الجمع بين الصحيحين للحميدي مع تعقبات الضياء المقدسي

حديث: رأيت عمر بن الخطاب قبل أن يصاب

56- الثَّاني عشر: في مقتل عمرَ والشُّورى: من رواية المِسوَر بن مَخرمةَ مختصراً في الشُّورى، ومن رواية عمرو بن ميمون بطوله، وهذا حديث عمرو؛ لأنَّ حديث المسور طرفٌ منه، قال عمرو: رأيت عمر بن الخطَّاب قبل أن يُصاب بأيَّام بالمدينة، وقف على حذيفةَ بن اليمان وعثمانَ بن حُنيف فقال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حَمَّلتما الأرضَ ما لا تُطيق؟ قالا: حَمَّلناها أمراً هي له مُطيقة، وما فيها كبير فضلٍ، فقال: انظرا أن تكونا حَمَّلتما الأرضَ ما لا تطيق! فقالا: لا، فقال عمر: لئن سلَّمني الله عزَّ وجلَّ لَأدعنَّ أراملَ أهل العراق لا يحتجن إلى أحدٍ بعدي أبداً، فما أتت عليه إلَّا رابعةٌ حتَّى أُصيب. رحمة الله عليه.
ج1ص45
قال عمرُو بن ميمون: وإنِّي لقائمٌ ما بيني وبينه إلَّا عبد الله بن عبَّاسٍ غداةَ أُصيب، وكان إذا مرَّ بين الصَّفَّين قام بينهما، فإذا رأى خَلَلاً [1] قال: استووا، حتَّى إذا لم يرَ فيهم خَللاً تقدَّم فكبَّر، قال: وربَّما قرأ سورة (يوسف) أو (النَّحل) أو نحوَ ذلك في الرَّكعة الأولى حتَّى يجتمع النَّاس فما هو إلَّا أن كبَّر فسمعته يقول: قتلَني _ أو أكلني _ الكلبُ [2] حين طعنَه، فطار العِلج [3] بسكِّينٍ ذاتِ طرفَين لا يمرُّ على أحدٍ يميناً ولا شمالاً إلَّا طعنه، حتَّى طعن ثلاثةَ عشرَ رجلاً، فمات منهم تسعة _ وفي روايةٍ سبعة _ فلمَّا رأى ذلك رجلٌ من المسلمين طرح عليه بُرنساً، فلمَّا ظنَّ العِلج أنَّه مأخوذٌ نحرَ نفسَه.
وتناول عمرُ عبدَ الرَّحمن بن عوف فقدَّمه، فأمَّا مَن كان يلي عمرَ فقد رأى الَّذي رأيت، وأمَّا نواحي المسجد فإنَّهم لا يدرون ما الأمرُ، غيرَ أنَّهم فقدوا صوتَ عمر وهم يقولون: سبحانَ الله، سبحانَ الله، فصلَّى بهم عبد الرَّحمن بن عوف صلاةً خفيفةً، فلمَّا انصرفوا قال: يا ابنَ عبَّاسٍ؛ انظر مَن قتلني، قال: فجال ساعةً ثمَّ جاء فقال: غلامُ المغيرة بن شعبةَ، فقال: الصَّنَعُ [4] ؟ قال: نعم؛ قال: قاتلَه الله، لقد كنت أمرتُ به معروفاً، ثمَّ قال: الحمد لله الَّذي لم يجعل ميتتي بيد رجلٍ مسلمٍ، قد كنتَ أنت وأبوك تحبَّان أن تكثُر العُلوج بالمدينة _ وكان العبَّاس أكثرَهم رقيقاً _ فقال ابن عبَّاسٍ: إن شئتَ فعلتُ _ أي: إن شئت قتلنا _ قال: بعدما تكلَّموا بلسانكم، وصلَّوا قبلتكم، وحجُّوا حجَّكم! فاحتُمِلَ إلى بيته، فانطلقنا معه، قال: وكأنَّ النَّاس لم تُصبهم مصيبةٌ قبلَ يومئذٍ، قال: فقائلٌ يقول: أخافُ عليه، وقائلٌ يقول: لا بأسَ، فأُتِيَ بنبيذٍ فشرب منه، فخرج من جَوفه، ثمَّ أُتِيَ بلبنٍ فشرب منه فخرج من جرحه، فعرفوا أنَّه ميِّتٌ، قال: فدخلنا عليه، وجاء النَّاس يُثنون عليه، وجاء رجلٌ شابٌّ [5] فقال: أبشِر يا أمير المؤمنين ببشرى الله عزَّ وجلَّ
ج1ص46
قد كان لك من صحبة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقَدَمٍ في الإسلام ما قد علمتَ، ثمَّ وُلِّيتَ فعدلتَ، ثمَّ شهادةٌ ! فقال: ودِدت أنَّ ذلك كان كَفافاً لا عليَّ ولا لي، فلمَّا أدبر الرَّجل إذا إزاره يمَسُّ الأرض، فقال: ردُّوا عليَّ الغلام، فقال: يا ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنَّه أنقى [6] لثوبك، وأتقى لربِّك. يا عبد الله؛ انظر ما عليَّ من الدَّين، فحسَبوه، فوجدوه ستَّةً وثمانين ألفاً أو نحوَه، فقال: إن وفَى به مالُ آل عمر فأدِّه من أموالهم، وإلَّا فَسَل في بني عديِّ بن كعب، فإن لم تَفِ أموالُهم فسل في قريشٍ، ولا تعدُهم إلى غيرهم، وأدِّ عني هذا المالَ، انطلق إلى أمِّ المؤمنين عائشةَ، فقل: يقرأ عليكِ عمر السَّلامَ، ولا تقل: أميرُ المؤمنين، فإنِّي لست اليومَ للمؤمنين أميراً، وقل: يستأذن عمرُ بن الخطَّاب أن يُدفن مع صاحبيه، قال: فسلَّم واستأذن، ثمَّ دخل عليها فوجدَها قاعدةً تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطَّاب السَّلامَ ويستأذن أن يُدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريدُه لنفسي، ولَأوثِرنَّه اليومَ على نفسي، فلمَّا أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، فقال: ارفعوني، فأسنده رجلٌ إليه فقال: ما لدَيك؟ قال: الَّذي تحب يا أمير المؤمنين، أَذِنَتْ، قال: الحمد لله، ما كان شيءٌ أهمَّ إليَّ من ذلك، فإذا أنا قُبضت فاحملوني، ثمَّ سلِّم وقل: يستأذِن عمرُ، فإن أَذِنَت لي فأَدخلوني، وإن ردَّتني ردُّوني إلى مقابر المسلمين. وجاءت أمُّ المؤمنين حفصةُ والنِّساءُ يستُرنَها، فلمَّا رأيناها قُمنا، فولجت [7] عليه، فبكت عنده ساعةً، واستأذن الرِّجال فولجت داخلاً، فسمعنا بكاءها من الدَّاخل، فقالوا: أوصِ يا أمير المؤمنين، استخلِف، قال: ما أرى أحداً أحقَّ بهذا الأمر من هؤلاء النَّفر _ أو الرَّهْط _ الَّذين توفِّي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو عنهم راضٍ، فسمَّى عليًّا وعثمانَ والزُّبير وطلحة وسعداً وعبدَ الرَّحمن، وقال: يَشهدكم عبدُ الله بن عمر
ج1ص47
وليس له من الأمر شيءٌ _ كهيئة التَّعزية له _ فإن أصابت الإمارة سعداً فذاك، وإلا فليستعِن به أيُّكم ما أُمِّرَ، فإنِّي لم أعزله من عجزٍ ولا خيانةٍ.
وقال: أُوصي الخليفةَ من بعدي بالمهاجرين الأوَّلين أن يعرف لهم حقَّهم، ويحفظَ لهم حرمتَهم، وأوصيه بالأنصار خيراً، الَّذين تبوَّؤوا الدَّار والإيمان من قبلهم، أن يُقبَلَ من محسِنهم، وأن يُعفَى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيراً، فإنَّهم رِدء [8] الإسلام، وجُباة المال، وغَيظ العدو، وألَّا يُؤخذ منهم إلَّا فضلَهم عن رِضاً منهم، وأوصيه بالأعراب خيراً، فإنَّهم أصل العرب ومادَّة [9] الإسلام، أن يؤخذ من حواشي [10] أموالهم، ويُردَّ على فقرائهم، وأوصيه بذِمَّة الله وذِمَّة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، أن يوفَى لهم بعهدهم، وأن يقاتل مِن ورائهم، ولا يُكلَّفوا إلَّا طاقتَهم. قال: فلمَّا قُبض خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسلَّم عبد الله بن عمر وقال: يستأذن عمر بن الخطَّاب، فقالت: أَدخلوه، فأُدخل فوضع هناك مع صاحبيه.
فلمَّا فُرغ من دفنه اجتمع هؤلاءِ الرَّهْطُ، فقال عبد الرَّحمن بن عوف: اجعلوا أمرَكم إلى ثلاثةٍ منكم، فقال الزُّبير: قد جعلتُ أمري إلى عليٍّ، وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمانَ، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرَّحمن، فقال عبد الرَّحمن: أيُّكما يبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، واللهُ عليه والإسلامُ لينظرنَّ أفضلَهم في نفسه، فأَسكِتَ [11] الشَّيخانِ، فقال عبد الرَّحمن: أفتجعلونه إليَّ واللهُ عليَّ ألَّا آلوَ عن أفضلكم [12] ؟ قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما فقال: لك من قرابةِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والقَدَمِ في الإسلام [13] ما قد علمتَ، فاللهُ عليك لئن أمَّرتك لتعدِلنَّ، ولئن أمَّرت عثمانَ لتسمعنَّ ولتُطيعنَّ، ثمَّ خلا بالآخر فقال له مثلَ ذلك، فلمَّا أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمانُ؛ فبايعَه وبايعَ له عليٌّ، وولجَ أهل الدَّار فبايعوه. [خ¦3700]
ج1ص48
وفي حديث المِسوَر: أنَّ الرَّهْط الَّذين ولَّاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا، فقال لهم عبد الرَّحمن بن عوف: لستُ بالَّذي أنافِسكم [14] في هذا الأمر، ولكنَّكم إن شئتم اخترتُ لكم منكم، فجعلوا ذلك إلى عبد الرَّحمن فلمَّا وَلَّوه أمرَهم انثالَ النَّاس [15] على عبد الرَّحمن بن عوف ومالوا إليه، حتَّى ما أرى أحداً من النَّاس يتبع أحداً من أولئك الرَّهط ولا يطأ عقبَيه، ومال النَّاس على عبد الرَّحمن يشاورونه ويناجونه تلك اللَّيالي.
حتَّى إذا كانت اللَّيلةُ الَّتي أصبحنا فيها فبايعنا عثمانَ قال المِسور: طرقَني عبد الرَّحمن بعد هَجْعٍ من اللَّيل، فضرب الباب حتَّى استيقظت، فقال: ألا أراك نائماً؟! فوالله ما اكتحلتُ هذه الثَّلاثَ بكبير نومٍ، فادعُ لي الزُّبير وسعداً، فدعوتهما له فشاورهما، ثمَّ دعاني فقال: ادعُ لي عليًّا فدعوته، فناجاه حتَّى ابهارَّ اللَّيل [16] ، ثمَّ قام عليٌّ من عنده وهو على طمعٍ، وكان عبد الرَّحمن يخشى من عليٍّ شيئاً، ثمَّ قال: ادعُ لي عثمانَ، فناجاه حتَّى فرَّق بينهما المؤذِّن للصبح، فلمَّا صلَّى النَّاس الصُّبحَ اجتمع أولئك الرَّهْط عند المنبر، فأرسل عبد الرَّحمن إلى مَن كان خارجاً من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد، وكانوا قد وافوا [17] تلك الحَجَّة مع عمر، فلمَّا اجتمعوا تشهَّد عبد الرَّحمن وقال: أمَّا بعدُ يا عليُّ؛ فإنِّي نظرت في أمر النَّاس، فلم أَرَهم يعدِلون بعثمانَ، فلا تجعلنَّ على نفسك سبيلاً، وأخذ بيد عثمانَ فقال: أبايُعك على سنَّة الله ورسولِه والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرَّحمن، وبايعه النَّاس والمهاجرون والأنصار وأمراءُ الأجناد والمسلمون. [خ¦7207]


[1] الخَلَل: الفُرجة بين الشيئين بضم الفاء، والفَرجة بفتح الفاء انفراج الهم والفزع وذهابهما.
[2] في (ش): (قتلني الكلب أو أكلني الكلب)، وما أثبتناه من (ابن الصلاح) موافق لنسختنا من رواية البخاري.
[3] طار العِلج: أي أسرع في مدافعته وتقلبه شبيهاً بالطائر. وفي هامش (ابن الصلاح): العلج: القوي الضخم الكافر أو الفاجر.تمت.
[4] الصَّنَع: المحسن للصناعة والأنثى صَنَاع.
[5] جاء في هامش (ش) قبالة هذا الموضع: (آخر الجزء الثالث من خط الحميدي).
[6] في هامش (ابن الصلاح): (ص: أبقى)، وما أثبتناه من موافق لنسختنا من رواية البخاري.
[7] ولج: دخل، والوالج: الداخل.
[8] الرِّدْء: العون والقوة، وفلان رِدء فلان أي يعينه ويقويه.
[9] المادة: أصلُ الشيء الذي يستمد منه ويستعين به.
[10] أصل الحواشي: النواحي، وحواشي المال ما لم يكن من خيارِه.
[11] في هامش (ابن الصلاح): يجوز: وأسكت بمعنى سكت لغة فيه. تمت.
[12] في (ابن الصلاح): (أفضلهم)، وما أثبتناه من (ش) موافق لنسختنا من رواية البخاري.
[13] القدم في الإسلام: المنزلة والسابقة، وتحقيق القدم الشيء المقدَّم أمامك ليكون عدتك إذا قدِمْت عليه.
[14] المنافسة: الحرص على الغلَبة والانفراد بالمحروص عليه المتنافَسِ فيه، نفِس ينفَس فهو منافِسٌ إذا نازع في شيء أو أراده وحسد من صار إليه. (ابن الصلاح) نحوه.
[15] انْثَال الناس عليه: اجتمعوا إليه متتابعين، أصلُ النَّثْل: نثرُكَ الشيء بمرة واحدة، ونَثَل ما في كنانته إذا صبَّها يُتبع بعضَها بعضاً بسرعة، ونثيلةُ البئر ما اجتمع من ترابها المستخرج منها. (ابن الصلاح) نحوه.
[16] ابْهارَّ الليل: انتصف أو قارب ذلك. (ابن الصلاح) نحوه.
[17] في (ش): (وفدوا) وما أثبتناه من (ابن الصلاح) وهامش (ش) وهو الموافق لنسختنا من رواية البخاري.