إنعام المنعم الباري بشرح ثلاثيات البخاري

حديث: نزلت آية الحجاب في زينب بنت جحش

22- قولُهُ: (حَدَّثَنَا خَلادُ بْنُ يَحْيَى) السلميُّ، بفتحِ الخَاء المعجمةِ وتشديدِ اللامِ السُّلَمِيُّ؛ بضمِّ السينِ وفتحِ اللامِ الكُوفيُّ ثم المكِّيُّ، قالَ: (حَدَّثَنَا عَيْسَى بْنُ طَهْمَانَ) بفتحِ الطَّاءِ المهملَةِ وسكونِ الهاءِ البصريُّ.
وهذا الحديثُ الثاني والعشرونَ من ثلاثيَّاتِ الإمامِ.
أخرجَهُ في الرُّبعِ الثَّاني من الجزءِ الموفي للثُّلثينِ، وهو آخرُ ثلاثيٍّ وقعَ في الكتابِ.
قولُهُ: (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضيَ اللهُ عنهُ يَقُوْلُ: نَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ) {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} [الأحزاب:53] في زينبَ بنتِ جحشٍ رضيَ اللهُ عنها (فَأَطْعَمَ عَلَيْهَا) أي على وليمَتِهَا النَّاسَ (يَوْمَئِذٍ خُبْزَاً وَلَحْمَاً كَثِيْرَاً، وَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلم، وَكَانَتْ تَقُوْلُ: إِنَّ اللهَ) عزَّ وجلَّ (أَنْكَحَنِي) بهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم (فِي السَّمَاءِ) وفي مرسلِ الشَّعبيِّ قالَتْ زينبُ: يا رسولَ اللهِ، أنَا أعظمُ نسائِكَ عليكَ حقَّاً أنا خيرُهُنَّ منكحاً؛ وأكرمُهُنَّ سَفيراً، وأقربهنَّ رَحِمَاً؛ زَوَّجَنِيْكَ الرَّحمنُ فوقَ عرشِهِ، وكانَ جبريلُ السفيرَ [1] بذلكَ، وأنا ابنةُ عمَّتِكَ وليسَ من نسائِكَ قريبةٌ غيري. رواهُ الطَّبريُّ.
قالَ الكرمانيُّ: ولفظُ في السَّماءِ أو فوقَ السَّماءِ ظاهرُهُ غيرُ مرادٍ؛ إذ اللهُ تعالى منزَّهٌ عن الحلولِ في المكانِ، لكن لما كانَتْ جهةُ العُلُوِّ أشرفَ من غيرِهَا، أضافَهَا إليهِ إشارةً إلى علوِّ الذَّاتِ والصِّفاتِ، وليسَ ذلكَ باعتبارِ أنَّهُ محلُّهُ أو جهتهُ تعالى اللهُ عنهُ علوَّاً كبيراً.
قالَ الرَّاغِبُ: ولفظُ: «فَوْقَ» تُستعملُ في الزَّمانِ والمكانِ والجِّسمِ والعدَدِ والمنزلَةِ والقهرِ، {مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُم} [الأنعام:65] فوقَ اثنين، {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة:26]، ورفعنا بعضكم فوق بعض، [2] {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة:212] {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل:50].
وعندَ ابنِ سعدٍ عن أنسٍ قالَتْ زينبُ: يا رسولَ اللهِ لستُ كأحدٍ من نِسائِكَ، ليسَتْ منهُم امرأةٌ إلا زَوَّجَهَا أبُوها أو أخوهَا أو أهلُها.
ومن حديثِ أمِّ سلمةَ: قالَتْ زينبُ: ما أنا كأحدٍ مِنْ نساءِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إِنَّهُنَّ زُوِّجْنَ بالمهورِ وزَوَّجَهُنَّ الآباءُ، وأنَا زَوَّجَنِي اللهُ ورسولُهُ، وأُنْزِلَ فِيَّ القرآنُ.
وفي مرسلِ الشَّعبيِّ مما أخرجَهُ الطَّبريُّ وأبو القاسِمِ الطلحيُّ في كتابِ ((الحجَّةِ والبيانِ)) قالَ كما تقدَّمَ.
قالَ في ((الفتح)): عن أنسٍ في روايَةِ الزُّهريِّ قالَ أنسٌ: أنا أعلمُ النَّاسِ بشأنِ الحِجابٍ، وكانَ في مُبْتَنَى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بزينبَ بنتِ جحشٍ أصبحَ بها عروساً فدعا القومَ، وفي روايةِ أبى قلابَةَ عن أنسٍ قالَ: أنا أعلمُ النَّاسِ بهذهِ الآيَةِ (آيةُ الحجابِ) لما أُهديَتْ زينبُ بنتُ جحشٍ إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلم صنعَ طَعاماً.
وفي روايةِ عبدِ العزيزِ بن صُهيبٍ عن أنسٍ أنَّهُ كانَ الدَّاعِي إلى الطَّعامِ، قالَ: فيجئُ قومٌ فيأكلونَ ويخرجونَ، ثم يجئُ قومٌ فيأكلونَ ويخرجونَ، قالَ: فدعوتُ حتَّى ما أجدُ أحداً. وفي روايةِ حميدٍ: فأشبعَ المسلمينَ خبزاً ولحماً.
ووقعَ في روايةِ الجعد [3] بن عثمانَ عن أنسٍ عندَ مسلمٍ وعلَّقهُ البُخاريُّ: قالَ: تزوَّجَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلم فدخلَ بأهلِهِ، فصنعَتْ لهُ أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسَاً فذهبَتْ بهِ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: ادعُ لِي فُلاناً وفلاناً، وذهبتُ فدَعَوْتُهُمْ زُهاءَ ثلاثمائةِ رجلٍ، فذكرَ الحديثَ في إشباعِهِم من ذلكَ.
وقد تقدَّمَتْ الإشارةُ إليهِ في علاماتِ
ص30
النُّبوَّةِ، ويجمع [4] بينَهُ وبينَ روايَةِ حُميدٍ بأنَّهُ صلَّى اللهُ عليه وسلم أولمَ عليهِ بخبزٍ ولحمٍ، وأرسلَتْ إليهِ أُمُّ سُليمٍ حَيْسَاً.
وفي روايةِ سليمانَ بنِ المغيرَةِ عن ثابتٍ عن أنسٍ: <لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم أَطْعَمَنَا عَلَيْهِ خُبْزَاً وَلَحْمَاً حَتَّى امْتَدَّ النَّهَارُ> الحديثُ أخرجَهُ مسلمٌ.
وهذا الحديثُ آخرُ الثُّلاثياتِ.
أخرجَهُ البُخاريُّ في كتابِ التَّوحيدِ، بابُ وكانَ عرشُهُ على الماءِ.
وذكرَ فيهِ قولَ مجاهدٍ رحمهُ اللهُ: {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف:54]: أي علا على العرشِ، وذكرَ فيهِ قولَ أبي العاليةِ: {اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} [البقرة:29] [5] أي ارتفعَ، مع أنَّ هذا ليسَ لهُ ضرورةٌ في هذهِ الرِّسالةِ، ولكن أريدُ أن أذكرَهُ فيهِ مُختصراً لينفعَ اللهُ به المسلمينَ الواقعينَ في هذهِ الضِّلالةِ المبينَةِ؛ وأرشدُهُم إلى الصِّراطِ المستقيِم، الذي أرشدَهُ صلَّى اللهُ عليه وسلم والذي عليهِ اعتقادُ الصَّحابَةِ ومن بعدَهُم، رضوانُ اللهِ ورحمتُهُ علَيهم، والذي عليه طريقُ السَّلفِ والخلفِ، ولهذا أوردَهُ البُخاريُّ في كتابِ الرَّدِّ على الجَّهميَّةِ.
ذكرَ في المدارِكِ أنَّ اللهَ تعالى خلقَ ياقوتَةً خضراءَ فنظرَ إليها بالهيبَةِ، فصارَتْ ماءً ثم خلقَ ريحاً فأقرَّ الماءَ على متنِهِ، ثم وضعَ عرشَهُ على الماءِ، وفي وقوفِ العرشِ على الماءِ أعظمُ اعتبارٍ لأهلِ الإنكارِ.
والمعنى أنَّهُ خلقَ العرشَ قبلَ خلقِ السَّمواتِ والأرضِ إلا الماءَ، وهو أيضاً مخلوقٌ؛ ففيهِ ردٌّ لتوهُّمِ من تَوهَّمَ من الحديثِ أنَّ العرشَ لم يزلْ مع اللهِ تَعالى شأنَهُ، ولقولِ من زعمَ من الفلاسفَةِ أنَّ العرشَ هو الخالِقُ الصَّانعُ، ولهذا تلطَّفَ المصنِّفُ في ذكرِ الآيَةِ الثَّانيةِ عَقِبَ الأولى إشارةً إلى أنَّ العرشَ مربوبٌ وكلُّ مربوبٍ مخلوقٌ، وختمَ بحديثِ: <فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ> فإنَّ فيهِ إنَّهُ جسمٌ مركَّبٌ ذو أجزاءٍ، فوجبَ أن يكونَ مخلوقاً حَادَثَاً.
قالَ البيهقيُّ: اتَّفقَتْ أقاويلُ المفسرينَ على أنَّ العرشَ هو السَّريرُ، وأنَّهُ جسمٌ خلقَهُ اللهُ تعالى، وأمرَ الملائكَةَ بحملِهِ وتعبَّدَهُم بتعظيمهِ والطوافِ بهِ، كما خلقَ في الأرضِ بيتاً وأمرَ بَنِي [6] آدمَ بالطَّوافِ بهِ واستقبالِهِ في الصَّلاةِ؛ وفي الآيةِ التي ذكرُوها والأحاديثِ والآثارِ دلالةٌ على صَحَّةِ [7] ما قالوهُ، قالَ الأُبِّيُّ: تفسيرُ أبي العاليةِ: {اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} [البقرة:29] ارتفعَ، مرغوبٌ عنهُ، وقالَ مجاهدٌ: {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف:54] أي علا على العرشِ.
قالَ ابنُ بَطَّالٍ: واختلفَ النَّاسُ في الاستواءِ المذكورِ هُنا، فقالَتِ المعتزلَةُ: معناهُ الإستيلاءُ بالقهرِ والغلبَةِ، واحتجُّوا بقولِ الشَّاعِرِ:
~قدِ استوى بِشْرٌ على العراقِ من غيرِ سيفٍ ودمٍ مِهْرَاقِ
وقالتِ المُجَسِّمَةُ: معناهُ الاستقرارُ، وقالَ بعضُ أهلِ السنَّةِ: معناهُ ارتفعَ، وبعضُهم معناهُ عَلا، وقالَ بعضُهم: معناهُ الملكُ والقدرةُ ومنهُ استوَتْ لهُ الممالِكُ، يُقالُ لمن أطاعَهُ أهلُ البلادِ.
وقيلَ معنى الاستواءِ: التَّمامُ والفراغُ من فعلِ الشَّيءِ؛ ومنهُ قولُهُ تَعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} [القصص:14] فعلَى هذا؛ فمعنى {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف:54]: أتمَّ الخلقَ وخصَّ لفظَ العرشِ لكونِهِ أعظمَ الأشياءِ، وقيلَ إنَّ «على» في قولِهِ {عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف:54] بمعنى «إلى» فالمرادُ على هذا انتهى إلى العرشِ أو فيما يتعلَّقُ بالعرشِ؛ لأنه خلقَ الخلقَ شيئاً بعد شيءٍ، ثم ردَّ هذهِ الأقوالَ بأنْ قالَ: فأمَّا قولُ المعتزلَةِ فإنَّهُ فاسدٌ لأنَّهُ لم يزلْ قاهراً غالباً مستولياً، وقولُهُ: {ثُمَّ اسْتَوَى} [البقرة:29] يقتضي افتتاحَ هذا الوصفِ
ص31
بعد أن لم يكنْ ولازِمُ تأويلِهِم أنَّهُ كانَ مغالباً فيهِ فاستولى عليهِ بقهرِ من غالَبَهُ، وهذا مُنْتَفٍ عن اللهِ سبحانَهُ.
وأما قولُ المُجَسِّمَةِ ففاسدٌ أيضاً لأنَّ الاستقرارَ من صفاتِ الأجسامِ، ويلزمُ منهُ الحلولُ والتَّناهِي وهو محالٌ في حقِّ اللهِ تعالى ولائقٌ بالمخلوقاتِ لقولِهِ تعالى: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} [المؤمنون:28] وقولُهُ: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} [الزخرف:13].
قالَ: وأما تفسيرُ «استوى» عَلَا، فهو صحيحٌ وهو المذهبُ الحَقُّ، وقولُ أهلِ السُّنَّةِ لأنَّ اللهَ سبحانَهُ وصفَ نفسَهُ بالعُلى، وقالَ: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس:18] وهي صفةٌ من صفاتِ الذَّاتِ.
قالَ: وأمَّا من فَسَّرَهُ ارتفعَ ففيهِ نظرٌ، لأنَّهُ تعالى لم يصفْ به نفسَهُ، قالَ: واختلفَ أهلُ السُّنَّةِ هل الإستواءُ صفةُ ذاتٍ أو صفةُ فعلٍ؟ فمن قالَ معناهُ علا، قالَ هي صفةُ ذاتٍ، ومن قالَ غيرَ ذلكَ، قالَ: هي صفةُ فعلٍ؛ وإنَّ اللهَ فعلَ فعلاً سمَّاهُ استوى على عرشِهِ، لا أنَّ ذلكَ قائمٌ بذاتِهِ لاستحالَةِ قيامِ الحوادِثِ به، انتهى ملخَّصاً.
وقد ألزمَهُ من فسَّرَهُ بالإستيلاءِ بمثلِ ما ألزمَ هو بهِ من أنَّهُ صارَ قاهراً بعدَ أن لم يكُنْ، فيلزمُ أنَّهُ صارَ غالباً بعدَ أنْ لم يكنْ، والانفصالُ عن ذلكَ للفريقينِ بالتَّمسُّكِ بقولِهِ تعالى: {وَكَانَ اللهُ عَلِيمَاً حَكِيمَاً} [النساء:17] فإنَّ أهلَ العلمِ بالتَّفسيرِ قالُوا: معناهُ لم يزلْ كذلِكَ.
وبقيَ من معاني {اسْتَوَى} ما نُقِلَ عن ثعلبٍ: استوى الوجهُ: اتَّصلَ، واستوى القمرُ: امتلأَ، واستوى فلانٌ وفلانٌ: تماثَلا، واستوى إلى المكانِ: أقبلَ، واستوى القاعدُ قائماً والنَّائِمُ قاعداً.
ويمكنُ ردُّ بعضِ هذه المعاني إلى بعضٍ؛ وكذا ما تقدَّمَ عن ابنِ بطَّالٍ.
وقد نقلَ أبو إسماعيلَ الهرويُّ في ((كتابِ الفاروقِ)) بسندِهِ إلى داودَ بن عليِّ بن خلفٍ قالَ: كُنَّا عندَ أبي عبدِ اللهِ بن الأعرابيِّ، يعني محمدَ بن زيادٍ اللغويَّ، فقالَ لهُ رجلٌ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] فقالَ: هو على العرشِ كما أخبَرَ، قال: يا أبَا عبدِ اللهِ إنَّما معناهُ استَولى، فقالَ: اسكتْ لا يُقالُ استولى على الشيءِ إلا أنْ يكونَ لهُ مضادٌّ.
ومن طريقِ محمدِ بن أحمدَ بنِ النَّضرِ بن الأزديِّ: سمعتُ ابنَ الأعرابيِّ يقولُ: أرادَنِي أحمدُ بن أبي داؤدَ أنْ أجدَ لهُ في لغةِ العربِ {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] بمعنى استَولى؛ فقلتُ: واللهِ ما أصبتَ هذا، وقالَ غيرُهُ: لو كانَ بمعنى استولَى لم يختصَّ بالعرشِ؛ لأنَّهُ غالبٌ على جميعِ المخلوقاتِ.
ونقلَ مُحيي السُّنَةِ البغويُّ صاحبُ ((المصابيح)) في تفسيرِهِ عن ابنِ عبَّاسٍ: وأكثرُ المفسرينَ أن معناهُ: ارتفعَ، وقالَ أبو عبيدٍ والفَرَّاءُ وغيرهُما بنحوِهِ.
وأخرجَ أبو القاسمِ اللالكائيُّ في ((كتاب السَّنَّةِ)) من طريقِ الحسنِ البصريِّ عن أمِّهِ عن أمِّ سلمةَ أنَّها قالتْ: «الاستواءُ غيرُ مجهولٍ، والكيفُ غيرُ معقولٍ، والإقرارُ به إيمانٌ، والجحودُ بهِ كفرُ».
ومن طريقِ ربيعةَ بن أبي عبدِ الرَّحمنِ أنَّهُ سُئِلَ كيفَ استوى على العرشِ؟ فقالَ: «الاستواءُ غيرُ مجهولٍ، والكيفُ غيرُ معقولٍ وعلى اللهِ الرسالةُ، وعلى رسولِهِ البلاغُ، وعلينا التَّسليمُ».
وأخرجَ البيهقيُّ بسندٍ جيدٍ عن الأوزاعيِّ قالَ: كُنَّا والتَّابعونَ متوافرونَ نقولُ: إنَّ اللهَ على عرشِهِ، ونؤمِنُ بما وردَتْ به السُّنةُ من صفاتِهِ.
وأخرجَ الثَّعلبيُّ من وجهٍ آخرَ عن الأوزاعيِّ أنَّهُ سُئِلَ عن قولِهِ تَعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف:54] فقالَ: هو كما وصفَ نفسَهُ.
ص32
وأخرجَ البيهقيُّ بسندٍ جيِّدٍ عن عبدِ اللهِ بن وهبٍ قالَ: كُنَّا عندَ مالكٍ فدخلَ رجلٌ فقالَ: يا أبا عبدِ اللهِ {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] كيفَ استوى؟ فأطرقَ مالِكٌ فأخذَتْهُ الرَّحضاءُ ثم رفعَ رأسَهُ، فقالَ: الرَّحمنُ على العرشِ استوى كما وصفَ بهِ نفسَهُ ولا يُقالُ كيفَ، وكيفَ عنهُ مرفوعٌ، وما أراكَ إلا صاحبَ بدعةٍ، أَخْرِجُوْهُ.
ومن طريقِ يحيى بنِ يحيى عن مالكٍ نحوَ المنقولِ عن أُمِّ سلمَةَ، لكن قالَ فيهِ: والإقرارُ بهِ واجبٌ والسُّؤالُ عنهُ بدعَةٌ.
وأخرجَ البَيهقيُّ من طريقِ أبي داودَ الطَّيالسيِّ قالَ: كانَ سفيانُ الثُّوريُّ وشعبةُ وحمَّادُ بن زيدٍ وحمَّادُ بنُ سلمةَ وشَريكٌ وأبو عوانةَ لا يُحَدِّدُوْنَ ولا يُشَبِّهونَ، ويروونَ هذهِ الأحاديثَ ولا يقولونَ كيفَ.
قالَ أبو داودَ: وهو قولُنا.
قالَ البيهقيُّ: وعلى هذا مضَى أكابِرُنا.
وأسندَ اللالكائيُّ عن محمدِ بن الحسنِ الشَّيبانيِّ قالَ: الفقهاءُ كُلُّهُمْ من المشرقِ إلى المغربِ على الإيمانِ بالقرآنِ بالأحاديثِ التي جاءَ بها الثِّقاتُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في صفةِ الرَّبِ من غيرِ تشبيهٍ ولا تفسيرٍ، فمَنْ فَسَّرَ شيئاً منها وقالَ بقولِ جَهْمٍ فقدْ خرجَ عمَّا كانَ عليهِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُهُ، وفارقَ الجَّماعَةَ؛ لأنَّهُ وصفَ الرَّبَ بصفةِ لا شيءٍ.
ومن طريقِ الوليدِ بن مسلمٍ: سألتُ الأوزاعيَّ ومالكاً والثوريَّ والليثَ بنَ سعدٍ عن الأحاديثِ التي فيها الصفةُ، فقالُوا: أَمِرُّوْهَا كما جاءَتْ بلا كَيْفٍ.
وأخرجَ ابنُ أبي حاتمٍ في ((مناقبِ الشَّافعي)) عن يونسَ بن عبدِ الأعلى: سمعتُ الشَّافعيَّ _رحمهُ اللهُ_ يقولُ: للهِ أسماءٌ وصفاتٌ لا يَسَعُ أحداً رَدُّهَا، ومن خالفَ بعدَ ثبوتِ الحُجَّةِ عليهِ فقد كفرَ، وأما قبلَ قيامِ الحُجَّةِ فإنِّهُ يُعْذَرُ بالجَّهلِ؛ لأنَّ عِلْمَ ذلكَ لا يُدرَكُ بالعقلِ ولا الرُّؤيَةِ والفكرِ، فنُثبِتُ هذهِ الصِّفاتِ وننفي عنهُ التَّشبيهَ كما نفى عن نفسِهِ فقالَ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11].
وأسندَ البيهقيُّ بسندٍ صحيحٍ عن أحمدَ بنِ أبي الجَّوزِيِّ عن سفيانَ بن عُيينَةَ قالَ: كُلُّ ما وَصَفَ اللهُ بهِ نفسَهُ في كتابِهِ فتفسيرُهُ تلاوتُهُ والسُّكوتُ عنهُ.
ومن طريقِ أبي بكرٍ الضَّبعيِّ قالَ: مذهبُ أهلِ السُّنَّةِ في قولِهِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] قالَ: بلا كَيْفٍ، والآثارُ فيهِ عن السَّلفِ كثيرَةٌ، وهذهِ طريقَةُ الشَّافعيِّ وأحمدَ بنِ حنبلٍ.
وقالَ التِّرمذيُّ في ((الجَّامِعِ)) عَقِبَ حديثِ أبي هريرةَ في النُّزولِ: وهو على العرشِ كما وصفَ بهِ نفسَهُ في كتابِهِ، كذا قالَ غيرُ واحدٍ من أهلِ العلمِ في هذا الحديثِ وما يُشبهُهُ من أحاديثِ الصِّفاتِ.
وقالَ في بابِ فضلِ الصَّدقَةِ: قد ثَبَتَتْ هذهِ الرِّواياتُ فنؤمنُ بها ولا نتوهَّمُ، ولا يُقالُ كيفَ؛ كذا جاءَ عن مالكٍ وابنِ عُيينةَ وابنِ المباركِ أنَّهم أَمَرُّوْهَا بلا كَيْفٍ.
وهذا قولُ أهلِ العلمِ من أهلِ السنَّةِ والجَّماعَةِ.
وأما الجَّهميَّةُ فأنكرُوْهَا، وقالُوا: هذا تشبيهٌ.
وقالَ إسحاقُ بن راهويه: إنَّما يكونُ التَّشبيهُ لو قيلَ: يدٌ كَيَدٍ وسَمْعٌ كَسَمْعٍ.
وقالَ في تفسيرِ المائدَةِ: قالَ الأئمةُ: نُؤمِنُ بهذهِ الأحاديثِ من غيرِ تفسيرٍ، منهم الثَّوريُّ ومالكٌ وابنُ عُيينةَ وابنُ المباركِ.
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: أهلُ السنَّةِ مجمعونَ على الإقرارِ بهذهِ الصِّفاتِ الواردَةِ بالكتابِ والسنَّةِ، ولم يُكَيِّفُوْا شَيئاً منها.
ص33
وأمَّا الجَّهميَّةُ والمعتزلَةُ والخوارجُ فقالُوا: من أقرَّ بها فهو مُشَبِّهٌ، فسمَّاهُم من أقرَّ بها معطِّلَةٌ.
وقالَ إمامُ الحرمينِ في ((الرِّسالَةِ النَّظَّاميَّةِ)): اختلفتْ مسالكُ العلماءِ في هذهِ الظَّواهِرِ، فرأى بعضُهم تأويلَهَا والتزمَ ذلكَ في آي الكتابِ المجيدِ وما يصحُّ من السُّنَنِ، وذهبَ أئمَةُ السَّلفِ إلى الانكفافِ عن التَّأويلِ وإجراءِ الظَّواهِرِ على موارِدِهَا وتفويضِ معانِيها إلى اللهِ تعالى، والذي نرتضيهِ رأياً وندينُ اللهَ بهِ عقيدةً اتِّباعُ سلفِ الأُمَّةِ للدَّليلِ القاطِعِ على أنَّ إجماعَ الأمَّةِ حُجَّةٌ، فلو كانَ تأويلُ هذهِ الظَّواهرِ حتماً لأوشكَ أن يكونَ اهتمامُهُم بهِ فوقَ اهتمامِهِم بفروعِ الشَّريعَةِ، وإذا انصرمَ عصرُ الصَّحابَةِ والتَّابعينَ على الإضرابِ عن التَّأويلِ، كانَ ذلكَ هو الوجهُ المتَّبَعُ. انتهى.
وقد تقدَّمَ النَّقلُ عن أهلِ العصرِ الثَّالثِ وهم فقهاءُ الأمصارِ، كالثَّوريِّ والأوزاعيِّ ومالكٍ واللَّيثٍ ومن عاصرَهُم، وكذا من أخذَ عنهُم من الأئمَةِ، فكيفَ لا يُوْثَقُ بما اتَّفقَ عليهِ أهلُ القرونِ الثَّلاثَةِ وهم خيرُ القرونِ بشهادَةِ صاحبِ الشَّريعةِ؟.
وقسمَ بعضُهم أقوالَ النَّاسِ في هذا البابِ إلى ستَّةِ أقوالٍ:
قولانِ لمن يُجرِيها على ظاهِرِها؛ أحدُهُما من يعتقدُ أنَّها من جنسِ صفاتِ المخلوقينَ وهم المُشَبِّهَةُ، ويتفرَّعُ من قولِهِم عدَّةُ آراءٍ، والثَّاني من يَنفي عَنْهَا شَبَهَ صفةِ المخلوقينَ لأنَّ ذاتَ اللهِ تبارك وتعالى لا تُشبِهُ الذَّواتَ، فصفاتُهُ لا تُشبِهُ الصِّفاتِ، فإنَّ صفاتِ كُلِّ موصوفٍ تُناسِبُ ذاتَهُ وتلائمُ حقيقتَهُ.
وقولانِ لمن يثبِتُ كونَها صفةً ولكن لا يُجرِيها على ظاهرِهَا؛ أحدُهما يقولُ: لا نُؤَوِّلُ شيئاً منها بل نقولُ اللهُ أعلمُ بمرادِهِ، والآخرُ يُؤَوِّلُ فيقولُ مثلاً: معنى الاستواءِ الاستيلاءُ، واليدُ القُدرَةُ ونحوُ ذلكَ.
وقولانِ لمن لا يجزمُ بأنَّها صفةٌ، أحدُهما يقولُ: يجوزُ أنْ تكونَ صفةً وظاهرُها غيرُ مرادٍ ويجوزُ أنْ لا تكونَ صفةً، والآخرُ يقولُ لا يُخاضُ في شيءٍ مِنْ هذا، بل يجبُ الإيمانُ بهِ لأنَّهُ من المتشابَهِ الذي لا يُدْرَكُ معناهُ.
هذا ما قالَهُ الحافظُ بنُ حجرٍ مطوَّلاً في ((الفتحِ)).
وقالَ أبو عبدِ اللهِ محمدُ التَّاؤديُّ رحمهُ اللهُ: وجوابُ أمِّ سلمَةَ والإقرارُ به إيمانٌ، وما أحسنَ قولَهُ: ولا يُقالُ كَيْفَ والكَيْفُ عنهُ مرفوعٌ، وإليهِ يُشيرُ من قالَ:
~قُلْ لمن يفهمُ عنِّي ما أقولُ قصِّرِ القولَ فذا شرحٌ يطول
~ ثُمَّ سرٌّ غامضٌ من دونِهِ ضربَتْ واللهِ أعناقُ الفحول
~ أنتَ لا تفهَمُ إيَّاكَ ولم تدرِي من أنتَ ولا كيفَ الوصول
~ أنتَ لا تدري صفات رُكِّبَتْ فيكَ حارَتْ في خفايَاها العقول
~ أينَ منكَ الرُّوحُ في جوهَرِهَا هل تراها هل ترى كيفَ تجول
~ أينَ منكَ القلبُ في قَالَبِهِ وهو بيتِ الرَّبِّ حَقَّاً إذ يقول
~ أينَ منكَ العقلُ والفهمُ إذا غلبَ النَّومُ فقُلْ لي يا جهول
ص34
~ أينَ نورُ الشَّمسِ لمَّا أنْ دَجَا غَيْهَبُ اللَّيلِ ومالَتْ للأفول
~ هذهِ الأشياءُ لا تعرفُها لا ولا تَدري متى عنكَ تزول
~ أنتَ أكلُ الخُبْزِ لا تعرفُهُ كيفَ يجري فيكَ أم كيفَ تبول
~ فإذا كانت خفاياكَ التي بين جنبيكَ بها أنتَ ضلول
~ كيفَ تدري من علىالعرشِ استوى لا تَقُلْ كيفَ استوى كيفَ النُّزول
~ إنْ تَقُلْ كيفَ فقد كيَّفتَهُ أو تقُلْ أينَ فقد رُمْتَ الحُلول
~ هو لا أينَ ولا كيفَ لهُ وهو ربُّ الكيفِ والكيفُ يحول
~ وهو ربُّ الفوقِ والفوقُ لهُ وهو في كُلِّ النَّواحِي لا يَزول
~ جلَّ ذاتاً وصفاتٍ وسَمَا وتعالى قدرُهُ عمَّا أقول
قد تمَّ تسويدُ هذا الكتابِ يومَ الأربعاءِ للسَّادسِ والعشرينَ من رجبٍ المُرَجَّبِ
سنةَ 1346 هجري - جنورى سنةَ 1928
[خ¦7421]


[1] في المطبوع: (السقير) وهو سهو.
[2] هذه الجملة إشارة إلى قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ} [الزخرف:32] وربما كُتبت خطأ أو نُسخت خطأ.
[3] في المطبوع: (الجحد) وهو خطأ، والتصويب من صحيح البخاري وكتب الشروح.
[4] في المطبوع: (وبجمع) وهو سهو.
[5] في المطبوع أعاد الآية السابقة: (استوى على العرش) وهو خطأ، والتصويب من صحيح البخاري وكتب الشروح، وسيعيدها قريباً كما أثبتناه عن أبي العالية.
[6] في المطبوع: (نبي) وهو سهو.
[7] في المطبوع: (ضحة) وهو سهو.