إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة

3- 4- وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: ((وحدَّثنا)) بواو العطف (يَحْيَى) أبو زكريَّا (ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة تصغير بكرٍ، القرشيُّ المخزوميُّ المصريُّ، المتوفَّى سنة إحدى وثلاثين ومئتين، ونسبه المؤلِّف لجدِّه؛ لشهرته به، واسم أبيه عبد الله (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بالمثلَّثة، ابن سعد ابن عبد الرَّحمن الفهميُّ، عالم أهل مصر، من تابعي التَّابعين، قال أبو نعيمٍ: أدرك نيِّفًا وخمسين من التَّابعين، القلقشنديُّ المولود سنة ثلاثٍ أو أربعٍ وتسعين، المتوفَّى في شعبان سنة خمسٍ وسبعين ومئةٍ، وكان حنفيَّ المذهب _فيما قاله ابن خَلِّكان_ لكنَّ المشهور أنَّه مجتهدٌ، وقد رُوِّينا عن الشَّافعيِّ أنَّه قال: اللَّيث أفقه من مالكٍ، إلَّا أنَّ أصحابه لم يقوموا به، وفي روايةٍ عنه: ضيَّعه قومه، وقال يحيى ابن بُكيرٍ: اللَّيث أفقه من مالكٍ، ولكن كانت الحظوة لمالكٍ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين المُهملَة، وفتح القاف مُصغَّرًا، ابن خالد بن عَقيلٍ _بفتح العين_ الأَيْليِّ؛ بفتح الهمزة وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة القرشيِّ الأمويِّ، المتوفَّى سنة إحدى وأربعين ومئةٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أبي بكرٍ محمَّدِ بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهابٍ الزُّهريِّ المدنيِّ، تابعيٌّ صغيرٌ، ونسبه المؤلِّف كغيره إلى جدِّه الأعلى؛ لشهرته به (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بالتَّصغير (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) رضي الله عنها (أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ) بضمِّ الموحَّدة وكسر الدَّال (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم مِنَ الْوَحْي) إليه (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ) وهذا الحديث يُحتَمل أن يكون من مراسيل الصَّحابة؛ فإنَّ عائشة لم تدرك هذه القصَّة، لكنَّ الظَّاهر أنَّها سمعت ذلك منه صلى الله عليه وسلم؛ لقولها: قال: «فأخذني فغطَّني»، فيكون قولها: «أوَّل ما بُدِئَ به» حكايةَ ما تلفَّظ به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وحينئذٍ فلا يكون من المراسيل، وقوله: «من الوحي» أي: من أقسام الوحي، فـ «من» للتَّبعيض، وقال أبو عبد الله القزَّاز: ليست الرُّؤيا من الوحي، و«من» لبيان الجنس، وقال الأُبِّيُّ: نعم؛ هي كالوحي في الصِّحَّة؛ إذ لا مدخل للشَّيطان فيها، وفي رواية مسلمٍ كالمصنِّف في رواية معمر ويونس: «الصَّادقة»، وهي التي ليس فيها ضغثٌ، وذكر «النَّوم» بعد «الرُّؤيا» المخصوصة به؛ لزيادة الإيضاح والبيان، أو لدفع وهم من يتوهَّم أنَّ الرُّؤيا تُطلَق على رؤية العين، فهي [1] صفةٌ موضِّحةٌ، وأهل المعاني يسمونها صفةً فارقةً، أو لأنَّ غيرها يُسمَّى حلمًا، أو تخصيصٌ دون السَّيِّئة والكاذبة المسمَّاة بأضغاث الأحلام [2]، وكانت مدَّة الرُّؤيا ستَّة أشهرٍ _فيما حكاه البيهقيُّ_ وحينئذٍ فيكون ابتداء النُّبوَّة بالرُّؤيا حصل في شهر ربيعٍ، وهو شهر مولده، واحترز بقوله: «من الوحي» عمَّا رآه من دلائل نبوَّته من غير وحيٍ؛ كتسليم الحجر عليه؛ كما في «مسلمٍ»، وأوَّله مُطلَقًا ما سمعه من بَحيرا الرَّاهب؛ كما في «التِّرمذيِّ» بسندٍ صحيحٍ (فَكَانَ) بالفاء للأَصيليِّ، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر وفي نسخةٍ للأَصيليِّ ((وكان)) أي: النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (لَا يَرَى رُؤْيَا) بلا تنوينٍ (إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ) كرؤياه دخول المسجد الحرام، و«مثل»: نُصِبَ بمصدرٍ محذوفٍ، أي: إِلَّا جاءت مجيئًا مثل فلق الصُّبح، والمعنى أنَّها شبيهةٌ له في الضِّياء والوضوح، أو التَّقدير: مشبهةً ضياء الصُّبح، فيكون النَّصب على الحال، وعبَّر بـ «فلق الصُّبح» لأنَّ شمس النُّبوَّة قد كانت مبادئ أنوارها الرُّؤيا إلى أن ظهرت أشعَّتها وتمَّ نورها، والفلق: الصُّبح، لكنَّه لمَّا كان مُستعمَلًا في هذا المعنى وغيره أُضِيف إليه للتَّخصيص والبيان إضافة العامِّ إلى الخاصِّ. وعن «أمالي الرَّافعيِّ» حكاية خلافٍ: أنَّه أُوحِيَ إليه صلى الله عليه وسلم شيءٌ من القرآن في النَّوم أوْ لا، وقال: الأشبه أنَّ القرآن نزل كلُّه يقظةً، ووقع في مُرسَل عبد الله بن أبي بكر بن حزمٍ عند الدَّولابيِّ: ما يدلُّ على أنَّ الذي كان يراه عليه الصلاة والسلام هو جبريل، ولفظه: أنَّه قال لخديجة بعد أن أقرأه جبريل: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}: «أَرأَيْتَكِ الذي كنت أحدِّثك أنِّي رأيته في المنام هو جبريل استعلن»، وإنَّما ابتُدِئ عليه الصلاة والسلام بالرُّؤيا؛ لئلَّا يفجأه الملك ويأتيه بصريح النُّبوَّة بغتةً، فلا تحتمل القوى البشريَّة، فبُدِئَ بأوائل خصال النُّبوَّة (ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ) بالمدِّ،
ج1ص61
مصدرٌ بمعنى: الخلوة، أي: الاختلاء، وهو بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل، وعبَّر بـ «حُبِّب» المبنيِّ لما لم يُسَمَّ فاعله؛ لعدم تحقُّق الباعث على ذلك وإن كان كلٌّ من عند الله، أو تنبيهًا على أنَّه لم يكن من باعث البشر، وإنَّما حُبِّب إليه الخلوة؛ لأنَّ معها فراغ القلب، والانقطاع عن الخلق؛ ليجد الوحي منه متمكَّنًا؛ كما قِيَل: [من الطَّويل]
~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فصادف قلبًا خاليًا فتمكَّنا
وفيه: تنبيهٌ على فضل العزلة لأنَّها تريح القلب من أشغال الدُّنيا، وتفرِّغه لله تعالى، فتنفجر منه ينابيع الحكمة، و«الخلوة»: أن يخلو عن غيره _بل وعن نفسه_ بربِّه، وعند ذلك يصير خَلِيقًا بأن يكون قالبُه ممرًّا لواردات علوم الغيب، وقلبُه مَقَرًّا لها، وخلوته عليه الصلاة والسلام إنَّما كانت لأجل التَّقرُّب، لا على أنَّ النُّبوَّة مُكتَسَبَةٌ.
(وَكَانَ) عليه الصلاة والسلام (يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ) بكسر الحاء المُهملَة وتخفيف الرَّاء وبالمدِّ، وحكى الأَصيليُّ: فتحها والقصر، وعَزَاها في «القاموس» للقاضي عياضٍ، قال: وهي لُغَيَّةٌ، وهو مصروفٌ إن أُرِيد المكان، وممنوعٌ إن أُرِيدَ البقعة، فهي أربعةٌ: التَّذكير والتَّأنيث، والمدُّ والقصر، وكذا حكم قباء، وقد نظم بعضهم أحكامهما في بيتٍ، فقال: [من الطَّويل]
~حِرَا وقُبَا ذكِّر وأنِّثْهما معًا ومُدَّ أو اقصر واصرفن وامنع الصَّرفا
و«حراء»: جبلٌ بينه وبين مكَّة نحو ثلاثة أميالٍ، على يسار الذَّاهب إلى مِنىً، والغار نقبٌ [3] فيه (فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ) بالحاء المُهملَة وآخره مُثلَّثة، والضَّمير المنفصل عائدٌ إلى مصدر «يتحنَّث»، وهو من الأفعال التي معناها السَّلب، أي: اجتناب فاعلها لمصدرها؛ مثل: تأثَّم وتحوَّب؛ إذا اجتنب الإثم والحوب، أو هي بمعنى: يتحنَّف _بالفاء_ أي: يتَّبع الحنيفيَّة دين إبراهيم، والفاء تُبدَل ثاءً (_وَهُوَ التَّعَبُّدُ_ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ) مع أيَّامهنَّ، واقتصر عليهنَّ للتَّغليب؛ لأنَّهنَّ أنسب للخلوة. ووصف اللَّيالي بذوات العدد لإرادة التَّقليل؛ كما في قوله تعالى: {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [يوسف: 20] أو للكثرة لاحتياجها إلى العدد، وهو المناسب للمقام، وهذا التَّفسير للزُّهريِّ أدرجه في الخبر، كما جزم به الطِّيبيُّ. ورواية المصنِّف من طريق يونس عنه في «التَّفسير» تدلُّ على الإدراج [خ¦4953] و«اللَّيالي»: نُصِبَ على الظَّرفيَّة، متعلِّقٌ بقوله: «يتحنَّث» لا بالتَّعبُّد؛ لأنَّ التَّعبُّد [4] لا يُشتَرط فيه اللَّيالي، بل مُطلَق [5] التَّعبُّد. و«ذوات» نُصِبَ بالكسرة في صفة «الليالي»، وأُبهِم العدد لاختلافه بالنِّسبة إلى المُدَد التي يتخلَّلها مجيئه إلى أهله، وأقلُّ الخلوة ثلاثة أيَّامٍ. وتأمَّل ما للثَّلاثة في كلِّ مثلَّثٍ من التَّكفير والتَّطهير والتَّنوير، ثمَّ سبعة أيَّامٍ، ثمَّ شهرٍ؛ لما عند المؤلِّف و«مسلمٍ»: «جاورت بحراء شهرًا» [خ¦4922] وعند ابن إسحاق أنَّه شهر رمضان، قال في «قوت الأحياء»: ولم يصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أكثر منه، نعم؛ روى الأربعين سوار بن مصعبٍ، وهو متروك الحديث، قاله الحاكم وغيره، وأمَّا قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الأعراف: 142] فحجَّةٌ للشَّهر، والزِّيادة إتمامًا للثَّلاثين، حيث استاك أو أكل فيها كسجود السَّهو، فقوي تقييدها بالشَّهر وأنَّها سُنَّةٌ. نعم؛ الأربعون ثمرة [6] نتاج النُّطفة علقةً، فمضغةً، فصورةً، والدُّرُّ في صدفه، فإن قلت: أمر الغار قبل الرِّسالة، فلا حكم له، أُجِيب: بأنَّه أوَّل ما بُدِئَ به عليه الصلاة والسلام من الوحي الرُّؤيا الصَّالحة، ثمَّ حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حِرَاء [7] كما مرَّ، فدلَّ على أنَّ الخلوة حكمٌ مرتَّبٌ على الوحي؛ لأنَّ كلمة «ثمَّ» للتَّرتيب، وأيضًا لو لم تكن من الدِّين لنَهى عنها، بل هي ذريعةٌ لمجيء الحقِّ، وظهوره مُبارَكٌ عليه وعلى أمَّته تأسِّيًا، وسلامةٌ من المناكير وضررها، ولها شروطٌ مذكورةٌ في محلِّها من كتب القوم، فإن قلت: لِمَ خصَّ حِرَاءَ بالتَّعبُّد فيه دون غيره؟ قال ابن أبي جمرَة: لمزيد فضله على غيره؛ لأنَّه منزوٍ مجموعٌ لتحنُّثه، ويَنظر منه الكعبة المعظَّمة، والنَّظر إليها عبادةٌ، فكان له عليه الصلاة والسلام فيه ثلاث عباداتٍ: الخلوة، والتَّحنُّث، والنَّظر إلى الكعبة، وعند ابن إسحاق: أنَّه كان يعتكف شهر رمضان، ولم يأتِ التَّصريح بصفة تعبُّده عليه الصلاة والسلام، فيحتمل أنَّ عائشة رضي الله تعالى عنها أطلقت على الخلوة بمُجرَّدها تعبُّدًا، فإنَّ الانعزال عن النَّاس _ولا سيَّما من كان على باطلٍ_ من جملة العبادة، وقِيلَ: كان يتعبَّد بالتَّفكُّر (قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ) بفتح أوَّله وكسر الزَّاي، قِيلَ، أي: يحنُّ ويشتاق ويرجع
ج1ص62
(إِلَى أَهْلِهِ): عياله (وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ) برفع الدَّال في «اليونينيَّة» لأبوَي ذَرٍّ والوقت، عطفًا على «يتحنَّث» [8]، أي: يتَّخذ الزَّاد للخلوة أو التَّعبُّد (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ) رضي الله عنها (فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا) أي: لمثل اللَّيالي، وتخصيص خديجة بالذِّكر بعد أن عبَّر بالأهل يحتمل أنَّه تفسيرٌ بعد الإبهام، أو إشارةٌ إلى اختصاص التَّزوُّد بكونه من عندها دون غيرها، وفيه: أنَّ الانقطاع الدَّائم عن الأهل ليس من السُّنَّة؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم ينقطع في الغار بالكليَّة، بل كان يرجع إلى أهله لضروراتهم، ثمَّ يخرج لتحنُّثه (حَتَّى جَاءَهُ) الأمر (الْحَقُّ) وهو الوحي (وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ) جبريل يوم الاثنين لسبع عشْرة خلت من رمضان، وهو ابن أربعين سنةً، كما رواه ابن سعدٍ. وفاء: «فجاءه» تفسيريَّةٌ؛ كهي [9] في قوله تعالى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] وتفصيليَّةٌ أيضًا؛ لأنَّ المجيءَ تفصيلٌ للمُجمَل الذي هو مجيء الحقِّ (فَقَالَ) له: (اقْرَأْ) يحتمل أن يكون هذا الأمر لمجرَّد التَّنبيه والتَّيقُّظ لما سيُلقَى إليه، وأن يكون على بابه من الطَّلب، فيستدلُّ به على تكليف ما لا يُطاق في الحال وإن قُدرَ عليه بعد (قَالَ) عليه الصلاة والسلام [10]، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: ((قلت [11])): (مَا أَنَا بِقَارِئٍ) وفي روايةٍ ((ما أُحْسِنُ أن أقرأ)) فـ «ما»: نافيةٌ، واسمها: «أنا»، وخبرها: «بقارئٍ»، وضَعُف كونها استفهاميَّةً بدخول الباء في خبرها، وهي لا تدخل على «ما» الاستفهاميَّة، وأُجِيب: بأنَّها استفهاميَّةٌ؛ بدليل رواية أبي الأسود في «مغازيه» عن عروة أنَّه قال: «كيف أقرأ؟» وفي رواية عبيد بن عمير عن ابن إسحاق: «ماذا أقرأ؟» وبأنَّ الأخفش جوَّز دخول «الباء» على الخبر المُثبَت، قال ابن مالكٍ في «بحسبك زيدٌ»: إنَّ «زيدًا» مبتدأٌ مؤخَّرٌ؛ لأنَّه معرفةٌ، و«حسبك»: خبرٌ مقدَّمٌ؛ لأنَّه نكرةٌ، و«الباء» زائدةٌ فيه، وفي مُرسَل عبيد بن عميرٍ: أنَّه عليه الصلاة والسلام قال: «أتاني جبريل بنمطٍ من ديباجٍ فيه كتابٌ، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئٍ»، قال السُّهيليُّ: وقال بعض المفسِّرين: إنَّ قوله تعالى: {ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 1-2] إشارةٌ إلى الكتاب الذي جاء به جبريل عليه السلام حين قال له: اقرأ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فَأَخَذَنِي) جبريل (فَغَطَّنِي) بالغين المُعجَمة ثُمَّ المُهملَة، أي: ضمَّني وعصرني، وعند الطَّبريِّ [12]: «فغتَّني» بالمثنَّاة الفوقيَّة بدل الطَّاء؛ وهو حبس النَّفس (حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ) بفتح الجيم ونصب الدَّال، أي: بلغ الغطُّ مني الجهد، أي: غاية وُسْعي، فهو مفعولٌ حُذِفَ فاعله، وفي «شرح المشكاة»: أنَّ المعنى على النَّصب أنَّ جبريل بلغ في الجهد غايته، وتعقَّبه التُّوربشتيُّ: بأنَّه يعود المعنى إلى أنَّ جبريل غطَّه حتَّى استفرغ قوَّته، وجهد جهده؛ بحيث لم تبق فيه بقيَّةٌ، قال: وهذا قولٌ غير سديدٍ، فإنَّ البنية البشريَّة لا تستدعي استنفاد القوَّة الملكيَّة، لا سيَّما في مبدأ الأمر، وقد دلَّت القصَّة على أنَّه اشمأزَّ من ذلك وداخله الرُّعب، وحينئذٍ فمن رواه بالنَّصب فقد وهم، وأجاب الطِّيبيُّ: بأنَّ جبريل عليه الصلاة والسلام في حال الغطِّ لم يكن على صورته الحقيقيَّة التي تجلَّى له بها عند سدرة المنتهى، فيكون استفراغ جهده بحسب الصُّورة التي تجلَّى له بها وغطَّه، وحينئذٍ فيضمحلُّ الاستبعاد. انتهى. ويُروَى: ((الجُهْدُ)) بالضَّمِّ والرَّفع، أي: بلغ منِّي الجهد مبلغه، فهو فاعل «بلغ» (ثُمَّ أَرْسَلَنِي) أي: أطلقني (فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((فقلت)): (مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ) بالفتح والنَّصب، وبالضَّمِّ والرَّفع كسابقه (ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ) وهذا الغطُّ ليفرِّغه عن النَّظر إلى أمر [13] الدُّنيا، ويقبل بكلِّيته إلى ما يُلقَى إليه، وكرَّره للمبالغة، واستدلَّ به على أنَّ المؤدِّب لا يضرب صبيًّا أكثر من ثلاث ضرباتٍ، وقِيلَ: الغطَّة الأولى؛ ليتخلَّى عن الدُّنيا، والثَّانية: ليتفرَّغ لما يُوحَى إليه، والثَّالثة: للمؤانسة، ولم يذكر الجهد هنا، نعم؛ هو ثابتٌ عنده في التَّفسير [خ¦4953] _كما سيأتي إن شاء الله تعالى_ وعدَّ بعضهم هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام؛ إذ لم ينقل عن أحدٍ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنَّه جرى له عند ابتداء الوحي إليه [14] مثله (ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}) قال الطِّيبيُّ: هذا أمرٌ بإيجاد القراءة مُطلَقًا، وهو لا يختصُّ بمقروءٍ دون مقروءٍ، فقوله: «{بِاسْمِ رَبِّكَ}» حالٌ، أي: اقرأ مفتتحًا باسم ربِّك، أي: قل: بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وهذا يدلُّ على أنَّ البسملة
ج1ص63
مأمورٌ بها في ابتداء كلِّ قراءةٍ، وقوله: {رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} وصفٌ مناسبٌ مُشعِرٌ بعليَّة الحكم بالقراءة، والإطلاق في قوله: {خَلَقَ} أوَّلًا على منوال: يعطي ويمنع، وجعله توطئةً لقوله: ({خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ}) الزَّائد في الكرم على كلِّ كريمٍ، وفيه دليلٌ للجمهور أنَّه أوَّل ما نزل، وروى الحافظ أبو عمرٍو الدَّاني من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما: أوَّل شيءٍ نزل من القرآن خمسُ آياتٍ إلى: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} وفي «المرشد»: أوَّل ما نزل من القرآن هذه السُّورة في نمطٍ، فلمَّا بلغ جبريل هذا الموضع: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} طوى النَّمط، ومن ثمَّ قال القرَّاء: إنَّه وقفٌ تامٌّ، وقال: {من علقٍ} فَجَمَعَ، ولم يقل: من علقةٍ؛ لأنَّ الإنسان في معنى الجمع، وخَصَّ الإنسان بالذِّكر من بين ما يتناوله الخلق لشرفه.
(فَرَجَعَ بِهَا) أي: بالآيات (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) إلى أهله حال كونه (يَرْجُفُ) _بضمِّ الجيم_ يخفِق ويضطرب (فُؤَادُهُ) قلبه أو باطنه أو غشاؤه؛ لما فجأه من الأمر المخالف للعادة والمألوف، فنفر طبعه البشريُّ وهاله ذلك، ولم يتمكَّن من التأمُّل في تلك الحالة؛ لأنَّ النُّبوَّة لا تزيل طباع البشريَّة كلِّها (فَدَخَلَ) عليه الصلاة والسلام (عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ) أمِّ المؤمنين (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) التي أَلِفَ تأنيسها له، فأعلمها بما وقع له (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) بكسر الميم مع التَّكرار مرَّتين، من التَّزميل؛ وهو: التَّلفيف، وقال ذلك لشدَّة ما لحقه من هول الأمر، والعادة جاريةٌ بسكون الرِّعدة بالتَّلفُّف (فَزَمَّلُوهُ) بفتح الميم (حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ) بفتح الرَّاء، أي: الفزع (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام (لِخَدِيجَةَ) رضي الله عنها (وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ) جملة حاليَّةٌ: (لَقَدْ) أي: والله لقد (خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي) الموت من شدَّة الرُّعب [15]، أو المرض، كما جزم به في «بهجة النَّفوس»، أو إنِّي لا أطيق حمل أعباء الوحي لما لقيته أوَّلًا عند لقاء الملَك، وليس معناه الشَّك في أنَّ ما أتى به من الله، وأكَّد بـ «اللَّام» و«قد» تنبيهًا على تمكُّن الخشية من قلبه المقدَّس، وخوفه على نفسه الشَّريفة (فَقَالَتْ) له عليه الصلاة والسلام (خَدِيجَةُ) رضي الله عنها، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((قالت)) بإسقاط الفاء: (كَلَّا) نفيٌ وإبعادٌ، أي: لا تَقُلْ ذلك، أو لا خوف عليك (وَاللهِ؛ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة وبالخاء المعجمة السَّاكنة والزَّاي المكسورة وبالمثنَّاة التَّحتيَّة السَّاكنة، من الخزي، أي: ما يفضحك الله، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: ((ما يَحْزُنك الله)) بفتح أوَّله وبالحاء المُهملَة السَّاكنة والزَّاي المضمومة، أو بضمِّ أوَّله مع كسر الزَّاي وبالنُّون، من الحزن، يُقال: حزنه وأحزنه (إِنَّكَ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء، قال العلَّامة البدر الدَّمامينيُّ: وفُصِلَت هذه الجملة عن الأولى؛ لكونها جوابًا عن سؤالٍ اقتضته، وهو سؤالٌ عن سببٍ خاصٍّ، فَحَسُنَ التَّأكيد؛ وذلك أنَّها لمَّا أثبتت القول بانتفاء الخزي عنه وأقسمت عليه انطوى ذلك على اعتقادها أنَّ ذلك لسببٍ عظيمٍ، فيُقدَّر السُّؤال عن خصوصه، حتَّى كأنَّه قِيلَ: هل سبب ذلك هو الاتّصاف بمكارم الأخلاق ومحاسن الأوصاف كما يشير إليه كلامك؟ فقالت: إنَّك (لَتَصِلُ الرَّحِمَ) أي: القرابة (وَتَحْمِلُ الْكَلَّ) بفتح الكاف وتشديد اللَّام، وهو الذي لا يستقلُّ بأمره، أو الثِّقْل؛ بكسر المُثلَّثة وإسكان القاف (وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة، أي: تعطي النَّاس ما لا يجدونه عند غيرك. و«كَسَبَ» يتعدَّى بنفسه إلى واحدٍ؛ نحو: كسبت المال، وإلى اثنين؛ نحو: كسبت غيري المال، وهذا منه، ولابن عساكر وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: ((وتُكسِب)) بضمِّ أوَّله من «أَكْسَب» أي: تُكْسِب غيرك المال المعدوم، أي: تتبرَّع له به، فحذف الموصوف وأقام الصِّفة مقامه، أو تعطي النَّاس ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد ومكارم الأخلاق، أو: تكسب المال وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله، ثمَّ تجود به وتنفقه في وجوه المكارم. والرِّواية الأولى أصحُّ، كما قاله عيَّاضٌ، وعلى الرِّواية الثَّانية قال الخطَّابيُّ: الصَّواب: المُعدَم؛ بلا واوٍ، أي: الفقير؛ لأنَّ المعدوم لا يكسب، وأُجِيب: بأنَّه لا يمتنع أن يُطلَق على المُعدَم المعدومُ؛ لكونه كالمعدوم الميت الذي لا تصرُّف له، وفي «تهذيب الأزهريِّ» عن ابن الأعرابيِّ: رجلٌ عديمٌ: لا عقل له، ومعدومٌ: لا مال له، قال في «المصابيح»: كأنَّهم نزَّلوا وجود من لا مال له
ج1ص64
منزلةَ العدم (وَتَقْرِي الضَّيْفَ) بفتح أوَّله بلا همزٍ ثلاثيًّا. قال الأُبِّيُّ: وسُمِعَ بضمِّها رباعيًّا، أي: تهيِّئ له طعامه ونُزُلَه (وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ) أي: حوادثه، وإنَّما قالت: على نوائب الحقِّ؛ لأنَّها تكون في الحقِّ والباطل، قال لبيد: [من الطَّويل]
~نوائبُ من خيرٍ وشرٍّ كلاهما فلا الخير ممدودٌ ولا الشَّرُّ لازبُ
ولذلك أضافتها إلى «الحقِّ»، وفيه إشارةٌ إلى فضل خديجة وجزالة رأيها، وهذه الخصلة جامعةٌ لأفراد ما سبق وغيره، وإنَّما أجابته بكلامٍ فيه قَسَمٌ وتأكيدٌ بإنَّ واللَّام لتزيل حيرته ودهشته، واستدلَّت على ما أقسمت عليه بأمرٍ استقرائيٍّ جامعٍ لأصول مكارم الأخلاق. وفيه دليلٌ على أنَّ مَنْ طُبِعَ على أفعال الخير لا يصيبه ضيرٌ.
(فَانْطَلَقَتْ) أي: مضت (بِهِ خَدِيجَةُ) رضي الله عنها مصاحبةً له؛ لأنَّها تلزم الفعل اللَّازم المعدَّى بالباء، بخلاف المعدَّى بالهمزة كأذهبته (حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ) بنصب «ابن» الأخير بدلًا من «ورقة» أو صفةً، ولا يجوز جرُّه؛ لأنَّه يصير صفةً لـ «عبد العزَّى»، وليس كذلك، ويُكتَب بالألف ولا تُحذَف؛ لأنَّه لم يقع بين علمين، وراء «ورَقة» مفتوحةٌ، وتجتمع معه خديجة في أسدٍ؛ لأنَّها بنت خويلد بن أسدٍ (وَكَانَ) ورقة (امْرَأً قد) ترك عبادة الأوثان و(تَنَصَّرَ) وللأربعة ((وكان امرأً تنصَّر)) (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) بإسقاط: «قد»، وذلك أنَّه خرج هو وزيدُ بن عمرو بن نفيلٍ لمَّا كرها طريق الجاهليَّة إلى الشَّام وغيرها يسألون عن الدِّين، فأعجب ورقة النَّصرانية؛ لِلُقِيِّه من لم يبدِّل شريعة عيسى عليه الصلاة والسلام (وَكَانَ) ورقة أيضًا (يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ) أي: الكتابة العبرانيَّة، وفي «مسلمٍ» كـ «البخاريِّ» في «الرُّؤيا»: الكتاب العربيَّ [خ¦6982] وصحَّحه الزَّركشيُّ باتِّفاقهما (فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ) أي: الذي شاء الله كتابته، فحذف العائد، والعِبرانيَّة؛ بكسر العين فيهما: نسبةً إلى العِبْر؛ بكسر العين وإسكان الموحَّدة، زيدت الألف والنُّون في النِّسبة على غير قياسٍ، قِيلَ: سُمِّيت بذلك لأنَّ الخليل عليه السلام تكلَّم بها لمَّا عبر الفرات فارًّا من نمروذ [16]، وِقيلَ: إنَّ التَّوراة عبرانيَّةٌ، والإنجيل سريانيٌّ، وعن سفيان: ما نزل من السَّماء وحيٌ إلَّا بالعربيَّة، وكانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تترجمه لقومها، و«الباء» في: «بالعبرانيَّة» تتعلَّق بقوله: «فيكتب» أي: فيكتب [17] باللُّغة العبرانيَّة من الإنجيل؛ وذلك لتمكُّنه في دين النَّصارى ومعرفته بكتابهم (وَكَانَ) ورقة (شَيْخًا كَبِيرًا) حال كونه (قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ) رضي الله تعالى عنها: (يَا بْنَ عَمِّ، اسْمَعْ) بهمزة وصلٍ (مِنَ ابْنِ أَخِيكَ) تعني: النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ الأب الثَّالث لورقة هو الأخ للأب الرَّابع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قالته على سبيل الاحترام (فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا بْنَ أَخِي؛ مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم خَبَرَ مَا) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ ((بخبر ما)) (رَأَى. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ) بالنُّون والسِّين المُهملَة، وهو صاحب السرِّ؛ كما عند المؤلِّف في أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام [خ¦3392بعد] وقال ابن دريدٍ: هو صاحب سرِّ الوحي، والمُرَاد به: جبريل عليه الصلاة والسلام ، وأهل الكتاب يسمُّونه النَّاموس الأكبر (الَّذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى) زاد الأَصيليُّ: ((صلى الله عليه وسلم))، و«نزَّل» بحذف الهمزة يُستعمَل فيما نزل نجومًا، وللكُشْمِيهَنِيِّ: ((أنزل الله تعالى)) ويُستَعمَل فيما نزل جملةً، وفي التَّفسير: «أُنزِل» مبنيًّا للمفعول، فإن قلت: لِمَ قال: موسى؟ ولم يَقُلْ: عيسى، مع كونه أي ورقة نصرانيًّا؟ أجيب: بأنَّ كتاب موسى مشتملٌ على أكثر الأحكام، وكذلك كتاب نبيِّنا عليه الصلاة والسلام، بخلاف كتاب عيسى؛ فإنَّ كتابه أمثالٌ ومواعظُ، أو قاله تحقيقًا للرِّسالة؛ لأنَّ نزول جبريل على موسى متَّفَقٌ عليه عند أهل الكتابين بخلاف عيسى، فإنَّ كثيرًا من اليهود ينكرون نبوَّته، وفي رواية الزُّبير بن بكَّارٍ بلفظ: «عيسى» (يَا لَيْتَنِي فِيهَا) أي: في مدَّة النُّبوَّة أو الدَّعوة، وجعل أبو البقاء المُنادَى محذوفًا، أي: يا محمَّد. وتُعقِّب: بأنَّ قائلَ «ليتني» قد يكون وحده، فلا يكون معه مُنادَى، كقول مريم: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ} [مريم: 23] وأجيب: بأنَّه قد يجوز أن يجرِّد من نفسه نفسًا فيخاطبها، كأنَّ مريم قالت: يا نفسي ليتني متُّ، وتقديره هنا: ليتني أكون في أيَّام الدَّعوة (جَذَعًا) بفتح الجيم
ج1ص65
والمُعجَمة وبالنَّصب خبر «كان» مقدَّرة عند الكوفيِّين، أو على الحال من الضَّمير المستكن في خبر «ليت»، وخبر «ليت» قوله: «فيها» أي: ليتني كائنٌ فيها حال الشَّبيبة والقوَّة لأنصرنَّك، أو على أنَّ «ليت» تنصب الجزأين، أو بفعلٍ محذوفٍ، أي: جُعِلتُ فيها جذعًا، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي: ((جذعٌ)) بالرَّفع خبر «ليت»، وحينئذٍ فالجارُّ يتعلَّق بما فيه من معنى الفعل، كأنَّه قال: يا ليتني شابٌّ فيها، والرِّواية الأولى أكثر وأشهر، والجذع: هو الصَّغير من البهائم، واستُعير للإنسان، أي: يا ليتني كنت شابًّا عند ظهور نبوَّتك حتَّى أقوى على المُبالَغة في نصرتك (لَيْتَنِي) وللأَصيليِّ: ((يا ليتني)) (أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ) من مكَّة، واستعمل «إذ» في المُستقبَل كـ «إذا» على حدِّ: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} [مريم: 39]. قال ابن مالكٍ: وهو صحيحٌ [18]، وتعقَّبه البلقينيُّ: بأنَّ النُّحاة منعوا وروده، وأوَّلوا ما ظاهره ذلك، فقالوا في مثل هذا: استعمل الصِّيغة الدَّالة على المضيِّ لتحقُّق وقوعه، فأنزلوه منزلته. ويقوِّي ذلك هنا أنَّ في رواية البخاريِّ في «التَّعبير»: «حين يخرجك قومك» [خ¦6982] وهو على سبيل المجاز كالأوَّل. وعُورِض: بأنَّ المؤوِّلين ليسوا [19] النَّحويين، بل البيانيُّون، وبأنَّه كيف يمنع وروده مع وجوده في أفصح الكلام؟ وأُجِيب: بأنَّه لعلَّه أراد بمنع الورود ورودًا محمولًا على حقيقة الحال، لا على تأويل الاستقبال، فإن قلت: كيف تمنَّى ورقة مستحيلًا، وهو عود الشَّباب؟ أُجِيب: بأنَّه يسوغ تمنِّي المستحيل [20] إذا كان في فعل خيرٍ، أو بأنَّ التَّمنِّي ليس مقصودًا على بابه، بل المُرَاد به: التَّنبيه على صحَّة ما أخبره به، والتَّنويه بقوَّة تصديقه فيما يجيء به، أو قاله على سبيل التَّحسُّر؛ لتحقُّقه عدم عَود الشَّباب.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: أَوَ) بفتح الواو (مُخْرِجِيَّ هُمْ؟!) بتشديد الياء مفتوحةً؛ لأنَّ أصله: مخرجوني، جمع: مُخرِجٍ من الإخراج، فحُذِفت نون الجمع للإضافة إلى ياء المتكلِّم، فاجتمعت ياء المتكلم وواو علامة الرَّفع وسُبِقت إحداهما بالسُّكون فأُبدِلت الواوُ ياءً وأُدغِمت، ثمَّ أُبدِلت الضَّمة التي كانت سابقة الواو كسرةً وفُتِحَت ياء «مخرجيَّ» تخفيفًا، و«هم»: مبتدأٌ خبره: «مخرجيَّ» مقدَّمًا، ولا يجوز العكس؛ لأنَّه يلزم منه الإخبار بالمعرفة عن النَّكرة؛ لأنَّ إضافة «مخرجيَّ» غير محضةٍ لأنَّها لفظيَّةٌ لأنَّه اسم فاعلٍ بمعنى: الاستقبال، والهمزة للاستفهام الإنكاريِّ؛ لأنَّه استبعد إخراجه من الوطن، لا سيَّما حَرَمُ الله وبلد أبيه إسماعيل من غير سببٍ يقتضي ذلك، فإنه صلى الله عليه وسلم كان جامعًا لأنواع المحاسن المقتضية لإكرامه، وإنزاله منهم محلَّ الرُّوح من الجسد، فإن قلت: الأصل أن يُجاء بالهمزة بعد العاطف؛ نحو: {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [الأنعام: 95] و{فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} [التكوير: 26] وحينئذٍ ينبغي أن يقول هنا: وأمخرجيَّ؟! لأنَّ العاطف لا يتقدَّم عليه جزءٌ ممَّا عطف. أُجِيب: بأنَّ الهمزة خُصَّت بتقديمها على العاطف؛ تنبيهًا على أصالتها في أدوات الاستفهام، وهو له الصَّدر؛ نحو: {أَوَلَمْ يَنظُرُوا} [الأعراف: 185]؟! {أَفَلَمْ يَسِيرُوا} [يوسف: 109]؟! هذا مذهب سيبويه والجمهور. وقال جار الله وجماعةٌ: إنَّ الهمزة في محلِّها الأصليِّ، وإنَّ العطف على جملةٍ مقدَّرةٍ بينها وبين العاطف، والتَّقدير: أمعاديَّ هم ومخرجيَّ هم؟! وإذا دعت الحاجة لمثل هذا التَّقدير؛ فلا يُستنكَر، فإن قلت: كيف عطف قوله: «أو مخرجيَّ هم؟!» _وهو إنشاءٌ_ على قول ورقة: «إذ يخرجك قومك» وهو خبرٌ وعطف الإنشاء على الخبر لا يجوز، وأيضًا فهو عطف جملةٍ على جملةٍ، والمتكلِّم مختلفٌ؟ أُجِيب: بأنَّ القول بأنَّ عطف الإنشاء على الخبر لا يجوز إنَّما هو رأي أهل البيان، والأصحُّ عند أهل العربيَّة جوازه، وأمَّا أهل البيان فيقدِّرون في مثل ذلك جملةً بين الهمزة والواو، وهي المعطوف عليها، فالتَّركيب سائغٌ عند الفريقين، أمَّا المجوِّزون لعطف الإنشاء على الخبر فواضحٌ، وأمَّا المانعون فعلى التَّقدير المذكور. وقال بعضهم: يصحُّ أن تكون جملة الاستفهام معطوفةً على جملة التَّمنِّي في قوله: «ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك» بل هذا هو الظَّاهر، فيكون المعطوف عليه أوَّل الجملة لا آخرها الذي هو ظرفٌ متعلِّقٌ بها، والتَّمنِّي إنشاءٌ، فهو من عطف الإنشاء على الإنشاء، وأمَّا العطف على جملةٍ في كلام الغير فسائغٌ معروفٌ في القرآن العظيم والكلام الفصيح، قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [البقرة: 124].
(قَالَ)
ج1ص66
ورقة: (نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ) من الوحي (إِلَّا عُودِيَ) لأنَّ الإخراج عن المألوف موجبٌ لذلك (وَإِنْ يُدْرِكْنِي) بالجزم بـ «إن» الشَّرطيَّة (يَوْمُكَ) بالرَّفع فاعل «يدركني» أي: يوم انتشار نبوَّتك (أَنْصُرْكَ) بالجزم جواب الشَّرط (نَصْرًا) بالنَّصب على المصدريَّة (مُؤَزَّرًا) بضمِّ الميم وفتح الزَّاي المشدَّدة آخره راءٌ مهملَةٌ مهموزًا، أي: قويًّا بليغًا، وهو صفةٌ لـ «نصرًا»، ولمَّا كان ورقة سابقًا واليوم متأخِّرًا أسند الإدراك لليوم؛ لأنَّ المتأخِّر هو الذي يدرك السَّابق، وهذا ظاهره أنَّه أقرَّ بنبوَّته، ولكنَّه مات قبل الدَّعوة إلى الإسلام، فيكون مثل بحيرا، وفي إثبات الصُّحبة له نظرٌ، لكن في «زيادات المغازي» من رواية يونس بن بُكيرٍ، عن ابن إسحاق: «فقال له ورقة: أبشر، ثمَّ أبشر، فأنا أشهد أنَّك الذي بشَّر به [21] ابن مريم، وأنَّك على مثل ناموس موسى، وأنَّك نبيُّ مُرسَلٌ...» الحديث. وفي آخره: «فلمَّا تُوفِّي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رأيت القسَّ في الجنَّة عليه ثياب الحرير؛ لأنَّه آمن بي وصدَّقني». وأخرجه البيهقيُّ من هذا الوجه في «الدَّلائل» وقال: إنَّه منقطعٌ، ومال البلقينيُّ إلى أنَّه يكون بذلك أوَّل من أسلم من الرِّجال، وبه قال العراقيُّ في «نكته على ابن الصَّلاح»، وذكره ابن منده في «الصَّحابة».
(ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة والمُعجَمة، أي: لم يلبث (وَرَقَةُ) _بالرَّفع_ فاعل «ينشب» (أَنْ تُوُفِّي) بفتح الهمزة وتخفيف النُّون، وهو بدل اشتمالٍ من «ورقة» أي: لم تتأخَّر وفاته عن هذه القصَّة، واختلف في وقت موت ورقة، فقال الواقديُّ: إنَّه خرج إلى الشَّأم، فلمَّا بلغه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أُمِرَ بالقتال بعد الهجرة أقبل يريده، حتَّى إذا كان ببلاد لخمٍ وجذام قتلوه وأخذوا ما معه، وهذا غلطٌ بيِّن؛ فإنَّه مات بمكَّة بعد المبعث [22] بقليلٍ جدًا، ودُفِنَ بمكَّة؛ كما نقله البلاذُريُّ وغيره، ويعضده قوله هنا، وكذا في «مسلمٍ»: ثمَّ لم ينشب [23] ورقة أن تُوفِّي (وَفَتَرَ الْوَحْيُ) أي: احتبس ثلاث سنين؛ كما في «تاريخ أحمد»، وجزم به ابن إسحاق، وفي بعض الأحاديث: أنَّه قدر سنتين ونصف، وزاد معمر عن الزُّهريِّ في «التَّعبير»: حتَّى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم _فيما بلغنا_ حزنًا غدا [24] منه مرارًا كي يتردَّى من رؤوس شواهق الجبال [خ¦6982]، ويأتي إن شاء الله تعالى ما في الكلام على ذلك من جهة الإسناد والمتن والمعنى في سورة «اقرأ» من «التَّفسير» [خ¦4953] فإن قلت: إنَّ قوله: «ثمَّ لم ينشب ورقة أن تُوفِّي» مُعارَضٌ بما عند ابن إسحاق في «السِّيرة»: أنَّ ورقة كان يمرُّ ببلال وهو يُعذَّب لمَّا أسلم، فإنَّه يقتضي تأخُّره إلى [25] زمن الدَّعوة، ودخول بعض النَّاس في الإسلام. أُجِيب: بأنَّا لا نسلِّم المُعارَضة؛ لأنَّ شرطها المُساوَاة، وما روي في «السِّيرة» لا يقاوم [26] ما في «الصَّحيح» ولئن سلَّمنا فلعلَّ راوي ما في «الصَّحيح» لم يحفظ لورقة بعد ذلك شيئًا، ومن ثمَّ جعل هذه القصَّة انتهاء أمره بالنِّسبة إلى ما علمه منه [27]، لا بالنِّسبة إلى ما في نفس الأمر، وحينئذٍ: فتكون الواو في قوله: «وفتر الوحي» ليست للتَّرتيب. ورواة هذا الحديث ما بين مصريٍّ [28] ومدنيٍّ، وفيه تابعيٌّ عن تابعي، وأخرجه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4953] و«التَّعبير» [خ¦6982] و«الإيمان» [خ¦4]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ: أخبرني عروة بكذا (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بفتحتين، واسمه: عبد الله (بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ، المُتوفَّى بالمدينة سنة أربعٍ وتسعين، وأتى المؤلِّف بواو العطف لغرض بيان الإخبار عن عروة وأبي سلمة، وإلَّا فمقول القول لا يكون بالواو، وحينئذٍ: فليس هذا من التَّعاليق، ولو كانت صورته صورته، خلافًا للكرمانيِّ؛ حيث أثبته منها، وقد خطَّأه في «الفتح» (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بن عمرٍو (الأَنْصَارِيَّ) الخزرجيَّ، المتوفَّى بعد أن عَمِيَ سنة ثمانٍ أو أربعٍ أو ثلاثٍ أو تسعٍ وسبعين، وهو آخر الصَّحابة موتًا بالمدينة، وله في البخاريِّ تسعون حديثًا، وهمزة أَن مفتوحةٌ؛ لأنَّها في محلِّ نصبٍ على المفعوليَّة (قَالَ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ) أي: في حال التَّحديث عن احتباس الوحي عن النُّزول: (فَقَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (فِي حَدِيثِهِ: بَيْنَا) أصله: بينَ، فأُشبِعت فتحة النُّون فصارت ألفًا، وهي ظرف زمانٍ مكفوفٌ بالألف عن الإضافة إلى المُفرَد، والتَّقدير بحسب
ج1ص67
الأصل: بين أوقاتٍ (أَنَا أَمْشِي) وجواب «بينا» قوله: (إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ) أي: في أثناء أوقات المشي فاجأني السَّماع (فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ) جبريل (الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ) خبرٌ عن «الملَك» الذي هو مبتدأٌ، و«الذي جاءني بحراء» صفته، والفاء في «فإذا» فجائيَّةٌ؛ نحو: خرجت فإذا الأسد بالباب، ويجوز نصب «جالسٌ» على الحال، وحينئذٍ: يكون خبرًا لمبتدأٍ محذوفٍ، أي: فإذا الملك الذي جاءني بحراءَ شاهدٌ أو حاضرٌ حال كونه جالسًا (عَلَى كُرْسِيٍّ) بضمِّ الكاف وقد تُكسَر (بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) ظرفٌ في محلِّ جرٍّ صفةٌ لـ «كرسيٍّ» (فَرُعِبْتُ مِنْهُ) بضمِّ الرَّاء وكسر العين المُهملَة مبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعله، وللأَصيليِّ: ((فرَعُبت منه)) بفتح الرَّاء وضمِّ العين، أي: فزعت (فَرَجَعْتُ) إلى أهلي بسبب الرُّعب (فَقُلْتُ) لهم: (زَمِّلُونِي زمِّلوني) كذا لأبوَي ذَرٍّ والوقت بالتَّكرار مرَّتين، ولكريمة: مرَّةً واحدةً ولمسلمٍ كالمؤلِّف في «التَّفسير» من رواية يونس: «دثِّروني» [خ¦4924] قال الزَّركشيُّ: وهو أنسب؛ لقوله: (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((عزَّ وجلَّ)) بدل قوله «تعالى» ({يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ}) إيناسًا له وتلطُّفًا، والتَّدثير والتَّزميل بمعنًى واحدٍ، والمعنى: يا أيُّها المدَّثِّر بثيابه، وعن عكرمة، أي: المدَّثِّر بالنُّبوَّة وأعبائها ({قُمْ فَأَنْذِرْ...}) حَذِّرْ من العذاب مَنْ لم يؤمن بك، وفيه دلالةٌ على أنَّه أُمِرَ بالإنذار عقب نزول الوحي؛ للإتيان بفاء التَّعقيب، واقتصر على الإنذار؛ لأنَّ التَّبشير إنَّما يكون لمن دخل في الإسلام، ولم يكن إذ ذاك مَنْ دخل فيه (إِلَى قَوْلِهِ: {وَالرُّجْزَ}) أي: الأوثان ({فَاهْجُرْ}) زاد الأربعة: ((الآية)) (فَحَمِيَ) بفتح الحاء المُهملَة وكسر الميم، أي: فبعد نزول هذه الآية كَثُرَ (الْوَحْيُ) أي: نزوله (وَتَتَابَعَ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: ((وتواتر)) بالمثنَّاتين بدل «وتتابع» وهما بمعنىً. وإنَّما لم يكتف بـ «حمي» لأنَّه لا يستلزم الاستمرار والدَّوام والتَّواتر.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وأخرجه في «الأدب» [خ¦6214] و«التَّفسير» [خ¦4926]، ومسلمٌ أيضًا فيه (تَابَعَهُ) أي: تابع يحيى ابن بُكيرٍ شيخ المؤلِّف في رواية هذا الحديث عن اللَّيث بن سعدٍ (عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، وحديثه عند المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4926] و«الأدب» [خ¦3238]) كذا تابعه (أَبُو صَالِحٍ) كلاهما عن اللَّيث، وأبو صالحٍ: هو عبد الله كاتب اللَّيث، أو هو عبد الغفَّار بن داود البكريُّ الحرَّانيُّ الإفريقيُّ المولد، المُتوفَّى بمصر سنة أربعٍ وعشرين ومئتين، وكلاهما روى عنه المؤلِّف، ووهَّم في «فتح الباري» القائل بالثَّاني، وقد أكثر المؤلِّف عن الأوَّل من المعلَّقات، وروايته لهذا الحديث عن اللَّيث أخرجها يعقوب ابن سفيان في «تاريخه» مقرونًا بيحيى ابن بُكيرٍ، فيكون رواه عن اللَّيث ثلاثةٌ: يحيى، وعبد الله ابن يوسف، وأبو صالحٍ (وَتَابَعَهُ) أي: وتابع عُقيل بن خالدٍ شيخ اللَّيث في هذا الحديث أيضًا (هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ) بدالين مُهملَتين الأولى مشدَّدة، الطَّائيُّ، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الموضع (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، وحديثه في «الزُّهريَّات» للذُّهليِّ (وَقَالَ يُونُسُ) بن يزيد بن مُشكان الأَيْليُّ _بفتح الهمزة وسكون المثنَّاة التَّحتيَّة_ التابعيُّ، المتوفَّى بمصر سنة تسعٍ وخمسين ومئةٍ، ممَّا وصله في التَّفسير [خ¦4953] مَعْمَرٌ) _بفتح الميمين وسكون العين_ أبو عروة بن أبي عمرو بن راشدٍ الأزديُّ الحرانيُّ مولاهم، عالم اليمن، المُتوفَّى سنة أربعٍ أو ثلاثٍ أو اثنتين وخمسين ومئةٍ، فيما وصله المؤلِّف في «تعبير الرُّؤيا» [خ¦6982] في روايتهما عن الزُّهريِّ: (بَوَادِرُهُ) كذا في رواية الأَصيليِّ وأبي الوقت _بفتح المُوحَّدة_ جمع بادرةٍ، وهي اللَّحمة التي بين المنكب والعنق تضطرب [29] عند فزع الإنسان، فوافقا عُقيلًا عليه، إلَّا أنَّهما قالا بدل قوله: «يرجف فؤاده» «ترجف بوادره»، وهما مستويان في أصل المعنى؛ لأنَّ كلًّا منهما دالٌّ على الفزع، ولأبي ذَرٍّ وكريمة عن الكُشْمِيهَنِيِّ وأبي الوقت في نسخةٍ وابن عساكر ((وقال يونس ومعمر: تواتر [30]))، وهذا أوَّل موضعٍ جاء فيه ذكر المُتابَعة؛ وهي أن يختبر الحديث وينظر في [31] الدَّواوين المُبوَّبة والمُسنَدة وغيرها؛ كالمعاجم والمشيخات والفوائد، هل شارك راويه [32] الذي يظنُّ تفرُّده به راوٍ آخرُ فيما رواه عن شيخه؟ فإن شاركه راوٍ معتبرٌ فهي متابعةٌ حقيقيةٌ، وتُسمَّى المتابعة التَّامَّة إن اتَّفقا في رجال السَّند كلِّهم؛ كمتابعة عبد الله وأبي صالحٍ؛ إذ وافقا ابن بُكيرٍ في شيخه اللَّيث إلى آخره، وإن شُورِك
ج1ص68
شيخه في روايته له عن شيخه فما فوقه إلى آخر السَّند واحدًا واحدًا حتَّى الصَّحابيَّ فمتابعٌ [33] أيضًا، لكنَّه في ذلك قاصرٌ عن مشاركته هو؛ كمتابعة هلال؛ إذ وافقه في شيخ شيخه، وكلَّما بَعُدَ فيه المتابع كان أنقص، وفائدتها: التَّقوية، ولا اقتصار فيها على اللَّفظ، بل لو جاءت بالمعنى كفى؛ كقول يونس ومعمرٍ في روايتهما عن الزُّهريِّ: «بوادره»؛ خلافًا لظاهر «ألفيَّة العراقيِّ» في التَّخصيص باللَّفظ، وحُكِيَ عن قومٍ كالبيهقيِّ، نعم؛ هي مخصوصةٌ بكونها من رواية ذلك الصَّحابيِّ، وقد يُسمَّى كلُّ واحدٍ من المتابع لشيخه فمن فوقه شاهدًا، ولكنَّ تسميته تابعًا أكثر.
ج1ص69


[1] في (د) و(ص): «فهو».
[2] قوله: «موضِّحةٌ، وأهل المعاني يسمونها... بأضغاث الأحلام» سقط من (م).
[3] في (م): «ثقب».
[4] في (د): «التَّحنُّث».
[5] في غير (د) و(س): «مطلب».
[6] في (ب): «مدَّة».
[7] في (ص) و(م): «بالغار».
[8] قوله: «برفع الدَّال في اليونينيَّة لأبوَي ذَرٍّ والوقت، عطفًا على يتحنَّث» سقط من (م)، وفيها: «التَّحنُّث».
[9] في (ص): «كما هي».
[10] زيد في (د): «فقلت».
[11] في (م): «فقلت»، وفي هامشها: (ولا فاء في الرِّوايتين منه).
[12] في (د): «الطَّبرانيِّ»، وليس بصحيحٍ.
[13] في (ب) و(س): «أمور».
[14] «إليه»: ليس في (ص) و(م).
[15] في (د): «الرَّوع».
[16] في (د) و(ص): «نمرود».
[17] في غير (د) و(ص): «يكتب».
[18] في (د): «الصَّحيح».
[19] في (ص) و(م): «ليس».
[20] في (ص): «المحال».
[21] في (ب) و(ص): «بك».
[22] في (د): (البعث).
[23] في (ص): «لم يلبث».
[24] وقع في (ص): «عدي».
[25] في غير (د) و(س): «على».
[26] في (ص): «لا يعارض».
[27] «منه»: ليس في (ص).
[28] في (م): «بصريٍّ»، وهو تحريفٌ.
[29] في (ص) و(م): «تضرب».
[30] في (د): «بواتره».
[31] في غير (د): «من».
[32] في (د): «رواية».
[33] في (د) و(س) و(ص): «فتابع».