شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح

معنى «رب» واستعمالها

[معنى «رب» واستعمالها]
(37)
ومنها قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:/ «يَا رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٍ يوم القيامة» [خ¦115] .
قال: أكثرُ النحويين يَرَوْنَ أنَّ معنى (رُبَّ) التقليلُ، وأنَّ معنى ما يُصَدَّرُ بها المُضيُّ.
والصحيحُ أنَّ معناها في الغالبِ التكثيرُ، نصَّ على ذلك سيبويه، ودلَّتْ شواهدُ النثرِ والنَّظمِ عليه.
فأمَّا نصُّ سيبويه فقولُه في بابِ (كم): واعلمْ أنَّ (كم) في الخبرِ لا تعملُ إلَّا فيما تعملُ فيه (رُبَّ)؛ لأنَّ المعنى واحدٌ، إلَّا أنَّ (كم) اسمٌ، و(رُبَّ) غيرُ اسم.
فجَعَلَ معنى (رُبَّ) ومعنى (كم) [1] الخبرية واحداً، ولا خلافَ في أنَّ معنى (كم) التكثيرُ، ولا مُعارِضَ لهذا الكلام في كتابِهِ، فصحَّ أنَّ مذهبَه كونُ (رُبَّ) للتكثيرِ لا للتقليلِ.
وأمَّا الشَّواهد على صحة ذلك فمنها نثر ومنها نظم.
فمن النَّثرِ قولُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «يا رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٍ يومَ القيامة»، فليس المرادُ أنَّ ذلك قليلٌ، بل المرادُ أنَّ الصِّنْفَ المُتَّصفَ بهذا من النساءِ كثيرٌ/، ولذلك لو جعلتَ (كم) موضع [2] (ربَّ) لَحَسُنَ، ونظائره كثيرة.
ص159
ومن شواهد النَّظم قولُ حسَّانَ رضي الله عنه:
~ رُبَّ حِلْمٍ أَضَاعَه عدمُ الـ ـمَالِ وَجَهْلٍ غَطَّى عليهِ النعيمُ
وقولُ ضابئ البُرْجُمِيِّ:
~ ورُبَّ أُمُورٍ لا تَضِيرُكَ ضَيْرةً وَلِلْقَلْبِ مِنْ مَخْشاتِهِنَّ وَجِيبُ
وقولُ عَديِّ بنِ زيدٍ:
~ رُبَّ مأمولٍ وراجٍ أَمَلاً قد ثناهُ الدَّهْرُ عن ذاكَ الأمَلْ
واحترزتُ بقولي: (في الغالب) من استعمالها فيما لا تكثيرَ فيه، كقول الشاعر:
~ أَلَا رُبَّ مولودٍ وليس له أَبٌ وَذي ولدٍ لَمْ يَلْدَهُ أبوانِ
ص160
يعني عيسى وآدم عليهما الصلاة والسلام.
والصحيح أيضاً أنَّ ما يُصَدَّرُ بـ: (رُبَّ) لا يلزمُ كونُه ماضِيَ المعنى، بل يجوز مُضيُّه وحُضُورُه واستقبالُه.
وقد اجتمع الحضورُ والاستقبالُ في «يا ربَّ/ كاسيةٍ في الدُّنيا عاريةٍ يوم القيامة».
وقد اجتمع المضيُّ والاستقبالُ فيما حكى الكِسائيُّ من قولِ بعضِ العرب بعد الفِطرِ لاستكمالِ رمضانَ: «رُبَّ صَائِمِهِ لن يصومَه، ورُبَّ قائِمِهِ لن يقومَه».
وقد انفرد الاستقبال في قول أم معاويةَ رحمها الله [3] :
~ يا رُبَّ قائلةٍ غدًا [4] يَا وَيْحَ أُمِّ مَعاوِيَهْ
وفي قولِ جَحْدَرٍ اللُّص [5] :
ص161
~ فإنْ أَهْلِكْ فَرُبَّ فَتًى سَيَبْكي عليَّ مُهَذَّبٍ رَخْصِ البَنَانِ
وفي قول الرَّاجز:
~ يَا رُبَّ يومٍ لي لا أُظَلَّلُهْ أُرْمَضُ مِنْ تَحْتُ وأُضْحَى مِنْ عَلُهْ
ومع ذلك فالمضيُّ أكثرُ من الحضورِ والاستقبال.
ومن شواهده قولُ امرئ القيس:
~ أَلَا رُبَّ يومٍ صالحٍ لكَ منهما ولا سِيَّما يومٍ بدارةِ جُلْجُلِ
ص162


[1] لفظة: (كم) ليست في (ج).
[2] في (ج): (في موضع).
[3] البيت في (ج): (رب قائلة عندي يا ويح أم معاوية).
[4] في (ج): (عندي).
[5] لفظة: (اللص) زيادة من (ج) و(ظ)، وهي ملحقة بالأصل بخط متأخر