الجمع بين الصحيحين للحميدي مع تعقبات الضياء المقدسي

مقدمة المصنف

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رب يسر وأعن
وما توفيقي إلا بالله [1]
قال أبو عبد الله محمد بن أبي نَصر بن عبد الله الحُميدي رحمه الله:
الحمدُ لله الَّذي لا تُحصى نِعمُه، ولا يتناهى كرمُه، وصلَّى الله على محمَّد نبيِّه، الَّذي أنارت آياتُه ووضَحَت بيِّناتُه، وعلى آله الَّذين اهتدَوا بمَناره واقتدَوا بآثاره، وسلَّم عليه وعليهم أجمعين، وعلى التَّابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين، تسليماً دائماً أبدَ الآبدين.
أمَّا بعدُ: فإنَّ الله تعالى يقول في كتابه المنزَّل على نبيِّه المرسَل صلَّى الله عليه وسلَّم: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً [2] فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ [3] مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ... إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة:213] فكان كلٌّ من الأنبياء قبل نبيِّنا _ صلى الله عليه وعليهم _ يُبعث إلى قومه أو إلى طائفةٍ من النَّاس خاصَّةً، والنُّصوص شاهدةٌ بذلك، وخصَّ الله تعالى نبيَّنا محمَّداً صلَّى الله عليه وسلَّم بعموم الرِّسالة إلى النَّاس كافَّةً، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ:28] وأوجب عليه التبليغَ إليهم، وإقامةَ الحجَّةِ عليهم، وأكرمه بالعِصمة منهم، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67] وأوجب عليهم طاعتَه في غير موضعٍ من كتابه؛ فقال تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} [النِّساء:80] وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النِّساء:65] ثمَّ قال تعالى، وقولُه الحقُّ ووعدُه الصِّدقُ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]
وقال تعال‍‍ى في وص‍ف نبيِّه صلَّى الله عليه وس‍لَّم:‍‍‍
ج1ص1
{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ} [النجم:3-4] فأمَّننا بذلك من وقوع التَّبديل في التَّبليغ [4] ، وزاد ذلك توكيداً بقوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى:52] وقال تعالى: {فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} [الذاريات:23] وسائرِ النُّصوص في هذا المعنى [5] ، وقال تعالى: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف:3] وقال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل:44] وقال تعالى في مثله: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ} [النحل:64] فامتثل عليه السَّلام ما أُمِرَ به، وبلَّغ إليهم ما أُوحي إليه، وبيَّن لكلٍّ منهم ما أَشكل عليه، ثمَّ امتنَّ تعالى على المؤمنين به حين عرَف أداءَ رسوله إليهم ما أوجبه عليهم، فقال عزَّ وجلَّ: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة:3] . ثمَّ قرَّر صلَّى الله عليه وسلَّم الحاضرين لديه على تبليغه إليهم ما أُوحي إليه، فقال لهم في مشاهد [6] العموم: «ألَا هل بلَّغت»، فقالوا: اللَّهمَّ نعم. فلمَّا أقرُّوا بذلك أمرَهم بالتبليغ عنه، فقال: «ليبلغ الشَّاهد الغائب» [7] تنبيهاً على أنَّه لا تقوم الحجَّة إلَّا بالبلاغ، ولذلك أُمِرَ أن يقول: {لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ} [الأنعام:19] فتعيَّن عليهم النَّقل والتَّبليغ والتزموه، وتعيَّن على مَن بعدَهم السَّمعُ والطَّاعة للصحيح الَّذي نقلوه.
ولم تزل الصَّحابة والتَّابعون وأئمَّةُ الأعصار المتقدمون دائبين في نشر ما عَلِموا من شرائع الإسلام، وتعليمِ ما عُلِّموا من واجبات العباداتِ والأحكام، حِرصاً على إيصال ذلك إلى الغائب والشاهد، وتسويةً فيه بين القريب والمتباعد، وهكذا جيلاً بعد جيلٍ.


[1] وقع على غلاف نسخة (ابن الصلاح) ما صورته: الجزء الأول من الجمع بين الصحيحين عن الشيخين مسلم والبخاري رضي اللهُ عنهما، تأليف الشيخ الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن نصر الحميدي الأندلسي رحمه الله تعالى قراءة عليه، رواية الإمام تاج الإسلام أبي عبد الله الحسين بن نصر بن محمد بن خميس الموصلي، رواية الشيخ أبي الثناء محمود بن منصور بن الحسين المقرئ، رواية الشيخ الإمام العالم الضابط الحافظ تقي الدين أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان عرف بابن الصلاح رحمه الله تعالى.
[2] أي: على ملَّةٍ واحدةٍ. هامش (ابن الصلاح).
[3] جملتهم مائة وأربع وعشرون ألفاً، والرسل ثلاث مائة وعشر، والمذكور في القرآن باسم العلم ثمانية وعشرون نبياً. هامش (ابن الصلاح)
[4] زاد عند (ش): وبقوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ. لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}.
[5] ضبط في (ابن الصلاح) كلمة: (سائر) بالرفع ثم استشكل هذا التعميم، ويزول الإشكال بعطفها على ما قبلها كما أثبتناه أي: زاد ذلك توكيداً بقوله.. وسائرِ النصوص التي في هذا المعنى، لكن قد يُستشكل استشهاده بآية: {فَوَرَبِّكَ..} على هذا المعنى إذ سياقها في تأكيد حصول الرزق من الله عزَّ وجلَّ لا في تأكيد الوحي والسنة.
[6] صححها في (ابن الصلاح)، وفي هامشها: (ص: مشاهده).
[7] أخرجه البخاري (67)، ومسلم (1679) من حديث ابن سيرين عن ابن أبي بكرة عن أبيه مرفوعاً في خطبة الوداع، وأخرجه البخاري (104)، ومسلم (1354) من حديث الليث عن سعيد المقبري عن أبي شريح العدوي حديث فتح مكة. وأخرجه البخاري (1739) من حديث عكرمة عن ابن عباس به.