شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح

سد الحال مسدَّ الخبر

[سد الحال مسدَّ الخبر]
(39)
ومنها قولُ بعضِ الصحابة رضي الله عنهم: «كانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَاقِدِي أُزْرِهِمْ» [خ¦362] .
وقولُ صاحبةِ المَزَادَتَيْنِ: «عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ وَنَفَرُنَا خُلُوفًا» [خ¦344] .
قالَ: اعلموا وفقكمُ اللهُ أنَّ (عاقدي أُزرهم)، و(خُلوفاً) منصوبانِ على الحالِ، وهما حالانِ سدَّتا مسدَّ الخبرينِ المسنَدينِ إلى (هم)، و(نَفَرُنَا).
وتقديرُ الحديثِ الأوَّلِ: وهمْ مُؤْتَزِرُونَ عاقديْ أُزرهم.
وتقدير الثاني: ونفرنا متروكونَ خُلوفاً.
ونظيرُ هذينِ الحديثينِ: ((ونحنُ عُصبَةً)) [يوسف: 8-14] بالنصب، وهي قراءةٌ تُعزى إلى عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه، وتقديرُها: ونحنُ معهُ عُصْبَةً،/ أو: ونحنُ نحفظُهُ عُصْبَةً.
وهذا النوعُ مِنْ سَدِّ الحالِ مَسدَّ الخبرِ، مع صلاحيتِها لأنْ تُجعلَ خبراً، شاذٌ لا يكادُ يُستعملُ، ومنه قولُ الزبَّاء:
ص167
~ ما للجِمالِ سَيْرُها وئيدَا أَجَنْدَلًا يحملْنَ أَمْ حَدِيدَا
فالوجهُ الجيِّدُ فيما كانَ منْ هذا القبيلِ الرفعُ بمقتضى الخبريةِ، والاستغناءُ عنْ تقديرِ خبرٍ.
وإنما يَحْسُنُ سَدُّ الحالِ مَسَدَّ الخبرِ إذا لم يَصْلُحْ جَعْلُ الحالِ خبراً، نحو: ضرْبي زيداً قائماً، وأكثرُ شُرْبي السويقَ مَلْتُوْتًا. فلو جُعل (قائمٌ) خبراً لـ: (ضَربي)، و(ملتوتٌ) خبراً لـ: (أكثر شربي) لم يصحَّ، فلذلك نُصبا على الحال.
وأما الأمثلةُ التي تقدَّمت فَجَعْلُ ما نُصِبَ فيها على الحالِ خبراً صحيحٌ، لا ريبَ في صحتِهِ؛ فلذلكَ كانَ النَّصبُ ضعيفاً.
وقولُ صاحبةِ المَزَادتين: «عهدي بالماءِ أمسِ هذه الساعةَ»/ أصلُهُ: أمسِ في مثل هذه الساعةِ، فحُذِفَ المضافُ وأُقيمَ المضافُ إليه مُقامَه.
ومن حذف المضافِ وإقامةِ المضافِ إليهُ مُقامَه: «فقلنا لمسروقٍ: سَلْهُ، أكانَ عمرُ يعلمُ مَنِ البابُ؟» [خ¦1895] ؛ أي: يعلم مَنْ مَثَلُ البابِ.
ص168