الجمع بين الصحيحين للحميدي مع تعقبات الضياء المقدسي

حديث: نقركم ما أقركم الله

46- الثَّاني: عنِ ابنِ عمرَ _ من رواية نافعٍ عنه _: أنَّه لمَّا فَدَعَ [1] أهلُ خيبرَ عبدَ الله بنَ عمر قام عمرُ خطيباً فقال: «إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان عاملَ يهودَ خيبرَ على أموالهم وقال: نُقِرُّكم ما أَقرَّكم اللهُ»، وإنَّ عبد الله بنَ عمرَ خرج إلى ماله هناك فعُدِي عليه من اللَّيل، ففُدِعَت يداه ورِجلاه، وليس لنا هناك عدوٌّ غيرَهم، هم عدوُّنا وتُهمَتُنا، وقد رأيت إجلاءَهم، فلمَّا أجمع عمر على ذلك أتاه أحدُ بني أبي الحُقَيق، فقال: يا أمير المؤمنين؛
ج1ص40
أتُخرِجنا وقد أقرَّنا محمَّدٌ وعاملَنا على الأموال وشرط ذلك لنا؟ فقال عمر: أظننتَ أنِّي نسيتُ قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: [2] «كيف بك إذا أُخرِجت من خيبرَ تعدو بك قَلُوصُك ليلةً بعدَ ليلةٍ؟» فقال: كانت هذه هُزَيلَةً من أبي القاسم، قال: كذبت يا عدوَّ الله! قال: فأجلاهم [3] عمرُ، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثَّمر مالاً وإبلاً وعُروضاً من أَقتابٍ [4] وحِبالٍ وغير ذلك. [خ¦2730]
قال البخاريُّ: ورواه حمَّاد بنُ سلمة عن عبيد الله _ هو ابنُ عمر _ أحسَبه عن نافع_ شكَّ أبو سلمةَ في نافع _عنِ ابنِ عمرَ قال: «أتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أهلَ خيبرَ، فقاتلَهم حتَّى ألجأهم إلى قصرهم، وغلبَهم على الأرض والزَّرع والنَّخل، فصالحوه على أن يُجلَوا منها ولهم ما حملت رِكابُهم، ولرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الصَّفراءُ والبيضاء والحَلْقة [5] _ وهي السِّلاح _ ويخرجون منها، واشترط عليهم ألَّا يكتُموا ولا يغيِّبوا شيئاً، فإن فعلوا فلا ذِمَّة لهم ولا عهدَ، فغيَّبوا مَسْكاً [6] فيه مالٌ وحُلِيٌّ لحُيي بن أخطبَ، كان احتملَه معه إلى خيبرَ حين أُجليت النَّضير، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لعمِّ حُيي واسمُه سَعْيةُ: ما فعل مَسْكُ حُييٍّ الَّذي جاء به من النَّضير؟ قال: أذهبَته النَّفقاتُ والحروب، فقال: العهد [7] قريبٌ والمال أكثر من ذلك، وقد كان حُيي قتل قبل ذلك، فدفع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سَعيةَ إلى الزُّبير فمسَّه بعذابٍ، فقال: قد رأيت حُيياً يطوف في خَرِبةٍ ههنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المَسك في الخَرِبة.
فقتل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ابنَي أبي الحُقيق، وأحدُهما زوج صفيَّةَ ابنةِ حُيي بن أخطبَ، وسبى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نساءهم وذراريَّهم، وقسَم أموالهم بالنَّكْث الَّذي نكثوا، وأراد أن يُجليَهم منها، فقالوا: يا محمَّدُ، دعنا نكون في هذه الأرض نُصلحُها ونقومُ عليها، ولم يكن لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
ج1ص41
ولا لأصحابه غِلمانٌ يقومون عليها، وكانوا لا يفرُغون أن يقوموا عليها، فأعطاهم خيبرَ على أنَّ لهم الشَّطر من كلِّ زَرعٍ وشيءٍ ما بدا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
وكان عبد الله بن رواحةَ يأتيهم في كلِّ عامٍ فيَخرصُها عليهم، ثمَّ يضمِّنهم الشَّطر، فشكَوا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم شدَّة خَرصه، وأرادوا أن يرشوه، فقال عبد الله: تطعموني السُّحتَ [8] ؟! والله لقد جئتكم من عند أحبِّ النَّاس إليَّ، ولَأنتم أبغضُ إليَّ من عِدَّتكم من القردة والخنازير، ولا يحمِلني بُغضي إيَّاكم وحُبِّي إيَّاه على ألَّا أعدلَ عليكم، فقالوا: بهذا قامت السَّماواتُ والأرضُ.
وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يعطي كلَّ امرأةٍ من نسائه ثمانين وَسْقاً من تمرٍ كلَّ عامٍ، وعشرين وَسْقاً من شعيرٍ».
فلمَّا كان زمانُ عمر غشوا المسلمين وأَلقوا ابنَ عمر من فوق بيتٍ ففَدعوا يدَيه، فقال عمر بن الخطَّاب: مَن كان له سهمٌ بخيبرَ فليحضر حتَّى نقسِمَها بينهم، فقسَمها عمر بينهم، فقال رئيسهم: لا تخرجنا، دعنا نكون فيها كما أقرَّنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأبو بكرٍ، فقال عمر لرئيسهم: أتراه سقطَ عليَّ قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «كيف بك إذا رقصَت بك راحلتُك [9] نحوَ الشَّام يوماً ثمَّ يوماً ثم يوماً؟» وقسمها عمرُ بين من كان شهد خيبرَ من أهل الحديبية.


[1] الفَدْع: عوج في المفاصل كأنها زالت عن مساكنها، ويقال: الفدع في الكف انقلابها إلى جهة. (ابن الصلاح) نحوه.
واستطرد الحميدي هنا في «تفسير الغريب» ففسَّر العوج فقال: وأما العَوج بفتح العين ففي كل منصب كالحائط، والعِوج بكسرها في ما كان في بساط أو أرض أو دِين أو معاشٍ، يقال: في دينه عِوج، وفلان بيِّنُ العِوج.
[2] زاد في (ش): (لك)، وما أثبتناه من (ابن الصلاح) موافق لنسختنا من رواية مسلم.
[3] جلا القومُ عن منازلهم جلاءً: خرجوا منزعجين كارهين، وأجلاهم غيرُهم إذا أخرجهم كذلك.
[4] الأقتاب: جمع قَتَب والقَتَب للجمل يكون فوق ما يُوطأ به على ظهر البعير للأعمال، وقال أبو عُبيد عن الأصمعي: القَتَب هو الصغير الذي على قدر سنام البعير.
[5] الحلْقة: بسكون اللام حلقة الحديد، والسلاح كله يسمى الحلَقة بفتح اللام، والحلَقة أيضاً جمع حالق كذا قال ابن فارس، وقال الهروي: الحلْقة بالسكون السلاح ويقال: هي الدروع خاصة.
[6] المَسك بفتح الميم وسكون السين: الإهاب.
[7] في (ابن الصلاح): (المعهد).
[8] السُّحت: الحرام، وقيل: إنما قيل له: سحت لأنه يَسْحَتُ البركة فيذهبُ بها ويُبطلها.
[9] رقصت به ناقته: إذا خبَّت وأرقصها راكبها إذا حملها على الخبب.