تحفة الأخباري بترجمة البخاري

المفاضلة بين الإمامين البخاري ومسلم

[المفاضلة بين الإمامين البخاري ومسلم]
وحكى الشيخ أبو زكريا النووي رحمه الله اتفاق العلماء على أنَّ البخاري أجلُّ من مسلم وأعلم بصناعة الحديث منه، قال: وقد صحَّ أنَّ مسلمًا كان ممَّن يستفيد من البخاري ويعترف بأنَّه ليس له نظير
ص36
في علم الحديث.
ويشهد لقول النَّووي رحمه الله ما قال الحافظ أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الحاكم في كتابه ((معرفة علوم الحديث)) _وحدَّث به البيهقي في ((المدخل)) عن الحاكم_: حدَّثني أبو نصر أحمد بن محمَّد الورَّاق: سمعتُ أبا حامد أحمد بن حمدون القصَّار _ يعني الأعمشي _: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى محمَّد بن إسماعيل البخاري فقبَّل بين عينيه وقال: دعني حتى أقبِّل رجليك يا أستاذ الأستاذِين وسيِّد المحدِّثين وطبيب الحديث في علله، حدثك محمَّد بن سلَام: حدَّثنا مخلد بن يزيد الحراني: أخبرنا ابن جُريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في كفارة المجلس فما علَّته ؟
وفي رواية البيهقي فقال البخاري: وحدَّثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا: حدَّثنا حجَّاج بن محمد، عن ابن جُريج: حدَّثني موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه،
ص37
عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في كفارة المجلس أن يقول إذا قام من مجلسه: «سبحانك ربنا وبحمدك »، فقال محمَّد بن إسماعيل: هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث [1] ، إلَّا أنَّه معلول؛ حدَّثنا به موسى بن إسماعيل: حدَّثنا وهيب: حدَّثنا سهيل، عن عون بن عبد الله قوله.
قال محمَّد بن إسماعيل: هذا أولى؛ فإنَّه لا يُذكر لموسى بن عقبة سماعًا من سهيل.
وفي رواية البيهقي بعد هذا: وسهيل بن ذكوان مولى جُويرية، وهم إخوةُ سهيل وعبَّاد وصالح بنو أبي صالح، وهم من أهل المدينة.
وهذه القصة خرَّجها أبو بكر الخطيب في ((تاريخه))، فقال: أخبرنا أبو حازم العبدوي _ يعني عمر بن أحمد بن إبراهيم النيسابوري _ قال: سمعتُ الحسن بن أحمد الزَنْجَويَّ: سمعتُ أحمد بن حمدون الحافظ يقول: كنَّا عند محمَّد بن إسماعيل البخاري، فجاء مسلم بن الحجاج فسأله عن حديث عبيد الله بن عمر، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ومعنا
ص38
أبو عبيدة...
فقال محمَّد بن إسماعيل: حدَّثنا ابن أبي أويس [2] : حدَّثني أخي أبو بكر، عن سليمان بن بلال، عن عبيد الله، عن أبي الزبير، عن جابر القصة [بطوله] [3] ، فقرأ عليه إنسان حديث حجاج بن محمَّد، عن ابن جُريج، عن موسى بن عقبة، حدَّثني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كفارة المجلس إذا قام العبد أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألَّا إله إلَّا أنت أستغفرك وأتوب إليك. فقال: أتعلم في الدنيا أحسن من هذا الحديث: ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل، تعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثًا، قال له محمد: لا إلَّا أنَّه معلول. فقال مسلم: لا إله إلَّا الله، وارتعد، فقال: أخبرني به.
قال: استر ما ستر الله؛ فإنَّ هذا حديث جليل رواه الخلق عن حجاج بن محمد.
فألحَّ عليه وقبَّل رأسه وكاد أن يبكي مسلم، فقال له أبو عبد الله: اكتب إن كان لا بدَّ: حدَّثنا موسى بن إسماعيل: حدَّثنا وهيب: حدَّثني موسى بن عقبة، عن عون
ص39
بن عبد الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفارة المجلس » فقال له مسلم: لا يُبغضك إلَّا حاسد، وأشهد أنْ ليس في الدنيا مثلك.
في رواية الخطيب هذه ثلاثة أمور:
أحدها: وقف رواية حجاج على أبي هريرة فلم يرفعه، ولم أعلم أحدًا ممَّن رواه من هذا الطريق وقفه على أبي هريرة.
والثاني: إرساله عن عون بن عبد الله _ وهو ابن عتبة بن مسعود _ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإنَّما حكم البخاري بأنَّه من قوله كما تقدم من رواية الحاكم.
والثالث: قوله: حدَّثنا وهيب: حدَّثني موسى بن عقبة عن عون بن عبد الله.
ورواية الحاكم: حدَّثنا وهيب: حدَّثنا سهيل عن عون بن عبد الله هي الصواب، والله أعلم.
مع أنَّ وهيبًا روى عن سهيل وموسى بن عقبة، وكما ذكره الحاكم ذكره البخاري في ((تاريخه الكبير)) فقال: وقال موسى عن وهيب: حدَّثنا سهيل، عن عون بن عبد الله بن عتبة.
قوله: وحديث وهيب أولى.
نعم [4] وقد تعجبتُ من الحاكم أبي عبد الله رحمه الله حيث روى القصة في
ص40
تعليل البخاري الحديث في كتابه ((علوم الحديث))، وقول البخاري: إلَّا أنَّه معلول، حدَّثنا به موسى بن إسماعيل: حدَّثنا سهيل عن عون بن عبد الله قوله.
وحيث قال في كتابه ((المستدرك)) في كتاب [5] ((الدعوات)): حدَّثنا أبو بكر محمَّد بن عبد الله الشافعيُّ: حدَّثنا محمَّد بن الفرج الأزرق: حدَّثنا حجاج بن محمَّد قال: قال ابن جُريج: أخبرني موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، فذكره مرفوعًا، ثمَّ قال: هذا إسناد صحيح على شرط مسلم إلَّا أنَّ البخاري قد علَّله بحديث وهيب عن موسى بن عقبة، عن سهيل، عن أبيه، عن كعب الأخبار من قوله، والله أعلم.
فانظر كيف حكى الحاكم عن البخاري في تعليل الحديث غير ما رواه عنه في كتابه ((علوم الحديث)) ورواه الناس، وهذا عجيب منه، ولم أر أحدًا نبَّه على هذا.
(وقال) الحاكم أبو عبد الله: سمعت أبا عبد الله محمَّد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعت أبي يقول: رأيت مسلم بن الحجاج بين يدي محمَّد بن إسماعيل وهو يسأله سؤال الصبي
ص41
المتعلِّم.
( وقال أبو بكر الجوزقيُّ: سمعتُ أبا حامد ابن الشرقي يقول: رأيتُ مسلم بن الحجاج بين يدي البخاري كالصبي بين يدي معلِّمه.
وقال الدارقطني: لولا البخاري ما ذهب مسلم ولا جاء).
وقال أبو يعلى الخليلي الحافظ: وسمعتُ عبد الرحمن بن محمَّد بن فَضالة الحافظ [6] (يقول: سمعت أبا أحمد محمَّد بن محمَّد بن إسحاق الكرابيسي الحافظ يقول: رحم الله الإمام محمَّد بن إسماعيل؛ فإنَّه الذي ألَّف الأصول وبيَّن للنَّاس وكل من عمل بعده فإنَّما أخذه من كتابه، كمسلم بن الحجاج، فرَّق كتابه في كتبه وتجلد فيه حق الجلادة حيث لم ينسبه إلى قائله، ولعلَّ مَن ينظر في تصانيفه لا يقع فيها ما يريد إلَّا ما يسهل على من يَعُدّهُ عدًا، ومنهم من أخذ كتابه فنقله بعينه إلى نفسه كأبي زرعة وأبي حاتم، فإنْ عاند الحق معاند فيما ذكرتُ فليس تخفى صورة ذلك على ذوي الألباب.


[1] بيَّن العلماء نكارة هذه اللفظة، وأنَّ القصة صحيحة، راجع تفصيل ذلك نكت ابن حجر على ابن الصلاح.
[2] في (أ): ابن الأويس.
[3] كذا في (ب)، وضبب على الهاء، وكأن مراده أن الصواب: بطولها.
[4] هذه الفقرة ملحقة في النسخة (ب).
[5] في (أ): في كتابه.
[6] إلى هنا انتهى الإلحاق في نسخة (ب) بخط المصنف.