إنعام المنعم الباري بشرح ثلاثيات البخاري

حديث: يا ابن الأكوع ملكت فأسجح إن القوم يقرون في قومهم

12- قولُهُ: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ) بْنُ إبراهيمَ بن بشيرِ بن فرقدٍ البرجميُّ البلخِيُّ.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيْدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) مصغَّراً من غيرِ إضافةٍ عن مولاهُ (سلمةَ) بنِ الأكوعِ.
وهذا هو الثَّاني عشرَ من الأحاديثِ الثُّلاثيَّاتِ.
أخرجهُ الإمامُ في الرُّبعِ الثَّاني من الجُّزءِ الثَّاني عشرَ في كتابِ الجِّهادِ، بابُ من رأى العدوَّ فنادى بأعلى صوتِهِ: يا صَباحا.
قولُهُ: (أَخْبَرَهُ قَالَ: خَرَجْتُ مِنَ المَدِيْنَةِ _حالَ كَوني_ ذَاهِبَاً نَحْوَ الغَابَةِ) بالغينِ المعجمَةِ وبعد الألفِ موحَّدةٌ، وهي على بريدٍ من المدينةِ في طريقِ الشَّامِ، حتَّى إذا كنتُ بثنيَةِ الغابَةِ، هي كالعقبَةِ في الجَّبلِ، سَمَّى بها الغابَةَ لأنَّها ذاتُ أشجارٍ كثيرَةٍ يغيبُ ما فيها.
قولُهُ: (لَقِيَنِي غُلاَمٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) لم يُسَمَّ الغلامُ، ويُحتمَلُ أنَّهُ رباحٌ الذي كانَ يخدمُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم.
(قُلْتُ: وَيْحَكَ مَا بِكَ؟ قَالَ: أُخِذَتْ) بضمِّ الهمزَةِ آخرُهُ مثنَّاةٌ فوقيَّةٌ ساكنةٌ مبنيَّاً للمفعولِ: ولأبي ذَرٍّ
ص17
عن الحمويِّ والمستمليِّ: أُخِذَ، بإسقاطِ الفوقيَّةِ بتذكيرِ الفعلِ.
(لِقَاحُ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلم) جمعُ لِقْحَةٍ، بكسرِ اللامِ بعدَها قافٌ، وبعدَ الألفِ حاءٌ مهملَةٌ مرفوعٌ نائباً عن الفاعلِ واحدُهَا لقوحٌ أو لقحةٌ وهو الحلوبُ، وكانت عشرينَ لِقْحَةً ترعى بالغابةِ، وكانَ فيهم أبو ذَرٍّ.
قولُهُ: (قُلْتُ: مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانُ، وَفَزَارَةُ) بفتحِ الفاءِ والزَّاي، قبيلتانِ من العربِ فيها عُيينَةُ بن حصنٍ الفزاريُّ.
قولُهُ: (فَصَرَخْتُ ثَلاَثَ صَرَخَاتٍ أَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا) أي لابتي المدينةِ، واللَّابةُ الحَرَّةُ (يَا صباحاهُ، يا صباحاهُ) مرَّتين، بفتحِ الصَّادِ والموحَّدَةِ وبعدَ الألفِ حاءٌ مهملَةٌ فألفٌ فهاءٌ مضمومَةٌ، وفي الفرعِ سكونُها، وكذا في أصلِهِ منادى مُستغاث، والألفُ للاستغاثَةِ والهاءُ للسَّكتِ، وكأنَّهُ نادى النَّاسَ استغاثةً بهم في وقتِ الصَّباحِ، أي أغيثُوا وقتَ الصَّباحِ؛ لأنَّ الأعداءَ كانُوا يُغيرونَ فيهِ، فكأنَّهُ يقولُ: تأهَّبوا لما يَدْهَمُكُمْ صباحاً، وقالَ تعالى: {فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا} [العاديات:3] والألفُ والهاءُ قيلَ للنُّدبَةِ، قالَهُ ابنُ المنيرِ، وربَّما سقطَتْ في الوصلِ، وقد ثبتَتْ في الرِّوايةِ فيُوقفُ عليها بالسُّكونِ، وقالَ القُرطبيُّ: معناهُ الإعلامُ لهذا الأمرِ المهمِّ الذي دهمَهم في الصَّباحِ، وهي كلمةٌ يقولُها المستغيثُ (ثُمَّ انْدَفَعْتُ) بسكونِ العينِ: أسرعتُ في السَّيرِ، وكانَ ماشياً على رجليهِ.
قولُهُ: (حَتَّى أَلْقَاهُمْ، وَقَدْ أَخَذُوْهَا، فَجَعَلْتُ أَرْمِيْهِمْ _بالنَّبلِ_ وَأَقُولُ: أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ، وَاليَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ) بضمِّ الرَّاءِ وتشديدِ الضَّادِ المعجمَةِ بعدَها عينٌ مهملَةٌ والرَّفع فيهما، ولأبي ذرٍّ نصبُ المعرَّفِ، أي اليومَ يومُ هلاكِ اللِّئامِ، من قولِهِم: لئيمٌ راضِعٌ، وهو الذي رضعَ اللُّؤمَ من ثديِّ أُمِّهِ؛ وكُلُّ من نُسِبَ إلى لؤمٍ فإنَّهُ يُوصَفُ بالمصِّ والرِّضاعِ؛ وفي المثلِ: ألأمُ من رَاضِعٍ، وأصلُهُ أنَّ رجلاً من العمالقةِ طَرَقَهُ ضيفٌ ليلاً، فمصَّ ضرعَ شاتِهِ لئلا يسمعَ الضَّيفُ صوتَ الحَلْبِ، فكثرَ حتَّى صارَ كُلُّ لئيمٍ راضعاً، سواءٌ فعلَ ذلك أو لم يفعلْهُ، وقيلَ: معناهُ اليومَ يُعرفُ من رضعَ كريمةً فأنجبتْهُ أو لئيمةً فَهَجَّنَتْهُ؛ أو اليومَ يُعْرَفُ من أرضعتْهُ الحربُ من صِغَرِهِ وتدرَّبَ بها من غيرِهِ.
قولُهُ: (فَاسْتَنْقَذْتُهَا مِنْهُمْ) بالقافِ والذَّالِ المعجمتينِ، أي استخلصتُ اللَّقاحَ منهم، أي من غطفانَ وفزارةَ (قَبْلَ أَنْ يَشْرَبُوْا) أي الماءَ.
قولُهُ: (فَأَقْبَلْتُ بِهَا _حالَ كوني أسوقُها_ فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) وكانَ صلَّى اللهُ عليه وسلم قد خرجَ إليهم غداةَ الأربعاءِ في الحديدِ مُتَقَنِّعَاً في خمسمائةٍ، وقيلَ: سبعمائةٍ بعدَ أن جاءَ الصَّريخُ، ونُودي: يا خيلَ اللهِ اركبي، وعقدَ
ص18
للمقدادِ بن عمرٍو لواءً، وقالَ لهُ: امضِ حتَّى تلحقَكَ الخيولُ، وأنا على إثرِكَ.
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ القَوْمَ عِطَاشٌ) يعني غطفانَ وفزارةَ عِطَاشٌ، بكسرِ العينِ المهملَةِ.
قولُهُ: (وَإِنِّي أَعْجَلْتُهُمْ أَنْ يَشْرَبُوْا) مفعولٌ لهُ، أي كراهةَ شُربِهِم (سِقْيَهُمْ) بكسرِ السِّينِ وسكونِ القافِ، أي حظَّهُم من الشُّربِ.
قولُهُ: (فَابْعَثْ في إِثْرِهِمْ) بكسرِ الهمزةِ وسكونِ المثلثَّةِ.
وعن ابنِ سعدٍ: قالَ سلمةُ: فلو بَعثتني في مائةِ رجلٍ استنقذْتُ ما بأيديِهم من السَّرْحِ، وأخذتُ بأعناقِ القومِ.
قولُهُ: (فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: يَا ابْنَ الأَكْوَعِ مَلَكْتَ) أي قدرتْ عليهم فاستعبدتَهم وهم في الأصلِ أحرارٌ (فَأَسْجِحْ) بهمزةِ قطعٍ وسينٍ مهملَةٍ ساكنةٍ، وبعد الجِّيمِ المكسورَةِ حاءٌ مهملَةٌ، اي فارفِقْ وأحسِنْ بالعفوِ وسامِحْ، ولا تأخُذهم بالشِّدَّةِ.
قولُهُ: (إِنَّ القَوْمَ) أي فزارةَ وغطفانَ (يُقْرَوْنَ فِي مَنَازِلِهِمْ) بضمِّ المثنَّاةِ التَّحتيَّةِ وسكونِ القافِ والواوِ، وبينَهما راءٌ مفتوحَةٌ آخرُهُ نونٌ، أي يُضافونَ، والغرضُ أنَّهم وصلُوا إلى «قومِهم» أي إلى غطفانَ وهم يُضيفونَهم ويساعدونَهم، فلا فائدةَ في البعثِ في إثْرِهِم، ولا فائدةَ في التَّعبِ لأنَّهم لحقُوا بأصحابِهم.
وزادَ ابنُ سعدٍ: فجاءَ رجلٌ من غطفانَ، فقالَ: مُرُّوا على فلانٍ الغطفانيِّ، فنحرَ لهم جَزوراً، فلمَّا أخذُوا يكشِطُون الجِّلدَ رأوا غَبَرَةً فتركُوها وخرجُوا هُرَّابَاً ... الحديثُ.
وفيهِ معجزةٌ حيثُ أخبرَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بذلكَ، وكانَ كما قالَهُ.
وفي بعضِ الأصولِ من البُخاريِّ: (يُقْرَوْنَ) بضمِّ الرَّاءِ مع فتحِ أوَّلِهِ، أي أرفِقْ بهم فإنَّهم يُضيفونَ الأضيافَ في قومِهم، فراعَى ذلكَ لهم صلَّى اللهُ عليه وسلم رجاءَ توبَتهم وإيمانِهم وإنابَتِهم.
ولأبي ذَرٍّ عن الحمويِّ والمُستمليِّ: (يَقِرُّوْنَ) بفتحِ أوَّلِهِ وكسرِ القافِ وتشديدِ الرَّاءِ المهملَةِ.
ولأبي ذَرٍّ (مِنْ قَوْمِهِمْ) ويحتملُ أن يشقَّ من القرى بمعنى الاتِّباعِ.
وفي بعضِ النُّسخِ: (يُقرُونَ) بضمِّ الرَّاءِ وبضمِّ الياءِ التَّحتيَّةِ، أي يجمعونَ الماءَ واللَّبنَ، وفي بعضها: (يغزُون) بغينٍ معجمَةٍ وزايٍّ معجمَةٍ وهو تصحيفٌ، والله أعلم.
وأخرجَ هذا الحديثَ البُخاريُّ في كتابِ المغازِي، وكذا مسلمٌ وأخرجَهُ النَّسائيُّ في اليومِ واللَّيلَةِ. [خ¦3041]