الجمع بين الصحيحين للحميدي مع تعقبات الضياء المقدسي

حديث: استعمل عمر قدامة بن مظعون على البحرين

64- العشرون: عن عبد الله بن عامرِ بن ربيعةَ، وكان من أكبر بني عَدِيٍّ، وكان أبوه شهد بدراً مع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: استعمل عمرُ قُدامةَ بن مظعونٍ على البحرين، وكان شهد بدراً مع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو خال ابنِ عمر وحفصةَ زوجِ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم. لم يزد. [خ¦4011]
ج1ص51
وهو طرفٌ من حديث طويلٍ في قصَّةٍ لقُدامةَ بن مظعون، اقتصر البخاريُّ على هذا القدر لحاجته إليه فيمن شهد بدراً، وقد وقعَ لنا بتمامه بهذا الإسناد متَّصلاً بقوله: وكان خالَ ابنِ عمر وحفصةَ، قال:
_ فقدم الجارودُ من البحرين، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إنَّ قُدامةَ بن مظعون قد شرب مُسكِراً، وإنِّي إذا رأيت حدًّا من حدود الله حَقٌّ عليَّ أن أرفعَه إليك، فقال له عمر: مَن يشهد على ما تقول؟ فقال: أبو هريرةَ، فدعا عمرُ أبا هريرةَ فقال: علامَ تشهدُ يا أبا هريرة؟ فقال: لم أرَه حين شرب، وقد رأيتُه سكرانَ يقيءُ، فقال عمر: لقد تنطَّعتَ [1] أبا هريرة في الشَّهادة.
ثمَّ كتب عمرُ إلى قُدامةَ وهو بالبحرين يأمرُه بالقدوم عليه، فلمَّا قدم قُدامةُ والجارود بالمدينة، كلَّم الجارودُ عمرَ فقال: أقِم على هذا كتابَ الله، فقال عمر للجارود: أشهيدٌ أنت أم خصمٌ؟ فقال الجارود: أنا شهيدٌ، فقال: قد كنتَ أدَّيت شهادتَك، فسكت الجارود، ثمَّ قال: لتعلمنَّ [2] أنِّي أَنشُدُك الله، فقال عمر: أما والله لتملِكنَّ لسانَك أو لَأسوءنَّك، فقال الجارود: أمَا والله، ما ذاك بالحقِّ أن يشربَ ابنُ عمِّك وتسوءَني، قال: فأوعدَه عمر، فقال أبو هريرة وهو جالسٌ: يا أمير المؤمنين؛ إن كنت تشكُّ في شهادتِنا فسَلْ بنتَ الوليد امرأةَ ابن مظعون، فأرسل عمر إلى هندٍ يَنشُدها [3] بالله، فأقامت هندٌ على زوجها قُدامة الشَّهادةَ، فقال عمر: يا قُدامةُ إنِّي جالدُك، فقال قُدامة: والله لو شربتُ كما يقولون ما كان لك أن تجلدَني يا عمر! قال: وَلِمَ يا قُدامة؟! قال: إنَّ الله عزَّ وجلَّ قال: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة:93] فقال عمر: إنَّك أخطأت التَّأويلَ يا قُدامة، إذا اتَّقيت اجتنبتَ ما حرَّم الله!
ثمَّ أقبل عمرُ على القوم فقال: ماذا ترَون في جلد قُدامة؟
ج1ص52
فقال القوم: لا نرى أن تجلِدَه ما دام وَجِعاً، فسكت عمرُ عن جَلدِه أيَّاماً، ثم أصبح يوماً قد عزمَ على جَلدِه فقال لأصحابه: ماذا ترَون في جَلد قُدامة؟ فقالوا: لا نرى أن تجلِدَه ما دام وَجِعاً، فقال عمر: إنَّه والله لَأنْ يلقى اللهَ تحت السِّياط أحبُّ إليَّ من أن ألقى الله وهيَ في عُنُقي، إنِّي والله لَأجلِدنَّه، اِئتوني بسَوطٍ، فجاءه مَولاه أسلمُ بسَوطٍ دقيقٍ صغيرٍ، فأخذه عمر فمسحه بيده، ثمَّ قال لأسلمَ: قد أخذَتك دِقرارةُ [4] أهلِك، اِئتوني بسَوطٍ غيرِ هذا، قال: فجاءه أسلمُ بسَوطٍ تامٍّ، فأمر عمر بقدامة فَجُلِدَ.
فغاضبَ قُدامةُ عمرَ وهجَرَه، فحَجَّا وقُدامةُ مهاجرٌ لعمر حتَّى قفلوا من حَجِّهم، ونزل عمر بالسُّقيا [5] فنام بها، فلمَّا استيقظ قال: عجِّلوا عليَّ بقُدامة، انطلِقوا فائتوني به، فوالله إنِّي لأرى في النَّوم أنَّه جاءني آتٍ فقال لي: سَالِمْ قُدامةَ فإنَّه أخوك، فلمَّا جاؤوا قُدامةَ أبى أن يأتيَه، فأمر عمر بقُدامة فَجُرَّ إليه جَرًّا حتَّى كلَّمه عمر واستغفر له، فكان أوَّلَ صُلحِهما. _


[1] التَّنطع: التعمق والغلو والإفراط في التدقيق، وتنطع الصانع في صناعته إذا بالغ بالاجتهاد في إظهار حذقه فيها وإحسانه. (ابن الصلاح) نحوه.
[2] في هامش (ابن الصلاح): (ص: لتعلم).
[3] في (ش): (فنشدها).
[4] الدِّقْرَارة: المخالفةُ، وقد تكون في بعض المواضع الحديثَ المفتعَل، وأصله ما ليس على استقامةٍ. وفي هامش (ابن الصلاح): الدِّقرارة: هي المخالفة وعدم الاستقامة، وأضافها إلى أهله؛ لأنَّ أسلم مولى عمر، وقدامةُ كان خالَ حفصة، وعبد الله وعبد الرحمن أولاد عم. تمت.
[5] السُّقيا: قرية بين مكة والمدينة. هامش (ابن الصلاح).