الفيض الجاري بشرح صحيح الإمام البخاري

[أبواب الاعتكاف]

          (♫)
          ░░33▒▒ (كِتَابُ الاعْتِكَافِ): كذا ثبتَتِ البسملةُ للنَّسفيِّ وابن عساكرَ مقدَّمةً مع ذكر: ((كتاب / الاعتكاف))، ووقع للمستملي تأخير البسملةِ مع تقديم <أبواب الاعتكاف> بدل: ((كتاب الاعتكاف))، ورأيتُ في نسخةٍ تقديم البسملةِ، وتأخير: <أبواب الاعتكاف>، وسقطت التَّرجمة للباقين.
          ░1▒ (بَابُ الاِعْتِكَافِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالاِعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا): هكذا ثبتَت هذه التَّرجمة بجزءين في سائرِ الأصول إلَّا في بعضها فوقع بلفظ: <باب الاعتكافِ في المساجد> وعليها شرح الحافظ ابن حجر، وتقدَّم أوائلَ هذا الشَّرح الصَّحيح الكلامُ على البسملةِ والكتاب والباب.
          وأمَّا ((الاعتكاف)) فهو مصدرُ اعتكف، ومعناه لغةً: اللبث والإقامة مطلقاً خيراً أو شرًّا على الشَّيء، ويُقال: الاعتكاف والعكوف الإقامةُ على الشَّيء وبالمكان ولزومهما، ومنه قيلَ لمن يلازمُ المسجد: عاكفٌ ومعتكِفٌ، كذا في ((النِّهاية)) لابن الأثير، وقال الجوهريُّ: عَكَفَهُ: حبسهُ، يعكُفه _بضمِّ الكاف وكسرها_ عكفاً، وعَكَفَ على الشيء يعكُفُه عُكُوفاً: أقبلَ عليه مواظباً، وهذا في اللَّازمِ، فإن استُعمل متعدِّياً فمصدره العكفُ، انتهى ملخَّصاً.
          وقال في ((المصباحِ)): عكفَ على الشَّيءِ عُكُوفاً وعكفاً من بابي قَعَدَ وضَرَبَ: لازمه وواظبَه، وقُرِئ بهما في السَّبعة في قولِه تعالى: {يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} [الأعراف:138]، وعكفَتُ الشَّيءَ أعكُفُه وأعكِفه: حبسْتُهُ، ومنه الاعتكافُ، وهو افتعالٌ؛ لأنَّه حبسٌ للنفس عن التصرُّفات العاديَّة، وعكفتُه عن حاجتِه منعتُه، انتهى.
          ومثل الاعتكاف المجاورة، قالَ العينيُّ: ورد الاعتكافُ بلفظ المجاورة في ((الصحيح))، واختلفُوا هل المجاورة الاعتكافُ أو غيره، فقال عَمرو بن دينارٍ: هما واحدٌ، وقال عطاءٌ: بل هما مختلفانِ؛ لأنَّ بيوت النَّبي صلعم كانت في المسجد، فلمَّا اعتكف خرجَ منها إلى بطن المسجد، قال العراقيُّ: قول ابن دينارٍ هو الموافق للأحاديثِ، انتهى ملخَّصاً.
          وأقولُ: مِن الأحاديث ما مرَّ في الأبواب السَّابقة قريباً.
          وشرعاً: اللبثُ في المسجد من شخصٍ مخصوصٍ على صفةٍ مخصوصةٍ، وهو من الشَّرائع القديمة؛ لقوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة:125] وقد صدَّر الإمامُ الرَّافعي كتابَ الاعتكاف مِن ((المحرر)) بهذه الآيةِ، وورد في فضله أحاديثُ وإن كانت ضعيفةً لكن يُعمَلُ بها في الفضائل؛ منها: ما رواه...، قال ابنُ الملقِّن: قام الإجماعُ على أنَّ الاعتكاف لا يجبُ إلَّا بالنَّذر.
          وقال في ((الفتح)): وليسَ بواجبٍ إجماعاً، إلَّا على مَن نذره، وكذا من شرعَ فيه فقطعَه عامداً عند قومٍ، واختلف في اشتراطِ الصَّوم له كما سيأتي في بابٍ مفردٍ، وانفرد سُوَيد بن غفلةَ باشتراط الطَّهارة له، انتهى، وهو سنَّةٌ مؤكَّدةٌ عند الشَّافعيَّةِ، لا سيما في العشر الأخير من رمضان، ولذا قيَّد به المصنِّف بعد أن أطلقه، قال الزهريُّ: عجباً مِن النَّاس كيف تركوا الاعتكافَ مع أنَّ رسولَ الله صلعم لم يتركه حتَّى قُبِض.
          وقال ابنُ المنيِّرِ: في هذا دليلٌ على أنَّ الاعتكاف كان مشروعاً قبل الصِّيامِ، لكن قال مالكٌ: لم يبلغني أنَّ أبا بكر وعُمرَ وعثمانَ ولا أحداً من سلف هذه الأمَّة اعتكف إلَّا أبا بكر بن عبد الرَّحمن، قال: ورآهم تركُوهُ لشدَّته، وفي المجموعة للمالكيَّةِ: تركُوه؛ لأنَّهُ مكروهٌ في حقِّهم كالوصال في الصَّوم.
          وقال في ((الفتح)): وكأنَّه أراد صفةً مخصوصةً، وإلَّا فقد حكيناه عن غير واحدٍ مِن الصَّحابة، قال: ومِن كلام مالكٍ هذا أخذ بعضُ أصحابه أنَّ الاعتكاف جائزٌ، وأنكر ذلك عليهم ابنُ العربيِّ وقال: إنَّه سنَّةٌ مؤكَّدةٌ، وكذا قال ابنُ بطَّال: في مواظبةِ النَّبيِّ ما يدلُّ على تأكُّده، وقال أبو داود عن أحمد: لا أعلمُ عن أحدٍ من العلماء خلافاً في أنَّه مسنونٌ، انتهى.
          وقال العينيُّ: الاعتكاف مستحبٌّ كما وقع في بعض كتب أصحابنا، وفي ((المحيط)): سنَّةٌ مؤكَّدةٌ، وفي ((المبسوط)): قربةٌ مشروعةٌ، وفي ((منية المغني)): سنَّةٌ، وقيل: قربةٌ، انتهى.
          وأقلُّه عند الشَّافعيَّة ما يزيد على قدر الطمأنينة ولو بما قلَّ، ولا حدَّ لأكثره، وقال العينيُّ: أقلُّ الاعتكاف نفلاً يوم عند أبي حنيفةَ، وبه قال مالكٌ، وعند أبي يوسفَ أكثر اليوم، وعند محمَّدٍ ساعة، وبه قال الشَّافعيُّ وأحمد في روايةٍ، وحكى أبو بكرٍ الرازِّيُّ عن مالكٍ: أنَّ مدَّة الاعتكاف عشرة أيَّامٍ، فيلزم بالشُّروع ذلك، وفي ((الجلاب)) أقلُّه يوم؛ أي: مع ليلته، والاختيار عشرة أيَّامٍ، وفي ((الإكمال)): استحبَّ مالك أن يكون أكثره عشرة أيَّامٍ، وهذا يرد ما نقل الرازي عنه، وقال ابنُ الهمام: الحقُّ أن يُقال: الاعتكاف واجبٌ، وهو المنذور، وسنَّةٌ مؤكَّدةٌ وبعد اعتكاف العشر الأواخر مِن رمضان، ومستحبٌّ وهو ممَّا سواهما، انتهى.
          وقال في ((الفتح)): واتَّفقوا على أنَّه لا حدَّ لأكثره، واختلفوا في أقلِّه، فمَن شرط فيه الصِّيام قال: أقلُّه / يومٌ، ومنهم مَن قال: يصحُّ مع شرط الصِّيام فيما دون اليوم، وعن مالكٍ يشترط عشرة أيَّامٍ، وعنه يوم أو يومان، ومَن لم يشترط الصَّوم قال: أقلُّه ما ينطلقُ عليه اسم اللبثِ ولا يشترطُ القعود، وقيل: يكفِي المرور مع النيَّة كالوقوف بعرفاتٍ، انتهى.
          وقال ابنُ تيميةَ الحنبليُّ: قالتِ الأئمَّةُ الأربعة وأتباعُهم: الصَّوم مِن شرطِ الاعتكاف الواجب، قال: وهو مذهب عليٍّ وابن عُمر وابن عبَّاسٍ وعائشة والشَّعبي والنخعيِّ ومجاهد والقاسم بن محمَّدٍ ونافع وابن المسيَّب والأوزاعي والزُّهري والثَّوري والحسن بن حيٍّ، وقال ابن مسعودٍ وطاوسٌ وعمر بن عبدِ العزيز وأبو ثورٍ وداود وإسحاق وأحمد في روايةٍ: الصَّوم ليس بشرطٍ في الواجب والنَّفل، وبه قال الشَّافعيُّ وأحمد، وما قاله ابن تيمية عن الشَّافعيِّ قولٌ قديمٌ له، انتهى.
          وقال العينيُّ: واحتجَّ الذين لا يشترطونَ الصَّوم بما رواه الدَّارقطنيُّ عن ابن عبَّاسٍ موقوفاً، وقيل: مرفوعاً ((ليس على المعتكِف صومٌ إلَّا أن يجعلَه على نفسِه))، واحتجَّ المشترطونَ له بما رواه أبو داودَ عن عائشةَ: ((ولا اعتكافَ إلَّا بصومٍ))، قال: والمراد به الاعتكاف الواجبُ، وعند أبي حنيفة الصَّوم شرطٌ لصحَّة الواجبِ منه أو مطلقاً، وهو عند أصحابنا، ولذلك كان أقلُّه يوماً؛ لأنَّ من شرط الاعتكاف الصَّومَ مطلقاً، انتهى ملخَّصاً.
          وقوله: ((والاعتكافِ في المساجد كلِّها)) بجرِّ ((الاعتكاف)) لعطفه على سابقه، وقيَّد بـ((المساجدِ))؛ لأنَّه لا يصحُّ الاعتكافُ في غيرها إلَّا في معتزلِ المرأة المهيَّأ في بيتها للصَّلاة، ففيه خلافٌ عند الأئمَّة، بل لا يصحُّ فيها عند الحنفيَّة إلَّا فيه على ما قيلَ، والصَّحيح عند الشَّافعيَّة عدم صحَّة اعتكافها فيه، وأكَّدَ بقوله: ((كلِّها))؛ ليعمَّ المساجد جميعها، خلافاً لمن خصَّه بالمساجد الثَّلاثة، وهو مذهبُ حذيفة بن اليمانِ، قاله في ((الفتح))، وخلافاً لمن خصَّه بمسجد نبيٍّ؛ كمسجدَي المدينة والأقصى، وخصَّه عطاء بمسجدَي مكَّة والمدينة، وخصَّه ابن المسيَّب بمسجد المدينةِ، وخصَّه بعضُهم بالمسجد الجامعِ في مكة يعني: الذي تُقام فيه الجمعة، ورُوي عن عليٍّ وابن مسعودٍ وعروةَ وعطاء والحسن والزُّهريِّ، وهو قول مالكٍ في ((المدوَّنة)) وهو مذهب الحنابلة، وقال في ((الإنصاف)): لا يخلو المعتكف من أن تمرَّ عليه صلاةُ جمعةٍ في مدَّة اعتكافِه، فلا بدَّ فيه من الجامعِ على الصَّحيح، وإلَّا فيصحُّ في كلِّ مسجدٍ.
          وقال في ((الفتح)): وذهب أبو حنيفةَ وأحمد إلى اختصاصِهِ بالمساجد التي تُقام فيها الصَّلوات الخمس، وخصَّه أبو يوسف بالواجبِ منه، وأمَّا النَّفلُ: ففي كلِّ مسجدٍ، وقال الجمهورُ: بعمومِه في كلِّ مسجدٍ إلَّا لمن تلزمُه الجمعة، فاستحبَّ له الشَّافعيُّ في الجامع، وشرطه مالكٌ؛ لأنَّ الاعتكاف عندهما ينقطعُ بالجمعة؛ يعني: بالخروج للجمعة، انتهى فتأمَّله.
          (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ}): أي: النساء ({وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ}) أي: معتكفون ({فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة:187]): هذا دليلٌ لكون الاعتكاف لا يصحُّ إلَّا في المساجد أي مسجدٍ كان.
          واعترض: بأنَّه قد يُدَّعى دلالة الآية على أنَّ الاعتكاف يجوزُ في غيرها، وإلَّا لم يكن للتعُّبدِ به فائدةٌ.
          وأُجيب: بأنَّه لو لم يكنْ ذكر المساجد لبيانِ أنَّ الاعتكاف لا يكون إلَّا في المسجد؛ لزم اختصاصُ حرمة المباشرة بكون المعتكِف في المسجد، وهو باطلٌ لحرمة الوطء العمد ولو في غير المسجد في الاعتكافِ الواجب قبل تمامِه وإفساده للاعتكافِ مطلقاً.
          قال في ((الفتح)): واتَّفقوا على فسادِه بالجِماع، حتَّى قال الحسن والزُّهري: مَن جامع فيه لزمته الكفَّارة، وعن مجاهدٍ يتصدَّق بدينارَين، قال: واختلفُوا في غير الجِماع ففي المباشرةِ أقوالٌ؛ ثالثها: إن أنزل بطل وإلَّا فلا، انتهى، وقال البغويُّ: ولا يبطل اعتكافه بما دون الجِماع، وقالت طائفةٌ: يبطل به اعتكافُه، وهو قول مالكٍ، انتهى، واختُلِف في المراد من المباشرةِ في الآية؛ فقيل: هي الوطء؛ لقوله تعالى قبله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة:187]...الآية، وقيل: المرادُ بها: الملامسة بشهوةٍ، قال المفسِّرون: وذكروا أنَّ قتادة قال: كانَ الرجلُ إذا اعتكف خرج فباشرَ امرأته، ثمَّ رجع إلى المسجد، فنهاهمُ الله عن ذلك، انتهى، وعبارة البغويِّ: والآية نزلت في نفرٍ من أصحاب النَّبيِّ كانوا يعتكفُون في المسجد، فإذا عرضت للرَّجل منهم الحاجةُ إلى أهله خرجَ إليها فجامعها ثمَّ اغتسل فرجع إلى المسجد، فنُهوا عن ذلك / ليلاً ونهاراً حتى يفرغُوا من اعتكافهم.
          تنبيهٌ: الظَّاهر أنَّ جملة النهي في الآيةِ مستأنفَةٌ، ويحتمل عطفُها على أحد الجملِ السَّابقة، وأمَّا جملة: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} فهي حاليَّةٌ مقترنةٌ بالواو والضَّمير، وقرأ مجاهدٌ كما في ((الكشاف)): {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} بالإفراد، والمراد به الجنس كالجمع على ما مرَّ بما فيه.
          ({تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ}): سقطتْ هذه الجملة إلى آخرها لابن عساكرَ، ووقع لأبوي ذرٍّ والوقت هكذا: <{فَلَا تَقْرَبُوهَا}...إلى آخر الآية>؛ أي: تلك الأحكام المذكورة من قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} إلى هنا، والجملة من المبتدأ والخبر مستأنفةٌ ({فَلَا تَقْرَبُوهَا})؛ أي: فلا تغشوها.
          قال البيضاويُّ: وهو أبلغُ من قوله: فلا تعتدوها، وقال في ((الكشاف)): فإن قلتَ: كيف قيل: {فَلَا تَقْرَبُوهَا} مع قوله: {فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة:229] ؟ قلتُ: مَن كان في طاعة الله والعمل بشرائعِه فهو منصرفٌ في حيِّز الحقِّ، فنُهِي أن يتعدَّاه؛ لأنَّ مَن تعدَّاه وقع في حيِّزِ الباطل، ثم بُولغ في ذلك فنُهِي أن يقرب الحدَّ الَّذي هو الحاجز بين حيِّز الحقِّ والباطل؛ لئلَّا يداني الباطل، وأن يكون في الواسطة متباعداً عن الطَّرف فضلاً عن أن يتخطَّاه؛ كما قال النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسلام: ((إنَّ لكلِّ ملكٍ حمًى وحمى اللهِ محارمُه، فمَن رتعَ حولَ الحِمى يوشكُ أن يقعَ فيه)) فالرَّتع حول الحمى وقربان حيِّزِه واحدٌ، ويجوز أن يريدَ بـ{حُدُود اللهِ} محارمه ومناهيه خصوصاً؛ لقوله: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ} وهي حدودٌ لا تُقرَب، انتهى.
          ({كَذَلِكَ}) أي: مثل ذلك التَّبيُّن ({يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ}) أي: سائرَ أحكامه على لسان نبيِّه محمَّد صلعم ({لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}): أي: مخالفة الأوامر والنَّواهي، فيحصل لهم السِّعادة.