المختصر النصيح في تهذيب الكتاب الجامع الصحيح

مقدمة الكتاب

[مقدمة الكتاب]
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلَّى الله على سيدنا ومولانا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا.
[الحمد لله الذي ] [1] بعدها في الأصل: كان أبو الحسن محمد بن عبد العزيز بن علي بن علي بن سعيد بن مختار الغافقي الإمام المحدث العادل الثقة شيخ أبي محمد بن حوط الله _رحمهم الله_ يثني على هذا «المختصر النصيح» ثناءً جميلًا، ويفضله على جميع أمثاله.
[2] وصَّل فأَفهم، وفَصَّل فأكمل، وردد القصص... [3] من القصص، وأطال فما استحال، وأوجز فأعجز، فلا [نَطِقٌ إلَّا] [4] بكَلِمه مَكبوت، ولا فَهِمٌ إلا بمعانيه مَبهوت، [وأوعز] [5] تعالى إلى بيان الرسول كما شرط في محكم التنزيل، فقال عز من قائل: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]، فامتثل النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم البيانَ كما أُمِر، ونطق عن غير هوًى كما بُشِّر، ما ترك فريضةً مجمَلةً إلَّا فصَّلها وحدَّدها، ولا سُنةً منزلةً إلَّا بيَّنها وقيَّدها، ولا فضيلةً مرجوَّةً إلَّا بسَطها ومدَّدها، وبالَغ في الإبلاغ، وأَشهدَ اللهَ عزَّ وجلَّ يومَ حَجة الوداع على ذوي الأبصار والأسماع بما أَعلمَ به وصَدَع، وبيَّن وشَرع، فقال: «ألَا هل بلَّغتُ؟!» فقالوا: اللهم نَعم. فقال: «اللهم فاشْهَد»، فبرَّأه الله من ملامة التقصير والإِسرار، ورَضي منه بالإعلانَ والإِجهار، وأَعلَمَه بكمال الدين، وتمامِ النعمة على المؤمنين، ثم دعا _عليه السلام_ لِمَن تَسَمَّع منه فبَلَّغ عنه، فرُبَّ مُبلَّغٍ في نازلة عَصره، أوعى له من سامعِ نصِّه، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ممن أقامهم الله عزَّ وجلَّ لدينه عُدولًا من كلِّ خلَفٍ، ينفون عنه انتحالَ المُبطِلين، وتحريفَ الغالين [6] ، إلى يوم الدين.
ج1ص144
ثم آنَس النفوسَ _عليه السلام_ ممَّا آذَن به من قَبْض العلم؛ حينَ تُسَوَّدُ الأَغْتامُ [7] الجُهلاء، وتُرَأَّسُ الأَغبياءُ، بأنَّ الله عزَّ وجلَّ قد نَصر من هذه الأمةِ الطائفةَ القائمين بالحُجَّة على أهل الجَهالة والبدعة، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق، ما يَضرُّهم مَن كَذَّبهم، ولا مَن خَذَلهم، ولا مَن خالَفهم، حتى يأتيَ أمرُ الله وهم على ذلك».
فجعل إليهم تعالى برحمته استنباطَ حُكم النازلات، وتأويلَ فقه المشكِلات، من مفهوم النصوص، وبيانِ العامِّ والخصوص، وسَوَّغهم توجيهَ الأقاويل المختلفة إلى السنن المعروفة، فقال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوه إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] ، {فَبَشِّرْ عِبَادِ. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [الزمر: 17 - 18] .
فلا خفاء بعدُ على مَن كان له قلب أو ألقى السمعَ وهو شهيد: أنَّ مَن تبوَّأ الدار والإيمان، وشهد مواقعَ نجوم القرآن، وتلقَّى من الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم حُكمَ التنزيل _ في جماعات الرجال والنساء، وأَيفاع الولدان والإماء، ومُتَجَالَّات العِيَال، ورَبَّات الحِجَال _ أَوْلَى بضَبْط الشرائع، وأَحَقُّ بنقل الحقائق إلى الذين اتَّبعوهم بإحسان رضي الله عنهم، كافَّةً عن كافةٍ إلى كافةٍ، منصوص على فضل جميعها، ثم إلى عالِمٍ من أهلها فقيهِ المعنى، مُبشَّرٍ منه _صلَّى الله عليه وسلَّم_ بانتهاء العِلمِ إليه، ووَقفه عليه، تُضرَبُ إليه آباطُ الإبل، ويُتَكلَّف إليه بعيدُ السُّبُل، من انقطاع العلم عن أشتات الآفاق، وآحاد الشام والعراق، حيث يطلع
ج1ص145
قرن الشيطان للفتنة ويزلزلها بالفرقة، [ب/1] {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 81 - 82]، {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]، فلهم الضبطُ والفهم، وإليهم يَأْرَزُ العِلم، أبناءُ طَيْبةَ، ونَشَأَةُ الرَّوضة، تُرْبة الرسول، ومَنزل جِبريلَ، ومَحِل الوحي، ومَنبِت الحق، أربابُ الإيمان، وعَيْبَةُ نُصح الإسلام، لا جَرَم أنَّ لهم الحسنى وأنهم هم الفائزون، وحزبُ الله المفلحون، {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 5]، جعلنا الله من المتَّبعين سبيلَ المؤمنين، القائمين بحُجَّة رب العالمين، على منهاج خاتم النبيين، وأول الشافعين، صلى الله عليه وعلى أهله وأتباعه وأنصاره أجمعين، أفضلَ صلاةٍ وأزكاها، وأطيبَها وأرضاها، وسلم تسليمًا، [ ومِن وَرَثة ] [8] النبوة، وحَمَلة أعباء الرسالة، ومَن أوصى بهم الرسولُ، وحَفَّهم بالصحبة جبريلُ، يطلبونه... ... [9] ما يحجونه.
فإني أوصي نفسي بما به أوصيكم من لزوم الخير والتقى، [و] الصبر عن عرض الدنيا، فقد أخذ الله عزَّ وجلَّ عليكم الميثاقَ، وتَضمَّن لكم الأرزاقَ، وأراد بكم الخيرَ، ووعدكم النصرَ، حين فقَّهكم في الدين [10] ، وقضى لكم بالسيادة، وقلَّد لكم الإبانةَ، {يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] [ فأخلِصوا لله نيَّتَكم ] [11] ؛ فإنما الأعمال بالنيات، واسلُكوا سبيل الجَهابذة، ونَكِّبوا عن... . [12] مختلف الأقاويل بالردِّ إلى الرسول، {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105]،
ج1ص146
فقد حفظ اللهُ عليكم التنزيل، وبيَّن لكم الرسولُ، وقيَّد العلماءُ، واستنبَط الفقهاءُ، ونَقلَت الأمةُ، وصحَّحت الأئمةُ، واجتمعَتْ على هذا الكتاب الجامعِ الصحيحِ الآثارِ، وقنعتْ به [13] عن آفات أهل الإكثار، واقتَصَرتْ قُرون [14] الإسلام عليه، ولجأ المخالِف والمؤالِف إليه، ولن تَجتمع الأمة على ضلالٍ، ولا تتفق على اختلال.
فرحم الله مؤلفه الفاضلَ محمدَ بن إسماعيل، العالِمَ المَرْضيَّ، والحَبْرَ الزكيَّ، الناهجَ لسبيلِ النجاةِ، والدليلَ الماهر في مَهَامِهِ الرواة، والنجمَ الهادي في الظلمات، المُناقِفَ [15] بتضمُّن صحيح الحديث على أئمة الأمصار فما عُورِض، والزعيم بمَيْزِ صريح الأسانيد فما نُوقِض، العارف بعدالة الرجال، الحاكم فيهم بتغليب الحال، المنكِّث بجواهر العلم بتبويباته [16] ، والمنبِّه على خفِيِّه بإشاراته؛ فهو يُصدِّر في أول الباب بوجه الحديث ليُفهَم، ويميز المعنى الذي به تَرجَم، ويكرِّر الأحاديثَ بكثرة المعاني التي فيها، فمَن وهب الله له فهمَها؛ وَدَّ تكثيرَها، ومن خَفيت عليه؛ كره تكريرَها، فلذلك رغب إليَّ منكم راغبون كثيرٌ في اختصار تكراره، وتحرير آثاره؛ حرصًا على قرب أمره، وتَأَتِّي حِفظه، ولو كان تكرُّرُه في كل باب على نَصٍّ واحدٍ؛ لتُمُكِّن ما رغبوه، وساغ ما أرادوه، ولكن يكرِّره بألفاظ مختلفة، فدَلَّ على وجوه، وبزيادات الرواة على غيرهم تَنفس المعاني للناظر الفقيه، فلو اختُصِرَ على ما ظنَّه الراغبون فيه، واحتُمِل على رأي المستنبطين له؛ لذهبت بهجة الكتاب، وطُمِست [أ/2] أعينُ المعاني، وعُدِم من فوائد الحديث
ج1ص147
الأكثرُ التي تَرجَم بها واستنبطها من خفيِّ أماكنها، فجلاَّها للعقول، ونبَّه عليها من جوامع كلام الرسول، فإنه عليه السلام قال: «بُعِثتُ بجوامع الكَلِم». فأَعملتُ النظرَ _أيَّدكم الله_ فيما رغبه الآملون لتحفُّظه بتقريبه، والراغبون في التفقه منه مع تهذيبه، فلم يمكِنني فيه غيرُ اختصارِه؛ بإسقاط تكراره إلا ما ضَمَّتِ الحاجَةُ إليه، واشتَملت المتونُ من اللفظ عليه، فأُبقِيه لفائدةٍ فيه، فظهر إليَّ أنْ أُخرِجَ من كلِّ حديثٍ على أكمل ما أجده في الأبواب التي ذَكَره فيها، ليُريَ فوائدَه ويُنوِّعَ أسانيدَه، وأتوخَّى أَولى الأبواب به ما أمكَن، وأُركِّب فيه ما زاده الضابطُ من الرواة على غيره في موضعه من نَصِّه، بعد تقديم شُعوب سَنَدِه إلى مَن عليه مَدَارُ الحديث؛ لكَيما يَكمُلَ المتنُ مُسنَدَ الألفاظ مُقيَّدَ الزوائد.
وإنْ كان ابن شِهاب الزهري رضي الله عنه وغيرُه من الأئمة قال في حديث الإِفْك، وحديث موسى مع الخَضِر عليهم السلام، وفي غيرهما، حينَ كثُرَت عليه زياداتُ الرواة في الحديث، فقال في آخر الإسناد: (وكلٌّ حدَّثني طائفةً من الحديث، وبعضُهم يَزيدُ في الحديث على بعضٍ)، ولم يَذكُر المَزيدَ ولا الزائدَ، ثم ساق الحديثَ على نصٍّ واحدٍ، ولم يُعيِّن لكل واحدٍ منهم زيادتَه، ولم أَسْمَح أنا في ذلك ولا قنعت به؛ لأنَّ ابنَ مَعين _رحمه الله_ قد تكلَّم في مثل هذا، فرأيتُ الخروجَ عن موضع التكلُّم أولى وإنْ زادت الأسانيدُ، لكني ربما ذكرت زيادةَ الراوي في المتن وفَصَلتُها بتَحْوِيقةٍ (?) [17] ، وربما كرَّرت اسمَ الأول الذي له اللفظ.
ثم إني ذكرتُ في آخر الحديث كلَّ بابٍ خرَّجه البخاري رضي الله عنه فيه؛ ليَستدلَّ الدارسُ له المتفقهُ بتلك التراجم
ج1ص148
على لطيف المعاني التي تضمَّنت، ويتعلَّمَ كيف وجه الاستنباطِ لها إنْ خفيت، واستخراجِها إن غمضت، والله يلقِّن الحكمةَ مَن أراد به الخيرَ بفضله.
ولما خرَّجت من الأحاديث الأكملَ، وركَّبت منها المشتَّتَ فاتصل؛ أَلفيتُ الذي صدَّر به من الحديث في أوائل الأبواب مقطوعًا، وأكثرَها في الكتاب مسنَدًا في غير تلك الأبواب المصدَّر بها فيها، فخرَّجتها حيث أجدها، وتركت ذكرَها في مواضع التصدير بها.
وهممتُ أيضًا بترك الأبواب التي هي بمعنًى واحدٍ في أواخر الأحاديث، مثل قوله: (باب تزويج المُحرِم)، وقال في النكاح: (باب نكاح المُحرِم)، و(باب المرأة تحيض بعد الإفاضة)، وقال في الحج: (باب إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت)، وخرَّج فيها حديثًا واحدًا، وغيرُها كثيرٌ، فتركت الأقلَّ، وذكرت الأكثرَ.
ج1ص149


[1] بياض بقدر ثلاثة أسطر.
[2] بياض بقدر ثلاثة أسطر.
[3] بياض بقدر كلمتين.
[4] بياض في الأصل، والمثبَت أقرب للمعنى، والله أعلم.
[5] بياض بقدر كلمتين.
[6] في الأصل: (الغالبين)، ولعله تحريف.
[7] الأغتامُ: جَمع غُتْمِيٍّ؛ وهو الرجل الذي لا يُفصِح شيئًا في كلامه، تاج العروس (غتم).
[8] بياض في الأصل، والمثبت هو الأوفَق للسياق، والله أعلم.
[9] بياض بقدر كلمتين.
[10] بياض بقدر ثلاث كلمات.
[11] بياض في الأصل، والمثبت موافق للسياق.
[12] بياض بقدر أربع كلمات.
[13] كتب فوقها في الأصل: (منه).
[14] جمع: قَرْن؛ وهو سيد القوم، تاج العروس (قرن).
[15] المُناقَفة: المُبارَزة، كما في تاج العروس (نقف)، والمُرادُ هنا: التحدِّي.
[16] في الأصل: بثبوتاته.
[17] التحويقة: الدائرة.