شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح

أصل: (مه)

[ أصل: (مه)]
(71)
ومنها قولُ اللهِ تبارك وتعالى للرَّحِمِ: «مَهْ» [خ¦4830] .
وقولُ إبراهيم صلى الله عليه وسلم: «مَهْيَمْ» [خ¦3358] .
وقولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «ولا أقولُ: إنَّ أَحَدًا أَفضلُ من يُونُسَ بنِ مَتَّىَ» [خ¦3415] .
وقولُ أبي سَعيدٍ رضي الله عنه: (فقَسَمَها بَينَ أَربعةِ نَفَرٍ: بين عُيَيْنَةَ بنِ بَدْرٍ، وأَقْرعَ ابنِ حابسٍ [1] ، وزيدِ الخيلِ، والرابع إمَّا عَلْقَمةُ، وإمَّا عامرُ بنُ الطُّفَيلِ) [خ¦4351] .
قلتُ: أَصْلُ (مَهْ) في هذا المَوضِعِ (مَا) الاستفهامية، حُذِفَتْ أَلِفُها وَوُقِفَ عليها بهاءِ السَّكْتِ، والشائعُ أَنْ لا يُفْعَلُ ذلك/ بها إلَّا وهي مجرورةٌ.
ومِن استعمالِها هكذا غيرَ مجرورةٍ قولُ أبي ذُؤَيبٍ: (قَدِمْتُ المدينةَ ولِأَهْلِهَا ضَجيجٌ بالبُكَاءِ كضَجيجِ الحَجيجِ أَهَلُّوا بالإِحرامِ، فقلتُ: مَهْ؟ فقِيلَ لي: هَلَكَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم).
ومثلُه قولُ الحَجَّاجِ للَيلَى الأَخْيَلِيَّةِ: ثُمَّ مَهْ؟ قالتْ: ثُمَّ لم [2] يَلْبَثْ أَنْ
ص291
ماتَ.
وحَكَى الكِسَائيُّ أَنَّ بعضَ كِنَانَةَ يَقُولونَ: (مَعِنْدَكَ [3] ؟) و: (مَصَنَعْتَ؟) [4] ، فيَحْذِفُون الأَلِفَ دُونَ جَرٍّ، ولا يَصِلُونَ الميمَ بهاءِ السَّكْتِ؛ لِعَدَمِ الوَقْفِ.
وفي الاقتصارِ على الميمِ في (مَعِنْدَكَ؟) و(مَصَنَعْتَ؟) دليلٌ على أَنَّ الهاءَ في قَولِ أبي ذُؤَيبٍ والحَجَّاجِ هاءُ سَكْتٍ، لا بَدَلٌ مِن الأَلِفِ كمَا زَعَم الزَّمَخْشَرِيُّ؛ لأَنَّها عُومِلَتْ مُعامَلةَ المُتَّصِلةِ بالمَجرورةِ: مِن السُّقُوطِ وَصلًا والثُّبوتِ وَقْفًا، ولو كانت بَدَلًا مِن الأَلِف لَجازَ أَنْ يُقالَ في الوَصْل:/ (مَهْ عِندَكَ؟)، و: (مَهْ صَنَعتَ؟).
و(مَهْيَمْ) اسمُ فِعْلٍ بمعنى: أَخْبِرْ.
وفي «ولا أَقولُ: إنَّ [5] أَحَدًا أَفضلُ من يُونُسَ بنِ مَتِّى» عليه السلام، استعمالُ (أَحَدٍ) في الإِيجابِ؛ لأَنَّ فيه معنى النَّفيِ، وذلك أنَّه بمعنى: لا أَحَدَ أَفضلُ من يُونُسَ [6] ، والشيءُ قد يُعْطَى حُكْمَ ما هو في معناه وإن اختَلَفا في اللَّفظِ، فمِن
ص292
ذلك قولُه تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ} [الأحقاف:33] ، فَأُجْرِيَ في دُخولِ الباء على [7] الخَبَر مُجَرى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ} [يس:81] ؛ لأنَّه بمعناه.
ومِن إِيقاعِ [8] (أَحَدٍ) في الإِيجابِ المُؤَوَّلِ بالنَّفيِ قولُ الفَرَزْدَقِ:
~ ولَو سُئِلَتْ عَنَّي نَوَارُ وأَهْلُهَا إذًا أَحَدٌ لَم تَنْطِقِ الشَّفَتَانِ
فأَوْقَعَ (أَحَدًا) قَبلَ النَّفيِ؛ لأنَّه بعدَه بالتَّأْويل، كأنَّه/ قال: إذًا لَم يَنطِقْ مِنهُم أَحَدٌ.
وفي قولِه: (وأَقْرَعَ بْنِ حابِسٍ) بلا أَلفٍ ولامٍ، شاهدٌ على أنَّ ذا الأَلِفِ واللَّامِ مِن الأَعلامِ الغَلَبِيَّةِ قد يُنْزَعَانِ عنه في غَير نِدَاءٍ ولا إضافةٍ ولا ضَرُورةٍ، وهو مِمَّا خَفِيَ على أَكثَرِ النَّحويين.
ومنه ما حَكَى سِيْبَوَيْهِ من قولِ بعضِ العَرَب: (هذا يومُ اثنَينِ مُبَارَكًا ) [9] .
ومِمَّا جَاءَ منه في الشِّعرِ قولُ مِسْكِينٍ الدَّارِمِيِّ:
ص293
~ ونَابِغَةُ [10] الجَعْدِيُّ في الرَّمْلِ بيتُهُ عَلَيهِ صَفِيحٌ مِنْ رِجَامٍ مُوَضَّعُ
***
تَمَّ الكتابُ
والحمدُ للهِ رَبِّ العالمين، وصلواته على سيد المرسلين محمدٍ، وعلى آله وأصحابه وأزواجه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
ص294


[1] في (ب): ( بين أَقرَعَ بن حابسٍ، وعُيَينَةَ بنِ بَدْرٍ).
[2] لفظة: (لم) ليست في (ج) وهو مخلٌّ بالعبارة.
[3] تصحَّفت في (ج) إلى: (معيدك) في الموضعين.
[4] في (ظ): (مَ عندَك؟ ومَ صَنَعتَ؟) بالفَصل، وأشار إليها في هامش (ب).
[5] لفظة: (إنَّ) ليست في (ب).
[6] في (ب) زيادة: (بنِ مَتَّى).
[7] انزلقت لفظة: (على) في (ب) إلى ما بعدَ الآية.
[8] تصحَّفت في (ظ) إلى: (إتباع).
[9] في (ظ) زيادة: (فيه)، وهو موافقٌ لِما في الكتاب: 3/ 293، وحذفُها كما في سائر الأصول موافقٌ لما نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري (8/ 68) عن المؤلِّف.
[10] بهامش (ظ) حاشية: (فحَذَف الألف واللام لا لنداءٍ ولا إضافةٍ، وهو قليلٌ فاعرفه) ا ه.