌ ثمَّ سينٌ مكسورةٌ ثمَّ مثنَّاةٌ تحتيَّةٌ ساكنةٌ ثمَّ نونٌ، جمع يَرِيْسٍ؛ على وزن كَرِيمٍ، وفي روايةٍ: ((الأريسين)) بقلب المُثنَّاة الأولى همزةً، وفي أخرى: ((اليريسيِّين)) بتشديد الياء بعد السِّين، جمع: يريسيٍّ، وهي التي في الفرع كأصله عن الأربعة، والرَّابعة وهي للأَصيليِّ كما في «اليونينيَّة»: ((الأريسيِّين)) بتشديد الياء بعد السِّين كذلك، إلَّا أنَّه بالهمزة في أوَّله موضع الياء؛ والمعنى: أنَّه إذا كان عليه إثمُ الأتباعِ بسبب اتِّباعهم له على استمرار الكفر فَلَأنْ يكون عليه إثمُ نفسه أَوْلَى، فإن قلت: هذا مُعَارَضٌ بقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] أُجِيب: بأنَّ وزر الإثم لا يتحمَّله غيره، ولكنَّ الفاعل المتسبِّب والمتلبِّس بالسَّيِّئات يتحمَّل من جهتين: جِهة فعله، وجِهة تسبُّبه. والأريسيُّون: الأكَّارون، أي: الفلَّاحون والزَّرَّاعون، أي: عليك إثم رعاياك الذين يتَّبعونك وينقادون لأمرك، ونبَّه بهم على جميع الرَّعايا لأنَّهم الأغلب في رعاياه، وأسرع انقيادًا، فإذا أسلم أسلموا، وإذا امتنع امتنعوا، وقال أبو عبيدٍ: المراد بالفلَّاحين أهل مملكته؛ لأنَّ كلَّ مَنْ كان يزرع فهو عند العرب فلَّاحٌ، سواءٌ كان يلي ذلك بنفسه أم بغيره، وعند كُرَاعٍ: هم الأمراء [23]، وعند اللَّيث: هم [24] العشَّارون؛ يعني: أهل المكس، وعند أبي عبيدة: الخدم والخَوَل؛ يعني: لصدِّه إيَّاهم عن الدِّين؛ كما قال تعالى: {رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا...} [الأحزاب: 67] الآية، والأوَّل أظهر، وقِيلَ: كان أهلُ السَّواد أهلَ فلاحةٍ وكانوا مجوسًا، وأهلُ الرُّوم أهلَ صناعةٍ، فأُعلِموا بأنَّهم وإن كانوا أهل كتابٍ فإنَّ [25] عليهم إن لم يؤمنوا من الإثم مثلَ إثم المجوس الذين لا كتابَ لهم، وفي قوله: «فإن تولَّيتَ» استعارةٌ تبعيَّةٌ؛ لأنَّ حقيقة التَّولِّي إنَّما هو بالوجه، ثمَّ استُعمِل مجازًا في الإعراض عن الشَّيء.
(وَ {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ}) كذا في رواية عبدوسٍ والنَّسفيِّ والقابسيِّ بالواو، وهو الذي في «اليونينيَّة» عطفًا على قوله: «أدعوك» أي: أدعوك بدعاية الإسلام، وأدعوك بقول الله تعالى، أو أتلو عليك، أو أقرأ عليك: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ} وعلى هذا التَّقدير فلا تكون زائدةً في التِّلاوة لأنَّ الواو إنَّما دخلت على محذوفٍ، ولا محذور [26] فيه، فإن قلت: يلزم عليه حذف المعطوف وبقاء حرف العطف، وهو ممتنعٌ، أُجِيب: بأنَّ ذاك [27] إذا حُذِفَ المعطوف وجميع متعلَّقاته [28]، أمَّا إذا بقي من اللَّفظ شيءٌ هو معمولٌ للمحذوف فلا نسلِّم امتناع ذلك؛ كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ} [الحشر: 9] أي: وأخلصوا الإيمان، وكقوله: [من الوافر]
~وزجَّجن الحواجب والعيونا
أي: وكَحَّلْنَ.
و:
~علفتها تبنًا وماءً باردًا
أي: وسقيتها، إلى غير ذلك.
فإن قلت: العطف مشكلٌ؛ لأنَّه يقتضي تقييد التِّلاوة بتولِّيه، وليس كذلك، أُجِيب: بأنَّه إنَّما هو معطوفٌ على مجموع الجملة المشتملة على الشَّرط والجزاء، لا على الجزاء فقط، وقِيلَ: إنَّه صلى الله عليه وسلم لم يُرِدِ التِّلاوة، بل أراد مُخاطَبتهم بذلك، وحينئذٍ فلا إشكال، وعُورِض: بأنَّ العلماء استدلُّوا بهذا الحديث على جواز كتابة الآية والآيتين إلى أرض العدوِّ، ولولا أنَّ المراد الآية لمَا صَحَّ الاستدلال، وهم أقوم وأعرف بأنَّه لو لم يُرِدِ الآية لقال عليه الصلاة والسلام: «فإن تولَّيتم» وفي الحديث: {فَإِن تَوَلَّوا فَقُولُوا اشهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} لكن يمكن الانفصال عن هذا الأخير بأنَّه من باب الالتفات، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ _كما قاله عياضٌ_: (({يَا أَهْلَ الكِتَابِ})) بإسقاط الواو، فيكون بيانًا لقوله: أدعوك بدعاية الإسلام، وقوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} يعمُّ أهل الكتابين ({تَعَالَوْا}) بفتح اللَّام ({إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ}) أي: مستويةٍ ({بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}) لا يختلف فيها القرآن والتَّوراة والإنجيل، وتفسير «الكلمة» ({أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ} [آل عمران: 64]) أي: نوحِّده بالعبادة ونُخْلِص له فيها ({وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا}) ولا نجعل غيره شريكًا له في استحقاق العبادة، ولا نراه أهلًا لأن يُعبَد ({وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ}) فلا نقول: عزيرٌ ابن الله، ولا المسيحُ ابن الله، ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوه من التَّحريم والتَّحليل؛ لأنَّ كلًّا منهم بشرٌ مثلنا. وَرُوِيَ أنَّه لمَّا نزلت: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ} [التوبة: 31] قال عديُّ بن حاتمٍ: ما كنَّا نعبدهم يا رسول الله، قال: «أليس كانوا يحلُّون لكم ويحرِّمون
ج1ص80
فتأخذون بقولهم؟» قال: نعم، قال: «هو ذاك» ({فَإِنْ تَوَلَّوْا}) عن التَّوحيد ({فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}) أي: لزمتكم الحجَّة، فاعترِفوا بأنَّا مسلمون دونكم، أو اعترِفوا بأنَّكم كافرون بما نطقت به الكتب وتطابقت عليه الرُّسل صلوات الله عليهم وسلامه، وقد قِيلَ: إنَّه صلى الله عليه وسلم كتب ذلك قبل نزول الآية، فوافق لفظُه لفظَها لمَّا نزلت؛ لأنَّها نزلت في وفد نجرانَ سنة الوفود سنة تسعٍ، وقصَّة أبي سفيان قبل ذلك سنة ستٍّ، وقِيل: بل نزلت في اليهود، وجوَّز بعضهم نزولها مرَّتين، وقِيل _فيما حكاه السُّهيليُّ_: إنَّ هِرَقْلَ وضع هذا الكتاب في قصبةٍ من ذهبٍ تعظيمًا له، وإنَّهم لم يزالوا يتوارثونه كابرًا عن كابرٍ في أعزِّ مكانٍ، وحُكِيَ: أنَّ ملك الفرنج في دولة الملك المنصور قلاوون الصَّالحيِّ أخرج لسيف الدِّين قَلِج [29] صندوقًا مصفحًا بالذَّهب، واستخرج منه مقلمةً من ذهبٍ، فأخرج منها كتابًا زالت أكثر حروفه، فقال: هذا كتاب نبيِّكم إلى جدِّي قيصر، ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا أنَّه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يَزَال المُلكُ فينا، فنحن نحفظه.
(قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَال) هِرْقَلُ (مَا قَالَ) أي: الذي قاله في السُّؤال والجواب (وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ) النَّبويِّ (كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ) بالصَّاد المُهملَة والخاء المُعجَمة المفتوحتين، أي: اللَّغط، كما في «مسلمٍ»؛ وهو اختلاط الأصوات في المُخاصَمة (وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ) بذلك (وَأُخْرِجْنَا) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء (فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا) وعند المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦2941]: «حين خلوت بهم: والله» (لَقَدْ أَمِر) بفتح أوَّله مقصورًا وكسر ثانيه، أي: كَبُرَ [30] وعَظُمَ (أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ) بسكون الميم، أي: شأنه، و«كَبْشَة» بفتح الكاف وسكون المُوحَّدة، قال ابن جنِّيٍّ: اسمٌ مُرتَجلٌ، ليس بمؤنَّثِ الكبش؛ لأنَّ مؤنَّثَ الكبشِ من غير لفظه [31]؛ يريد: النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّها كنية أبيه من الرَّضاعة الحارثِ بن عبد العزَّى، فيما قاله ابن ماكولا وغيره، وعند ابن بُكيرٍ: أنَّه أسلم وكانت له بنتٌ تُسمَّى: كبشة، فكُنِّي بها، أو هو والدُ حليمةَ مرضعتِهِ، أو ذلك نسبةً إلى جدِّ جدِّه وهبٍ؛ لأنَّ أمَّه آمنة بنت وهبٍ، وأمُّ وهبٍ: قَيْلةُ بنت أبي كبشة، أو نسبه لجدِّجدِّه عبد المطَّلب لأمِّه، أو هو رجلٌ من خزاعةَ؛ اسمه: وَجْزٌ _بواوٍ مفتوحةٍ فجيمٍ ساكنةٍ فزاي_ ابن غالبٍ، خالف قريشًا في عبادة الأوثان، فَعَبَدَ الشِّعرى، فنسبوه إليه للاشتراك في مُطلَق المُخالَفة (إِنَّهُ يَخَافُهُ) بكسر الهمزة على الاستئناف، وجوَّز العينيُّ: فتحها، قال: وإن كان على ضعفٍ على أنَّه مفعولٌ من أجله، والمعنى: عظم أمره عليه الصلاة والسلام لأجل أنَّه يخافه (مَلِكُ بَنِي الأَصْفَر) وهم الرُّوم؛ لأنَّ جدَّهم روم بن عيص بن إسحاق عليه السلام تزوَّج بنت ملك الحبشة، فجاء ولده بين البياض والسَّواد، فقِيلَ له: الأصفر، أو لأنَّ جدَّته سارة حَلَّتْهُ بالذَّهب، وقِيلَ غير ذلك.
قال أبو سفيان: (فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا [32] أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَيَّ الإِسْلَامَ) فأبرزت ذلك اليقين (وَكَانَ ابْنُ النَّاطُورِ) بالمُهمَلَة، أي: حافظ البستان؛ وهو لفظٌ أعجميٌّ تكلَّمت به العرب، وفي رواية الحَمُّويي: ((الناظور)) بالمُعجَمَة، وفي رواية اللَّيث عن يونس: «ابن ناطورا» بزيادة ألفٍ في آخره، والواو: عاطفةٌ، فالقصَّة الآتية موصولةٌ إلى ابن النَّاطور مرويَّةٌ عن الزُّهريِّ، خلافًا لمن توهَّم أنَّها مُعلَّقةٌ، أو مرويَّةٌ بالإسناد المذكور عن أبي سفيان، والتَّقدير: عن الزُّهريِّ أخبرني عبيد الله...؛ وذكر الحديث، ثمَّ قال الزُّهريُّ: وكان ابن النَّاطور يحدِّث، فذكر هذه القصَّة، وقوله: (صاحِب إِيلِيَاءَ) بكسر الهمزة واللَّام بينهما مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ مع المدِّ على الأَشْهَر؛ وهي بيت المقدس، أي: أميرها، و«صاحبَ» منصوبٌ في رواية أبي ذرٍّ على الاختصاص أو الحال، لا خبر «كان» لأنَّ خبرها إمَّا «أسقفًا» أو «يحدِّث»، وجوَّزه البدر الدَّمامينيُّ: بأنَّه لا مانع من تعدُّد الخبر، وفي رواية [33] أبي ذَرٍّ: ((صاحبُ)) بالرَّفع صفةٌ لابن النَّاطور، وردَّه الزَّركشيُّ: بأنَّه معرفةٌ، و«صاحبُ» لا يتعرَّف بالإضافة لأنَّه [34] في تقدير الانفصال، وجوَّزه الكرمانيُّ لأنَّ الإضافة معنويَّةٌ، قال البرماويُّ: وهو الظَّاهر، وقال البدر الدَّمامينيُّ: وهو _أي: قول الزَّركشيِّ_ وهمٌ؛ فقد قال سيبويه: تقول: مررت بعبدِ الله ضاربِك؛ كما تقول: مررت بعبدِ الله صاحِبِك، أي: المعروف بضربك، قال الرَّضيُّ: فإذا قصدت هذا المعنى لم يعمل اسم الفاعل في محلِّ المجرور به نصبًا كما في «صاحبك»، وإن
ج1ص81
كان أصله اسم فاعلٍ من «صَحِبَ يصحَب»، بل نقدِّره [35] كأنَّه جامدٌ، وأعربه بعضهم خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو صاحبُ إيلياء (وَهِرَقْلَ) بفتح اللَّام مجرورٌ عطفًا على «إيلياء» أي: صاحب إيلياء وصاحب هِرَقْل، وأطلق عليه الصُّحبة؛ إمَّا بمعنى: التَّبع، وإمَّا بمعنى: الصَّداقة، فوقع استعمال «صاحب» في المجاز بالنِّسبة لإمرته إيلياء، وفي الحقيقة: بالنِّسبة إلى هِرَقْل (أُسقُف) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول من الثُّلاثيِّ المزيد، وهي رواية المُستملي والحَمُّويي، وعَزَاها في الفرع كأصله للكُشْمِيهَنِيِّ فقط، وعند الجواليقي [36]، وهي في الفرع كأصله للقابسيِّ فقط: ((أُسْقُفًا)) بضمِّ الهمزة وسكون السِّين وضمِّ القاف وتخفيف الفاء، وعنده [37] والقابسيُّ: ((أُسْقُفًّا)) كذلك، إلَّا أنَّه بتشديد الفاء، وعَزَاها في الفرع كأصله لابن عساكرَ فقط، قال النَّوويُّ: وهو الأشهر، وعند الكُشْمِيهَنيِّ وهي في «اليونينيَّة» نسخةٌ بغير رقمٍ: ((سُقِّف)) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول من التَّسقيف، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ عن المروزيِّ ((سُقِف)) بالتَّخفيف مبنيًّا للمفعول، وللجرجانيِّ: ((سُقِفًّا)) بضمِّ السِّين وكسر القاف وتشديد الفاء، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: ((سُقُفًّا)) بضمِّ السِّين والقاف وتشديد الفاء، أي: مُقدَّمًا (عَلَى نَصَارَى الشَّأمِ) لكونه رئيس دينهم أو عالمهم، أو هو قيِّم شريعتهم، وهو دون القاضي، أو هو فوق القسِّيس ودون المطران، أو الملك المتخاشع في مشيته، الجمع: أساقفة وأساقف (يُحَدِّثُ: أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ) عند غلبة جنوده على جنود فارس، وإخراجهم في سنة عمرته صلى الله عليه وسلم الحديبية (أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ) رديئها غير طيِّبها؛ ممَّا حلَّ به من الهمِّ، وعبَّر بـ «النَّفس» عن جملة الإنسانِ روحِه وجسدِه؛ اتِّساعًا لغلبة أوصاف الجسد على الرُّوح، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكرَ: ((أصبح يومًا خبيث النَّفس)) (فَقَالَ) له (بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ) بفتح المُوحَّدة، جمع بِطريقٍ بِكَسْرِها، أي: قوَّاده وخواصِّ دولته، وأهل الرَّأي والشُّورى منهم: (قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ) أي: سَمْتَك وحالتك؛ لكونها مخالفةً لسائر الأَيَّام (قَالَ ابْنُ النَّاطُورِ) ولابن عساكر ((الناظور)) بالظَّاء المُعجَمة: (وَكَانَ) عُطِف على مقدَّرٍ تقديره: قال ابن النَّاطور: كان (هِرَقْلُ) عالمًا، وكان (حَزَّاءً) فلمَّا حُذِفَ المعطوف عليه أُظْهِرَ هِرَقْل في المعطوف، و«حزَّاءً»: منصوبٌ لأنَّه خبر كان، وهو بالمُهملَة وتشديد الزَّاي آخره همزةٌ مُنوَّنةٌ، أي: كاهنًا (يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ) خبرٌ ثانٍ لـ «كان» إن قلنا: إنَّه ينظر في الأمرين، أو: هو تفسيرٌ لـ «حزَّاءً» لأنَّ الكهانة تُؤخَذ تارةً من ألفاظ الشَّياطين، وتارةً من أحكام النُّجوم، وكان هِرَقْلُ علم ذلك بمقتضى حساب المنجِّمين الزَّاعمين أنَّ المولد النَّبويَّ كان بقران العُلْوِيَّيْنِ ببرج العقرب، وهما يقترنان في كلِّ عشرين سنةً مرَّةً، إلى أن تستوفيَ الثَّلاثة بروجها في ستِّين سنةً، وكان ابتداء العشرين الأولى للمولد النَّبويِّ في القران المذكور [38]، وعند تمام العشرين الثَّانية مجيء جبريل عليه السلام بالوحي، وعند تمام الثَّالثة فتح خيبر وعمرة القَضِيَّة التي جرَّت فتح مكة وظهور الإسلام، وفي تلك الأيَّام رأى هِرَقْلُ ما رأى، وليس المراد بذكر هذا هنا تقوية قول المنجِّمين، بل المراد البشارات به عليه الصلاة والسلام على لسان كلِّ فريقٍ من إنسيٍّ وجنِّيٍّ، والجملة السَّابقة من قوله: «قال ابن النَّاطور» اعتراضٌ بين سؤال بعض البطارقة وجواب هِرَقْلَ إيَّاهم، إلى قوله: (فَقَالَ) هِرَقْلُ (لَهُمْ) أي: لبعض بطارقته (حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ) بفتح الميم وكسر اللَّام، ولغير الكُشْمِيهَنيِّ: ((مُلْك)) بالضَّمِّ ثمَّ الإسكان (قَدْ ظَهَرَ) أي: غلب، وهو كما قال؛ لأنَّ في تِلك الأيَّام كان ابتداء ظهوره صلى الله عليه وسلم؛ إذ صالحَ الكفَّار بالحديبية، وأنزل الله تعالى سورة الفتح، ومقدِّمة الظُّهور ظهور (فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؟) أي: من أهل هذا العصر، وإطلاق «الأمَّة» على أهل العصر كلِّهم فيه تجوُّزٌ، وفي رواية يونسَ: «فمن يختتن من هذه الأمم؟» (قَالُوا) مُجيبين لاستفهامه إيَّاهم: (لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودُ) أجابوا بمقتضى علمهم؛ لأنَّ اليهود كانوا بإيلياءَ تحت الذِّلَّة مع النَّصارى بخلاف العرب (فَلَا يُهِمَّنَّكَ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة من: «أَهَمَّ» أي: لا يُقْلِقَنَّكَ (شَأْنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَائِنِ مُلْكِكَ) بالهمز، وقد يُترَك (فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ
ج1ص82
الْيَهُودِ) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكرَ: ((فليقتلوا)) باللَّام (فَبَيْنَمَا هُمْ) بالميم، وأصله: بين، فأُشبِعت الفتحة، فصار: بَينَا، ثمَّ زِيدت عليها الميمُ، وفي رواية الأربعة: ((فبينا)) بغير ميمٍ، ومعناهما واحدٌ، و«هم»: مبتدأٌ خبرُهُ: (عَلَى أَمْرِهِمْ) مشورتهم التي كانوا فيها (أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ) أي: بينما هم بين أوقات أمرهم إذ أُتِيَ برجلٍ (أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ) بالغين المُعجَمة والسِّين المُهملَة المُشدَّدة، والملك: هو الحارث بن أبي شِمْرٍ، و«غسَّانَ»: اسم ماءٍ نزل عليه قومٌ من الأزد فنُسِبوا إليه، أو ماءٌ بالمُشلَّل [39]، ولم يُسمِّ الرَّجل ولا مَنْ أرسل به (يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) فقال _كما عند ابن إسحاق_: «خرج بين أظهرنا رجلٌ يزعم أنَّه نبيٌّ، فقد اتَّبعه ناسٌ وصدَّقوه، وخالفه ناسٌ، فكانت بينهم ملاحمُ في مواطنَ، وتركتهم وهم على ذلك» (فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ) وأخبره بذلك (قَالَ) هِرَقْلُ لجماعته: (اذْهَبُوا فَانْظُرُوا) إلى الرَّجل (أَمُخْتَتِنٌ هُوَ؟) بهمزة الاستفهام وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة الأولى وكسر الثَّانية (أَمْ لَا؟ فَنَظَرُوا إِلَيْهِ) وعند ابن إسحاق: «فجرَّدوه، فإذا هو مُختَتِنٌ» (فَحَدَّثُوهُ) أي: هِرَقْل (أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ) بفتح الفوقيَّة الأولى وكسر الثَّانية (وَسَأَلَهُ عَنِ الْعَرَبِ) هل يختتنون؟ (فَقَالَ) أي الرَّجلُ: (هُمْ يَخْتَتِنُونَ) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكرَ في نسخةٍ: ((مختتنون)) بالميم، قال العينيُّ كابن حجرٍ: والأوَّل أفيد وأشمل (فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا) الذي نظرته في النُّجوم (مُلْكُ هَذِهِ الأُمَّةِ) أي: العرب (قَدْ ظَهَرَ) بضمِّ ميم «مُلك» وسكون لامها وللقابسيِّ: ((مَلِك)) بالفتح ثمَّ الكسر، فاسم الإشارة للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو مبتدأٌ خبره: «مُلْكُ هذه الأمَّة»، و«قد ظهر» حالٌ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ وحده: ((يملك)) فعلٌ مضارعٌ ((هذه الأمَّةَ)) بالنَّصب على المفعوليَّة، لكنَّه في فرع «اليونينيَّة» كـ «الأصل» ضُبِّب على الياء، ثمَّ ضُرِبَ على الضَّبَّة بالحُمْرة خافيًا، وقال عياضٌ: أظنُّها _أي: الياء_ ضمَّةَ الميم اتَّصلت بها، فتصحَّفت، ووجَّهها العينيُّ كغيره بأنَّ قوله: «هذا» مبتدأٌ، و«يملك»: جملةٌ من الفعل والفاعل في محلِّ رفعٍ خبرُه، وقوله: «هذه الأمَّة» مفعولُ «يملك»، وقوله: «قد ظهر» جملةٌ وقعت حالًا، قال: وقد عُلِمَ أنَّ الماضيَ المُثبَت إذا وقع حالًا لابدَّ أن تكون فيه «قد»، ظاهرةً أو مقدَّرةً، وقال غيره: قوله: «قد ظهر» جملةٌ مُستأنَفةٌ، لا في موضع الصِّفة ولا الخبر، ويجوز أن يكون: «يملك» نعتًا [40]، أي: هذا الرَّجل [41] يملك هذه الأمَّة، وقد جاء النَّعت بعد النَّعت ثمَّ حُذِفَ المنعوت. انتهى.
(ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ) يُسمَّى: ضغاطرُ الأسقف (بِرُومِيَةَ) بالتَّخفيف، أي: فيها، وفي رواية ابن عساكرَ: ((بالرُّوميَّة)) وهي مدينة رئاسة الرُّوم، قِيل: إنَّ دور سورها أربعةٌ وعشرون ميلًا (وَكَانَ نَظِيرَهُ) وفي رواية ابن عساكرَ والأَصيليِّ: ((وكان هِرَقْلُ نظيره)) (فِي الْعِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ) مجرورٌ بالفتحة لأنَّه غيرُ منصرفٍ؛ للعلميَّة والتَّأنيث، لا للعلميَّة والعجمة على الصَّحيح؛ لأنَّها لا تمنع صرف الثَّلاثيِّ، وجوَّز بعضهم صَرْفَه كعدمه؛ نحو هندٍ وغيره من الثُّلاثيِّ السَّاكن الوسط، ولم يجعل للعُجْمة أثرًا، وإنَّما سار هِرَقْل إلى حمصَ لأنَّها دار ملكه (فَلَمْ يَرِمْ) هِرَقْلُ (حِمْصَ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الرَّاء، أي: لم يبرح منها، أو لم يصل إليها (حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ) ضغاطرَ (يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) أي: ظهوره (وَأَنَّهُ نَبِيٌّ) بفتح الهمزة عطفًا على «خروجِ»، وهذا يدلُّ على أنَّ هِرَقْلُ وصاحبه أَقَرَّا بنبوَّته صلى الله عليه وسلم، لكن هِرَقْلُ لم يستمرَّ على ذلك، ولم يعمل بمُقتضاه، بل شحَّ بملكه ورغب في الرِّئاسة فآثرهما على الإسلام، بخلاف صاحبه ضغاطر فإنَّه أظهر إسلامه، وخرج على الرُّوم فدعاهم إلى الإسلام فقتلوه (فَأَذِنَ) بالقصر، مِنَ: الإذن، وللمستملي وغيره: ((فآذَنَ)) بالمدِّ، أي: أَعْلَمَ (هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ) _بمُهمَلتين الأولى مفتوحةٌ والثَّانية ساكنةٌ وفتح الكاف والرَّاء_ كائنةٍ (لَهُ بِحِمْصَ) أي: فيها، والدَّسْكَرَةُ: القصرُ حولَه البيوتُ (ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا) أي: الدَّسْكَرَة (فَغُلِّقَتْ) بتشديد اللَّام لأبي ذَرٍّ، وكأنَّه دخلها ثمَّ أغلقها، وفتح أبواب البيوت التي حولها، فأذن للرُّوم في دخولها، ثمَّ أغلقها (ثُمَّ اطَّلَعَ) عليهم من علوٍّ خوفَ أن ينكروا مقالته فيقتلوه، ثمَّ خاطبهم (فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ) رغبةٌ (فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ؟) _بالضَّمِّ ثمَّ السُّكون، أو بفتحتين_ خلاف الغيِّ
ج1ص83
(وَأَنْ يَثْبُتَ) بفتح الهمزة، وهي مصدريَّةٌ عطفًا على قوله: «في الفلاح» أي: وهل لكم في ثبوت (مُلْكُكُمْ، فَتُبَايِعُوا) بمثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مضمومةٍ ثمَّ مُوحَّدةٍ وبعد الألف مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ، منصوبٌ بحذف النُّون «بأن» مقدَّرةً في جواب الاستفهام، وفي نسخةٍ بفرع «اليونينيَّة» كأصلها: ((فبايعوا)) بإسقاط المُثنَّاة قبل المُوحَّدة، وفي رواية الأَصيليِّ: ((نبايع)) بنون الجمع ثمَّ مُوحَّدةٍ، وفي أخرى لأبي الوقت: ((نتابع)) بنون الجمع أيضًا، ثمَّ مُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ فألفٍ فمُوحَّدةٍ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: ((فتتابعوا)) بمُثنَّاتين فوقيَّتين وبعد الألف مُوحَّدةٌ، فالثَّلاثة الأُوَل [42] من البيعة، والتي بعدها من الاِتِّباع، كالرِّواية الأخرى لابن عساكر في نسخةٍ: ((فنتبع)) (هَذَا النَّبِيَّ؟) وفي «اليونينيَّة» بين الأسطر من غير رقمٍ: ((صلى الله عليه وسلم)) وفي رواية ابن عساكر وأبي ذَرٍّ: ((لهذا)) باللَّام، وإنَّما قال ذلك لِمَا عرفه من الكتب السَّالفة أنَّ التَّماديَ على الكفر سببٌ لذهاب المُلْك، ونُقِلَ أنَّ في التَّوراة: ونبيًّا مثلك أرسله؛ أيُّ إنسانٍ لم يقبل كلامي الذي يؤدِّيه عنِّي، فإنِّي أهلكه (فَحَاصُوا) بمُهمَلتين، أي: نفروا (حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ) أي: كحيصتها (إِلَى الأَبْوَابِ) المعهودة (فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ) بضمِّ الغين المُعجَمة وكسر اللَّام مشدَّدةً، وشبَّه نفرتهم وجفلهم [43] ممَّا قال لهم من اتِّباع الرَّسول عليه الصلاة والسلام بنفرة حمر الوحش؛ لأنَّها أشدُّ نفرةً من سائر الحيوانات (فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ) بهمزةٍ ثمَّ مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ، جملةٌ حاليَّةٌ بتقدير «قد»، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: ((يئس)) بتقديم الياء على الهمزة، وهما بمعنًى، والأوَّل مقلوبٌ من الثَّاني، أي: قنط (مِنَ الإِيمَانِ) أي: من إيمانهم لِمَا أظهروه، ومن إيمانه لكونه شحَّ بملكه، وكان يحبُّ أن يطيعوه فيستمرُّ ملكه، ويُسْلِم ويُسْلِمون (قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ، وَقَالَ) لهم: (إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا) بالمدِّ مع كسر النُّون وقد تُقصَر، وهو نصبٌ على الظَّرفيَّة، أي: قلت مقالتي هذه السَّاعة حال كوني (أَخْتَبِرُ) أي: أمتحن (بِهَا شِدَّتَكُمْ) أي: رسوخكم (عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ) شدَّتكم، فحذف المفعول للعلم به ممَّا سبق، وعند المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4553]: «فقد رأيت منكم الذي أحببت» (فَسَجَدُوا لَهُ) حقيقةً على عادتهم لملوكهم، أو قبَّلوا الأرض بين يديه؛ لأنَّ ذلك ربَّما كان كهيئة السُّجود (وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ) _بالنَّصب_ خبر «كان» (شَأْنِ هِرَقْلَ) فيما يتعلَّق بهذه القصَّة خاصَّةً، أو فيما يتعلَّق بالإيمان، فإنَّه قد وقعت له أمورٌ من تجهيز الجيش إلى مؤتة وتبوك ومحاربته للمسلمين، وهذا يدلُّ ظاهره على استمراره على الكفر، لكن يحتمل مع ذلك أنَّه كان يضمر الإيمان ويفعل هذه المعاصي مراعاةً لمملكته، وخوفًا من أن يقتله قومه، إلَّا أن في «مُسنَد أحمد»: أنَّه كتب من تبوك إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: إنِّي مسلمٌ، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «بل هو على نصرانيَّته...» الحديث.
(رَوَاهُ) أي: حديث هِرَقْلُ وفي رواية ابن عساكر: ((ورواه)) بواو العطف، وفي روايةٍ: ((قال محمَّدٌ _أي: البخاريّ_: رواه)) (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) _بفتح الكاف_ أبو محمَّدٍ، أو أبو الحارث الغِفَاريُّ؛ بكسر الغين المُعجَمة مُخفَّف الفاء، المدنيُّ المُتوفَّى بعد الأربعين ومئةٍ، أو سنة خمسٍ وأربعين ومئةٍ، عن مئة سنةٍ ونيِّفٍ وستِّين سنةً.
(وَ) رواه أيضًا (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (وَ) رواه (مَعْمَرٌ) _بفتح الميمين بينهما عينٌ ساكنةٌ_ ابن راشدٍ؛ الثَّلاثة (عَنِ الزُّهْرِيِّ).
فالأوَّل: أخرجه المصنِّف في «الجهاد» من طريق إبراهيم بن سعد عن صالحٍ عن الزُّهريِّ، لكنَّه انتهى عند قول أبي سفيان: «حتَّى أدخل الله عليَّ الإسلام» [خ¦2941]، وكذا مسلمٌ، والثَّاني أيضًا: بهذا الإسناد في «الجهاد» مُختَصرًا من طريق اللَّيث [خ¦3174] وفي «الاستئذان» أيضًا مختصرًا من طريق ابن المُبارَك [44]، كلاهما عن يونس عن الزُّهريِّ بسنده بعينه [خ¦6260] والثَّالث أيضًا: بتمامه في «التَّفسير» [خ¦4553] فالأحاديث الثَّلاثة عند المصنِّف عن غير أبي اليمان، والزُّهريُّ إنَّما رواها لأصحابه بسندٍ واحدٍ عن شيخٍ واحدٍ، وهو عبيد الله بن عبد الله، وفي هذا الحديث من لطائف الإسناد: رواية حمصيٍّ عن حمصيٍّ عن شاميٍّ عن مدنيٍّ، وأخرج متنه المؤلِّف هنا، وفي «الجهاد» [خ¦2940] [خ¦2941] و«التَّفسير» في موضعين [خ¦4553] [45] وفي «الشَّهادات» [خ¦2681] و«الجزية» [خ¦3174]
ج1ص84
و«الأدب» في موضعين [خ¦5980] [46] وفي «الإيمان» [خ¦51] و«العلم» [خ¦64] و«الأحكام» [خ¦7196] و«المغازي» [خ¦4424] و«خبر الواحد» [خ¦7264] و«الاستئذان» [خ¦6260]، وأخرجه مسلمٌ في «المغازي»، وأبو داودَ في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «الاستئذان»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير»، ولم يخرجه ابن ماجه.
ووجه مناسبة ذكر هذا الحديث في هذا الباب: أنَّه مشتملٌ على ذكر جملٍ من أوصاف من يُوحَى إليه، والباب في كيفيَّة بدء الوحي، وأيضًا فإنَّ قصَّة هِرَقْل متضمِّنةٌ كيفيَّة حاله صلى الله عليه وسلم في ابتداء الأمر.
ج1ص85


[1] في (ب) و(س): «رويته».
[2] في هامش (م): (وجهة).
[3] في غير (ب) و(س): «أوَّلهما».
[4] في (ص): «ساكن».
[5] في (ب) و(س): «فأمَّا».
[6] في (ل): «نفسٍ».
[7] هكذا في (د)، وفي غيرها: «الازدياد».
[8] في كل الأصول دون قوله: «وحده»، ووجودها يدل عليه السياق.
[9] في (د): «استقصاه».
[10] في (د): «بتخلية».
[11] في (د): «أصل».
[12] المقصود هنا زيادة المؤمنين والتمكين لهم لا زيادة أحكام الإيمان.
[13] في (د): «صاحبه».
[14] في (ص): «منوالًا»، وهو تحريفٌ.
[15] في (ل): «جماعة المعربين».
[16] في (د): «غير»، وفي (ص): «ضمير».
[17] في (س): «تقدير».
[18] في (ص): «ويجوز».
[19] {إِنَّهُ مِن سُلَيمَانَ}: ليس في (ص).
[20] في (ل): «إلى هرقل عظيم الروم».
[21] في (ص): «العظيم».
[22] في (ل): «أخو هرقل».
[23] في (ب) و(س): «الأجراء»، وهو تحريفٌ.
[24] «هم»: مثبتٌ من (م).
[25] في (ب) و(س): «بأن».
[26] في (ص): «ولا محذوف».
[27] في (ل): «بإنَّما ذاك».
[28] في (ب) و(ص): «تعلُّقاته».
[29] في (د): «فليح»، وهو تحريفٌ.
[30] في (ص): «كثر».
[31] زيد في (ب): «وهو نعجة».
[32] في (س): «مؤمنًا».
[33] زيد في غير (ص): «غير»، والنص بهما مشكلٍ إلا أن يكون النصب والرفع لأبي ذر معًا، والذي في اليونينية أن الرفع رواية أبي ذر، والنصب رواية غيره.
[34] في غير (ص): «لأنها».
[35] في (ص): «يقدره» وفي (ب): «تقدره».
[36] في (ص): «الجوابقي»، وليس بصحيحٍ.
[37] في غير (د) و(ص): «وعند القابسي» والمقصود بها «عنده» عند الجوالقي.
[38] في (ل): «الثاني».
[39] في (ص): «بالمثل»، وهو تحريفٌ.
[40] في (ل): «صفة».
[41] في (ص) و(م): «رجل».
[42] في (ص) و(م): «الأولى».
[43] في (ص): «جعلهم»، وهو تصحيفٌ.
[44] هنا بداية السَّقط من (د)، وينتهي في آخر الحديث (96).
[45] كذا قال، ولم نره إلا في موضع واحد.
[46] كذا قال، ولم نره إلا في موضع واحد.