شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح

عود الضمير على جمع ما لا يعقل

[عود الضمير على جمع ما لا يعقل]
(22)
ومنها قولُ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم في باب المواقيت: «هُنَّ لَهُنَّ ولِمَنْ أتىَ عليهنَّ مِنْ غيرِ أَهْلِهِنَّ» [خ¦1526] .
قال: الضمير الأول والضمير الثالث والضمير الرابع عائدةٌ على المواقيت، فلا إشكالَ فيهنَّ؛ لأنَّ كُلَّ ضميرٍ عائدٍ على جمعِ ما لا يَعْقِلُ، فالتعبيرُ عنه في الرفع والاتصال بنحو: فَعَلَتْ وفَعَلْنَ، وفي الرفع والانفصال بنحو: هي وهُنَّ، وفي النصب والجرِّ بنحو: عرفتُها وعرفْتُهُنَّ.
إلَّا أنَّ (فَعَلْنَ) و(هُنَّ) و(عَرَفْتُهُنَّ) أولى بالعدد القليل، و(فَعَلَتْ) و(هي) و(عرفتُها) أولى بالعدد الكثير. فلذلك يقال: (الأَجذاعُ انْكَسَرْنَ، وهُنَّ مُنْكَسِراتٌ، وعَرفْتُهُنَّ)؛ لأنَّ الأجذاعَ/ جمعُ قلةٍ. ويُقال: (الجذوعُ انكسرتْ، وهي مُنْكسرة، وعرفتها)؛ لأنَّ الجذوعَ جمعُ كثرةٍ، هذا على الأفصح، والعكس جائز.
وبالأفصح جاء قوله: «هُنَّ لَهُنَّ ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهنَّ». ولو جاء بغير الأفصح لكان: (هي ولمن أتى عليها من غير أهلها).
وبالأفصح أيضاً جاء القرآن: أعني قولَ اللهِ تعالى: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة:36] ، فقيل: (منها) في ضمير (اثني عشر)، و(فيهن) في ضمير (أربعةٍ).
وأمَّا الضمير في قوله: (لهنَّ) فكان حقُّه أن يكونَ هاءً وميماً، فيقال: (هُنَّ
ص121
لهم)؛ لأنَّ المرادَ أهلُ المواقيت فاللائقُ [1] بهم ضميرُ الجمع المُذَكَّر، ولكنَّه أَنَّثَ باعتبار الفِرَقِ والزُّمَرِ والجماعات.
وسببُ العُدولِ عن الظاهِر تحصيلُ التَّشَاكُلِ للمتجاورَيْن، كما قيل في بعض الأدعية المأثورة: «اللهمَّ رَبَّ السماواتِ وما أَظْلَلْنَ، ورَبَّ الأرضِينَ/ وما أَقْلَلْنَ، ورَبَّ الشَّياطينِ وما [2] أَضْلَلْنَ». واللائق [3] بضمير الشياطين أنْ يكونَ واواً، فَجُعلَ نوناً قصداً للمشاكلة.
والخروجُ عن الأصل لقصد المشاكلة كثيرٌ، ومنه: «لَا دَرَيْتَ ولَا تليت» [خ¦1338] ، و(أَخَذَهُ مَا قَدُمَ ومَا حَدُثَ)، والأصل: تلوتَ وحَدَث. ونظائر ذلك كثيرة.
ص122


[1] في (ج): فالأليق.
[2] هكذا في متن (ب)، وأشار إليها في هامش الأصلن وفي باقي الأصول:«ومن».
[3] في (ج): والأليق.