الفيض الجاري بشرح صحيح الإمام البخاري

[كتاب المساقاة]

          ♫
          ░░42▒▒ (بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ، كِتَابُ المُسَاقَاةِ) قال العَينيُّ: لم يقَعْ لفظُ: ((كتاب المساقاة)) في كثيرٍ من النُّسَخ، ووقع في بعض النُّسَخ: <كتابُ الشِّرب>، ووقع لأبي ذرٍّ التَّسميةُ، ثم قولُه: <في الشِّرب> ثم قولُه تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:30] / وقولُه تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ} إلى قوله: {فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ}، ووقع في بعض النُّسَخ: <بابٌ في الشِّربِ، وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} إلى قوله: {فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ}>.
          ووقع في ((شرح)) ابنِ بطَّالٍ: ((كتابُ المياهِ)) خاصَّةً، وأثبتَ النسفيُّ لفظَ: <باب> خاصَّةً، انتهى.
          زاد في ((الفتح)) عَقِبَ خاصَّةً، وساقَ عن أبي ذرٍّ الآيتَين، انتهى.
          وقال شيخُ الإسلام: ((بسم الله الرحمن الرحيم، في الشِّرب))، وفي نسخةٍ: عَقِبَ البسمَلة: ((بابٌ في الشِّرب)) وفي أخرى عَقِبَها: ((كتابُ المُساقاة، بابٌ في الشِّرب)) وفي أخرى: بدَلَ ((كتاب المساقاة)): ((كتاب الشِّرب)) قال شيخُنا: ولا وجهَ لقولِه: ((كتاب المُساقاة)) فإنَّ التَّرجمةَ التي فيه غالبُها يتعلَّقُ بإحياءِ الموات، انتهى.
          وأقول: لا يتِمُّ القولُ بأنَّه لا وجهَ له إلا إذا لم يتعلَّقْ به شيءٌ أصلاً، وكلامُه يفيدُ خِلافَه، ولو قال: فإنَّ الأحاديثَ المذكورةَ لا يتعلَّقُ منها شيءٌ بالمساقاةِ لَكانَ وَجيهاً، فتأمَّلْ، والذي في ابنِ بطَّال: ((كتابُ المياه، ما جاء في الشِّرب وقولِ الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:30]، وقولِه تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ} إلى قولِه: {تَشْكُرُونَ} [الواقعة:68-70])) انتهى.
          وهو أَولى التراجمِ عندي، ويَليها التَّرجمةُ التي فيها إسقاطُ ((المساقاة)) لأنه لا تعرُّضَ لها في الأبواب، فتأمَّل، ولكنْ نذكُرُ معنى المسَاقاةِ تَبعاً للعينيِّ والقسطلانيِّ، فنقول: هي معامَلةٌ على تعهُّدِ شجَرِ نخلٍ أو عنَبٍ بجُزءٍ من ثمرتِهِ، مأخوذةٌ من السَّقيِ المحتاجِ إليه فيهما غالباً، وهو أنفعُ أعمالِها وأكثرُها مُؤْنةً، وتقدَّم الكلامُ عليها بأبسطَ في باب المزارَعةِ بالشطرِ ونحوِه، وأنَّ الأصلَ في جوازِها معاملتُه عليه السَّلامُ يهودَ خيبرَ على نخلِها بشَطرِ ما يخرُجُ منها، ولأنَّ الحاجةَ ماسَّةٌ إليها، والإجارةُ فيها ضررٌ بتغريمِ المالكِ حالاً، مع أنَّه قد لا يطلُعُ شيءٌ، وقد يتهاونُ الأجيرُ في العمل.
          وقال العينيُّ: هي المعامَلةُ بلغةِ أهلِ المدينة، ومفهومُها اللغويُّ هو الشرعيُّ، وهي مُعاقَدةُ دَفعِ أشجارِ النخلِ والكَرْمِ إلى مَنْ يقومُ بإصلاحِها على أن يكونَ له سهمٌ معلومٌ من ثمَرِها، انتهى، وليُتأمَّل في دعواه استواءَ معناها لغةً وشرعاً.
          قال: ولأهل المدينةِ لغاتٌ يختصُّونَ بها، كما قالوا للمُساقاةِ: مُعامَلةٌ، وللمُزارَعةِ: مُخابَرةٌ، وللإجارة: بيعٌ، وللمضاربةِ: مُقارَضةٌ، وللصلاة: سجدة، وتسميتُها مُساقاةً إما من باب التغليب، أو لأنَّ العقدَ على السَّقيِ صدرَ من اثنَين، أو لأنَّ المفاعَلةَ لا يلزَمُ فيها أن تكونَ بين اثنَين كما في نحوِ: قاتلَه الله، وسافرَ فلانٌ بمعنى سفَرَ، انتهى، فتأمَّلْه.
          ░(*)▒ (بابٌ فِي الشِّرْبِ) بكسر الشين المعجمة، والمرادُ به الحُكمُ في قِسمةِ الماء، قالَه عياض. وقال: ضبطَه الأَصيليُّ بالضم، والأولُ أَولى.
          وقال ابنُ المنيِّر: مَنْ ضبطَه بالضمِّ أراد المصدر، وقال / غيرُه: المصدرُ مثلَّثٌ، وقُرِئَ: ▬فشاربون شرب الهيم↨ مثلثاً، والشِّربُ في الأصل: النصيبُ والحظُّ من الماء، تقول: كم شِربُ أرضِكَ؟ وفي المثَل: آخرُها شِرْباً أقلُّها شُرْباً.
          قاله في ((الفتح)) وعبارةِ ((العمدة)) تَبعاً ((للتوضيح)) وفي المثَل: آخرُها شِرْباً أقلُّها شُرْباً، وأصلُه في سَقيِ الماء؛ لأنَّ آخرَ الإبلِ يوردُ وقد نزفَ الحوضُ، وقد سمعَ الكِسائيُّ عن العربِ: أقلُّها شرباً، على الوجوهِ الثلاثة؛ يعني: الفتحَ والضَّمَّ والكسرَ، وسمعَهم أيضاً يقولون: أعذبَ اللهُ شِربَكم _بالكسر_ أي: ماءَكم، وقيل: الشِّربُ أيضاً وقتُ الشُّرب.
          وقال أبو عُبيدةَ: الشَّربُ _بالفتح_ المصدر، وبالضَّمِّ والكسرِ: الاسمُ، وقُرِئ: ▬فشاربون شرب الهيم↨ بالوجوه الثلاثة، انتهت.
          (وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفاً على ((الشِّرب)) أو غيرِه من سابقِه على اختلاف النُّسَخ، ويجوزُ رفعُه كلاحقِه، فافهَمْ، وفي بعض الأصُول: <وقولِ الله ╡> ({وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}) بجرِّ {حَيٍّ} صفة {شَيْءٍ}، وقال البيضاويُّ: وخلقنا من الماء كلَّ حيَوانٍ؛ كقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [النور:45] وذلك لأنَّه من أعظمِ موادِّه، أو لفَرطِ احتياجِه إليه وانتفاعِه به بعينِه، أو صيَّرْنا كلَّ شيءٍ حيٍّ بسببٍ من الماءِ، لا يَحيا بدونه، وقُرئ: ▬حياً↨ على أنَّه صفةُ {كُلَّ} أو مفعولٌ ثانٍ، والظَّرفُ لغوٌ، والشيءُ مخصُوصٌ بالحيَوان، انتهى.
          وقال ابنُ بطَّال: أرادَ به حياةَ جميعِ الحيَوان الذي يعيشُ بالماء، وقيل: عنَى بالماء هنا النُّطفةَ خاصَّةً، قال: ومَنْ قرأ: ▬وجعلنا من الماء كل شيء حياً↨ يُدخِلُ فيه الحيَوانَ والجمادَ؛ لأنَّ الزرعَ والشجرَ لها مَوتٌ إذا جفَّتْ ويبسَتْ، فحياتُها خضرتُها ونُضرتُها، انتهى.
          قال في ((الفتح)): وهذا المعنى أيضاً يخرُجُ من القراءةِ المشهورة، ويخرُجُ من تفسيرِ قتادةَ حيثُ قال: {كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} فمن الماء خُلِقَ، أخرجَه الطَّبريُّ عنه، وروى أحمدُ عن أبي هريرة: ((قلتُ: يا رسولَ الله؛ أَخبِرْني عن كلِّ شيء، قال: كلُّ شيءٍ خُلِقَ من الماء)) إسنادُه صحيحٌ، انتهى.
          وعبارةُ القسطلانيِّ: وفي حديثِ أبي هريرةَ عند أحمدَ: ((قال: قلتُ: يا رسولَ الله؛ إني إذا رأيتُكَ طابَتْ نفسي، وقرَّتْ عيني، فأنبِئْني عن كلِّ شيء)) قولُ أبي هريرة: ((فأنبِئْني عن كلِّ شيءٍ)) أي: ممَّ خُلِقَ؛ لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام في جوابِه: ((كلُّ شيءٍ خُلِقَ من الماء)).
          ولما في روايةٍ: ((أنَّ أبا هريرة قال: قُلنا: يا رسولَ الله؛ ممَّ خُلِقَ الخلقُ؟ قال: كلُّ شيءٍ خُلِقَ من الماءِ)) الحديثَ، انتهت.
          (أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ) بالله أو بقدرتِهِ مع ظهورِ الآيات (وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ) وفي بعض النُّسَخ: <وقولِه سبحانَه> ({أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ} [الواقعة:68]) أي: العذْبَ الصَّالحَ للشُّربِ، أو الذي تشربونَه بالفعل ({أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ}) أي: السَّحاب، واحدُه مُزْنة، وقيل: المزْن: السَّحابُ الأبيض، وماؤه أعذبُ ({أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ}) أي: بقدرتِنا، قال البيضاويُّ: والرُّؤيةُ إن كانت بمعنى العلم فمعلَّقةٌ بالاستِفهام ({لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً}) قال: شديدَ الملوحة، وقال الحسن: مُرًّا. وقال البيضاويُّ: {أُجَاجاً} مِلحاً، أو من الأَجيجِ _يعني: التلهب_ فإنَّه يُحرِقُ الفمَ، انتهى.
          قال: وحُذفتِ اللامُ الفاصلةُ بين جواب ما يتمحَّضُ للشرط وما يتضمَّنُ معناه لعلمِ السَّامع بمكانِه أو الاكتفاءِ بسَبق / ذكرِها، أو مُختَصٌّ بما يُقصَدُ لذاتِهِ، ويكونُ أهمَّ، وفقدُه أصعَبُ لمزيدِ التَّأكيد، انتهى.
          وهذا الذي ذكرهُ البيضَاويُّ في وجهِ حذفِ اللام من جوابِ {لو} هنا دونَ الأولِ هو حاصِلُ ما في ((الكشاف)).
          ({فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ}) أي: فهلَّا تشكرون؛ أي: أمثالَ هذه النِّعمِ الضَّرورية، وذِكرُ الآيتَينِ بتمامِهما في المتن هو ما في أكثرِ الأصُول، وهو المنسوبُ للجمهورِ، ولفظُ روايةِ أبي ذرٍّ: <{أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ} إلى قوله: {فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ}> والخطابُ للمُشركين الطَّبائعيِّين للرَّدِّ عليهم في قولهم: نحن موجُودون من نُطفةٍ حدثَتْ بحرارةٍ كامنة، فردَّ اللهُ عليهم بهذِه الآيات، وأولُها: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ} إلى قوله تعالى: {وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ} [الواقعة:57-73].
          وقوله: (الأُجَاجُ: الْمُرُّ، الْمُزْنُ: السَّحَابُ) من كلام البخاريِّ تَبعاً لأبي عُبيدٍ في الأول، وتقدَّمَ أنه مذهبُ الحسن، وتَبعاً لقتادةَ ومجاهدٍ في الثاني.
          وقال في ((الفتح)): الأُجاج: المرُّ، هو تفسيرُ أبي عُبيدةَ في ((معاني القرآن)) وأخرجَه ابنُ أبي حاتِمٍ عن قتادةَ مثلَه، وقيل: هو الشديدُ الملوحةِ أو المرارة، وقيل: المالحُ، وقيل: الحارُّ، حكاه ابنُ فارس، انتهى.
          ووقعَ في رواية المستمليِّ وحدَه زيادةُ: <{ثجَّاجاً}: مُنصَبًّا> قال في ((الفتح)): وهو تفسيرُ مجاهدٍ وقَتادةَ كما أخرجَه الطَّبريُّ عنهما ووقع أيضاً في رواية المستمليِّ وحدَه: <{فُرَاتاً}: عَذْباً>.
          قال في ((الفتح)): وهو مُنتزَعٌ من قولِهِ تعالى في السُّورة الأخرى: {هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} روى ابنُ أبي حاتِمٍ عن السُّدِّيِّ قال: العذْبُ الفُرات: الحُلوُ، انتهى.
          ومن عادةِ البخاريِّ _كما قال العينيُّ وغيرُه_: أنَّه إذا ترجَمَ لبابٍ في شيءٍ يذكُرُ فيه ما يُناسِبُه من الألفاظِ التي في القرآنِ، ويفسِّرُها تكثيراً للفائدةِ، والله أعلم.