المختصر النصيح في تهذيب الكتاب الجامع الصحيح

حديث: فلذلك سعى الناس بينهما

[حديث: فلذلِكَ سَعى الناسُ بَيْنَهُمَا]
2005 - قال البخاريُّ: حدثنا عبدُ اللهِ بن محمدٍ: حدَّثنا أبو عامر عبد الملك بن عمروٍ: حدَّثنا إبراهيم بن نافعٍ عن كثيرٍ. [خ¦3365]
وحدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمَّدٍ: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ: حدَّثنا مَعْمرٌ، عن أيوبَ السَّخْتياني وكَثيرِ بن كَثيرِ بن المطَّلبِ بن أبي وَدَاعةَ يزيدُ أحدُهُما على الآخرِ، عن
ج4ص20
سعيدِ بنِ جُبَيْر، عن ابن عباسٍ قال: أوَّلَ ما اتَّخذَ النِّساءُ المِنْطقَ من قِبَلِ أمِّ إسماعيلَ، اتَّخذَتْ مِنْطقًا لتُعفي أثرها على سَارَة. [خ¦3364]
وقال إبراهيمُ بنُ نافع عن كثيرٍ فيه قال: لما كان بين إبراهيم صلَّى الله عليه وسلَّم وبين أهلهِ ما كان خرجَ بإسماعيلَ وأم إسماعيلَ معهم شَنَّةٌ فيها ماءٌ، فجعلت أمُّ إسماعيلَ تشربُ من الشنَّة فَيَدِّرُ لَبنُها على صبيها حتى قَدِمَ مكَّة فوضعها تحتَ دَوْحةٍ.
قال البخاري: وقال الأنصاري [خ¦3363] : حدَّثنا ابن جريج قال: أما كثير بن كثير فحدثني...؛ السند. وقال: حتى وضَعَها عند البيتِ عندَ دَوْحةٍ فوقَ زمْزَم في أعلى المسجدِ، وليس بمكَّةَ يومَئذٍ أحَدٌ، وليس بها ماءٌ، فوضعهما هُنَالِكَ، ووَضَعَ عِنْدهُما جِرَابًا فيه تمرٌ، وسقاءٌ فيهِ ماءٌ، ثم قفَّى إبراهيم مُنْطَلقًا، فتَبِعتْه أمُّ إسماعيلَ. زادَ إبراهيمُ عن كثيرٍ: حتى بلغوا كَدَاء، نادَتهُ من ورائهِ: يا إبراهيم؛ إلى مَنْ تتركنا؟ قال: إلى اللهِ عزَّ وجلَّ. قالت: رضيتُ باللهِ.
وقال ابن جُريج فيهِ: فقالت: يا إبراهيم؛ أينَ تذهبُ وتتركُنا بهذا الوادي الذي ليسَ فيهِ إنسٌ ولا شيءٌ؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها،
ج4ص21
فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا؛ لا [يضيعنا] [1] ، ثم رَجعتْ، فانطلقَ إبراهيمُ عليه السلام حتى إذا كان عند الثَّنِيَّة حيثُ لا يَرَوْنَهُ؛ استقبَلَ البيتَ بوَجْهِهِ، ثُمَّ دعَا بهؤُلاءِ الدَّعوات، فرَفعَ يَديهِ فقال: ربِّ {إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [ب/236] عندَ بيتكَ المُحرَّم}... حتى بلَغَ: {يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37] .
وجعلتْ أمُّ إسماعيلَ تُرْضِعُ إسماعيلَ وتشرَبُ مِنْ ذلكَ الماءِ، حتى إذا نَفِذَ ما في السِّقاءِ؛ عَطِشتْ وعَطِش ابْنُها، وجعَلتْ تنظرُ إليهِ يَتلوَّى، أو قال: يتلبَّطُ، فانطلقَتْ كراهِيةَ أن تَنْظُرَ إليهِ، فوجدتِ الصَّفَا أقرَبَ جبلٍ في الأرضِ يليهَا، فقامَتْ عليهِ ثم استقْبَلَتِ الواديَ تنظرُ هل ترَى أحدًا، فلم تَرَ أحدًا، فهبَطتْ من الصَّفا حتى إذا بَلَغَتِ الواديَ؛ رَفعَتْ طرَفَ دِرْعهَا ثم سعتْ سعيَ الإنسانِ المجهودِ، حتى جاوَزَت الواديَ، ثم أتتِ المروةَ فقامتْ عليها فنظَرتْ [2] هلْ ترَى أحدًا، فلم ترَ أحدًا، ففعلتْ ذلكَ سبعَ مرَّاتٍ.
قال إبراهيمُ فيه عن كثيرٍ: ثمَّ قالتْ: لو ذَهبتُ فنظرتُ ما فعلَ _تعني الصبيَّ_ فذهبتْ فَنَظرتْ، فإذا هو على حالِهِ كأنهُ ينشغُ للموتِ.
قال ابنُ جريجٍ فيهِ: قال ابن عباسٍ: قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «فلذلِكَ سَعى [3] الناسُ بَيْنَهُمَا».
فلما أَشْرَفتْ على المروةِ؛ سَمِعتْ صَوتًا فقالت: صَهٍ، تُريد نَفْسَها، ثم تسمَّعتْ فسَمِعَتْ أيضًا، فقالت: قد أسْمَعْتَ إنْ كانَ عندكَ غِواثٌ، فإذا هيَ بالملكِ عندَ موضعِ زَمْزَمَ، فبَحثَ بعَقِبِهِ _أو قال: بِجنَاحِهِ_ حتى ظَهَرَ الماءُ، فَجَعَلتْ تُحوِّضُه وتقولُ بيدِها هكذا، وجعلَتْ تغْرِفُ مِنَ الماءِ في سِقائِها وهي تفُورُ بقدرِ [4] ما تَغْرف.
ج4ص22
قال ابنُ عباسٍ: قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إسماعيلَ، لو ترَكَتْ زَمْزَمَ _أو قال: لو لم تَغْرِفْ مِنَ الماءِ_؛ لكانَتْ زَمْزمُ عينًا معينًا».
قال: فشَرِبَتْ وأرضَعَتْ وَلدَهَا، فقالَ لها الملكُ: لا تخَافُوا الضَّيْعةَ، فإن ههنا بَيتَ اللهِ يبنيه [5] هذا الغلامُ وأبوهُ، وإنَّ اللهَ لا يُضيع أهله، وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رُفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كَدَاء، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرًا عائفًا فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريًّا أو جريَّين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا، قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم؛ ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم.
قال ابن عباس: قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنْسَ».
فنزلوا فأرسلوا إلى أهاليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنْفَسَهم وأعجبهم حتى [6] شبَّ، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشَرٍّ، نحن في ضيق وشدة، وشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك؛ فَاقرئي عليه السلام وقولي [7] له يُغيِّر عتبة داره، أي: بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا؛ فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا
ج4ص23
وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنَّا في جهدٍ وشدةٍ، قال: فهل أوصاكِ بشيءٍ؟ قالتْ: نعم؛ أمرني أن أَقْرَأ عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك. قال: ذلك [8] أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلكِ، فطلَّقها، وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بَعدُ فلم يجده، فدخلَ على امرأتهِ فسألها عنه [أ/237] فقالت: خرج يبتغي لنا.
زاد إبراهيم عن كثير: قالت امرأته: ذهب يصيد، فقالت: ألا تنزل فتطعم وتشرب؟ فقال: وما طعامكم؟...؛ الحديث.
وقال ابن جريج: قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسَعةٍ، وأثنت على الله عزَّ وجلَّ، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء.
قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم لدعا لهم فيه»، قال: «فهما لا يخلوا عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه».
قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم؛ أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنَّا بخيرٍ. قال: فأوصاكِ بشيءٍ؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذَاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك، ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلًا له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه؛ قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل؛ إن الله عزَّ وجلَّ أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن
ج4ص24
أبني بيتًا ههنا، وأشار إلى أَكَمةٍ مرتفعةٍ على ما حولها، فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى [إذا] [9] ارتفع البناء؛ جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه _زاد إبراهيم: فقام على حجر المقام_ وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] . قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت، وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] .
وخرَّجه في باب من قال: صاحب الحوض والقربة أحق بمائه مختصرًا. [خ¦2368]


[1] سقط من الأصل: (يضيعنا).
[2] كذا في الأصل،وهي رواية أبي ذرٍّ، وفي «اليونينية»: (ونظرت).
[3] كذا في الأصل، وهي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر، وفي «اليونينية»: (فذلك سعي).
[4] كذا في الأصل، وفي «اليونينية»: (وهو يفور بعد).
[5] كذا في الأصل، وفي «اليونينية»: (يبني).
[6] كذا في الأصل، وفي «اليونينية»: (حين).
[7] في الأصل: (وقولوا)، والمثبت موافق لما في «الصحيح».
[8] كذا في الأصل، وفي «اليونينية»: (ذاك).
[9] (إذا): مثبت من «الصحيح».