شرح الجامع الصحيح لابن بطال

كتاب الحيض

          ░░6▒▒ كِتَابُ الحَيْضِ.
          قَالَ(1) اللهُ ╡: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ في المَحيْضِ(2)} إلى قوله(3): {المُتَطَهِّرِينَ}[البقرة:222].
          اختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقالت طائفةٌ: لا يجوز وطء الحائض وإن انقطع دمها حتَّى تغتسل بالماء، رُوِيَ هذا عن الحَسَنِ والنَّخَعِيِّ(4) ومَكْحُوْلٍ وسُلَيْمَانَ بنِ يَسَارٍ وعِكْرِمَةَ ومجاهدٍ، وهو قول مالكٍ واللَّيثٍ والثَّوْرِيِّ والشَّافعيِّ وأحمدَ، وإِسْحَاقَ وأبي ثَوْرٍ. واختلف العلماء في الحائض هل يجوز وطؤها إذا انقطع دمها قبل أن تغتسل أم لا؟ فقال مالكٌ واللَّيثُ والثَّوْرِيُّ والشَّافعيُّ وأحمدُ وإِسْحَاقُ وأبو ثَوْرٍ(5): لا توطأ حتَّى تغتسل بالماء، وهو قول الشَّعْبِيٍّ ومجاهدٍ والحَسَنَ ومَكْحُوْلٍ وسُلَيْمَانَ بنَ يَسَارٍ وعِكْرِمَةَ(6). وقال أبو حنيفةَ وأصْحابه: إن انقطع دمها بعد عشرة أيَّام _الَّذي(7) هو عنده أكثر الحيض_ جاز له أن يطأها قبل الغُسْلِ، وإن انقطع دمها قبل العشرة لم يجز حتَّى تغتسل أو يمرَّ عليها وقت صلاةٍ؛ لأنَّ الصَّلاة تجب عند آخرِ(8) الوقت، فإذا مضى عليها آخر الوقت ووجبت عليها(9) الصَّلاة علم(10) أنَّ الحيض قد زال؛ لأنَّ الحائض لا يجب عليها صلاةٌ. وقال الأوزاعيُّ: إن غسلتْ فرجها جاز لزوجها وطؤها، وإن لم تغسله لم يجزْ، وبه قالت طائفةٌ مِن أصحاب الحديث، ورُوِيَ مثله عن عَطَاءٍ وطَاوُسٍ وقَتَادَةَ. واحتَجَّ أهل هذه المقالة بقوله(11): {حَتَّى يَطْهُرْنَ}[البقرة:222]أي حتَّى ينقطع دمهنَّ، فجعل تعالى غاية منع قُربها انقطاع دمها، والدَّليل على ذلك أنَّ الصَّوم قد حلَّ لها بانقطاع دمها، فوجب أن يحلَّ وطؤها قبل الغُسْلِ، كالجُنُب يجوز مجامعتها قبل الغُسْلِ، قالوا: ولا يخلو بعد انقطاع الدَّم وقبل الغُسْلِ أن تكون طاهرًا أو حائضًا، فإن كانت حائضًا فالغُسْلُ ساقطٌ عنها، وفي اتِّفاقهم أنَّ الغُسْلَ عليها واجبٌ(12) بانقطاع الدَّم دليلٌ أنَّها قد طهُرت من حيضتها، والطَّاهر جائزٌ وطؤها. وقوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ(13)}[البقرة:222]إباحةٌ ثانيةٌ، وابتداء كلامٍ غير الأوَّل؛ لأنَّ الطُّهر شيءٌ والتَّطهير غيره، مثال ذلك: لو أنَّ رجلًا صائمًا قال لرجلٍ: لا تكلِّمني حتَّى أفطر، فإذا صلَّيت المغرب كلِّمني، فإنَّما(14) وقع التَّحريج في المخاطبة في وقت الصَّوم؛ لأنَّ غاية التَّحريج كانت إلى الإفطار، ثمَّ أباحه أن يكلِّمه بعد وُجُوب الإفطار وبعد(15) أن يصلِّي المغرب، كما أُبيح وطء الحائض بعد الطُّهر، وبعد التَّطهير تأكيدًا للتَّحليل، غير أنَّ قوله: {يُحِبُّ التَّوَّابِيْنَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِيْنَ}[البقرة:222]دلالةٌ(16) أنَّ الَّذي يأتي زوجته بعد أن تتنظَّف بالماء أحمدُ عند الله، كمن توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا كان أحمد ممَّن توضَّأ مرَّة مرَّة. واحتَجَّ أهل المقالة الأولى، / فقالوا: الدَّليل على أنَّ المراد بالآية التَّطهر بالماء قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ}[البقرة:222]فأضاف الفعل إليهنَّ، ولا يجوز أن يعود إلى انقطاع الدَّم؛ لأنَّه لا فعل لها(17) في قطعه، فعُلم(18) أنَّه أراد التَّطهير بالماء، ألا ترى أنَّه تعالى أثنى على مَن فعل ذلك بقوله: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِيْنَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِيْنَ}[البقرة:222]، والثَّناء لا يقع إلَّا على فعل يقع مِن جهتهنَّ(19)، وتقدير الآية: فلا(20) تقربوهنَّ حتَّى يطهرن ويتطهَّرن، وهذا كقوله(21): لا تعطِ زيدًا شيئًا حتَّى يدخل الدَّار، فإذا دخل الدَّار(22) وقعد فأعطه، فيقتضي(23) ألَّا يستحق العَطَاء إلَّا بشرطين وهما: الدُّخُول والقُعُود، وقد يقع التَّحريم بشيءٍ ولا يزول بزواله بعلَّةٍ أخرى، كقوله تعالى في المبتوتة: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}[البقرة:230]وليس بنكاح الزَّوج تحلُّ له حتَّى يُطَلِّقَها(24) الزَّوج وتعتدَّ مِنه، وكقوله ◙: ((لَا تُوْطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيْضَ(25))) ومعلومٌ أنَّها لا توطأُ نُفَسَاءٌ ولا حائضٌ(26) حتَّى تطهر، ولم تكن هاهنا (حتَّى(27)) بمبيحةٍ لما قام الدَّليل على حظره(28). وقول أبي حنيفةَ لا وجه له، وقد حكم أبو حنيفةَ وأصحابه للحائض بعد انقطاع دمها بحكم الحائض في العِدَّة، وقالوا: لزوجها عليها الرَّجعة ما لم تغتسل، فعلى قياس قولهم هذا لا يجب أن توطأ حتَّى تغتسل، قال إِسْمَاعِيْلُ بنُ إِسْحَاقَ: ولا أعلم أحدًا ممَّن رُوِيَ عنه العلم من التَّابعين ذكر في ذلك وقت صلاة.


[1] في (م): ((قول)).
[2] قوله: ((فاعتزلوا النِّساء في المحيض)) ليس في المطبوع و(ص)، وزاد في (م): ((ولا تقربوهن حتَّى يطهرن)).
[3] قوله: ((قوله)) ليس في (ص).
[4] في (م): ((عن النَّخعيِّ والحسن)).
[5] قوله: ((وأبو ثور)) ليس في (ص).
[6] قوله: ((واختلف العلماء في الحائض هل يجوز وطؤها إذا انقطع دمها قبل أن تغتسل أم لا؟ فقال مالكٌ واللَّيثُ والثَّوْرِيُّ والشَّافعيُّ وأحمدُ وإِسْحَاقُ وأبو ثَوْرٍ: لا توطأ حتَّى تغتسل بالماء، وهو قول الشَّعْبِيِّ ومجاهدٍ والحَسَنِ ومَكْحُوْلٍ وسُلَيْمَانَ بنَ يَسَارٍ وعِكْرِمَةَ.)) ليس في (م).
[7] في (ص): ((التي)).
[8] في (م): ((عنده بآخر))، وفي المطبوع و(ص): ((عنده آخر)).
[9] في (م): ((فإذا مضى آخر الوقت وجب عليها)).
[10] في (م): ((فعلم)).
[11] زاد في (م): ((تعالى)).
[12] في (م): ((ابقائهم أنَّ الغسل واجب عليها)).
[13] زاد في (م): ((فأتوهنَّ)).
[14] في المطبوع و(ص): ((وإنَّما)).
[15] في (م): ((بعد)).
[16] في (ص): ((دليله)).
[17] في (م): ((لهنَّ)).
[18] في (م): ((يعلم)).
[19] في (ص): ((جهتين)).
[20] في (م): ((ولا))، وفي المطبوع و(ص): ((لا)).
[21] في (م) وتحتمل في (ص): ((كقولك)).
[22] قوله: ((الدَّار)) ليس في (م).
[23] في (ص): ((مقتضي)).
[24] في (م): ((فمتى طلَّقها)).
[25] قوله: ((وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيْضَ)) ليس في (ص).
[26] زاد في (ص): ((إلا)).
[27] في (م): ((ولم تكن حتَّى هاهنا)).
[28] في المطبوع و(ص): ((خطره)).