إنعام المنعم الباري بشرح ثلاثيات البخاري

حديث: كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزها

2- قولُهُ: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ)، ولأبي ذَرٍّ والأصيليِّ [1]: (المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ) أي البلخيُّ.
قولُهُ: (حَدَّثَنَا يَزِيْدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) بَضمِّ العينِ، الأسلميُّ مولى سلمةَ بن الأكوعِ المتوفي سنةَ بضعٍ وأربعينَ ومائةٍ، وهذا ثاني الثُّلاثياتِ.
أخرجَهُ الإمامُ في الرُّبعِ الرَّابعِ من الجُّزءِ الثَّاني في كتابِ الصَّلاةِ: (بابُ قدرِ كم ينبغي أن يكونَ بينَ المصلي والسُّترَةِ) قولهُ: (عَنْ سَلَمَةَ) بفتح السينِ واللام، ابنِ الأكوعِ الأسلميِّ.
قولُهُ: (كَانَ جِدَارُ المَسْجِدِ) أي النَّبويِّ، كذا وقعَ في روايَةِ مكيٍّ، ورواهُ الإسماعيليُّ من طريقِ أبي عاصمٍ عن يزيدَ بلفظٍ: <كَانَ المِنْبَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَائِطِ القِبْلَةِ إِلا قَدْرَ مَا تَمُرُّ العَنْزَةُ> فتبيَّنَ بهذا السِّياقِ أنَّ الحديثَ مرفوعٌ.
قولُهُ: (عِنْدَ المِنْبَرِ) تتمَّةُ اسمِ كانَ، أي الجِّدارُ الذي عندَ المنبرِ، والخبرُ قولُهُ: (مَا كَادَتِ الشَّاةُ تَجُوْزُهَا) بالجيم، أي المسافةُ وهي ما بينَ الجِّدارِ والنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، أو ما بينَ الجِّدارِ والمنبرِ.
وللكُشْمِيْهَنِيِّ: (مَا كَادَتِ الشَّاةُ أَنْ تَجُوْزَهَا) بزيادةِ «أنْ» واقترانُ خبرِ كادَ بأنْ قليلٌ، كَحَذْفِهَا من خبرِ عسى، فحصلَ التعارضُ [2] بينهما.
ثمَّ إنَّ القاعدَةَ أنَّ حرفَ النَّفيِّ إذا دخلَ على كادَ يكونُ النَّفيُ، لكنَّهُ هنا لإثباتِ جوازِ الشَّاةِ، وقد قدَّروا ما بينَ المُصلَّى والسترةِ بقدرِ ممرِّ الشَّاةِ، وقيلَ: أقلُّ ذلكَ ثلاثةُ أَذرُعٍ، وبهِ قالَ الشَّافِعيُّ وأحمدُ، ولأبي داودَ مرفوعاً من حديثِ سهلِ بن أبي حَثْمَةَ [3]: <إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعَ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ>.
ورواةُ هذا الحديثِ
ص5
ثلاثَةٌ، وفيهِ التَّحديثُ والعنعنَةُ، وأخرجَهُ مسلمٌ.
وقالَ ابنُ بطَّالٍ: أقلُّهُ ممرُّ الشَّاةِ.
قالَ السِّنْدِيُّ: وقدرُ ممرِّ الشَّاةِ على ما يظهرُ لا يزيدُ على نصفِ الذِّراعِ، بل قدَّرَهُ بعضُهم بشبرٍ، وهذا لا يكفي عادةً للسُّجودِ فيهِ، فقد عُلِمَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم صلَّى في الكعبَةِ فجعلَ بينَهُ وبينَ الجِّدارِ قدرَ ثلاثةِ أذرعٍ.
وهذا هو الذي يمكنُ أن يُعتمَدَ عليهِ، ولهذا استحسنَهُ جماعةٌ، لكن لا بدَّ لحديثِ البابِ من مَحْمَلٍ، فقالَ بعضُ المشايخِ المالكيَّةِ: محملُهُ حالةَ القِيامِ، فقالَ: ينبغي أن يكونَ الشِّبرُ بينَهُ وبينَ السُّترةِ وهو قائمٌ؛ فإذا ركعَ تأخَّرَ بثلاثةِ أذرُعٍ، قالَ: والتَّأخُّرُ وإن كانَ عملاً لكنَّهُ لمصلحَةِ الجَّمعِ بينَ الحديثين.
قلتُ: والتزامُ هذا الفعلِ في كلِّ ركعَةٍ بعيدٌ، فالوجهُ أن يحملَ المصلَّى على موضعِ السُّجودِ؛ وتُحملَ روايةُ موضعِ القيامِ على تصرُّفِ بعضِ الرُّواةِ لقصدِ النَّقلِ بالمعنى، أو يُحمَلَ ممرُّ الشَّاةِ على موضعٍ يمكِنُ لها فيهِ التَّعدي والمشيَ طولاً لا عرضاً، أي لو كانَ هنا طريقٌ إلى جهةِ القبلَةِ وأرادَتِ الشَّاةُ المرورَ من موضعِ قيامِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأمكنَ لها القيامُ في المسافَةِ التي بينَهُ صلى الله عليه وسلم وبينَ الجِّدارِ مارَّةً إلى جهةِ القبلَةِ، ولعلَّ هذا محملُ ما قالَ ابنُ الصَّلاحِ: «قدَّروا ممرَّ الشَّاةِ بثلاثَةِ أَذْرُعٍ» والله تعالى أعلمُ.
قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ: فإنْ قيلَ: من أين يُطابِقُ التَّرجمَةَ؟ أجابَ عنهُ الكِرمانيُّ فقالَ: من حيثُ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم كانَ يقومُ بجنبِ المنبرِ، أي ولم يكن لمسجدِهِ محرابٌ، فتكونُ مسافَةُ ما بينَهُ وبينَ الجِّدارِ نظيرُ ما بينَ المنبرِ والجِّدارِ، فكأنَّهُ قالَ: والذي ينبغي أن يكونَ بينَ المصلي والسُّترَةِ قدرَ ما كانَ بينَ منبرِهِ صلى الله عليه وسلم وجدارِ القبلةِ.
وأوضحُ من ذلكَ ما ذكرَهُ ابنُ رشيدٍ أنَّ البُخاريَّ _رحمهُ الله_ أشارَ بهذهِ التَّرجمَةِ إلى حديثِ سهلِ بن سعدٍ الذي تقدَّمَ في البُخاريِّ في بابِ الصَّلاةِ على المنبَرِ والخشبِ، فإنَّ فيهِ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قامَ على المنبرِ حينَ عُمِلَ فصلَّى عليهِ، فاقتضى ذلكَ أن ذِكْرَ المنبرِ يُؤخذُ منهُ موضعُ قيامِ المصلِّي.
فإنْ قيلَ: إنَّ في ذلكَ الحديثِ أنَّهُ لم يسجدْ على المنبرِ، وإنَّما نزلَ فسجدَ في أصلِهِ، وبينَ أصلِ المنبرِ وبينَ الجِّدارِ أكثرُ من ممرِّ الشَّاةِ.
أُجيبَ بأنَّ أكثرَ أجزاءِ الصَّلاةِ قد حصلَ في أعلى المنبرِ، وإنَّما نزلَ عن المنبرِ لأنَّ الدَّرجَةَ لم تتَّسعْ لقدرِ سجودِهِ فحصلَ بهُ المقصودُ، وأيضاً فإنَّهُ لما سجدَ في أصلِ المنبرِ صارتِ الدَّرجةُ التي فوقهُ سترةً لهُ، وهو قدرُ ما تقدَّمَ.
قالَ ابنُ بطَّالٍ: هذا أقلُّ ما يكونُ بين المصلِّي والسترَةِ، أي قدرُ ممرِّ الشَّاةِ، وقيلَ: أقلُّ ذلكَ ثلاثةُ أذرعٍ لحديثِ بلالٍ.
أقولُ: لما تقدَّمَ في قولِ السندِيِّ.
وجمعَ الدَّاؤديُّ بأنَّ أقلَّهُ ممرُّ الشَّاةِ، وأكثرُهُ ثلاثةُ أذرعٍ، وجمعَ بعضُهم بأنَّ الأولَ في حالِ القيامِ والقعودِ، والثَّاني في حالِ الرُّكوعِ والسُّجودِ.
ص6
قلتُ: ولا يخفى ما فيهِ، وقالَ البغويُّ: استحبَّ أهلُ العلمِ الدُّنوَّ من السُّترةِ بحيثُ يكونُ بينَهُ وبينَها قدرَ إمكانِ السُّجودِ، وكذلكَ بينَ الصُّفوفِ. وقد وردَ الأمرُ بالدُّنوِّ منها.
وفيهِ بيانُ الحكمةِ في ذلكَ، وهو ما رواهُ أبو داودَ وغيرُهُ من حديثِ سهلِ بنِ أبي حَثْمَةَ [4] مرفوعاً كما ذُكِرَ قبلُ. أ هـ. [خ¦497]


[1] في المطبوع: (لأبي ذر الأصيلي) وهو خطأ، لأنهما روايان للبخاري، ونسبة أبي ذر ليست الأصيلي.
[2] في المطبوع: (التقارض) وهو خطأ، والصواب ما أثبت.
[3] في المطبوع: (خيثمة) وهو خطأ، والتصويب من كتب المتون الحديثية.
[4] في المطبوع: (خيثمة) وهو خطأ، والتصويب من كتب المتون الحديثية.