إنعام المنعم الباري بشرح ثلاثيات البخاري

حديث: خرجنا مع النبي إلى خيبر فقال رجل منهم

19- قولُهُ: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ) بنِ بشيرِ بن فرقدٍ، البلخيُّ الحنظلِيُّ الحافظُ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيْدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) بضمِّ العينِ مصغَّراً مولى سلمةَ بن الأكوعِ، أبي مسلمٍ، واسم الأكوعِ سنانُ بنُ عبدِ اللهِ.
وهذا الحديثُ هو التَّاسِعُ عشرَ من ثلاثياتِ الإمامِ.
أخرجَهُ في الرُّبعِ الثَّاني من الجُّزءِ الثَّامنِ والعشرينَ، في كتابِ الدِّيَّاتِ، بابُ إذا قتلَ نفسَهُ خطأً فلا دِيَةَ لهُ.
قالَ الإسماعيليُّ: ولا إذا قتلَهُ عمداً؛ فلا مفهومَ لقولِهِ خطأً.
قالَ صاحبُ ((الفتحِ)): يظهرُ أنَّ البُخاريَّ _رحمهُ اللهُ_ إنَّما قَيَّدَ بالخطأ لأنَّهُ محلُ الخلافِ.
قالَ ابنُ بطَّالٍ: قالَ الأوزاعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ: تجبُ دِيَّتُهُ على عائلتِهِ، فإنْ عاشَ فهي لهُ عليهم؛ وإنْ ماتَ فهي لورثتِهِ، وقالَ الجُّمهورُ: لا يجبُ في ذلكَ شيءٌ، وقصَّةُ عامرٍ هذهِ حجَّةٌ لهُم إذ لم يُنْقَلْ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أوجبَ في هذهِ القصَّةِ لهُ شيئاً، ولو وجبَ لبيَّنَها إذ لا يجوزُ تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجَةِ، وقد أجمعُوا على أنَّهُ لو قطعَ طرفاً من أطرافِهِ عمداً أو خطأً لا يجبُ فيهِ شيءٌ.
قولُهُ: (عَنْ سَلَمَةَ) هو ابنُ الأكوعِ أبو مسلمٍ، واسمُ الأكوعِ سنانُ بنُ عبدِ اللهِ _رضيَ اللهُ عنهم_ أنَّهُ (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى خَيْبَرَ) قريةٌ كانَتْ لليهودِ على أربعِ مراحلَ من المدينةِ (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ) قالَ القسطلانيُّ: هو أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ، وقالَ في موضعٍ آخرَ: هو عمرُ بن الخطَّابِ على اختلافِ الأقوالِ.
قولُهُ: (أَسْمِعْنَا) مِنَ الإسماعِ، أمرٌ بكسرِ الميمِ (يَا عَامِرُ) هو ابنُ الأكوعِ، فهو أخو سلمةَ، وقيلَ: عمُّهُ ابنُ سنانَ، قولُهُ: (هُنَيَّاتِكَ) بضمِّ أوَّلِهِ وتشديدِ التَّحتيَّةِ بعدَ النُّونِ، ووقعَ في روايةِ المستملِي بحذفِ التَّحتانيَّةِ.
ص24
وفي القسطلانيِّ: (هُنَيَّاتِكَ) بضمِّ الهاءِ وفتحِ وسكونِ التَّحتانيَّةِ بعدَهَا هاءٌ فألفٌ ففوقيِّةٌ فكافٌ: أراجيزُكَ.
ولابنِ عساكر وأبي ذَرٍّ عن الكُشميهنيِّ: مِنْ هُنَيَّاتِكَ، كما في هذا الموضعِ بتحتيَّةٍ مشدَّدَةٍ بدلَ الهاءِ الثَّانيةِ، تصغيرُ هُناتِكَ، واحدُهُ هناةُ وتُقْلَبُ الياءُ هاءً.
قالَ ابنُ بَطَّالٍ: لم يذكرْ في هذا الطَّريقِ صفةَ قتلِ عامرٍ _رضيَ اللهُ عنهُ_ نفسَهُ، وقد تقدَّمَ في كتابِ الأدبِ في البخاريِّ ففيهِ: <وَكَانَ سَيْفُ عَامِرٍ قَصِيْرَاً، فَتَنَاوَلَ بِهِ يَهُوْدِيَّاً لِيَضْرِبَهُ فَرَجَعَ ذُبَابُهُ فَأَصَابَ رُكْبَتَهُ>.
قالَ ابنُ حجرٍ: قلتُ: ونقلَ بعضُ الشرَّاحِ عن الإسماعيليِّ أنَّهُ قالَ: ليسَ في روايةِ مكِّيٍّ شيخِ البخاريِّ أنَّهُ ارتدَّ عليهِ سيفُهُ فقتلَهُ، والبابُ مترجمٌ عن قتلِ نفسِهِ، وظُنَّ أنَّ الإسماعيليَّ تعقَّبَ ذلكَ على البخاريِّ، وليسَ كما ظَنَّ وإنَّمَا ساقَ الحديثَ بلفظِ: فَارْتَدَّ عَلَيْهِ سَيْفُهُ، ثمَّ نبَّهَ على أن هذهِ اللَّفظةَ لم تقعْ في روايةِ البُخاريِّ هُنا، فأشارَ إلى أنَّهُ عَدَلَ هنا عن روايةِ مَكِّيِّ بنِ إبراهيمَ لهذهِ النُّكتَةِ فيكونُ أولى لوضوحِهِ، ويُجابُ بأنَّ البخاريَّ يعتمدُ هذا الطَّريقَ كثيراً فيُتَرْجِمُ بالحكمِ ويكونُ قد أوردَ ما يدلُّ عليهِ صريحاً في مكانٍ آخرَ، فلا يجبُ أن يعيدَهُ فيُوردَهُ من طريقٍ أُخرى ليسَ فيها دلالةٌ أصلاً أو فيها دلالةٌ خفيَّةٌ، كلُّ ذلكَ للفرارِ من التَّكرارِ لغيرِ فائدةٍ، وليبعثَ النَّاظرَ فيهِ على تَتَبُّعِ الطُّرقِ والاستكثارِ منها؛ ليتمكَّنَ من الاستنباطِ ومن الجَّزمِ بأحدِ المحتملين مثلاً، وقد عُرِفَ ذلكَ بالاستقراءِ من صنيعِ البُخاريِّ فلا معنى للاعتراضِ به عليهِ، وقد ذكرتُ ذلكَ مِراراً وإنَّما أُنَبِّهُ على ذلكَ إذا بَعُدَ العهدُ بهِ، وقد تقدَّمَ في البُخاريِّ في الدَّعواتِ من وجهٍ آخرَ عن يزيدَ بنِ أبي عُبيدٍ شيخِ مَكِّيٍّ فيهِ بلفظِ: فلمَّا تصافَّ القومُ أُصِيْبَ عامرٌ بقائمَةِ سيفِهِ فماتَ، وقد اعترضَ عليهِ الكرمانيُّ فقالَ: قولُهُ في التَّرجَمَةِ: فَلا دِيَةَ لَهُ، لا وجهَ لهُ هُنا وإنَّما موضعُهُ اللَّائقُ بهِ التَّرجمَةُ السَّابِقَةُ، إذا ماتَ في الزِّحامِ فلا دِيَةَ لهُ على المزاحمينَ لظهورِ أنَّ قاتِلَ نفسِهِ لا دِيَةَ لهُ، ولعلَّهُ من تصرُّفِ النَّقلَةِ بالتَّقديمِ والتَّأخيرِ عن نسخةِ الأصلِ، ثم قالَ: وقالَ الظَّاهريَّةُ ديةُ من قتلَ نفسَهُ على عاقلتِهِ فلعلَّ البخاريَّ _رحمه الله_ أرادَ ردَّ هذا القولَ، قلتُ: نعم أرادَ البخاريُّ ردَّ هذا القولِ لكن على قائلِهِ قبلَ الظَّاهريَّةِ؛ وهو الأوزاعيُّ كما قدَّمتُهُ، وما أظنُّ مذهبَ الظَّاهريَّةَ اشتهرَ عندَ تصنيفِ البُخاريِّ كتابَهُ؛ فإنَّهُ صنَّفَ كتابَهُ في حدودِ العشرينَ ومائتين، وكانَ داودُ بن عليٍّ الأصبهانيُّ رأسُهُم في ذلكَ الوقتِ طالباً، وكانَ سنُّهُ يومئذٍ دونَ العشرينَ، وأما قولُ الكرمانيِّ بأنَّ قولَ البخاريِّ _رحمه الله_: فلا دِيَةَ لهُ، يليقُ بترجمَةِ من ماتَ في الزِّحامِ فهو صحيحٌ، لكنَّهُ في ترجمَةِ من قتلَ نفسَهُ أليقُ، لأنَّ الخلافَ في من ماتَ في الزِّحامِ قويٌّ، فمن ثمَّةَ لم يجزمْ في التَّرجَمَةِ بنفي الدِّيَةِ بخلافِ من قتلَ نفسَهُ، فإنَّ الخلافَ فيهِ ضعيفٌ فجزمَ فيهِ بالنَّفي وهو من محاسِنِ تصرُّفِ البُخاريِّ، فظهرَ أنَّ النَّقَلَةَ لم يخالفُوا تصرُّفَهُ وباللهِ التوفيقُ.
والهُنيَةُ مُصغَّرُ هَنَةٍ، أصلُها هنوةٌ: أي شيءٌ يسيرٌ، والمرادُ به الأراجيزُ.
قولُهُ: (فَحَدَا عَامِرٌ بِهِمْ) اي ساقَهُم مُنشداً للأراجيزِ:
~اللَّهُمَّ لولا أنتَ ما اهتدَيْنَا ولا تصدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا
ص25
~ فَأَنْزِلَنْ سكينةً علينا وثبِّتِ الأقدامَ إنْ لاقَيْنَا
~ إنَّ الأُلَى قدْ بَغَوْا عَلَينا إذا أرادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
قولُهُ: (فَقَالَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلم: مَنِ السَّائِقُ؟ قَالُوْا: هُوَ عَامِرٌ يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ فَقَالَ صلَّى اللهُ عليه وسلم: رَحِمَهُ اللهُ، فَقَالُوْا: يَا رَسُوْلَ اللهِ، هَلَّا أَمْتَعْتَنَا بِهِ؟) بهمزةٍ مفتوحةٍ وسكونِ الميمِ، أي بحياةِ عامرٍ قبلَ إسراعِ الموتِ لهُ؛ لأنَّهُ صلَّى اللهُ عليه وسلم ما قالَ مثلَ ذلكَ لأحدٍ ولا أستغفرَ لإنسانٍ قطُّ يخصُّهُ بالاستغفارِ عندَ القتالِ إلا استشهدَ.
وفي غزوةِ خيبرَ: قالَ رجلٌ من القومِ وجبَتْ يا نبيَّ اللهِ لولا أَمتعتَنَا بهِ، ووقعَ في مسلمٍ أنَّ هذا الرَّجُلَ هو عمرُ بن الخطَّابِ رضي الله عنه.
قولُهُ: (فَأُصِيْبَ عَامِرٌ صَبِيْحَةَ لَيْلَتِهِ) ولابنِ عساكر: هلَّا أَمْتَعْتَنَا، أي وجبتَ لهُ الشَّهادَةُ بدعائِكَ، وليتَ تركتْهَ لنَا، وكانُوا قد عرفُوا أنَّهُ عليهِ السَّلامُ لا يدعو لأحدٍ بالتَّرَحُّمِ خاصَّةً عندَ القتالِ إلى استشهدَ.
ووجهُ ذلكَ أنَّ سيفَهُ كانَ قصيراً، فتناولَ بهِ يهودياً ليضربَهُ فرجعَ ذُبَابُهُ فأصابَ ركبتَهُ كما تقدَّمَ، ولم يذكرْ في هذا الطَّريقِ كيفيَّةَ قتلِهِ على عادَتِهِ رحمهُ اللهُ في ذكرِ التَّرجمَةِ بالحكمِ.
قولُهُ: (فَقَالَ القَوْمُ) ومنهُم أُسيدُ بن حُضَيْرٍ، كما عندَ المؤلِّفِ في الأدبِ (حَبِطَ عَمَلُهُ) بكسرِ الموحَّدةِ أي بَطُلَ لأنَّهُ قتلَ نفسَهُ؛ قَالَ سَلَمَةُ: (فَلَمَّا رَجَعْتُ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُه _قالَ سلمةُ: _ فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلم، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: (فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي _بفتح الفاءِ_ زَعَمُوْا أَنَّ عَامِرَاً حَبِطَ عَمَلُهُ) أي بطلَ عملُهُ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: (كَذَبَ مَنْ قَالَهَا) أي كلمةُ: حَبِطَ عملُهُ.
قولُهُ: (إِنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ) أجرُ الجَّهدِ في الطَّاعَةِ، وأجرُ الجِّهادِ في سبيلِ اللهِ، واللامُ في: لأجرين، للتَّأكيدِ.
قولُهُ: (اثْنَيْنِ) للتَّأكيدِ لقولِهِ أجرينِ؛ أنَّهُ لجاهدٌ مرتكبٌ للمشقَّةِ في الخيرِ، مجاهدٌ في سبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ كلاهُما اسما الفاعلِ الأوَّلِ من جَهِدَ، والثاني من جاهَدَ، ومعناهُ: جاهدٌ في الخيرِ مجاهدٌ في سبيلِ اللهِ، قالَ الكرمانيُّ: ويُروى أنَّهُ لجاهدَ، بلفظِ الماضِي، مجاهدٌ بفتحِ الميم جمعُ مجهدٍ، يعني حضرَ مواطنَ من الجِّهادِ، وفي ((التَّوضيحِ)): وإنَّما قالُوا حبطَ عملُهُ؛ لقولِهِ تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء:29] وهذا إنَّما هو فيمَنْ يتعمَّدُ قتلَ نفسِهِ إذ الخطأُ لا يَنْهِي عنهُ أحدٌ، وقالَ الدَّاؤدِيُّ: ويحتملُ أن يكونَ هذا قبلَ قولِهِ تَعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} [النساء:92].
قولُهُ: (وَأَيُّ قَتْلٍ) بفتحِ القافِ وسكونِ الفوقيَّةِ (يَزِيدُهُ عَلَيْهِ) أي يزيدُ الأجرَ على أجرِهِ، ويُروى: يزيدُ، بدونِ الهاءِ، أنَّهُ بلغَ أعلى الدَّرجاتِ وأفضلَ النِّهاياتِ، وفي روايةِ النَّسفِيِّ والأصيلي [1]: وأيُّ قتيلٍ، وصوَّبَها ابنُ بطَّالٍ وكذا عياضٌ؛ وليست الروايةُ الأخرى خطأً محضاً، بل يمكن رَدُّهَا إلى معنى الأُخرى، واللهُ أعلم.
ص26
أخرج هذا الحديثَ البُخارِيُّ في المغازي والأدبِ والمظالِمِ والذَّبائِحِ والدَّعواتِ، وأخرجَهُ مسلمٌ وابنُ ماجَه. [خ¦6891]


[1] في المطبوع: (والأصلي) وهو سهو.