التلقيح لفهم قارئ الصحيح

المقدمة

[المقدمة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي أيقظَ مِنْ خلْقِه مَنِ اصطفاه، وجَعَلَ هَمَّهُ فيما [1] يتعلَّقُ بآخرتِه لا دُنياه، وشغلَهُ بأمورِ مآلهِ واجتباه، وعظَّمَ قدرَهُ في الحالِ وفي المآل، وجعلَهُ من أبناءِ الآخرةِ ونِعْمَ الرجال، فهُمُ الأَعلونَ أَقدارًا، المشغولونَ بعبادتهِ ليلًا ونهارًا، أسْبغَ اللهُ عليهم في الدنيا نعمتَه، وبلَّغَهم في الآخرةِ جنَّتَه، أحمدُه أبلغَ الحمدِ وأكملَه، وأتمَّهُ وأزكاهُ وأشملَه، وأَشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ المتوحِّدُ في ملكوته، المتفرِّدُ [2] بعظمتهِ وجَبَروتِه.
وأَشهدُ أنَّ سيِّدنا محمَّدًا عبدُه المصطفى، ورسولُهُ ذُو الشرْعِ المقتفى صلَّى الله وسلَّم عليه، وزادَه فضْلًا وشرفًا لديه.
أمَّا بعدُ:
فلمَّا كان [3] «صحيحُ البخاريِّ» يُقرأُ ببلدتنا كثيرًا، ويتطاولُ إليه مَن كان صَغيرًا أو كبيرًا، من غيرِ أن يكون من أهلِه، ولا عارفٍ بفضلِه ونُبْلِه، ولا يَعرفُ العربيَّةَ إلَّا باللِّجام والسَّرْج، ولا المؤنَّثَ مِنَ المُذَكَّرِ إلَّا بالفَرْج، ولا الفاعِلَ مِنَ المفعول، ولا مِنَ الرجالِ الفاضلَ مِنَ المفضول، ولا يعرفُ اللُّغةَ ولا غَريبَ الحديث، ولا تصريفَ الفِعل ولا هو إليه بحثيث، ولا مراتبَ التعديلِ والتجريح، ولا يميِّزُ بين أهل التجريح والترجيح، ولا مَنْ تُرَدُّ روايتُه مِنَ المبتدعة، وإذا ذُكر له الفتوحُ؛ تُرى نفسُه إليه متطلِّعة، ولا المؤتلِف والمختلِف، والمتَّفِقَ والمفترِق، وما أشبههما من الأنواع، ولا معاني الحديث، ولكنَّه يمُدُّ عليه مِن قيلِه [4] أيَّ باع، ولا المعلَّقَ من الموصَّل، ولا العلَّةَ القادحة من غيرِ المعلَّل، ولا العاليَ والنازل إلَّا السماء والأرض، مع جهلِه بالفَرْق بين العَرَض والعَرْض، ولا يُفرِّق بين التدليس والإرسال الخفيِّ، ولا يَفهمُ استدلالَ البخاريِّ [5] إلَّا بالظاهر الجليِّ، ويجهلُ المشهورَ والعزيز والغريب، وليس لأحدٍ من أهل الحديث بقعيد [6] ولا شَرِّيب، ولا هو عارفٌ بالشاذِّ من المتواتر، وإذا ذاكرتَه فيه؛ رأيتَه أعظمَ مُكابر، ولا البَدَلَ من الموافقة والمساواة، ومَن سأله عن شيءٍ من ذلك ناواه، ولا الاعتبارَ والمتابعاتِ والشواهد، وليس لأحدٍ من أهل الفنِّ بمصاحبٍ ولا مقاعد، ولا هو عارفٌ بأنواع المدرج، ولا المخرِّجَ من الجهابذة ولا ما أَخرج، ولا يَفهم ما المسانيد، ولا بمَن هو متكلَّمٌ فيه في الأسانيد، ولا المستدرَك من المستخرَج من المعجَم، وإذا ذاكرتَه في ذلك؛ رأيتَه أبكم، ولا هو عارفٌ ببقيَّةِ الأنواع، ويودُّ أنَّ ذِكرَه بالعلم ظهر وشاع، وليس له بشيءٍ [7] من الكتب السِّتَّة ولا غيرِها سماع، ولا يَعرفُ يَكتبُ أسماءَ السامعين، ولا يَستخرجُ سندَ جزء حديثٍ بلا نِزاع، وليس عنده في هذا العلم ولا ورقة، والشاطرُ منهم مَن يأخذُ بعضَ ذلك سرِقة، ويتكبَّرُ أن يسألَ أهلَ العِلم وأربابَه، فرُبَّما سلَّط بعضَ الطلبةِ ليسألَ له عمَّا نزلَ به ونابَه، ولم يبقَ أحدٌ ببلدتنا ممَّن يقرؤه إلَّا ويتكلَّم عليه، وقد يزعُم أنَّ مرجعَ الناس في ذلك إليه، ويحكي الحكاياتِ؛ ليجمعَ بها النساءَ والعوامَّ، الذين هم في معنى البهائم السَّوامِّ؛ ليعظُمَ في نفوسهم بذلك، واللهُ يعلمُ أنَّه ليس بعارفٍ ولا سالك، وغرضُه بذلك الفتوح، فشخصُه يغدو إليه ويَروح، وهو عارٍ مِنَ الفنِّ وأدواتِه، ولم يأخذْهُ عن أهله في جهْرِه ولا في خَلَواتِه، وهذا البلاءُ قد عَمَّ غالبَ البلاد، فيقرؤه، وغيره من ليس له فيه طارفٌ ولا تِلاد، ولا شدَّ [8] فيه إلى الأمصار رَحْلَه، ولا حصَّل فيه فوائدَ سهلةً ولا جَزْلَة، ولا مدَّ فيه باعَ الاستحضار، ولا دَأَبَ فيه بالليل ولا بالنهار، فرحم اللهُ الأئمَّةَ الأعلام، الذين هم حُفَّاظُ الدين وأركان الإسلام، فإنَّ رَبْعَهم قد عفا، لكن ذِكرُهم ما هفا، وحسبنا الله وكفى.
وقد كنتُ قديمًا سنة ثلاث وتسعين وسبع مئة كتبتُ عليه تعليقًا سمَّيته بـ «التلويح» لأهل ذلك الزمان، وما كنتُ وقفتُ من شرح شيخنا الآتي ذِكْرُه إلَّا مِن أوَّله إلى أوَّل (كتاب الجهاد)، ثمَّ وقفتُ على الباقي بعد سِنينَ متطاولة، وأعصارٍ متوالية.
والآنَ قد زِدْتُهُ تراجمَ، وفوائدَ، وإيضاحًا، وإعرابًا لقُرَّاء هذا الأوان، لا لأبناء ذلك الزمان، ولم أضعْه للحَبْرِ الكامل، ولا للعالِم الفاضل؛ وذلك لأنَّ كُتُبَ هذا العِلْم ببلدتنا قليلة، وأنفُسَ أهله عنِ التطويل كَلِيلة، ولا يُعانونَ الفَتْشَ عن مكان الوقفِ والإرسال، ولا عدمَ اللُّقِيِّ وذلك عندَهم في «البخاريِّ» و«مسلمٍ» كالمُحال، ولا يعرفونَ زياداتِ الثقات، وقد يظنُّونَ أنَّ زيادَتَها أو تركَها كالهفوات [9]، وإنَّما يُعانونَ كلامَ بعضِ الأعاجم، على «المصابيح» و«المشارق» ولا يعتنون بالتراجم، مع أنَّ بضاعتَنا في العِلم والكُتُبِ مُزجاة، والاعترافَ بالتقصيرِ لصاحبه نِعمةٌ [10] مُهداة، وفي المَثَل: (تسمع بالمعيديِّ خيرٌ من أنْ تَراه)، وإنَّما وضعتُه للمتوسِّط الناقِل، أو [11] لمَن لزمَه العِيُّ؛ كباقِل.
وقد سمَّيتُ هذا الثاني بـ:
«التَّلْقيح لِفَهْمِ قارِئِ الصحيح»
ليكونَ له عندَ قراءتِه عُمدة، ويَفزَعَ إليه عندَ الهَيْعَة كالعُدَّة.
واعلم أنِّي إذا قلت: (قال شيخنا الشَّارح)؛ فمرادي العلَّامةُ الحافظ سِراج [12] الدين أبو حفص عمر بن الإمام أبي الحسن عليٍّ الأنصاريُّ الوادي آشي الشهير بابن المُلَقِّن، برَّد الله ثراه، وجعل الجنَّةَ مرتَعَه ومثواه.
وقد قرأتُ عليه من أوَّل شرحه لهذا الكتاب إلى أوَّل (كتاب الجهاد)، ثمَّ ما في الكتاب قد كتبتُه، وإذا نقلتُ فيه شيئًا عن غيره من مشايخي [13]؛ ميَّزتُه وعيَّنتُه، وما نقلتُ فيه عنِ ابنِ المُنَيِّرِ؛ فمن «تراجمِه» على هذا الكتاب [14]، وفيها فوائدُ،
ج1ص3
وقد دقَّقَ فيها تَبَعًا للبخاريِّ، ونحا فيها الصواب.
وما نقلتُه عنِ الدِّمياطيِّ؛ فمِن حواشيه على «البخاريِّ»؛ وهو الحافظ شرف الدين أبو محمَّد عبد المؤمن بن خلفٍ، وهو [15] شيخُ بعضِ مَن أخذتُ عنه مِنَ الشيوخ، وكان في القراءات والمغازي والأنساب وفنونِ هذا العلم مِن أهل الرُّسوخ [16].
وما قلتُه في تراجم الرجال؛ فمِن «تذهيب الحافظ الذَّهَبِيِّ» المختصَرِ من «تهذيب الكمال» للحافظ المِزِّيِّ، ولم أذكر فيه مِنِ اعتراضات الحافظ مُغلطاي على المِزِّيِّ إلَّا نادرًا، وفيما ذكرتُه كفايةٌ لمن لم يكن على كتب هذا النوع قادرًا.
ومن قلتُ فيه: (له ترجمة في «الميزان»)؛ فإنَّه متكلَّم فيه فيما ذَكره مؤرِّخُ الزمان الحافظ الذَّهَبيُّ في «ميزان الاعتدال في نقد الرجال»، اللَّهُمَّ إلَّا أن يكون ذَكَره تمييزًا، فأنِّي أنصُّ عليه، فإذا قلتُ: (وصحَّح عليه)؛ فإنَّه يكونُ العملُ على توثيقه؛ كما شرطه هو في حاشية «الميزان»، وهو كتابٌ مرقصٌ مُطرب، تجاهَ ترجمةِ الشيعيِّ الجَلْدِ أبان بنِ تَغْلِب.
ومَن قلتُ فيه: (قال بعضُهم)؛ فمُرادي [17] صاحبُنا الإمام بدر الدين القاهريُّ الزَّرْكشيُّ في كتابه «التنقيح»، وهو كتابٌ حسنٌ مَليح، غيرَ أنَّ فيه أشياءَ غيرَ صحيحةٍ، وقد وقفتُ منه على نسخةٍ سَقيمةٍ غيرِ مُريحة.
وما نقلتُه فيه عنِ ابن شيخنا البلقينيِّ؛ فمِن كتابه «المبهمات» [18]، وهو قاضي المسلمين الإمام جلال الدين عبد الرحمن بن شيخ الإسلام سِراج الدين أبي حفص عُمر بن رِسلان بن نُصير رحمهما [19] الله، فقد كان للخيراتِ داعيًا، ولعلوم الشريعة واعيًا.
ثمَّ اعلم أنَّ ما فيه عن حافظِ عصري، أو عن بعض حفَّاظ العصر، أو نحو هاتين العبارتين؛ فهو مِن [20] قولِ حافظ هذا العصر العلَّامةِ قاضي المسلمين حافظِ الإسلام شهابِ الدين ابنِ حَجَرٍ، من كتابه الذي هو كالمدخلِ إلى «شرح البخاريِّ» له، أعانَه الله على إكمال الشرح [21].
واعلم أنَّ شيخَنا الشَّارح عزا غالبَ الآثار والمتابعات [22] والتعاليق التي فيه [23]، ولم يَبْقَ في هذا العصر _ والله أعلم _ مَن يماثِلُه، بل ولا مَن يدانيه، ولم يقف عليه منها إلَّا [24] اليسير؛ كالفتيل والنقير والقطمير، ولم أتعرَّض أنا بالنسبة إلى ما ذَكره إلَّا قليلًا لذلك؛ لفائدةٍ قد تعرفُها فيما هنالك، فقد كفانا ذلك ومؤنتَه، جلَّله اللهُ رحمتَه ومغفرتَه، غيرَ أنِّي قد عزوتُ غالبَ ما فيه من المتابعات [25] إلى ما هي فيه من الكتب السِّتَّة المشهورات، ولم أذكرْ ما فيه [26] (من غيرها إلَّا نادرًا في بعض الأوقات، وقد عزا [27] جُلَّ ذلك شيخنا) [28] كما تقدَّم [29] إلى ما هي فيه من المُصنَّفات، ولم أذكر في هذا إلَّا نزرًا من الأحكام، وقد ذكر منها [30] شيخنا شيئًا، وجُملتَها مِن قبلِه الأئمَّةُ الأعلام.
ثمَّ اعلم أنَّ التراجم التي يترجمُ بها البخاريُّ رحمه الله معظمُها هو مذهبٌ يختارُه لنفْسِه يرُدُّ به على بعضِ العلماء، وإمَّا ردٌّ لحديثٍ ضعيفٍ قد ضعَّفه هو أو بعضُ الجهابذة النبلاء، أو ردٌّ لحديثٍ ليس على شرطه بحديثٍ يذكرُه في الترجمة على شرطه وضبطه، وتارةً يرُدُّ [31] فِعلًا شائعًا من الناس لا أصلَ له بترجمةٍ مع حديثٍ قد ساقه وأصلَه، وقد يكون لغير ذلك من المعاني التي يعرفُها مَن لكلامِه يُعاني، ولولا خوفُ الإطالة؛ لذكرتُ ما وقع لي من ذلك، وغالبُه يُستخرجُ من كلام شيخنا الشَّارح؛ فإنَّه سهَّلَ فيه المسالك.
ولم أقصد في هذا التعليق جمْعَ الأقوال والروايات، وما يُقال فيه من الإعراب؛ لأنَّ به يطولُ الكتاب، ويَخرجُ عنِ الاستحضار إذا لم يدأب فيه باللَّيل والنهار.
وهاأنا أذكر قريبًا تنبيهًا يتعلَّق بتراجم المصنِّفينَ في الحديث ينفعُك في تراجم «البخاريِّ»؛ فإنَّها كالشيءِ العُجاب؛ فإنَّ فِقْهَهُ في تراجمه كما عَمِلَ العلَّامةُ سيبويه في «الكتاب»، ومَن أراد الإمعانَ؛ فعليه بالمطوَّلات، لا العُجالات والمختصرات.
ثمَّ اعلم أنِّي لا أذكر الأوهام الواقعة قبل الوصول إلى «البخاريِّ»، وذلك فيما يخُصُّ الأسانيدَ وأسماءَ الرواة؛ فإنَّ الحملَ في ذلك على نَقَلَةِ الكتاب، وقد وقعَ مثله في «مسلم»، وقد ينْدُرُ مواضعُ يسيرةٌ من هذه الأوهام لهما، أو لمَن فوقَهُما من الرواة، فأذكُرُ من ذلك ما يسَّرَه اللهُ تعالى [32] فيما يتعلَّق بالبخاريِّ، وقد استدرك ذلك الحافظ أبو الحسن عليُّ بنُ عُمرَ الدَّارَقُطنيُّ عليه، وكذا على الحافظِ مسلمٍ، ونبَّهَ على بعضِ هذه المواضعِ الحافظ أبو مسعودٍ الدمشقيُّ، وغيرُه من الأئمَّة، وقد ذكرَها الحافظ أبو عليٍّ الغسَّانيُّ ببابٍ مفردٍ في كتابه [33] «تقييد المُهمَل»؛ فسارِعْ إليه ولا تكُنْ ممَّن أهمَل؛ فقد كفاني ذلك رحمه الله.
ومَن أراد ذلك، أو شيئًا منه؛ فعليه بالكتاب المشار إليه.
واللهَ أسألُ أن يجعلَ ذلك لوجهه الكريم خالصًا، وأنْ يجعلَني في ظِلِّ عَرْشِه إذا [34] الظِّلُّ أضحى في القيامة قالصًا، إنَّه على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وبالإجابةِ جديرٌ، وبجزاءِ كلِّ خيرٍ كفيلٌ، وهو حسبُنا ونِعْمَ الوكيل.
تنبيهٌ قد سبقت الإشارة إليه قريبًا:
اعلم أنَّ التراجمَ التي يُترجِمُ بها أصحابُ التصانيف على الأحاديث إشارةٌ إلى المعاني المستنبطة منها على ثلاثِ مراتب:
منها: ما هو ظاهرٌ في الدلالة على المعنى المراد، مفيدٌ لفائدةٍ مطلوبة.
ومنها: ما هو خفيُّ الدلالة على المعنى المراد، بعيدٌ مستكرَهٌ لا يتمشَّى إلَّا بتعسُّف.
ومنها: ما هو ظاهرُ الدلالة على المراد إلَّا أنَّ فائدتَه قليلةٌ لا تكاد تُستحسن، مثل ما ترجم الإمام البخاريُّ: (باب السؤال عند الجمار)، وهذا القِسم _أعني: ما يظهر منه قلةُ الفائدة_ يحسنُ إذا وُجد معنًى في ذلك المراد [35] يقتضي تخصيصَه بالذِّكر، ويكونُ عدمُ استحسانه في بادئ الرأي لعدم الاطِّلاع على ذلك المعنى.
فتارةً يكونُ سببُهُ الردَّ على مخالفٍ في المسألة لم تَشتَهِر [36] مقالتُه؛ مثل ما ترجم البخاريُّ على أنَّه يُقال: ما صلَّينا؛ فإنَّه نُقل عن بعضِهم أنَّه كَرِهَ ذلك.
قال شيخُنا الشَّارح:
ج1ص4
(إن قيل: أيُّ كبيرِ أمرٍ تحت هذه الترجمة؟
فالجواب: نعم؛ تحتَها عظيمٌ؛ وهو أنَّه ردَّ بها على مَن يقولُ إذا سُئل [37]: هل صلَّيتَ؟ وهو منتظرٌ الصلاةَ؛ فيُكره أن يقولَ: لم أُصَلِّ، وهو قولُ إبراهيمَ النَّخَعيِّ، رواه عنه ابن أبي شيبةَ بإسنادِه إليه، والسُّنَّةُ ترُدُّ عليه، والله أعلم) انتهى [38].
وتارةً يكونُ سببُهُ الردَّ على فِعْلٍ شائعٍ مِنَ الناس لا أصلَ له؛ فيذكرُ الحديثَ؛ للردِّ على فِعْلِ ذلك الفعل، كما اشتهرَ بين الناس في هذا المكانِ التحرُّزُ عن قولهم: (ما صلَّينا) إن لم يصحَّ أنَّ أحدًا كرِهَه، وقد تقدَّم أنَّه كرِهَهُ إبراهيمُ النَّخَعيُّ.
وتارةً يكونُ لمعنًى يخُصُّ الواقعةَ لا يظهرُ لكثيرٍ من الناس في بادئ الرأي؛ مثلَ ما ترجم البخاريُّ على حديث أبي موسى الأشعريِّ قال: (أتيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يَستاكُ بسِواكٍ، وطرفُ السِّواكِ على لسانِه...)؛ الحديثَ: (بابُ استياكِ الإمامِ بحضرةِ رعيَّتِه)؛ فإنَّ الاستياكَ مِنْ أفعالِ البِذْلة والمِهْنة، ويلازمُه أيضًا مِن إخراجِ البُصاق وغيرِه ما لعلَّ بعضَ الناسِ يتوهَّمُ أنَّ ذلك يقتضي إخفاءَه وترْكَه بحضرةِ الرعيَّةِ، وقدِ اعتبرَ الفقهاءُ في مواضعَ كثيرةٍ هذا المعنى، ويسمُّونَه: تحفظ المروءة، وقد أورد البخاريُّ هذا الحديث؛ لبيان أنَّ الاستياك ليس من قَبيل ما يُطلب إخفاؤُه ويتركُه الإمام بحضرةِ الرعايا؛ إدخالًا له في العباداتِ والقُرباتِ، والله أعلم.
فينبغي لقارئِ هذا الكتابِ أو مُطالِعِه أن يغوصَ في فَهْمِ تراجمه، فإنَّ بحرَ مؤلِّفِه عميق، ونظرَه في الشريعةِ دقيق.
ثمَّ اعلم أيضًا أنَّه وقع في هذا الكتابِ أحاديثُ يسيرةٌ ذكرَها مكرَّرةً متنًا وإسنادًا، وقلَّما يتَّفِقُ له ذلك، وقد ذكرتُ ما تنبَّهْتُ [39] له في (كتاب الحجِّ)، وكان ينبغي لي أن أذكرَها في أوَّل مكانٍ وقعَ فيه حديثٌ مكرَّرٌ، ولكن كذا اتفقَ، وما ذكرتُه من ذلك الظاهرُ أنِّي لم أستوعِبْه، ولكن ينبغي لمَن عَثَرَ على شيءٍ من ذلك؛ فليُلحقه في (الحجِّ) حيثُ ذكرتُه.
تنبيه: اعلم أنَّ النُّسَخَ من هذا «الصحيحِ» تختلفُ، وسببُهُ ما رأيتُه عن أبي الوليد الباجيِّ في مقدِّمةِ كتابه في أسماء رجال «البخاريِّ» قال: (أخبرني الحافظُ أبو ذرٍّ عبدُ بنُ أحمد [40] الهَرَويُّ، حدَّثنا الحافظُ إبراهيمُ المُسْتملي قال: انتسختُ «كتاب البخاريِّ» من أصلِه الذي كان عند صاحبِه الفِرَبْرِيِّ، فرأيتُ فيه أشياءَ لم تتمَّ [41]، وأشياءَ مبيَّضةً؛ منها: تراجم لم يُثبِت فيها شيئًا، ومنها: أحاديث لم يترجِم لها، فأضفنا بعضَ ذلك إلى بعضٍ).
قال الباجيُّ: (وممَّا يدُلُّ على صِحَّةِ هذا القول روايةُ المُسْتَمْلِي، وروايةُ السَّرَخْسِيِّ، وروايةُ أبي الهيثم الكُشْمِيهَنِيِّ، وروايةُ أبي زيدٍ المِروَزِيِّ مختلفةٌ بالتقديم والتأخير، معَ أنَّهم انتسَخُوا مِن أصلٍ واحدٍ، وإنَّما ذلك بحسَب ما قَدَّرَ كلُّ واحدٍ منهم في ما كانَ في طُرَّةٍ أو رَقْعَةٍ مُضافةٍ أنَّه مِن موضعِ ما أضافه إليه، ويُبيِّنُ ذلك أنَّك تجدُ ترجمتينِ فأكثرَ مِن ذلِكَ متَّصلةً ليس [42] بينهُما أحاديثُ).
قال الباجيُّ: (وإنَّما أوردتُ هذا؛ لِمَا عُني به أهلُ بلدِنا مِن طلبِ معنًى يَجمَعُ [43] بين الترجمةِ والحديثِ الذي يليها، ويكلِّفُهم في ذلك تعسُّفُ التأويل ممَّا [44] لا يَسوغ) انتهى.
وقد تقدَّم أنَّ ابن المُنَيِّر تكلَّم في تراجمه على الجمع في ذلك، واللهُ الموفِّقُ للصواب، وإليه المرجع والمآب [45].
وهذا حينُ الشروعِ في الكلامِ على «الصحيح»، فأقولُ [46]:
قال الإمامُ البخاريُّ (رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه) [47]:


[1] في (ب): (مما).
[2] في غير (أ): (المنفرد).
[3] التقدير: فإني ألفت هذا الكتاب لما كان...
[4] (من قيله): ليست في (ب).
[5] البخاري: ليست في (ب)، وهي في (أ) رمز.
[6] في هامش (أ): (نسخة: بأَكِيلٍ).
[7] في (ب): (شيء).
[8] في (ب): (شذ).
[9] في (ب): (الهفوات).
[10] (نعمة): ليست في (ب).
[11] في (ب): (و).
[12] زيد في (ب): (الملة و).
[13] في (ب): (مشايخ).
[14] هو الإمام العلَّامة ناصر الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي القاسم منصور بن مختار بن أبي بكر بن أبي العباس علي بن أبي المعالي بن أبي المظفر بن المُنَيِّر الجذامي الجروي الإسكندراني، قاضي الإسكندرية وعالمها وخطيبُها، أخو زين الدين علي، ولد سنة (620 هـ)، سمع من أبيه وآخرين، حدث بها، وكان فقيهًا عالمًا، وكان مع علومه له اليد الطولى في الأدب وفنونه، وكان لا يُناظَر تعظيمًا لفضيلته، بل تُورد الأسئلة بين يديه ثم يُسمع ما يجيب فيها، له مصنفات مفيدة غيره وتفسير نفيس، والمراد بـ «تراجمه على البخاري»: كتابه «المتواري على أبواب البخاري» في مقابسات تراجم «صحيح البخاري»، وله «الانتصاف من الكشاف»،و«الاقتفا في فضائل المصطفى»، وغيرها، وقيل: إنَّ الشيخ عز الدين ابن عبد السلام كان يقول: ديار مصر تفتخر برجلين في طرفيها ابنُ المنيِّر بالإسكندريَّة وابن دقيق العيد بقوص، توفِّيَ سنةَ (683 هـ) بالثغر، انظر «الوافي بالوفيات» (8/84).
[15] (وهو): ليست في (ب).
[16] هو الإمام العلَّامة شرف الدين أبو محمَّد عبد المؤمن بن خلف.
[17] زيد في (ب): (منه).
[18] في (ب): (المهمات).
[19] في (ب): (رحمه).
[20] (من): ليست في (ب).
[21] يريد به: شرح «البخاري» المسمى: «فتح الباري» للحافظ ابن حجر رحمه الله، ولم يكن قد أتمَّه حينها.
[22] في (ب): (والمبايعات).
[23] في (ب): (فيها).
[24] زيد في (ب): (هنالك).
[25] (من المتابعات): ليست في (ب).
[26] (ما فيه): ليست في (ب).
[27] في (ب): (عززنا).
[28] ما بين قوسين جاء في (ب) قبل هذا الموضع بعد قوله: (غالب ما فيه).
[29] (كما تقدم): ليست في (ب).
[30] في (ب): (فيه).
[31] في (ب): (ترد).
[32] زيد في (ب): (وقد وقع).
[33] (كتابه): ليست في (ب).
[34] في (ب): (و).
[35] (المراد): ليست في (ب).
[36] في (ب): (يشتهر).
[37] (إذا سئل): ليست في (ب).
[38] «التوضيح» (6/411).
[39] في (ب): (نبهت).
[40] في (ب): (آدم).
[41] في (ب): (يتم).
[42] في (ب): (وليس).
[43] في (ب): (بجمع).
[44] في (ب): (فيما).
[45] في هامش (أ): (بلغ فيه المحدِّث الفاضل الرَّحال نجم الدين محمَّد المدعوُّ عمر بن الشيخ الإمام الفاضل تقي الدين محمَّد ابن فهد الهاشميُّ المكِّيُّ قراءةً عليَّ [مِن أوَّله] إلى باب «كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم»، وذلك يوم الأحد سابع صفر المبارك من سنة [خمس] وثلاثين وثماني مئة بالمدرسة الشرقية بحلب، وناولتُه هذا المجلد، وآخرُه: أول مناقب الصحابة رضي الله عنهم، وأذنتُ للمشار إليه في روايةِ جميع الكتاب عني؛ قاله مؤلِّفُه إبراهيمُ المحدِّث، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلمَّ، ثم ناولتُه الجزءَ الثاني في التاريخِ والمكانِ، فكَمُلَ له روايةُ جميعِ الكتابِ، كتبه مؤلِّفُه إبراهيم).
[46] في (ب): (وأقول).
[47] ما بين قوسين مثبت من (ب).