شرح الجامع الصحيح لابن بطال

[كتاب الشركة]

          ░░47▒▒ كِتَابُ الشَّرِكَةِ
          ░1▒ بَابُ(1) مَا جَاءَ في الشَّرِكَةِ في الطَّعَامِ وَالنَّهْدِ وَالعُرُوضِ
          وَكَيْفَ قِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ مُجَازَفَةً أَوْ قَبْضَةً قَبْضَةً لَمَّا لَمْ يَرَ المُسْلِمُونَ في النَّهْدِ بأسًا أَنْ(2) يُكَالَ(3) هَذَا بَعْضًا وَهَذَا بَعْضًا، وَكَذَلِكَ مُجَازَفَةُ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالقِرَانُ في التَّمْرِ.
          فيهِ جَابِرٌ: (بَعَثَ النَّبيُّ صلعم بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ، وأَمَّرَ(4) عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بنَ الجَرَّاحِ(5)، وَهُمْ ثَلاَثُمائَةٍ، وَأَنَا فِيهِمْ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِي الزَّادُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الجَيْشِ، فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ، فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ، فَكَانَ يُقَوِّتُنَا(6) كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِي، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ، فَقُلْتُ: وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ؟ قَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ. قال:(7) ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى البَحْرِ، فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ، فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الجَيْشُ ثَمَان عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلَعَيْنِ مِنْ أَضْلاَعِهِ فَنُصِبَا، ثُمَّ أَمَرَ(8) بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا، فَلَمْ تُصِبْهُمَا). [خ¦2483]
          وفيهِ سَلَمَةُ: (خَفَّتْ أَزْوَادُ القَوْمِ وَأَمْلَقُوا، فَأَتَوُا النَّبيَّ صلعم في نَحْرِ إِبِلِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: مَا بَقَاؤُكُمْ بَعْدَ إِبِلِكُمْ؟ فَدَخَلَ عَلَى النَّبيِّ صلعم فَقَالَ: مَا بَقَاؤُهُمْ بَعْدَ إِبِلِهِمْ(9)؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ(10) صلعم: نَادِ في النَّاسِ يَأْتُونَ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، فَبُسِطَ لِذَلِكَ نِطَعٌ، وَجَعَلُوهُ عَلَى ذَلِكَ النِّطْعِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلعم، فَدَعَا وبَرَّكَ(11) عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ بِأَوْعِيَتِهِمْ، فَاحتثَى(12) النَّاسُ حَتَّى فَرَغُوا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ(13) صلعم: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَإِنِّي رَسُولُ اللهِ). [خ¦2484]
          وفيهِ رَافِعٌ: (كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صلعم العَصْرَ، فَننحرُ(14) جَزُورًا، فَيُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمٍ، فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ). [خ¦2485]
          وفيهِ أَبُو مُوسَى: قَالَ النَّبيُّ صلعم: (إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا في الغَزْوِ، وَقَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ في إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي(15) وَأَنَا مِنْهُمْ). [خ¦2486]
          النَّهْدُ: ما يجمعُه الرُّفقاءُ مِنْ مالٍ أو طعامٍ، على قَدْرٍ في الرُّفْقَةِ، ينفقونَه بينهم، وقد تناهدوا، عن صاحبِ «العينِ»، وَقَالَ ابنُ دُرَيْدٍ: يُقال مِنْ ذلك: ناهدَ(16) القومُ الشَّيءَ، تناولوه بينهم.
          وقال المُهَلَّبُ: هذه القسمةُ لا تصلحُ إلَّا فيما جُعل للأكلِ خاصَّةً، لأنَّ طعامَ النَّهْدِ / وشبهِهِ [لم يُوضَعْ للآكلينَ على أنَّهم يأكلونَ بالسَّواءِ، وإنَّما يأكلُ كلُّ واحدٍ على قدرِ نَهْمَتَهُ، وقد يأكلُ الرَّجلُ أكثرَ مِنْ غيره، وهذه القسمةُ موضوعةٌ للمعروفِ(17)، وعلى طريقةٍ بين الآكلين، ألا ترى جمعَ أبي عُبَيْدَةَ بقيةِ أزوادِ النَّاسِ، ثمَّ شَرَكَهُم فيها بأن قسمَ لكلِّ واحدٍ منهم، وقد كانَ فيهم مَنْ لم يكن له بقيَّةُ طعامٍ، وقد أعطى لبعضِهم(18) أقلَّ ممَّا كان بقي له ولآخر أكثرَ، وكذلك في حديثِ سَلَمَةَ(19) ((قَسَمَ النَّبيُّ صلعم بَيْنَهُمْ بالاحتثاءِ)) وهو غير متساوٍ.](20)
          وهذا الفعلُ للنَّبِيِّ صلعم هو الذي امتثلَ أبو عبيدةَ في جمعِهِ للأزوادِ، وإنما يكونُ هذا عند شِدَّة المجاعةِ، فللسُّلطانِ أن يأمرَ النَّاسَ بالمساواةِ(21) ويُجبرَهم على ذلك ويُشْرِكَهم فيما بقي مِنْ أزوادِهم إحياءً لإرماقِهم وإبقاءً لنفوسِهم.
          وفيه أنَّ للإمامِ أن يواسي بين النَّاسِ في الأقواتِ في الحضرِ بثمنٍ وبغيرِ ثمنٍ، كما له فعلُ ذلك في السَّفرِ.
          وقد استدلَّ بعضُ العلماءِ بهذا الحديثِ، وقال: إنَّه أصلٌ في ألَّا يُقطع سارقٌ في مجاعةٍ لأنَّ المواساةَ واجبةٌ للمحتاجينَ، وقد تقدَّم كثيرٌ مِنْ معاني هذا الحديث في باب حملِ الزَّادِ في الغزوِ في كتابِ الجهادِ [خ¦2980].
          وفي حديث رافعٍ قسمةُ اللَّحمِ بالتَّحرِّي بغير ميزانٍ، لأنَّ ذلك مِنْ باب المعروفِ، وهو موضوعٌ للأكلِ، وأمَّا قسمةُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ مجازفةً، فلا تجوزُ بإجماعِ الأمَّة(22) لتحريمِ التَّفاضلِ في كلِّ واحدٍ منهما، وإنَّما اختلفَ العلماءُ في قسمةِ الذَّهَبِ مع الفِضَّةِ مجازفةً، أو(23) بيعِ ذلك مجازفةً، فكرهه مالكٌ ورآه مِنْ بيعِ(24) الغررِ والقمارِ ولم يجزْه.
          وأمَّا الكوفيُّون والشَّافعيُّ وجماعةٌ مِنَ العلماءِ فأجازوا ذلك لأنَّ الأصلَ في الذَّهَبِ بالفِضَّةِ جوازُ التَّفاضلِ، فلا حرجَ في بيعِ الجُزَافِ(25) وقسمتِه، وكذلك قسمةُ البُرِّ مجازفةً لا تجوزُ، كما لا يجوزُ بيعُ جزافٍ بُرٍّ بِبُرِّ ونحوه ممَّا حرم فيه التَّفاضلُ(26)، فإنَّما الرِّبا فيه في النَّسيئةِ خاصَّةً.
          وأملقَ الرَّجلُ: افتقرَ، ومنه قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ}[الإسراء:31]، أي خشية الفقر، ومثله أرملوا، يُقال: أرمل القوم، فني زادهم.


[1] قوله: ((باب)) ليس في (ص).
[2] في (ز): ((المسلمون بأسًا بالنَّهد بأن)).
[3] في (ز): ((يأكل)).
[4] في (ز): ((فأمر)).
[5] قوله: ((ابن الجرَّاح)) ليس في (ز).
[6] زاد في (ز): ((في)).
[7] قوله: ((قال)) ليس في (ز).
[8] قوله: ((أمر)) ليس في (ز).
[9] في (ز): ((فقال له ذلك)).
[10] في (ز): ((النَّبيُّ)).
[11] في (ز): ((فبرك)).
[12] في (ز): ((فأحثى)).
[13] في (ز): ((النَّبيُّ)).
[14] في (ز): ((فنحر)).
[15] في (ص): ((منَّا)).
[16] في (ز): ((تناهد)).
[17] في المطبوع: ((بالمعروف)).
[18] في المطبوع: ((بعضهم)).
[19] في المطبوع: ((سلم)).
[20] ما بين معقوفتين مطموس في (ص).
[21] في (ز): ((بالمواساة)).
[22] زاد في (ز): ((وكذلك قسمة الفضَّة مجازفةً لا يجوز)).
[23] في (ز): ((إن)).
[24] في (ز): ((باب)).
[25] زاد في (ز): ((من ذلك)).
[26] زاد في (ز): ((وما يجوز فيه التَّفاضل)).