تحفة الأخباري بترجمة البخاري

علامات النجابة

[علامات النجابة]
قال الفِربريُّ _ فيما خرَّجه الخطيب في ((تاريخه)) _: حدَّثنا محمَّد بن أبي حاتم قال: قلتُ لأبي عبد الله محمَّد بن إسماعيل: تحفظ جميع ما أدخلت في المصنف ؟ قال: لا يخفى عليَّ جميع ما فيه.
وخرَّج أيضًا من طريق محمَّد بن أبي حاتم الورَّاق:
ص24
سمعتُ حاشد بن إسماعيل يقول: كان أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام فلا يكتب، حتى أتى على ذلك أيام، فكنَّا نقول له: إنَّك تختلف معنا ولا تكتب؟ فما معناك فيما تصنع ؟ فقال لنا _ أي لحاشد بن إسماعيل _ ولآخر معه قال لهما بعد ستة عشر يومًا: قد أكثرتما عليَّ وألححتما، فاعرضا عليَّ ما كتبتما. فأخرجنا ما كان عندنا فزاد على خمسة عشر ألف حديث [1] ، فقرأها كلَّها على ظهر القلب، حتى جعلنا نُحكِم كتبنا على حفظه. ثمَّ قال: أترون أني اختلف هدرًا وأضيِّع أيامي ؟! فعرفنا أنَّه لا يتقدمه أحد.
قالا: وكان أهل المعرفة من أهل البصرة يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه، ويجلسونه في بعض الطريق فيجتمع عليه ألوفٌ أكثرهم ممن يكتب عنه.
قال: وكان أبو عبد الله عند ذاك شابًا لم يخرج وجهه.( قال أبو جعفر: يعني لحيته.
وقال: سمعت
ص25
محمَّد بن يوسف يقول: كنَّا مع أبي عبد الله ببلخ، فكان زكريا بن يحيى اللؤلؤي والحسن بن شجاع يمشيان معه إلى الفقهاء والمشايخ، ويسألانهم أن يحدثوا أبا عبد الله إجلالًا له وإكرامًا.
قال محمَّد بن يوسف: وكانوا في الطريق يناظرونه ويسألونه، حتى أن زكريا ركب معه فراسخ إلى قرية الفضل بن مقاتل رغبة في صحبته وفوائده، فكتب أبو عبد الله عن زكريا حديثين).
وخرَّج الخطيب وغُنجار في ((تاريخهما)) من طريق أبي ذر محمَّد بن محمَّد بن يوسف القاضي: سمعتُ أبا معشر حمدويه بن الخطاب يقول: لمَّا قدم أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل من العراق قَدْمَته الآخرة، وتلقاه مَن تلقاه من الناس وازدحموا عليه وبالغوا في برِّه، فقيل له في ذلك وفيما كان من كرامة الناس وبرِّهم له، فقال: فكيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟
وقال أبو جعفر محمَّد بن أبي حاتم: سمعتُ سُليم بن مجاهد: كنتُ عند محمَّد بن سلام البِيْكنديِّ فقال لي: لو جئت قبلُ لرأيتَ صبيًا يحفظ سبعين ألف
ص26
حديث _ يعني به البخاري _ قال: فخرجت في طلبه حتى لقيته، فقلت: أنت الذي تقول: أنا أحفظ سبعين ألف حديث ؟ قال: نعم وأكثر منه، ولا أجيئك بحديث من الصحابة أو التابعين إلَّا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروي حديثًا من حديث الصحابة أو التابعين إلَّا ولي في ذلك أصلٌ أحفظه حفظًا عن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. [2]
(وقال أبو جعفر أيضًا: وسمعته _ يعني البخاري _ يقول: كنت بنيسابور أجلس في مسجد الجامع فحبست، فذهب عمرو بن زُرارة وإسحاق بن راهويه إلى يعقوب بن عبد الله، وكان واليها، فأخبروه بمكاني، فاعتذر إليهم وقال: مذهبنا إذا رفع إلينا غريب لم نعرفه حبسناه حتى يظهر لنا أمره، فقال له بعضهم: بلغني أنه قال لك: لا تحسن تصلي فكيف تجلس ؟ فقال: لو قيل لي شيء من هذا ما كنت أقوم من ذلك المجلس
ص27
حتى أروي عشرة آلاف حديث في الصلاة).
وقال علي بن الحسين بن عاصم البيكندري: قدم علينا محمَّد بن إسماعيل فاجتمعنا عنده ولم يكن يتخلف عنه من المشايخ أحد فتذاكرنا عنده، فقال رجل من أصحابنا _ أُراه حامد بن حفص _: سمعتُ إسحاق بن راهويه يقول: كأنِّي أنظر إلى سبعين ألف حديث من كتابي. قال: فقال محمَّد بن إسماعيل: أَوَ تعجب من هذا، لعلَّ في هذا الزمان مَن ينظر إلى مائتي ألف حديث من كتابه. وإنَّما عنى به نفسه.
(قلت: جاء تصريحه بذلك، وذلك فيما حدَّث أبو جعفر محمَّد بن أبي حاتم الوراق، فقال: وقال لي يومًا _ يعني البخاري _: تعلم كم أدخلت في مصنفاتي من الحديث ؟ قال: فقلت: لا. فقال: ينبغي أن يكون مائتي ألف حديث مسندة. فقلت له: متى عددت هذا يا أبا عبد الله ؟ فقال: البارحة ما نمت حتى عددتُ).
ص28
وقال أبو أحمد ابن عدي: حدَّثني محمَّد بن أحمد القومسي: سمعتُ محمَّد بن حَمْدويه: سمعتُ محمَّد بن إسماعيل يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح.
ورُوي أنَّه قدم بلخ فسأله أهلها أن يُملي لكلِّ واحد من مشايخه حديثًا، فأملى ألف حديث لألف شيخ ممَّن سمع منهم وما ظفروا منه بسَقْطة.


[1] زاد في (أ): عليه.
[2] بهامش (ب): بلغ على مصنفه نفع الله به.