عمدة القاري في شرح صحيح البخاري

كتاب الصوم
  
              

          ░░30▒▒ (ص) كتاب الصِّيام.
          ♫
          (ش) أي: هذا كتابٌ في بيان أحكامِ الصِّيامِ هذا، هكذا روايةُ النَّسَفِيِّ، وفي رواية الأكثرين: <كتاب الصوم> وثبتَتِ البسملةُ للجميع، ثُمَّ الكلام ههنا مِن وجوهٍ:
          الأَوَّل: ما وجهُ تأخيرِ (كتاب الصومِ)، وذكره آخِرَ (كتابِ العِبَادات) ؟ وهو أنَّ العباداتِ التي هي أركانُ الإيمان أربعةٌ؛ الصَّلاةُ والزَّكاةُ والحَجُّ والصَّومُ، قُدِّمَتِ (الصلاة) لكونها تاليةَ (الإيمانِ) وثانيتَه في الكتاب والسُّنَّة.
          أَمَّا الكتابُ؛ فقوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ}[البقرة:3].
          وأَمَّا السُّنَّة؛ فقوله صلعم :«بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ...» الحديث، ثُمَّ ذكرت (الزَّكاةُ) عقيبها؛ لأنَّها ثانيةُ (الصَّلاةِ) وثالثة (الإيمان) في الكتاب والسُّنَّة، كما ذكرناه، ثُمَّ ذكر (الحجَّ) لأنَّ العباداتِ الأربعةَ بدنيَّةٌ محضٌ؛ وهي الصَّلاةُ والصوم، وماليَّةٌ محضٌ؛ وهي الزكاة، ومركَّبة منهما؛ وهو الحجُّ، وكان مقتضى الحال أن يذكرَ (الصَّومَ) عقيب (الصلاة) لكونِهما مِن وادٍ واحدٍ، ولكن ذُكِرَتِ (الزكاة) عقيبَها لما ذكرنا، ثُمَّ إنَّ غالبَ المصنِّفين ذكروا (الصومَ) عقيب (الزكاة) فلا مناسبةَ بينهما، والذي ذكرَه البُخَاريُّ مِن تأخير (الصومِ) وذكره في الأخير هو الأوجهُ والأنسبُ؛ لأنَّ ذكرَ (الحجِّ) عقيب (الزكاةِ) هو المناسب مِن حيثُ اشتمالُ كلِّ منهما على بذل المال، ولم يبقَ للصومِ موضعٌ إلَّا في الأخير.
          الوجه الثاني: في تفسيرِ (الصَّوم) لغةً وشرعًا.
          وهو في اللُّغة: الإمساكُ، قال الله تعالى حكايةً عن مريمَ ♀: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا}[مريم:26] أي: صمتًا وسكوتًا، وكان مشروعًا عندَهم، ألَا تَرى إلى قولها: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا}[مريم:26]، وقال النابغة الذُّبيانيُّ:
خيلٌ صِيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ                     تحت العَجاجِ وأُخرى تَعْلكُ اللُّجُمَا
          أي: قائمة على غيرِ عَلَفٍ، قاله الجَوْهَريُّ، وقال ابن فارسٍ: ممسكة عنِ السَّيرِ، وفي / «المحيط» وغيره: ممسكةً عنِ الاعتلاف، و«صامَ النَّهارَ» إذا قامَ قيام الظهيرة، وقال:«صامَ النَّهار وهجرًا» يعني: قام قائم الظَّهيرة، وقال أبو عبيد: كلُّ مُمْسِكٍ عن طعامٍ أو كلامٍ أو سيرٍ صائمٌ، و«الصومُ» رُكودُ الرِّيح، و«الصومُ» البيعة، و«الصومُ» ذَرَق الحَمَام وسَلْح النَّعامة، و«الصوم» اسم شجر، وفي«المحيط»: صام صومًا وصيامًا واصطامَ، ورجلٌ صائمٌ وصُوْمٌ، مِن قومٍ صُوَّامٍ وصُيَّامٍ وصُوَّمٍ وصُيَّمٍ وصِيَّمٍ _ عَن سيبويه، كسروا الصادَ لمكانِ الياء_ وصِيَّامٍ وصِيَامَى _الأخيرة نادرة_ و«صُومٌ» وهو اسمٌ للجمع، وقيل: هو جمعُ«صائم»، ونساءٌ صُوَّمٌ، وفي«الصحاح»: ورجلٌ صَوْمَانُ.
          وأَمَّا في الشَّرعِ؛ فـ(الصومُ) هو الإمساكُ عَنِ الأكل والشرب والجماع وما هو مُلحَقٌ به، مِن طلوعِ الفجر الثاني إلى غروب الشمس، [وقال ابنُ سِيدَه:«الصومُ» تركُ الطَّعامِ والشراب والنِّكاح والكلام، وقال ابنُ العربيِّ: وقع«الصومُ» في عُرفِ الشرع] على إمساكٍ مخصوصٍ في زمنٍ مخصوصٍ معَ النِّيَّةِ، وقال ابن قُدَامة: هو الإمساكُ عنِ المُفطِراتِ مِن طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، وروي عن عليٍّ ☺ أنَّهُ لمَّا صلَّى الفجرَ قالَ: (الآن حينَ تبيَّن الخيطُ الأبيضُ مِنَ الخيطِ الأسودِ)، وعنِ ابنِ مسعودٍ نحوه، وقال مسروقٌ: لم يكونوا يعدُّون الفجرَ مُحرِّمًا، إِنَّما كانوا يعدُّون الفجرَ الذي يملأ البيوتَ والطرقَ، وهذا قولُ الأَعْمَش، وقال ابن عساكرَ: في قول النَّبِيِّ صلعم :«إنَّ بلالًا يؤذِّنُ بليلٍ» دليلٌ على أنَّ الخيطَ الأبيضَ هو الصباح، وأنَّ السَّحورَ لا يكون إلَّا قبل الفجر، وهذا إجماعٌ لم يخالف فيه إلَّا الأَعْمَشُ، ولم يعرِّجْ أحدٌ على قوله لشذوذه.
          قُلْت: قد نقل قولَه جماعةٌ مِنَ السلف بموافقةِ الأَعْمَش، وعن زِرٍّ: (قلنا لحذيفةَ: أيَّةَ ساعةٍ تَسَحَّرتَ معَ رسولِ الله صلعم ؟ قال: هي النهار، إلَّا أنَّ الشمس لم تطلع) رواه النَّسائيُّ، قيل: هو مبالغةٌ في تأخير السَّحور.
          الوجه الثالث: اختلفوا في أيِّ صومٍ وجبَ في الإسلام أوَّلًا؟ فقيلَ: صوم عاشوراء، وقيل: ثلاثة أيَّام مِن كلِّ شهرٍ؛ لأنَّه صلعم لمَّا قدِمَ المدينةَ جعلَ يصومُ مِن كلِّ شهر ثلاثةَ أيَّامٍ، رواه البَيْهَقيُّ، ولمَّا فُرِضَ رمضانُ خُيِّرَ بينَه وبينَ الإطعام، ثُمَّ نُسِخَ الجميع بقوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة:185]، ونزلت فريضةُ رمضان في شعبانَ مِنَ السنة الثانية مِنَ الهجرة، فصام رسول الله صلعم تسعَ رمضانات، وقيل: اختلف السلفُ: هل فُرِضَ على الناس صيامٌ قبلَ رمضانَ أو لا؟ فالجمهور _وهو المشهور عند الشَّافِعِيَّة_: أنَّهُ لم يجب قطُّ صومٌ قبل صومِ رمضانَ، وفي وجهٍ _وهو قول الحَنَفيَّة_: أَوَّل ما فُرِضَ صيامُ عاشوراء، فلمَّا نزلَ رمضانُ نُسِخَ، والله أعلم.