شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح

المستثنى بـ «إلَّا» من كلام تام موجب

[المستثنى بـ «إلَّا» من كلام تام موجب]
(8)
ومنها قولُ عبدِ اللهِ بنِ أبي قَتادةَ رضي الله عنهما: «أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ» [خ¦1824] .
وقولُ أبي هريرةَ رضي الله عنه: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ:/ «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المجاهرون».
قال: حَقُّ المستثنى بـ: (إلَّا) من كلامٍ تامٍ مُوجَبٍ أن يُنْصَبَ، مفرداً كان أو مُكمَّلاً معناهُ بما بعده.
فالمفرد، نحو قوله تعالى: {الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف:67] .
~ والمُكَمَّلُ معناه بما بعده نحو قوله تعالى: {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ} [الحجر: 59-60]
ولا يَعرفُ أكثرُ المتأخرين من البصريين في هذا النوع إلَّا النصبَ، وقد أغفلوا وُرُودَهُ مرفوعاً بالابتداء ثابتَ الخبر ومحذوفَه. فمن الثابت الخبر قولُ ابن أبي قتادة: «أَحْرَمُوا كلُّهم إلَّا أبو قتادة لم يُحرِمْ»، فـ: (إلَّا) بمعنى: (لكنْ) و(أبو قتادة) مبتدأ، و(لم يحرم) خبره.
ونظيره مِن كتاب الله عزَّ وجلَّ قراءةُ ابن كثير وأبي عمرو: {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتُكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} [هود:81] ،
ص81
فـ: (امرأتُك) مبتدأ، والجملةُ بعدَه خبرُه، ولا يصحُّ أن تجعل/ {امْرَأَتَكَ} بدلاً من {أَحَدٌ} ؛ لأنها لم تَسْرِ معه، فيتضمَّنَها ضميرُ المخاطبين، ودلَّ على أنها لم تَسْرِ معه قراءةُ النصب، فإنها أخرجتها من أهله الذين أُمِرَ أَنْ يَسْرِيَ بهم. وإذا لم تكن في الذين سَرَى بهم لم يصحَّ أن يُبدلَ من فاعل {يَلْتَفِتْ} ؛ لأنه بعضُ مادَلَّ عليه الضميرُ المجرورُ بـ: (مِن).
وتكلَّفَ بعضُ النحويين الإجابةَ عن هذا بأن قال: لم يَسْرِ بها، ولكنَّها شعرتْ بالعذاب فتبعتهم ثم التفتت فهلكت [1] .
وعلى تقدير صحة هذا فلا يُوجبُ ذلك دُخُولَها في المخاطَبين بقوله: {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ} وهذا والحمدُ للهِ بَيِّنٌ، والاعتراف بصحته متعينٌ.
ومن المبتدأ الثابت الخبر بعد (إلَّا) ما في (جامع المسانيد) من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما للشياطين مِن سلاحٍ أبلغَُ في الصالحين من النساء، إلَّا المتزوجون/ أولئك المطهرون المبرَّؤون مِنَ الخَنَا» [2] .
ص82
~ وجعل ابنُ خَروفٍ من هذا القبيل قولَه تعالى: {إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ} [الغاشية: 23-24] .
ومن أمثلة سيبويه في هذا النوع: (لأفعلنَّ كذا إلَّا حِلُّه أَنْ أفعلَ كذا).
ومن الابتداء بعد (إلَّا) بمحذوفِ الخبرِ قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموت إلَّا اللهُ» [خ¦7379] ؛ أي: لكنِ اللهُ يعلم بأي أرض تموت كُلُّ نفسٍ.
ومن ذلك قولُ النَّبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ أمتي مُعَافًى إلَّا المجاهرون» [خ¦6069] ، أي: لكن المجاهرون بالمعاصي لا يُعَافَونَ.
وبمثل هذا تأوَّلَ الفرَّاء قراءةَ بعضِهم: ((فشربوا منه إلا قليلٌ منهم)) [البقرة: 249] ، أي: إلَّا قليلٌ منهم لم يشربوا.
ومثله قول الشاعر:
~ لِدَمٍ ضَائعٍ تَغَيَّبَ عنه أَقْرَبُوهُ إلَّا الصَّبَا والدَّبُورُ
ص83
أي: لكنْ الصَّبَا والدَّبُورُ لم يتغيبا عنه.
ومثله قولُ الآخر:
~ عَرَفْتُ الديارَ كرَقْمِ الوُحِيِّ يَزْبُرُهَا الكاتبُ الحِمْيَرِيُّ/
~ على أَطْرُقَا بالياتِ الخيا مِ إلَّا الثُّمَامُ وإلَّا العِصِيُّ
أي: إلَّا الثمامُ والعصيُّ لم تبْلَ [3] .
وللكوفيين في هذا الذي يفتقر إلى تقديرٍ مذهبٌ آخرُ، وهو أن يجعلوا (إلَّا) حرف عطف، وما بعدها معطوف على ما قبلها.
ص84


[1] في (ج): «وهلكت» بالواو.
[2] جامع المسانيد بألخص الأسانيد لابن الجوزي، مسند أبي ذر2/237، والحديث بهذا اللفظ في مصنف عبد الرزاق (10387) والذي في مسند الإمام أحمد برقم 21450، برواية: «ما للشيطان» على الإفراد، وهو المثبت في (ب).
[3] في الأصل: (لم يبل).