تحفة الأخباري بترجمة البخاري

تتمة في المكانة العلمية للبخاري وثناء الناس عليه

[تتمة في المكانة العلمية للبخاري وثناء الناس عليه]
وقال إبراهيم الخواصي مستملي صدقة: رأيت أبا زرعة كالصبيِّ بين يدي محمَّد بن إسماعيل يسأله عن علل الحديث.
ص42
وقال أبو جعفر الورَّاق: حدَّثني بعض أصحابي قال: رأيتُ أبا عبد الله يومًا بنيسابور وعمرو بن زرارة جالسٌ بين يديه كالصبي بين يدي المؤدب. )
وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: سمعتُ أبي يقول: ما أخرجت خراسان مثل محمَّد بن إسماعيل البخاري.
وقال وراقه ابن أبي حاتم: سمعتُ عمر بن حفص الأشقر: سمعتُ عبدان يقول: ما رأيتُ بعيني شابًا أبصر من هذا. وأشار بيده إلى محمَّد بن إسماعيل.
وقال الوراق أيضًا: حدَّثني حاشد بن عبد الله بن عبد الواحد: سمعتُ يعقوب بن إبراهيم الدَّورقي يقول: محمَّد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة.
(وكذلك قال أيضًا نعيم بن حماد فيما رواه عنه صالح بن مسمار المروزي.
وقال محمَّد بن أبي حاتم: سمعتُ محمَّد بن إسماعيل البخاري يقول: لما دخلت البصرة صرت إلى مجلس محمَّد بن بشار _ يعني بندار الحافظ _ فلما خرج وقع بصره عليَّ، فقال: من أين الفتى ؟ قلت: من بخارى، قال: كيف تركت أبا عبد الله ؟ فأمسكت، فقال له أصحابه: رحمك الله، هو أبو عبد الله
ص43
فقام وأخذ بيدي وعانقني، وقال: مرحبًا بمن أفتخر به منذ سنين.
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: سمعت حاشد بن إسماعيل يقول: كنت بالبصرة فسمعت قدوم محمَّد بن إسماعيل، فلما قدم قال لي محمَّد بن بشار: دخل اليوم سيد الفقهاء.
وقال: حدَّثني محمَّد بن يوسف قال: كنَّا مع أبي عبد الله عند محمَّد بن بشار، فسأله محمَّد بن بشار عن حديث، فأجابه، فقال: هذا أفقه خلق الله في زماننا. وأشار إلى محمَّد بن إسماعيل.
وحدَّث الحافظ أبو قريش محمَّد بن جمعة بن خلف عن محمَّد بن بشار أنه قال: حفَّاظ الدين أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى.
وقال محمَّد بن بشار أيضًا _ في رواية محمَّد بن إبراهيم البوشنجي عنه فيما سمعه منه في سنة ثمان وعشرين ومئتين _: ما قدم علينا مثل محمَّد بن إسماعيل.
وخرَّج الخطيب أبو بكر في ((تاريخه)) من رواية أحمد بن سلمة عن فتح بن نوح النيسابوري قال: أتيت علي بن المديني فرأيت محمَّد بن إسماعيل جالسًا عن
ص44
يمينه، فكان إذا حدَّث التفت كأنه يهابه.
وخرَّج أيضًا من طريق محمَّد بن محمَّد بن العباس: سمعتُ جدي أحمد بن عبد الله: سمعتُ جدي محمَّد بن يوسف يقول: سمعت محمَّد بن إسماعيل البخاري يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد إلَّا عند علي بن المديني، وربما كنت أغرب عليه.
تابعه أبو جعفر محمَّد بن أبي حاتم وقال وسمعته _ يعني البخاري _ يقول، فذكره بمثله.
وخرَّج أيضًا من طريق إسحاق بن أحمد بن خلف، سمعت محمَّد بن إسماعيل غير مرة يقول: ما تصاغرت نفسي عند أحد إلَّا عند علي بن المديني، ما سمعت الحديث من فِيِّ إنسانٍ أشهى عندي أن أسمع من فِيِّ علي.
قال إسحاق: حدَّثني حامد بن علي قال: ذكر لعلي بن المديني قول محمَّد بن إسماعيل: ما تصاغرت نفسي عند أحد إلَّا عند علي بن المديني، فقال: ذروا قوله، هو ما رآى مثل نفسه.
وحدَّث أبو عبد الله محمَّد بن أحمد الحافظ غُنجار فقال: حدَّثنا خلف بن محمد: حدَّثنا إسحاق بن أحمد بن خلف: سمعت محمَّد بن إسماعيل يقول: ما تصاغرت إليَّ نفسي إلَّا عند علي بن
ص45
المديني.
قال إسحاق: وسمعت أحمد بن عبد السلام يقول: ذكرنا قول محمَّد بن إسماعيل هذا لعلي بن المديني، فقال: دعوا هذا، فإن محمَّد بن إسماعيل لم ير مثل نفسه.
وخرَّج الخطيب أيضًا من طريق أبي الفضل محمَّد بن يوسف بن ريحان: حدَّثني أبي يوسف بن ريحان: سمعت محمَّد بن إسماعيل البخاري: كان علي بن المديني يسألني عن شيوخ خراسان، فكنت أذكر له محمَّد بن سلام فلا يعرفه، إلى أن قال يومًا: يا أبا عبد الله كلُّ مَن أثنيتَ عليه فهو عندنا الرضى.
وقال حاشد بن إسماعيل: رأيتُ إسحاق بن راهويه جالسًا على السرير ومحمد بن إسماعيل معه وإسحاق يقول: حدَّثنا عبد الله، حتى مرَّ على حديث فأنكر عليه محمَّد _ يعني ابن إسماعيل _ فرجع إلى قول محمد.
قال إسحاق: يا معشر أصحاب الحديث انظروا إلى هذا الشاب واكتبوا عنه، فإنه لو كان في زمن الحسن ابن أبي الحسن لاحتاج إليه الناس لمعرفته بالحديث وفقهه.
وقال سُليم بن مجاهد: لو أن
ص46
وكيعًا وابن عيينة وابن المبارك كانوا في الأحياء لاحتاجوا إلى محمَّد بن إسماعيل.
وقال: ما رأيتُ بعيني منذ ستين [1] سنة أفقه ولا أورع ولا أزهد في الدنيا من محمَّد بن إسماعيل.
وقال أبو جعفر محمَّد بن أبي حاتم: سمعت محمَّد بن إسماعيل يقول: ذاكرني أصحاب عمرو بن علي _ يعني الفلاس الحافظ _ بحديث، فقلت: لا أعرفه. فسرُّوا بذلك وصاروا إلى عمرو بن علي، فقالوا له: ذاكرنا محمَّد بن إسماعيل البخاري بحديث فلم يعرفه. فقال عمرو بن علي: حديث لا يعرفه محمَّد بن إسماعيل ليس بحديث. )
وقال أبو جعفر الوراق أيضًا: سمعتُ حاشد بن عبد الله: قال لي أبو مصعب أحمد بن أبي بكر المديني: محمَّد بن إسماعيل أفقه عندنا وأبصر من أحمد بن حنبل. فقال له رجل من جلساءه: جاوزت الحد. فقال أبو مصعب: لو أدركت مالكًا ونظرتَ إلى وجهه ووجه محمَّد بن إسماعيل لقلتَ كلاهما واحد في الفقه والحديث.
(وقال أيضًا: وحدَّثني محمَّد بن يوسف الهمذاني قال: كنا عند قتيبة بن سعيد
ص47
فجاء رجل شعراني يقال له: أبو يعقوب، فسأله عن محمَّد بن إسماعيل، فنكس رأسه ثمَّ رفعه إلى السماء فقال: يا هؤلاء نظرت في الحديث ونظرت في الرأي، وجالست الفقهاء والزهاد والعباد، وما رأيت منذ عقلت مثل محمَّد بن إسماعيل.
وقال قتيبة وهو يحلف: لو كان في الصحابة لكان آية.
قال: وحدَّثني حاشد بن إسماعيل: سمعت قتيبة يقول: مثل محمَّد بن إسماعيل عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في صدقه وورعه كما كان عمر في الصحابة رضي الله عنهم.
وقال: وسمعت حاشد بن إسماعيل يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خراسان مثل محمَّد بن إسماعيل. )
وخرج أبو عبد الله محمَّد بن أحمد غُنجار وأبو بكر أحمد بن علي الخطيب في ((تاريخهما)) من طريق إسحاق بن أحمد بن زِيْرَكْ: سمعتُ محمَّد بن إدريس الرازي _ يعني أبا حاتم _ يقول في سنة سبع وأربعين ومئتين: يقدمُ عليكم رجل من أهل خراسان لم يخرج منها أحفظ منه، ولا قدم العراق (أحفظ منه ولا) أعلم منه، فقدم علينا بعد ذلك محمد
ص48
ابن إسماعيل بأشهر.
(وقال أبو حاتم الرازي في هذا المجلس: محمَّد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق، ومحمد بن يحيى أعلى مَن بخراسان اليوم من أهل الحديث، ومحمد بن أسلم أورعهم، وعبد الله بن عبد الرحمن أفقههم.
وقال أبو جعفر محمَّد بن أبي حاتم: سمعت علي بن حجر يقول: أخرجت خراسان ثلاثة: أبا زرعة الرازي بالري، ومحمد بن إسماعيل ببخارى، وعبد الله بن عبد الرحمن بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل عندي أبصرهم وأعلمهم وأفقههم.
وقال محمَّد بن خالد المطوعي أبا مُسَبِّح بن سعيد البخاريُّ: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن السمرقنديُّ يقول: قد رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراقين، فما رأيت فيهم أجمع من [ أبي ] عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاري.
وروي عنه من طريق أخرى أنه قال: محمَّد بن إسماعيل أعلمنا وأفقهنا وأغوصُنا وأكثرنا طلبًا.
وقال أبو الطيب محمَّد بن أحمد الكرابيسي المذكِّر _ فيما رواه عنه الحاكم أبو عبد الله _: سمعت أبا بكر محمَّد بن إسحاق بن خزيمة يقول: ما رأيت
ص49
تحت أديم هذي السماء أحفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أعرف به من محمَّد بن إسماعيل البخاري. )
وقال أبو عيسى محمَّد بن عيسى بن سَوْره السُّلمي الترمذي في آخر جامعه: ولم أر أحدًا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الإسناد كبير أحد أعلم من محمَّد بن إسماعيل.
(وقال محمَّد بن أبي حاتم الوراق: سمعت حاشد بن إسماعيل بن عبد الواحد يقول: رأيت عمرو بن زرارة ومحمد بن رافع عند محمَّد بن إسماعيل وهما يسألان محمَّد بن إسماعيل عن علل الحديث، فلما قاما قالا لمن حضر المجلس: لا تُخدعوا عن أبي عبد الله، فإنه أفقه منا وأعلم وأبصر.
وقال أيضًا: وحدثني بعض أصحابي قال: محمودُ [2] بن غيلان جالس، وكان أصحاب الحديث يختلفون إليه مثل إسحاق بن إبراهيم وإسحاق الكوسج وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي وأبو عبد الله، وكانوا إذا اختلفوا في شيء وتنازعوا فيه سألوا أبو عبد الله عن ذلك، فإذا أخبرهم خضعوا وصدروا عن رأيه، ثمَّ يصدقه محمود بن غيلان ويقول: القول ما قاله
ص50
أبو عبد الله).
وقال إبراهيم بن محمَّد بن سلام: إنَّ الرتوت [3] من أصحاب الحديث مثل سعيد بن أبي مريم المصري، ونعيم بن حماد، والحميدي، والحجاج بن منهال، وإسماعيل بن أبي أويس، والعدني، والحسن الخلال بمكة، ومحمد بن ميمون صاحب ابن عيينة، ومحمد بن العلاء [4] ، والأشج، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، وإبراهيم بن موسى الفراء، كانوا يهابون محمَّد بن إسماعيل ويقضون له على أنفسهم في المعرفة والنظر.
وقال محمَّد بن أبي حاتم: سمعت محمود بن النضر أبا سهل الشافعي يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيتُ علماءها كلها [5] ، فكلما جرى ذكر محمَّد بن إسماعيل فضَّلوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن ملك الوراق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمَّد بن إسماعيل إمامنا وفقيهنا وفقيه خراسان.
(وقال إبراهيم بن خالد المروزي: رأيت أبا عمار الحسين بن حُريْثٍ يثني على أبي عبد الله محمَّد بن إسماعيل ويقول: لا أعلم أني رأيت مثله، كأنَّه لم يخلق إلَّا للحديث. )
وقال خلف بن محمد: سمعتُ
ص51
أبا عمرو أحمد بن نصر الخفَّاف يقول: محمَّد بن إسماعيل أعلم في الحديث من إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وغيره بعشرين درجة.
قال أبو عمرو الخفَّاف: ومَن قال في محمَّد بن إسماعيل شيئًا فمني عليه ألفُ لعنة.
قال: وسمعتُ أبا عمرو الخفَّاف يقول: لو دخل محمَّد بن إسماعيل البخاري من هذا الباب لملئت منه رعبًا.
يعني: لا أقدر أن أُحدِّث بين يديه.
وقال خلف: سمعتُ أبا عمرو الخفَّاف يقولُ: حدَّثنا محمَّد بن إسماعيل البخاري التقي النقي العالم الذي لم أر مثله.
وقال خلف بن محمَّد وأبو أحمد عبد الله بن يوسف الشافعي: سمعنا أبا جعفر محمَّد بن يوسف بن الصديق الوراق: سمعت أبا محمَّد عبد الله بن حمَّاد الآملي يقول: وَدِدتُ أنِّي شعرة في صدر محمَّد بن إسماعيل.
وقال أبو سعيد حاتم بن محمَّد بن حازم: سمعت موسى بن هارون الحمَّال يقول: لو أنَّ أهل الإسلام اجتمعوا على أن يَنْصِبُوا مثلَ محمَّد بن إسماعيل آخر ما قدروا عليه.
(وقال يوسف بن الفرج الكشي: محمَّد بن إسماعيل غريب في هذه الأمة. )
ص52
وقال الحاكم أبو عبد الله: سمعت يحيى بن عمرو بن صالح الفقيه يقول: سمعت أبا العباس محمَّد بن عبد الرحمن الفقيه _ يعني الدَّغُولي _ يقول: كتب أهل بغداد إلى محمَّد بن إسماعيل البخاري:
~المسلمونَ بخيرٍ ما بقيتَ لهم وليس بعدَك خيرٌ حينَ تُفْتقدُ
(وقال الحاكم أبو عبد الله: سمعت الأستاذ أبا سهل محمَّد بن سليمان بن الحنفي: سمعت أبا العباس محمَّد بن إسحاق السراج شهدتُ [6] محمَّد بن إسماعيل البخاري ودفع إليه كتاب من محمَّد بن كرَّام يسأله عن أحاديث منها: سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان لا يزيد ولا ينقص». ومعمر عن الزهري عن سالم عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان لا يزيد ولا ينقص». فكتب محمَّد بن إسماعيل على ظهر كتابه: من حدَّث بهذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل).
وبلغنا أنَّ البخاري رحمه الله دخل إلى بغداد ثمان مرات، وتخرج به أرباب الدِّراية، وانتفع به أهل الرواية، وكان
ص53
فرد زمانه، حافظًا للسانه، ورعًا في جميع شأنه، هذا مع علمه الغزير، وإتقانه الكبير، وشدَّة عنايته بالأخبار، وجودة حفظه للسنن والآثار، ومعرفته بالتاريخ وأيام الناس ونقدهم، مع حفظ أوقاته وساعاته والعبادة الدائمة إلى مماته.
(و) خرَّج الخطيب في ((تاريخه)) من طريق أبي سعيد بكر بن منير: سمعتُ البخاري يقول: إنِّي لأرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أنِّي اغتبتُ أحدًا.


[1] في (أ): سنين. والتصحيح من السير.
[2] في (أ): ابن محمود.
[3] أي الروؤساء، كما في هُدى الساري.
[4] في (أ): العُلا.
[5] كذا زاد لفظة (كلها) ولا وجود لها في مصادر الخبر.
[6] في (أ): سهل بن.