كفاية القاري في شرح ثلاثيات البخاري

حديث سلمة: فإني رأيت النبي يتحرى الصلاة عندها

الحديثُ الثالثُ:
من ثلاثياتِ الإمامِ البخاريِّ هو ما أوردهُ في «بابِ الصلاةِ إلى الأسطوانةِ» بقوله: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) البلخي شيخُ البخاريِّ في هذا الحديثِ، وشيخُه أحمدُ بن حنبلٍ فإنَّه أخرجه في ((مسنده)) عن مَكِّيِّ بن إبراهيمَ، قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) بضم العين، الأسلميِّ، مولى سَلَمَةَ بن الأكوعِ (قال: كُنْتُ آتِي مَعَ سَلَمَةَ) بن الأكوعِ الأسلميِّ _ رضي الله عنه_ صاحبِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم (فَيُصَلِّي عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ) قال في ((الفتح)): بضمِّ الهمزةِ وسكونِ السينِ المُهملةِ وضمِّ الطاءِ، بوزنِ أفعوَانة على المشهورِ، وقيلَ: بوزن فُعْلُوانةٍ وهي الساريةُ، والغالبُ أنها تكونُ من بناءٍ بخلافِ العمودِ فإنهُ من حجرٍ واحدٍ. انتهى.
فإن قُلْتَ: كيفَ يستقيمُ قولُهُ: والغالبُ أنها تكونُ من بناءٍ، مع أنه قد تقرَّرَ أن أعمدةَ مسجدِهِ صلى الله صلى الله عليه وسلم مبنيًا باللِّبنِ وسَقْفُهُ الجريدُ وعُمْدُهُ خشبُ النَّخلِ.
قلتُ: يحتملُ أن يكون قولُ الرواي فيُصلي عند الأسطوانةِ في أيامِ خلافةِ
ص30
عثمانَ _ رضي الله عنه_ فإنه جدَّدَ عمارةَ المسجدِ النَّبويِّ وبناهُ مزخرفًا، فالأسطوانةُ حينئذٍ مبنيةٌ بالحجارةِ والجِصِّ، فلا محذورَ، ويؤيدهُ قوله: (الَّتِى عِنْدَ الْمُصْحَفِ) الذي كان في المسجد في عهد عثمانَ بن عفانَ _ رضي الله عنه_.
قال في ((الفتح)): هذا دالٌّ على أنه كانَ للمصحفِ موضعٌ خاصٌّ به، ووقعَ عندَ مسلمٍ بلفظِ: «يُصَلِّي وَرَاءَ الصُّنْدُوْقِ» وكأنهُ كان للمصحفِ صندوقٌ يُوضعُ فيهِ. انتهى.
ولابنِ زَبَالةَ: كنتُ آتي مع سلمةَ إلى شيخهِ الضُّحى فيعمدُ إلى الأسطوانةِ دون المصحفِ، فيُصلي قريبًا منها.
فإن قلتَ: هل هذا المصحفُ العثمانيُّ أو غيرُه؟ قلتُ: المتبادرُ من لفظِ هذا الحديثِ أنه ينبغي أن يكونَ هو المصحفُ العثمانيُّ؛ لأن سيِّدَنَا عثمانَ هو الذي كتبَ المصاحفَ وأرسلها إلى الآفاقِ، وأمسكَ عندهُ بالمدينة مصحفًا، فالظاهرُ أنه هو هذا المصحفُ، وكان أدركَ أيام عثمانَ بالاتفاقِ، وكان يتحرى الصلاةَ عند هذا المصحفِ.
قال النَّوَوِيُّ: في المصحفِ ثلاثُ لغاتٍ: ضمُّ الميمِ وكسرُها وفتحُهَا.
لكنَّ السيدَ السَّمهُوْدِيّ ذكرَ في ((تاريخِ المدينةِ)) كلامًا يوقعُ في الوهمِ، فإنه قال نقلًا عن ابن النَّجارِ: قالَ مالكُ بن أنسٍ _رحمه الله_: أرسلَ الحَجَّاجُ إلى أمهاتِ القرى بمصاحفٍ، فأرسلَ إلى المدينةِ بمصحفٍ وكان في صندوقٍ عن يمينِ الأسطوانةِ، التي عُملت عَلَمًا لمقامِ النبي صلى الله عليه وسلم، فَيَنأَ على هذا.
لعلَّ قائلًا: يقولُ: لم لا يجوزُ أن يكونَ هذا المصحفُ المشارُ إليه في الحديثِ مصحفَ الحجَّاجِ؟ والجوابُ عنه أن لفظ الحديثِ يأبى هذا الاحتمالِ، فإنَّ سلمةَ كان يتحرى الصلاةَ عند هذا المصحفِ، وكان وفاتهُ عند ظهورِ الحَجَّاجِ.
ص31
فإن قلتَ: فما السببُ لإرسالِ الحجَّاجِ المصاحف إلى أمهاتِ القُرى، ووضعِ مصحَفِهِ في الصندوقِ الذي هو عندَ المصلى النبويِّ؟
قلتُ: يحتملُ أنَّه لمَّا جَزَّأَ المصحفَ الشريفَ ثلاثين جزءًا وأَعْرَبَهُ، وعدَّدَ فيهِ أمورًا لم تكن قبل ذلكَ، كتبَ المصاحفَ بتلكِ الصورةِ، وأرسلها إلى أمهاتِ القُرى لينشرَ ما أحدثهُ في ذلك، وأمرَ أهل المدينةِ أن يضعوا المصحفَ المرسَلَ إليهم في الصندوقِ الذي فيه المصحفُ العثمانيُّ اهتمامًا بشأنِ مصحفه، ولا يُسْتَبْعَدُ هذا لكن لم نجده منقولًا.
قال في ((الفتح)): والأسطوانةُ المذكورةُ حقَّقَ لنا بعضُ مشايِخِنا أنها المتوسِّطةُ في الروضةِ المكرَّمةِ، وأنها تُعْرَفُ بأسطوانةِ المهاجرينِ، قال: ورُوِيَ عن عائشةَ _ رضي الله عنها_ أنها كانت تقولُ: لو عرفَها الناسُ لاضْطَرَبُوْا عليها بالسهامِ، وأنَّها أَسَرَّتْهَا إلى ابنِ الزُّبَيْرِ فكان يُكثرُ الصلاةَ عندها.
قلتُ: ما ذكرهُ الحافظُ ابن حجرٍ من تعيينِ الأسطوانةِ مخالفٌ لِمَا ذكره السيد السَّمهُوْدِيّ في ((تاريخهِ)) فإنه قال: ومن العجبِ توهُّمُ بعضهمِ أن المرادَ بذلكَ أسطوانةُ عائشةَ، لما سبقَ عن المَطَريِّ [1] من وصفها بالمُخَلَّقة مع ما سبقَ أن الصندوقَ عند المُخَلَّقةِ، وقد اتضحَّ بما سبقَ عن إطلاقِ المخلقَةِ على أساطينَ متعددةٍ، وفي العتبيةِ وصف أسطوانةِ التوبةِ أيضًا بالمُخَلَّقة، بل لم أرَ ما سبق عن المَطَريِّ من وصف أسطوانةِ عائشة بالمُخَلَّقة لغيرهِ، وتَبِعَهُ عليه من بعدهُ حتى صارَ هو المشهورُ، والظاهرُ أن المُخَلَّقةَ حيث أُطْلِقَتْ فإنما يرادُ بها التي هي عَلَمٌ للمصلَّى الشريفِ، فقد قالَ مالكٌ: أحبُّ مواضعِ التَّنَقُّلِ في مسجدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم حيثُ العمودُ المُخَلَّقُ، وعبَّرَ ابْنُ
ص32
وهبٍ عن ذلك بقوله: أما النافلةُ فموضعُ مصلَّاهُ صلى الله عليه وسلم، وأما الفريضةُ فأوَّلُ الصفوفِ. انتهى.
قال يزيدٌ: (فَقُلْتُ) لابن الأكوعِ: (يَا أَبَا مُسْلِمٍ) هي كنيةُ سلمةَ رضي الله عنه (أَرَاكَ) بفتح الهمزة: أُبْصِرُكَ (تَتَحَرَّى) تجتهدُ وتختارُ وتقصدُ (الصَّلاَةَ عِنْدَ هَذِهِ الأُسْطُوَانَةِ، قَالَ: فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ) وللأصيلي: رأيتُ رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى الصَّلاَةَ عِنْدَهَا) قال الكِـَرْمَانِيُّ: قال ابن بَطَّالٍ: لمَّا كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يستترُ بالعَنَزَةِ في الصحراءِ كانت الأسطوانةُ أولى بذلكَ، لأنها أشدُّ سترةً. انتهى.
وقال النوويُّ في ((شرحِ مسلم)) عندَ بيانِ هذا الحديثِ: فيه ما سبقَ أنه لا بأسَ بإدامةِ الصلاةِ في مكانٍ واحدٍ إذا كانَ فيه فضلٌ، وفيه جوازُ الصلاةِ بحضرةِ الأساطينَ.
وقال في ((الفتح)) في بيانِ قولِ عمرَ رضي الله عنه: «المُصَلُّوْنَ أَحَقُّ بِالسَّوَارِيِّ مِنَ المُتَحَدِّثِيْنَ إِلَيْهَا»، أرادَ البخاريُّ بإيرادِ أثر عمرَ هذا أن المرادَ بقول سلمةَ: «يَتَحَرَّى الصَّلاةَ عِنْدَهَا» أي إليها، وكذا قولُ أنسٍ: «يَبْتَدِرُوْنَ السَّوَارِيَّ» أي يُصَلونَ إليها. انتهى.
قال في ((الفتح)): وَوَجْهُ الأحقيَّةِ أنهما مشتركانِ في الحاجةِ إلى الساريةِ المُتَّخَذَةِ إلى الاستنادِ [2] والمصلي جعلها سترةً، لكن المصلي في عبادةٍ محقَّقَةٍ فكانَ أحقَّ. انتهى.
فإن قلتَ: قد اتَّضحَ مما سبقَ بيانُ حكمِ الصلاةِ إلى الساريةِ، فبين لنا حكمِ الساريتينِ عَرَضًا.
قلتُ: قالَ النوويُّ في ((شرح مسلم)): وأما الصلاةُ بين الأساطينِ فلا كراهةَ فيها عندنا، واختلفَ قولُ مالكٍ في كراهَتها إذا لم يكن عُذْرٌ، وسببُ الكراهةِ عندَهُ أنها تقطعُ الصفَّ، ولأنه يصلِّي إلى غيرِ جدارٍ قريبٍ. انتهى.
وقال في ((الفتح)) في شرحَ قولِ البخاريِّ: ((بابُ الصلاةِ بين السَّواري
ص33
في غير جماعةٍ)): إنما قيَّدهُ بغير جماعةٍ لأن ذلك يقطعُ الصفوفَ، وتسويةُ الصفوفِ في الجماعةِ مطلوبٌ.
وقال الرَّافِعِيُّ في ((شرحِ المُسندِ)): احتجَّ البخاريُّ بهذا الحديثِ، أي حديثُ ابنِ عمَر عن بلالٍ، يعني حديثُ دخولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الكعبةَ، وسؤالُ ابنِ عمرَ بلالًا عن مكانِ صلاتهِ صلى الله عليه وسلم، وقولُ بلالٍ: «جَعَلَ عَمُوْدًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُوْدًا عَنْ يَمِيْنِهِ، وَثَلاثَةُ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ» الحديثُ، على أنه لا بأس بالصلاةِ بين السَّاريتينِ إذا لم يكن في جماعةٍ.
وأشارَ إلى أن الأَوْلَى للمُنفردِ أن يصلي إلى الساريةِ، ومع هذهِ الأولويةِ فلا كراهةَ في الوقوفِ بينهُما أي للمنفردِ، فأما في الجماعةِ فالوقوفُ بين الساريتينِ كالصلاة إلى السَّارِيَةِ. انتهى كلامه.
وفيه نظرٌ لورودِ النهي الخاصِّ عن الصلاةِ بين السَّوارِي، كما رواهُ الحاكمُ من حديثِ أنسٍ بإسنادٍ صحيحٍ، وهو في السننِ الثلاثةِ وحسَّنَهُ التِّرمذيُّ. انتهى كلامُ الفتحِ.
قلتُ: ذكرَ في ((جامعِ التِّرْمِذِيِّ)): عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ مَحْمُودٍ، قَالَ: صَلَّيْنَا خَلْفَ أَمِيرٍ مِنَ الأُمَرَاءِ فَاضْطَرَّنَا [3] النَّاسُ فَصَلَّيْنَا بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ فَلَمَّا صَلَّيْنَا، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ [4] : «كُنَّا نَتَّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، قال: وفي البابِ عن قُرَّةَ بن [إِيَاسٍ] المُزَنِيِّ.
قال أبو عيسى: حديثُ أنسٍ حديثٌ حسنٌ، وقد (كَرِهَ) [5] قومٌ من أهلِ العلمِ: أن يُصَفَّ بين السَّواري، وبه يقولُ أحمدُ، وإسحاقُ، وقد رَخَّصَ قومٌ من أهلِ العلم في ذلكَ. انتهى.
وقال في ((جامعِ الأصولِ)): وفي روايةِ أبي داودَ قال: صليتُ مع أنسٍ يومَ الجمعةِ [فدُفعنا] إلى السَّوارِي، فتقدَّمْنا [6] وتأخَّرْنا، فقالَ:... وذكر الحديث.
قال المحبُّ الطَّبريُّ: [7] كرهَ قومٌ الصفَّ بين السوارِي للنهي الواردِ
ص34
عن ذلك، ومحلُّ الكراهةِ عند عدمِ الضِّيقِ، والحكمةُ فيه إما لانقطاعِ الصفِّ أو لأنهُ موضعُ النِّعَالِ. انتهى.
وقال القرطبيُّ رُوِيَ في سببِ كراهةِ ذلكَ أنه مُصَلَّى الجِنِّ المؤمنينَ. انتهى كلام ((الفتح)).
قلتُ: فعلى هذا ينبغي أن لا يوضعَ النعالُ بين الأسطوانتين لكونه مُصَلَّى الجنِّ.
فإن قلتَ: المعروفُ عند الفقهاءِ كراهةُ اتخاذِ الموضعِ المعيَّنِ في المسجدِ للصلاة، والمفهومُ من حديثِ سَلَمَةَ _ رضي الله عنه_ وخلافه.
قلتُ: قد أجابَ الإمامُ النوويُّ عن هذا في شرحِ الحديثِ بقوله: وفي هذا أنه لا بأسَ بإدامةِ الصلاةِ في موضعٍ واحدٍ إذا كانَ فيه فضلٌ، وأما النَّهي عن إيطانِ الرجلِ موضعًا من المسجدِ يلازمُهُ فهو فيما لا فضلَ فيه ولا حاجةَ إليه، فأما ما فيهِ فضلٌ فقد ذكرناهُ، وأما ما يحتاجُ إليه لتدريسِ علمٍ أو للإفتاءِ أو إسماعِ الحديثِ، ونحوِ ذلكَ فلا كراهةَ فيه بل هو مستحبٌّ لأنه من تسهيلِ طرقِ الخبر، وقد ذكر القاضي خلافَ السلفِ في كراهةِ الإيطانِ لغيرِ حاجةٍ والاتِّفاقِ عليه لحاجةٍ نحو ما ذكرنا. انتهى.
قُلْتُ: وحيثُ وردَ في هذا الحديثِ ذِكْرُ المنبرِ الشريفِ والأسطوانةِ المنيفةِ الكائنين بالمسجدِ النبويِّ على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، فلنتباركْ بذكرِ شيءٍ من فضائلِ المسجدِ والمنبرِ والرَّوضةِ، وبقيَّةِ الأساطينِ المباركةِ ومسجدِ قُبَاءٍ.
فصلٌ:
في ذكرِ ابتداءِ بناءِ المسجدِ النبويِّ على صاحبه أفضل الصلاةِ والسلامِ:
قال اللهُ تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيْهِ} [التوبة:108].
وفي ((صحيح مسلمٍ)) عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ _ رضي الله عنه_:
ص35
دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ لبَعْضِ نِسَائِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْمَسْجِدينِ [8] الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصَى، فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ: «هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا» لِمَسْجِدِ الْمَدِينَة.
ولأحمدَ والتِّرمذيِّ: اخْتَلَفَ رَجُلَانِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: هُوَ مَسْجِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَاهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: «هُوَ هَذَا وفي ذلك _يعني مسجد قُبَاءٍ_ خيرٌ كثيرٌ».
وفي البخاري: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ، نَزَلَ فِي عُلْوِ المَدِينَةِ، فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى مَلَإِ بَنِي النَّجَّارِ، قَالَ: فَجَاؤوا مُتَقَلِّدِي سُيُوفِهِمْ، قَالَ [9] : وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفَهُ، (وَصَلَّى) [10] بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: فَكَانَ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَإِ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاؤوا، فَقَالُوْا: «يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي حَائِطَكُمْ هَذَا» فَقَالُوا لاَ وَاللهِ، لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ، قَالَ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ، كَانَتْ فِيهِ قُبُورُ المُشْرِكِينَ، وَكَانَتْ فِيهِ خِرَبٌ، وَكَانَ فِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، وَبِالخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، قَالَ: فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ.
قال السيدُ السَّمْهُوْدِيُّ في ((تاريخهِ)): قلتُ: وكان معنى صفِّ النخلِ قِبْلَةً له جعلَها سَوَاري لمسقفِ القبلةِ، ففي الصحيحِ: كانَ المسجدُ على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مَبْنِيًّا باللِّبنِ، وسقفهُ الجريد وعُمُدُهُ خشب النخلِ. قال: وجعلوا عضادَتيه
ص36
حجارةً، قال: وجعلوا ينقلونَ ذلكَ الصخرَ، وهم يرتجزونَ ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم معهم يقولُ:
~اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَه فَانْصُرْ الأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرَه
ويُذْكَرُ أن هذا البيتَ لعبدِ اللهِ بن رَوَاحَةَ، وقالَ ابنُ شهابٍ: ولم يبلغْنَا أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم تَمَثَّلَ بيتَ شعرٍ تامٍّ غيرَ هذا البيتِ. انتهى.
وذكرَ السيدُ السَّمْهُوْدِيُّ أيضًا في روايةٍ أخرى عن الزهريِّ أن الصحابةَ كانوا يرتجزونَ بهِ، وكانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ينقلُ معهم، ويقول:
~اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَه فَارْحَمْ المُهَاجِرِيْنَ وَالأَنْصَارِ
وكان لا يقيمُ الشعرَ، قال الله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَه} [يس: 69].
وله في روايةٍ أخرى: ثم ركبَ راحلتَهُ، فسارَ يمشي معه الناسُ حتى بركت عند مسجدِ الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينةِ، وهو يصلي فيه يومئذٍ رجالٌ من المسلمينَ، وكان مِرْبَدًا _بكسر الميمِ وفتحِ الموحدة بينهما راءٌ ساكنة_ للتَّمْرِ، لسُهَيْلٍ وسهلٍ غلامينِ يتيمينِ فى حِجْرِ أسعدَ بن زرارةَ [11] ، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حينَ بركتْ به راحلتهُ «هذا إن شاءَ الله المنزلُ»، ثم دعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الغلامينِ، فَسَاوَمَهُمَا بالمِرْبَدِ ليتَّخِذَهُ مسجدًا، فقالا: بل نَهَبُهُ لكَ يا رسولَ الله، فأبى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى ابتاعهُ منهما، ثم بناهُ مسجدًا، وطَفِقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ينقلُ معهم اللَّبِنَ في بنيانهِ، ويقولُ وهو ينقل اللَّبِنَ:
~هذا الحِمَالُ لا حِمَالُ خَيْبَرَ ... ... ... ....
قال القسطلانيُّ: (هذا الحِمَالُ) بكسرِ الحاءِ المهملةِ وفتحِ الميمِ مُخَفَّفَةٌ، ولأبي ذَرٍّ: بفتحِ الحاءِ المهملةِ،
ص37
أي هذا المحمولُ من اللَّبِنِ أَبَرُّ عندَ اللهِ وأطهرُ عندَ اللهِ (لا حِمال) بكسرِ الحاء، ولأبي ذرٍّ: لا حَمالَ خيبرَ، التي يحملُ فيها من التمرِ والزَّبيبِ ونحوه، الذي يتعبُ به حاملُوْهُ.
قال القاضي عِيَاضٌ: وقد رواهُ المُسْتَمْلِيُّ: جَمال، بالجيم المفتوحةِ، قال: وله وجهٌ، والأولُ أظهرُ.
~.... ... ... ... هذا أبر ربنا وأطْهرُ، ويقولُ:
~اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَه فَارْحَمْ الأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرَه
فتمثَّلَ بشعرِ رجلٍ من المسلمين لم يسمَّ لي، قال ابنُ شهابٍ: ولم يبلغْنَا في الأحاديثِ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم تَمَثَّلَ ببيتِ شعرِ رجلٍ تامٍّ غير هذا البيتِ. انتهى.
وفي روايةِ عطَّافِ بن خالدٍ عند ابنِ عائذٍ أنه صلَّى فيه صلى الله عليه وسلم، وهو عريشُ اثني عشرَ يومًا ثم بناهُ وسَقَفَهُ.
ويُرْوَى أنه صلى الله عليه وسلم أقامَ رهطًا على زوايَا المسجدِ ليَعدلَ القبلةَ، فأتاه جبريلُ فقال: ضعْ القبلةَ وأنت تنظرُ إلى الكعبةِ، ثم قالَ بيده هكذا، فأماطَ كل جبلٍ بينه وبين القبلةِ، فوضعَ تربيعَ المسجدِ وهو ينظر إلى الكعبةِ لا يَحُوْلُ دون نظرِهِ شيءٌ، فلما فَرَغَ قال جبريلُ بيده فأعاد الجبالَ والشجرَ والأشياءَ على حالِها، وصارَتْ قبلته إلى الميزابِ.
وعن نافعِ بن جبيرٍ مرفوعًا: [ما] وضعتُ قبلةَ مسجدِي هذا حتى رُفِعَتْ إليَّ الكعبةُِ فوضعتها أَوُمُّهَا.
وفي ((العُتَيْبَةِ)) قالَ مالكٌ: سمعتُ أن جبريلَ هو الذي أقامَ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم قبلةَ مسجدِهِ.
وذكر السيدُ السَّهوديُّ في ((تاريخه)) عن رَزِيْنٍ ما لفظهُ: عن جعفرِ بن محمدٍ عن أبيهِ قالَ: كانَ بناءُ مسجدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بالسَّمِيْطِ لَبِنَةً على لبنةٍ، ثم بالسعيدةِ لبنةً ونصف أخرى، ثم كَثروا، فقالوا: يا رسولُ اللهِ لو زيدَ فيهِ ففعلَ فِينا بالذَّكرِ والأُنثى، وهما
ص38
لَبِنَتَانِ مُختلفتانِ، وكانوا رفعوا أساسهُ قريبًا من ثلاثةِ أذرعٍ بالحجارةِ، وجَعلوا طولهُ مما يلي القبلةَ إلى مؤخرةِ مائةٍ ذراعٍ، وكذلك في العرضِ وكان مربعًا. انتهى.
فهذا الذرعُ في البناءِ الثاني، فقد نقلَ ابن زبالةَ عن جعفرِ بن عمرٍو بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بنى مسجدَهُ مرَّتينِ. انتهى.
ومما يؤيدُ تعدادَ بنائهِ صلى الله عليه وسلم لمسجدِهِ وزيادتهِ فيه، ما رواهُ الطَّبرانيُّ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَاحِبِ الْبُقْعَةِ الَّتِي زِيدَتْ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ مِنَ الْأَنْصَارِ، «لَكَ بِهَا بَيْتٌ فِي الْجَنَّة»، فَقَالَ: لا، فَجَاءَ عُثْمَانُ فَقَالَ لَهُ: لَكَ بِهَا عَشْرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْتَرِ مِنِّي الْبُقْعَةَ الَّتِي اشْتَرَيْتُهَا مِنَ الْأَنْصَارِيِّ، فَاشْتَرَاها [12] مِنْهُ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ. فَوَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِنَةً، ثُمَّ دَعَا أَبَا بَكْرٍ، فَوَضَعَ لَبِنَةً، ثُمَّ دَعَا عُمَرَ، فَوَضَعَ لَبِنَةً، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ، فَوَضَعَ لَبِنَةً، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: «ضَعُوا» فَوَضَعُوا.
قلتُ: ولعلَّ السِّرَّ في عدم ذكرِ عليٍّ _رضي الله عنه_ وضعَ اللبنةِ كونه كان بمكةَ حينئذٍ، وإنما هاجرَ بعد قدومِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بِمُدَّةٍ، ويحتملُ أن يكون ذلك إشارةٌ إلى قبورِهم _ رضي الله تعالى عنهم_ بالمدينةِ.
ثم قال السيدُ في ((تاريخه)): ويشهدُ له أي لبناء مسجدِهِ صلى الله عليه وسلم مرتينِ: ما رواهُ التِّرمذيُّ وحسَّنهُ عن ثُمَامَةَ بْنِ حَزَنٍ [في حديث] إشراف عثمانَ على الناسِ يومَ الدارِ من قولهِ: أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ وَبِالْإِسْلاَمِ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ ضَاقَ بِأَهْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلاَنٍ فَيَزِيدَهَا فِي الْمَسْجِدِ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الجَنَّةِ؟ فَاشْتَرَيْتُهَا
ص39
مِنْ صُلْبِ مَالِي. الحديث.
فعلى هذا ما وردَ في ذرعه دونَ المائةِ، فهو في البناءِ الأولِ، قال: وجعلَ (قبلته) [13] إلى بيتِ المقدسِ، وجعلَ له ثلاثةَ أبوابٍ، بابٌ في مُؤَخَّرِهِ إلى جهةِ القبلةِ اليومَ، وبابُ عاتكةَ الذي يُقال له: باب الرحمةِ، والبابُ الذي كان يدخلُ منهُ صلى الله عليه وسلم، وهو باب آل عثمانَ اليومُ، أي المعروفُ اليومَ ببابِ جبريلَ، وهذان البابانِ لم يُغَيَّرَا بعدَ صرفِ القبلةِ، وَلَمَّا صُرِفَتْ سُدَّ البابُ الذي كان خلفهُ وفُتِحَ هذا البابُ حذاءهُ، أي في محاذاة المسدودِ خلفَ المسجدِ أي تجاههُ، كما قال (المجد) [14] ، فكانَ المسجدُ
له ثلاثةُ أبوابٍ، بابٌ خلفهُ وبابٌ عن يمينِ المُصَلَّى وبابٌ عن يسارِ المُصَلَّى. انتهى.
وروى ابنُ زَبَالةَ عن ابن شهابٍ: كانت سوارِي المسجدِ في عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم جُذوعًا من جذوعِ النَّخلِ، وكان سقفهُ جريدًا وخوصًا، ليسَ على السقفِ كثيرُ طينٍ، إذا كان المطرُ سالَ طينًا المسجدُ إنما هو كهيئةِ العريشِ.
وقالَ ابنُ النَّجَّارِ: إن حدودَ مسجدِهِ صلى الله عليه وسلم الذي كانَ في زمنه من القبلةِ الدَّرَابزيناتِ التي بين الأساطينِ، التي في قبلةِ الرَّوضةِ، ومن الشامِ الخشبتان المغروزتانِ في صحنِ المسجدِ.
قال السيدُ السَّمْهُوْدِيُّ: والخشبتانِ غير معروفتينِ اليومَ، والمعروفُ اليومَ حجران [15] في صحنِ المسجدِ عند بالوعةٍ هناكَ.
ونقل المرجانيُّ عن الحارثِ المُحَاسِبِيِّ أنه قالَ: ومُنتهى طولِهِ أي المسجدِ النبويِّ من قبلتهِ إلى مؤخِّرِهِ، حدُّ إتمامِ الربع من طَيَقَانِ المسجدِ اليومَ، وما زادَ على ذلكَ فهو خارجٌ عن المسجدِ الأولِ، قال: _يعني المحاسبيِّ_: وقد رُوِيَ عن مالكٍ أنه قال: مؤخرُ المسجدِ بحذاءِ عضادةِ البابِ الثاني من الباب الذي يُقال له: بابُ عثمانَ، أعني العضادةَ الأخيرةَ السُّفلى، وهو أربعةٌ
ص40
طيقانٍ من المسجد. انتهى.
وبابُ عثمانَ هو المعروفُ ببابِ جبريلَ، والثاني منه هو المعروفُ اليومَ ببابِ النساءِ، وقد كان بابُ النساءِ هو الرابعُ من أبوابِ المسجدِ مما يلي القبلةَ في جهةِ الشرقِ زمنَ مالكٍ والمُحَاسِبِيِّ، كما أن بابَ الرحمةِ هو الرابعُ من أبوابهِ مما يلي القبلةَ في المغربِ، قال: فاتَّضَحَ أن المرادَ من الطيقانِ أبوابَ المسجدِ، وقد رأيتُ بعضَ الأقدمينَ عبَّرَ بذلكَ عن أبوابِ المسجدِ الحرامِ، فاتَّضَحَ ردُّ ما عليه المتأخرونَ في تجديدِ المسجدِ النبوي، وأن المعتمدَ روايةُ المائةِ في ذَرْعِهِ دونَ غيرها، لأن مقدارَ ذلك يقربُ من المائةِ. انتهى.
وأمَّا في العرضِ فمن حدِّ القناديلِ التي في الحجرةِ الشَّريفةِ شَرقي الرَّوْضَةِ المَنِيْفَةِ إلى الأسطوانةِ الخامسةِ من المنبرِ التي مكتوبٌ عليها بالذهبِ ما حاصلُهُ: إنَّ هذا حدُّ المسجدِ النبوي من الجانبِ الغربيِّ. انتهى.
ولابنِ زبالةَ عن أبي هريرةَ _ رضي الله عنه_ كان مُصَلَّاهُ صلى الله عليه وسلم الذي صلى فيه بالناسِ إلى الشامِ في مسجدِهِ، أن تضعَ موضعَ الأسطوانةِ المخلق اليومَ خلفَ ظهرِكَ، ثم تمشي إلى الشامِ حتى إذا كنت يمينَ بابِ آل عثمانَ كانت قبلتُهُ ذلك الموضعَ، وعبَّرَ عنه المطريُّ بقولهِ: حتى إذا كانت محاذيًا باب عثمانَ المعروفِ اليومَ بباب جبريلَ، والباب على منكبك الأيمنَ، وأنت في صحنِ المسجدِ كانت قبلتُهُ في ذلك الموضعِ، ثم قال المَطَريُّ ما حاصلهُ: إنَّ الأسطوانةَ المخلَّقَةَ هي التي خلفَ ظهرِ الإمامِ عن جهةِ يسارِهِ، يعني المتوسطةِ في الروضةِ المعروفةِ بأسطوانةِ عائشةَ الآتي بيانُها مع قولِ ابن زبالةَ فيها أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم صلَّى إليها المكتوبةَ تسعةَ [16] عشرَ يومًا، بعد أن حُوِّلَتْ القبلةُ، ثم تقدَّمَ إلى مصلاهُ الذي استقرَّ عليه الأمرُ. انتهى.
قلتُ: مَضْمُوْنُ حديثِ أبي هريرةَ _ رضي الله عنه_ وما عبَّرَ عنهُ المطريُّ ظاهرهُ مُخالفٌ لِمَا سبقَ ذِكْرهُ عن مالكٍ من تحديدِ
ص41
طولِ المسجدِ الشريفِ إلى بابِ النساء، فليتأمَّلْ في ذلك، ويمكنُ أن يُجَابَ عنه بأن ما رُوِيَ عن أبي هريرةَ من تعيينِ محلِّ صلاته صلى الله عليه وسلم إلى جهةِ بيتِ المقدسِ، إنما هو في البناءِ الأولِ، ولم يشاهدْ ذلك أبو هريرةَ _رضي الله عنه_، وإنما نقلهُ بالسماعِ، والذي ذكرهُ المطريُّ عن مالكٍ إنما هو تحديدُ مؤخَّرِ المسجدِ الشريفِ في البناءِ الثاني، فلا منافاةَ بينهما كما لا يَخفى.
- فصلٌ في حنينِ الجِّذْعِ، وذِكْرِ المنبرِ الشَّريفِ والرَّوضةِ المنيفةِ:
قال السيدُ السَّمْهُوْدِيُّ: وفي الصحيحِ: كانَ المسجدُ مسقوفًا على جذوعٍ من نخلٍ فكان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذا خطبَ يقومُ إلى جذعٍ منها، فلمَّا صُنِعَ له المنبرُ فكان يخطبُ عليه فسمِعْنَا لذلك الجذعِ صوتًا كصوتِ العِشَارِ.
وللنسائيِّ: اضْطَرَبَتْ تِلْكَ السَّارِيةُ وَحَنَّتْ كَحَنِيْنِ النَّاقَةِ الخَلُوْجِ، أي التي انتُزِعَ وَلَدُهَا، ولأحمدَ وابنِ ماجه: فَلَمَّا جَاوَزَهُ خَارَ الجَذْعُ حَتَّى تَصَدَّعَ وانْشَقَّ.
وفي ((مسندِ الدَّارِمِيِّ)) من حديثِ بُريدةَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَطَبَ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، فَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ قِيَامُهُ، فَأُتِيَ بِجِذْعِ نَخْلَةٍ فَحُفِرَ لَهُ، وَأُقِيمَ إِلَى جَنْبِهِ قَائِمًا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَطَبَ فَطَالَ الْقِيَامُ عَلَيْهِ، اسْتَنَدَ فَاتَّكَأَ، فَبَصُرَ بِهِ رَجُلٌ وَرَدَ الْمَدِينَةَ، فَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَحْمَدُنِي فِي شَيْءٍ يَرْفُقُ بِهِ، لَصَنَعْتُ لَهُ مَجْلِسًا يَقُومُ عَلَيْهِ، فَإِنْ شَاءَ جَلَسَ مَا شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ قَامَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «ائْتُونِي بِهِ» فَأَتَوْهُ بِهِ،
ص42
فَأَمَرَهُ أَنْ يَصْنَعَ لَهُ هَذِهِ الْمَرَاقِيَ الثَّلَاثَ أَوِ الْأَرْبَعَ _ هِيَ الْآنَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ _، فَوَجَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ رَاحَةً، فَلَمَّا فَارَقَ الْجِذْعَ وَعَمَدَ إِلَى هَذِهِ الَّتِي صُنِعَتْ لَهُ جَزِعَ الْجِذْعُ، فَحَنَّ كَمَا تَحِنُّ النَّاقَةُ.
فَزَعَمَ ابْنُ [17] بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حِينَ سَمِعَ حَنِينَهُ رَجَعَ إِلَيْهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: «اخْتَرْ أَنْ أَغْرِسَكَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ، فَتَكُونَ كَمَا كُنْتَ، وَإنْ شِئْتَ أَنْ أَغْرِسَكَ فِي الْجَنَّةِ فَتَشْرَبَ مِنْ أَنْهَارِهَا وَعُيونِهَا فَتَحْسُنَ رُؤْيَتُكَ، وَتُثْمِرَ فَيَأْكُلَ أَوْلِيَاءُ اللهِ مِنْ ثَمَرَتِكَ، وَتَخْلُدُ» قَالَ: فَزَعَمَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَقُولُ: «نَعَمْ قَدْ فَعَلْتُ مَرَّتَيْنِ». فَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ فَقَالَ: «اخْتَارَ أَنْ أَغْرِسَهُ فِي الْجَنَّةِ».
وفيه عندَ عِيَاضٍ قال: اختارَ دارَ البَقَاءِ على دارِ الفناءِ، وكان الحَسنُ إذا حدَّثَ بهِ بَكى، وقالَ: يا عبادَ اللهِ الخشبةُ تِحِنُّ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم شوقًا إليه لمكانهِ، فأنتم أحقُّ أن تشتاقوا إلى لقائهِ.
قال عِيَاضٌ: وحديثُ حنينِ الجِّذْعِ مشهورٌ، والخبرُ به متواترٌ، أخرجه أهلُ الصحيحِ ورواه من الصحابة بضعةَ عشر. انتهى.
وكان هذا الجذعُ عن يمينِ مُصَلَّى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لاصقًا بجدارِ المسجدِ القِبْلِيِّ، في موضعِ كرسي الشمعةِ اليُمنى، التي تُوضعُ عن يمينِ المصلِّي في مقامِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والأسطوانةُ التي قِبْلِيِّ الكُرْسِيِّ متقدمةً على موضعِ الجَذْعِ كما ذكرهُ السيدُ السَّمْهُوْدِيُّ في ((تاريخهِ)).
وفي ((الأوسطِ)) للطبرانيِّ بسندٍ ضعيفٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
ص43
كَانَ يُصَلِّي إِلَى سَارِيَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَخْطُبُ إِلَيْهَا وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهَا، فَأَمَرَتْ عَائِشَةُ فَصَنَعَتْ لَهُ مِنْبَرَهُ هَذَا. فذكر الحديث.
قالَ: وأشهرُ الأقوالِ أنَّ الذي صنعَ المنبرَ ((باقوم)) بموحدةٍ وقافٍ، قيل: هو باني الكعبةِ لقريشٍ، وقيل: "باقول" باللامِ بدلَ الميمِ، وأشبهُ الأقوالِ بالصوابِ فيما قالهُ الحافظُ ابن حجرٍ: إنه ميمونَ، وقيل: غير ذلك.
قالُ ابنُ زَبَالَةَ: وطولُ منبرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم خاصَّتَهُ [18] ذراعانِ في السماءِ، وعَرْضُهُ أي عرضُ مقعدهِ ذراعٌ في ذراعٍ، وتربيعهُ سواءٌ، وعرضُ دَرَجِهِ شبرانِ لأنَّ كلَّ درجةٍ شبر. انتهى.
فالمنبرُ الشريفُ كان له درجتانِ وموضعُ القعودِ.
وفي الصحيحين عن عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّة» [خ¦1195].
وفي رواية البخاري: «وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» [خ¦196].
وفي رواية لهما [19] : «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي» الحديث.
ولأحمدَ برجالِ الصحيحِ: عن سهلِ بن سعدٍ:« مِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ»، وفَسَّرَ التُّرْعَةَ بالباب، وقيلَ: الترعةُ الروضةُ على المكان المرتَفع.
وقيل: الدرجةُ، وقيل: التُّرْعَةُ تكون على المكانِ المرتفع، فإذا كانت في المكانِ المنخفِضِ فهي الروضةُ.
وللطبرانيِّ في ((الكبيرِ)): عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ: «قَوَائِمُ منبري [20] رَوَاتِبٌ في الجَّنَّةِ»، أي ثوابتٌ فيها.
وليحيى عن أم سَلَمَةَ مرفوعًا: «قَوَائِمُ المِنْبَرِ رَوَاتِبٌ فِي الْجَنَّةِ».
وعن أَبِي المُعَلَّى الأنصاريِّ _وكانت لهُ صحبةٌ_ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ وَهُوَ على المِنْبَرِ: «إِنَّ قَدَمَيَّ عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ».
وعن أبي سَعيدٍ الخُدري _رضي الله عنه_: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُوْلُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى مِنْبَرِهِ: «أَنَا قَائِمُ السَّاعَةِ عَلَى عَقْرِ حَوْضِي».
ولابنِ زبالةَ عنهُ: «إِنِّي عَلَى الحَوْضِ الآنَ».
وله عن نَافِعِ
ص44
بن جُبير [21] عن أبيهِ مرفوعًا: «أَحَدُ شِقَّي المِنْبَرِ عَلَى عَقِرِ الحَوْضِ، فَمَنْ حَلَفَ عِنْدَهُ عَلَى يَمِيْنٍ فَاجِرَةٍ يَقْطَعُ بِهَا حَقَّ امْرِءٍ مُسْلِمٍ فَلْيَتَبَوَّأ مِقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
قالَ: وعقرُ الحوضِ من حيث يصبُّ الماءَ في الحوضِ.
وللطبرانيِّ في ((الأوسطِ)): عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ _ رضي الله عنه_: «مِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ، وَمَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَبَيْنَ بَيْتِ عَائِشَةَ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ».
وحاصلُ مَفَادِ هذه الأحاديثِ بالنسبةِ إلى المنبرِ أنه بعينهِ يُعَادُ في القيامةِ كما تُعادُ الخلائقُ، ويكونُ على محلهِ من المسجدِ النبويِّ بناحيةٍ من الجنةِ عند عقرِ الحوضِ، وهو مؤخرهُ.
وفي الإخبارِ بذلك الترغيبُ التامُّ في العبادةِ بذلك المحلِّ، وإنها توردُ الحوضَ.
وهذا جمعٌ بين قولِ الخَطَّابِيِّ المعنىَ أنَّ ملازمةَ الأعمالِ الصالحةِ هناك تُوردُ الحوضَ وتُوجبُ الشربَ منهُ.
وقولُ غيره: إنَّ المرادَ أن المنبرَ الذي كان في الدُّنيا بعينهِ يكونُ على حوضِهِ في ذلكَ اليومَ، فاعتمدَ ابنُ النَّجارِ الثاني.
وقال ابنُ عساكرٍ: إنه الأظهرُ وعليه أكثرُ الناسِ، وقيل: المرادُ منبرٌ يخلقهُ الله تعالى في ذلكَ اليومِ.
وأما ما جاءَ في الروضةِ فحملهُ مالكٌ _رحمه الله تعالى_ على ظاهرِهِ، فقال: إنها روضةٌ من رياضِ الجنةِ ينقلُ إليها، وليست كسائرِ الأرضِ تذهبُ وتفنى. ووافقهُ على ذلكَ جماعةٌ من العلماءِ كما نقلهُ البرهانُ بن فرحونَ عن ابنِ الجَّوْزِيِّ، ونقلهُ الخطيبُ ابن جُمْلَةَ عن الدَّرَاوَرْدِيِّ [22] وصححَهُ ابنُ الحاجِّ، وقيل: إن المعنى أن العبادةَ تؤدِّي إلى الجنةِ أو هي كروضةٍ من الجنةِ في نزولِ الرحمةِ وحصولِ السعادةِ بملازمةِ العبادةِ فيها سيَّما في عهدِهِ صلى الله عليه وسلم.
وحكى الحافظُ ابنُ حجرٍ هذا الخلافَ في موضعٍ من ((الفتحِ))، وقالَ في موضعٍ آخرَ: المرادُ أن تلك البقعةَ تنقلُ إلى الجنةِ
ص45
فتكون روضةً من رياضها أو أنه على المجازِ بكون العبادةِ فيها تؤولُ إلى دخولِ الجنةِ.
قال: وهذا فيه نظرٌ إذ لا اختصاصَ لذلك بتلكَ البقعةِ، والخبر مسوقٌ لمزيدِ شرفِ تلك البقعةِ على غيرها.
قلتُ: الأحسنُ كما قالَ ابن أبي جمرةَ الجمعُ بين هذينِ القولينِ لقيامِ الدليلِ عليهِما:
أما الأوَّلُ فلأنَّ الأصلَ عدمُ المجازِ، واستدلَّ لهُ ابنُ [أبي] جمرةَ بإخبارهِ صلى الله عليه وسلم بأنَّ المنبرَ على الحوضِ.
قال: ولم يختلفْ أحدٌ من العلماءِ في أنه على ظاهرهِ وأنه حقٌّ محسوسٌ موجودٌ على حوضهِ.
وأما الثاني: فلِمَا سبقَ في فضلِ المسجدِ النبويِّ، وزادَ هذا المحلَّ بإحاطةِ هذين الحَدَّيْنِ الشريفينِ به، وكثرةُ تردُّدِهِ صلى الله عليه وسلم فيه بينهما واتصالهُ بقبره الذي هو الروضةُ العظمى، وقربهُ منه، فلِذا اختصَّ بذلك أو هو تعبدٌ.
قال: وقد تقرَّرَ من قواعدِ الشرعِ أن البقعةَ المباركةَ ما فائدةُ بَرَكَتِهَا لنا والإخبارُ بذلكَ إلا تعميرها [23] بالطاعاتِ.
ثم قال: ويحتملُ أن تلكَ البقعةِ نفسها الآنَ من الجنةِ، كما أن الحجرَ الأسودَ منها، وتعودُ روضةً فيها، وللعامل بالعمل فيها روضةً.
قال: وهو أظهرُ، لعلوِّ منزلتهِ صلى الله عليه وسلم، وليكونَ بينهُ وبينَ الأُبُوَّةِ الإبراهيميَّةِ في هذا شَبَهٌ، فالخليلُ خُصَّ بالحجرِ من الجنَّةِ، والحبيبُ بالرَّوضةِ منها.
قلتُ: هذا هو الأرجحُ، والظاهرُ أنهُ مرادُ مالكٍ _رحمه الله تعالى_ لحملهِ اللفظِ على ظاهرهِ، إذ لا مُقتضى لصرفهِ عنهُ.
وقالَ ابنُ الخطيبِ ابن جملةَ، قولهُ: ((بَيتي)) مفردٌ مضافٌ يفيدُ العمومَ في بيوته، وكانت مطيفةٌ بالمسجد من القبلةِ والمشرقِ والشامِ، والمنبر في غربيِّهِ. انتهى.
وقال الزينُ المراغيُّ: ينبغي اعتقادُ كونِ الروضةِ لا تختصُّ بما هو معروفٌ الآن، بل تتسعُ إلى بيوتهِ
ص46
صلى الله عليه وسلم من ناحيةِ الشامِ، وهو آخرُ المسجدِ في زمنهِ صلى الله عليه وسلم، فيكون كُلُّهُ روضةً، إذا فرعنا على عمومِ المفردِ المضافِ. انتهى.
فصل: وأما الأساطينُ المنيفةُ:
فمنها الأسطوانةُ التي هي عَلَمٌ على المُصَلَّى الشريفِ، ويُعْرَفُ بالمخلَّقِ، وأن الجذعَ المذكورَ كان أمامها في محلِّ كرسي الشمعةِ هناك، وأن سلمةَ بن الأكوعِ كان يتحرى الصلاةَ عندَها.
ومنها أسطوانةُ عائشةَ _رضي الله عنها_ وتُعْرَفُ بأسطوانةِ القرعةِ والمهاجرينَ، ونقلَ ابنُ زبالةَ أنها الثالثةُ من المنبرِ، والثالثةُ من القبرِ، والثالثةُ من القبلةِ، والثالثةُ من الرَّحْبَةِ، أي قبلَ زيادةِ الرِّوَاقَيْنِ.
وأما الآن فهي الخاصةُ من الرَّحبةِ متوسطةِ الروضةِ، صلَّى إليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم المكتوبةَ بضعةَ عشرَ يومًا، ثم تقدَّمَ إلى مصلاهُ الذي وِجَاهَ المحرابِ في الصفِّ الأوسطِ، وأنَّ أبا بكرٍ وعمرَ والزُّبيرَ وعامرَ بن عبدِ اللهِ كانوا يصلونَ إليها، وأن المهاجرينَ من قريشٍ يجتمعونَ عندها، ويُقالُ لذلك المجلس مجلسُ المهاجرينَ.
وفي ((الأوسط)) للطبرانيِّ عَنْ عَائِشَةَ _رضيَ الله عنها_ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِنَّ في مَسْجِدِي لَبُقْعَةً قِبَلَ هَذِهِ الأُسْطُوَانَةِ لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما صَلُّوْا فِيْهَا إِلا أَنْ يَطِيْرَ [24] لَهُمْ قُرْعَةٌ».
وعندَ عائشةَ جماعة [25] من أبناءِ الصحابةِ، فقالوا: يا أمَّ المؤمنينَ وأينَ هي؟ فاستعجمَتْ عليهم، ثم خرجوا، وثبتَ عبدُ اللهِ بن الزُّبيرِ، فقالوا: إنَّها ستخبرهُ، فارقبوهُ في المسجدِ حتى تنظروهُ حيثُ يُصلي، فخرجَ بعد ساعةٍ، فصلى عندَ الأسطوانةِ التي صَلَّى إليها عامرُ بن عبدِ اللهِ بن الزُّبيرِ، فقيلَ لها: أسطوانةُ القُرْعَةِ ؟ قالَ العتيقُ: وهي الواسطةُ من القبرِ والمنبرِ، وذكرَ ما تقدَّمَ من وصفِها.
ورواهُ ابنُ النَّجارِ أخذًا من ابنِ زبالةَ بلفظِ: لو عرفَها الناسُ لاضْطربوا
ص47
للصلاةِ عندهَا بالسهمانِ، فسألوها عنها فأبتْ أن تُعَيِّنَهَا، فأصغى إليها ابنُ الزُّبَيْرِ فسارَّتْهُ بشيءٍ، ثم قام فصلَّى إلى التي يُقالُ لها أسطوانةُ عائشةَ.
وفي خبرِ ابنِ زَبالةَ: مُتيامنًا إلى الشقِّ الأيمنِ مِنها.
وزاد ابنُ النجارِ [26] في [خبر] صلاةِ المكتوبة إليها: بضعةَ عشرَ يومًا ما لفظه: وكانَ يجعلُها خلفَ ظهرِهِ، والمرادُ أنه كان يستندُ إذا جلسَ هناك لأجلِها، كذلك في الصلاةِ إليها، لما رواهُ هو عن يزيدَ بن أسلمَ، قالَ: رأيتُ عند تلكَ الأسطوانةِ موضعُ جهةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم رأيتُ دونَهُ موضعَ جهةِ أبي بكرٍ وموضعَ جهة عمرَ.
وفي خبرِ ابنِ زبالةَ عن إسماعيلَ بن عبدِ اللهِ عن أبيهِ: وبلغنَا أن الدعاءَ عندهُ مستجابٌ.
ومنها أسطوانةُ التوبةِ، وتُعْرَفُ بأبي لبابةَ بن عبدِ المنذرِ، أخي بني عمرِو بن عوفٍ من الأوسِ، أحدُ النُّقباءِ ارْتُبِطَ إليها، لأنه كانَ حليفَ بني قُريظةَ فاستشاروهُ في النزولِ على حكمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأجهشَ إليها النساءُ والصبيانُ يبكونَ، فقال: نعم وَرَقَّ لهُمْ، وأشارَ بيدهِ إلى حلقهِ، وهو الذبحُ، قال: فو الله ما زالتْ قدمايَ حتى علمتُ أنِّي خنتُ اللهَ ورسولَهُ، فلم يرجعْ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومضى فارتبطَ إلى جذعٍ موضعَ أسطوانةِ التوبةِ بسلسلةِ ربوضٍ، والرَّبوضُ الثقيلةُ بضعَ عشرةَ ليلةً، حتى ذهبَ سمعُهُ، فما كاد يسمعُ وكاد بصرُهُ يذهبُ، وكانت ابنتُهُ تحلُّهُ إذا حضرت الصلاةُ، فإذا أرادَ أن يذهبَ لحاجتهِ، ثم يأتي فتردُّهُ في الرِّباطِ، فأنزلَ الله تعالى فيه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ} الآية [الأنفال: 27] ، وحلفَ لا يحلُّ نفسهُ حتى يحلَّهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَوْ جَاءَنِي لاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، فَأَمَّا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ، فَمَا أَنَا الذِي أُطْلِقُهُ حَتَّى يَتُوْبَ اللهُ عليهِ»، فَأنزلَ الله توبتهُ سَحَرًا في بيتِ أمِّ سَلَمَةَ،
ص48
فحَلَّهُ صلى الله عليه وسلم، فعاهدَ اللهَ أن لا يطأَ بني قُريظةَ أبدًا، وقالَ: لا يراني اللهُ في بلدٍ خنت الله ورسولَهُ أبدًا.
وقيلَ: سببُ ارتباطهِ بها تخلُّفَهُ في غزوةِ تبوكَ، فلمَّا جاءَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم جاءهُ، فأعرضَ عنهُ فأرتبطَ بساريةِ التوبةِ التي عندَ بابِ أمِّ سلمةَ سبعًا، بينَ يومٍ وليلةٍ، لا يأكلُ فِيهنَّ ولا يشربُ قطرةً. رواهُ البيهقيُّ في ((الدلائلِ)) عن سعيدِ بن المسيبِ.
وروى أيضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ _رضي الله عنهما_ فِي قَوْلِهِ: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} [التوبة: 102]، كَانُوا عَشَرَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمَّا حَضَرَ [رجوعُ] رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَثَّقَ (سَبْعَةٌ) [27] مِنْهُمْ أَنْفُسَهُمْ بِسَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ هَؤُلَاءِ؟»، قَالُوا: هَذَا أَبُوْ لُبَابَةَ وَأَصْحَابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْك. الحديث. ففيه توبةُ الله عليهم وإطلاقُهُمْ.
ونقلَ ابنُ النَّجَارِ عن إبراهيمَ بن جعفرٍ أنَّ السَّاريةِ التي رُبِطَ إليها ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ الحنفيُّ، هي الساريةُ التي ارتبطَ إليها أبو لبابةَ.
ولابنِ زبالةَ عن عمرَ بن عبدِ اللهِ بن المهاجرِ عن ابن كعبٍ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يصلي نوافلهُ إلى أسطوانةِ التوبةِ، قالَ عمرُ بنُ عبدِ اللهِ: وكانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبحَ انصرفَ إليها، وقد سبقَ إليها الضعفاءُ والمساكين وأهلُ الضرِّ وضيفانُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمؤلفةُ قلوبُهم ومن لا مبيتَ لهُ إلا المسجدِ، وقد تَحَلَّقُوْا حولَها حِلَقًا بعضها دونَ بعضٍ، فينصرفُ إليهم من مُصلاهُ من الصبحِ فيتلوا عليهم ما أنزلَ اللهُ تعالى عليهِ من ليلتهِ ويُحدِّثهم ويحدِّثُونهُ، حتى إذا طلعتْ الشمسُ جاء أهلُ الطَّوْلِ والشرفِ والغِنى، فلم يجدوا إليهِ مجلسًا فتاقَتْ إليهم أنفسُهم، وتاقتْ
ص49
نفسُهُ إليهم، فأنزلَ اللهُ تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} إلى منتهى الآيتين [الكهف: 28-29].
ولابن ماجَه عن ابنِ عمرَ أنه صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ طُرِحَ فِرَاشُهُ، وَوُضِعَ لَهُ سَرِيرٌ وَرَاءَ أُسْطُوَانَةِ التَّوْبَةِ.
والبيهقيِّ بإسنادٍ حسنٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ يُطْرَحُ لَهُ فِرَاشُهُ، أَوْ سَرِيرُهُ إِلَى أُسْطُوَانَةِ التَّوْبَةِ، مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ يَسْتَنِدُ إِلَيْهَا.
ونقل عياضٌ عن ابن المنذرِ أن مالكَ بن أنسٍ _ رضي الله عنه_ كانَ له موضعٌ في المسجدِ، قال: وهو مكانُ عمرَ بن الخطابِ _ رضي الله عنه_ وهو الذي كانَ يوضعُ فيه فراشُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إذا اعتكفَ.
وفي خبرٍ لابنِ زبالةَ أن أسطوانةَ التوبةِ بينها وبينَ القبرِ أسطوانةٌ، وابن عمرَ _رضي الله عنهما_ كان يقولُ: هي الثانيةُ من القبرِ، والثالثة من الرَّحبةِ، أي: قبل زيادةِ الرِّواقينِ في مُؤَخِّرِ سقفِ مقدمِ المسجدِ.
قال ابنُ زبالةَ: وبينها وبين القبرِ الشريفِ عشرونَ ذراعًا، قُلتُ: فهي الرابعةُ من المنبرِ والثانية من القبرِ والثالثة من القبلةِ، والخامسةُ في زماننا من رحبةِ المسجدِ، وهي بينَ أسطوانةِ عائشةَ _رضي الله عنها_ وبين الأسطوانةِ اللاصقةِ بشباكِ الحِجْرَةِ، وكانَ فيها محرابٌ من الجِصِّ يُميِّزها عن غيرِها زالَ بعد الحريقِ الثاني، وتَوَهَّمَ البدرُ بن فرحونَ أنها اللاصقةُ بالشباكِ المذكورِ، وقد أوضحَ ردُّهُ في الأصل.
ومنها: أسطوانةُ السريرِ: أسند ابنُ زبالةَ ويحيي في بيانِ مُعْتَكَفِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع ما سبقَ في أسطوانِ التوبةِ عن ابن عمران محمد بن أيوب [28] قالَ: إنه كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم
ص50
سريرٌ من جريدٍ فيه سَعْفُهُ، توضعُ بين الأسطوانةِ الذي وِجَاهَ القبرِ، وبينَ القناديلِ كان يضطجعُ عليهِ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
قلتُ: هذهِ الأسطوانةُ هي اللاصقةُ بالشُّباكِ اليومَ شرقي أسطوانةِ التوبةِ، [وكان السرير يوضعُ عند أسطوانة التوبة] ومرَّةً في هذا الموضعِ، أو كان يوضعُ عند أسطوانةِ التوبةِ قبلَ أن يزيدَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم [في مسجده] ما سبقَ أنه زادَ في المشرقِ، فلمَّا زادَ فيهِ نقلَ السريرَ إلى هذا المحلِ، ويؤيدُ هذا أن ابنَ زبالةَ لما ذكرَ في حدِّ المسجدِ النبويِّ عن جمهورِ الناسِ قال: واحتجُّوا بأنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يعتكفُ في موضعِ مجلسِ بني عبدِ الرَّحمنِ، وأنَّ عائشةَ كانت تُرَجِّلُ رأسهُ، وهو معتكفٌ في المسجدِ وهي في بيتها.
وفي الصحيحِ عن عائشةَ _رضي الله عنها_ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يحتجزُ حصيرًا بالليلِ فيُصلي عليهِ، ويبسطُهُ بالنهارِ فيجلسُ عليهِ، وبَيَّنَ أحمدَ في روايتهِ أن ذلكَ كانَ على بابِ بيتِ عائشةَ _رضي الله عنها_ أي الذي يلي الروضةَ، وقد سبقَ [أنَّ] الجدارَ الشرقيَّ كان في موازاةِ القناديلِ.
ومنها أسطوانةُ المحرسِ، ويُسَمَّى أسطوانُ عليِّ بن أبي طالبٍ _ رضي الله عنه_ لأنها مُصَلَّاهُ كما سيأتي في التي بعدهَا.
وقالَ يحيي: حَدَّثَنَا موسى بن سَلَمَةَ _رحمه الله_ قال: قال سألتُ جعفرَ بنَ عبدِ اللهِ بن الحسنِ _ رضي الله عنه_ عن أسطوانة عليٍّ _رضي اللهُ عنه_ فقالَ لي: هي المَحْرسُ كان عليٌّ يجلسُ في صفحتِها التي تَلي القبرَ، مِمَّا يلي بابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
قالَ المطَرِيُّ: هي في مُقَابَلةِ الخوخةِ التي كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرجُ منها من بيتِ عائشةَ _رضي اللهُ عنها_ إلى الروضةِ، وهي خلفُ أسطوانِ التَّوبةِ
ص51
من جهةِ الشمالِ. قلتُ: ويُصلي عندَها أمراءُ المدينةِ اليومَ.
ومنها: أسطوانُ الوفودِ خلفَ المحرسِ من الشمالِ، كان صلى الله عليه وسلم يجلسُ عندها لوفودِ العربِ إذا جاءتهُ كانت تلي الرَّحبةَ قبلَ زيادةِ الرِّوَاقَيْنِ، وكانت تُعرفُ بمجلسِ الوفادةِ [29] ، يجلسُ إليها سراةُ الصحابةِ وأفاضِلُهُم، قاله [30] المطريُّ، وبينها وبين المربعة الآتية الأسطوانُ اللاصقُ بالشُّباكِ اليومَ.
ولابنِ زبالةَ عن غيرِ واحدٍ منهم عبدُ العزيزِ بن محمدٍ أن الأسطوانَ التي تلي الرَّحبة التي في صفِّ أسطوانِ التوبةِ، بينها وبين أسطوانِ التوبةِ مُصلى عَلِيِّ بن أبي طالبٍ _رضي الله عنه_ وأنه المجلسُ الذي يُقالُ له مجلسُ القلادةِ، وكان يجلسُ فيه سراةُ الناسِ قَدِيْمًا، وفَهِمَ الأَقْشَهْرِيُّ من هذا أن مجلسَ القلادة صفةٌ لأسطوانةِ عليٍّ فوصفَها به.
ومنها: أسطوانُ مربعةِ القبرِ، ويُقَالُ لها مقامُ جبريلَ، وهي في حائزة الحُجْرَةِ عن منحرفِ صفحة الغربيةِ إلى الشمالِ، بينها وبين أسطوانِ الوفودِ الأسطوانةُ اللَّاصقةُ بشبَّاكِ الحجرةِ، ولذا رَوى ابنُ عساكر في أسطوانِ الوفودِ أنكَ إذا عَدَدْتَ [الأسطوانة] التي فيها مقامُ جبريلَ كانت هي الثالثة.
وليحيي وابنِ زبالةَ عن مسلمِ بن أبي مريمَ وغيرِه: كانَ بابُ بيتِ فاطمةَ _رضي الله عنها_ في المربَّعَةِ التي في القبرِ، قال سليمان [31] : قالَ لي مسلمٌ: لا تنسى حظَّكَ من الصلاةِ إليها فإنَّها بابُ فاطمةَ أي، وقدْ كانَ صلى الله عليه وسلم يأتيهِ حتى يأخذَ بعضادتيهِ، ويقولُ: السلامُ عليكُم أهلُ البيتِ، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيْرًا} [الأحزاب: 33] رواهُ يحيي بن أبي الحمراءِ.
وفي روايةٍ: لهُ كل يومٍ، فيقولُ الصلاةَ
ص52
الصلاةَ.. الحديث.
وقد حرَّمَ الناسُ التَّبركَ بها وبأسطوانِ السريرِ لغلقِ أبوابِ الشُّبَّاكِ الزائدةِ على الحجرةِ الشريفةِ.
ومنها: أسطوانةُ التَّهَجُّدِ أسندَ يحيي عن عِيسى بنِ عبدِ اللهِ عن أبيهِ: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُخْرِجُ حصيرًا كلَّ ليلةٍ إذا انكفتِ الناسُ، فيطرحُ وراءَ بيتِ عليٍّ، ثم يُصلي صلاةَ الليلِ، فرآهُ رجلٌ فصلَّى بصلاتهِ، ثم آخرُ فصلَّى بصلاتهِ حتى كثروا، فالتفتَ فإذا بِهم، فأمر بالحصيرِ فطوي ثم دخلَ فلمَّا أصبحَ جاؤوهُ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ كنتَ تصلي بالليل فَنُصَلِّي بصلاتكِ، فقالَ: إني خشيتُ أن تنزلَ عليكم صلاةُ الليلِ ثم لا تقوونَ عليها، قال عيسى: وذلك موضعُ الأسطوانِ التي على طريقِ بابِ النبي صلى الله عليه وسلم مما يلي الزورَ.
قلتُ: الزَّوْرُ بالزاي، أي الموضعُ المزورُ خلفَ الحُجرةِ من حائزِهَا، وصَحَّفَهُ بعضُهُمْ، فقالَ المدورةُ، في خطِّ الأقشهريِّ دورةٌ، قالَ عيسى: وحَدَّثَنِي سعيدُ بن عبدِ اللهِ بن فُضيلٍ، قال: مرَّ بِي محمدُ بن الحنفيةِ وأنا أُصلي إليها، فقال: أراكَ تلزمُ هذهِ الأسطوانةَ، قال: هل جاءك فيها أثرٌ؟ قلتُ: لا، قال: فالزَمْهَا فإنَّها كانت مُصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليلِ.
قالَ ابنُ النَّجَّارِ: هذهِ الأسطوانةُ وراءَ بيتِ فاطمةَ من جهةِ الشمالِ، وفيها محرابٌ إذا توجَّهَ المصلى إليهِ كانت يسارَهُ إلى بابِ عثمانَ المعروفِ اليومَ ببابِ جبريلَ.
قال المَطَريُّ: وحَولها الدَّرَابزينُ أي المقصورةُ الدائرةُ على الحجرةِ الشريفةِ، وقد كُتِبَ فيها بالرخامِ: هذا مُتَهَجَّدُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قلتُ: وقد اتُّخِذَ في موضِعِها بعدَ الحريقِ الثاني دعامةً عند بناءِ القُبَّةِ، واتَّخَذُوْا فيها مِحْرَابًا مُرَخَّمًا.
ص53
ومقتضى ما سبقَ في حدودِ المسجدِ خروجُ الموضعِ المذكورِ عنهُ فإنهُ كان يواجهُ الخارجَ من بابِ عثمانَ، وقد اتَّضَحَ أن الدرجةَ التي ظهرتْ عندَ بابِ الحجرةِ الشامِي كانت مستقبلةَ الشامَ، فلم يكنْ الموضعُ المذكورُ في طريقِ المارِّ، وهذه الأسطوانةُ هي آخرُ الأساطينِ التي ذَكَرَ لَهَا أهلُ التاريخِ فضلًا خاصًّا، وإلا فجميعُ سوارِي المسجدِ لها فضلٌ.
ففي البخاري: عَنْ أَنَسٍ: لَقَدْ أَدْرَكْتُ كِبَارَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ عِنْدَ المَغْرِب [خ¦503].
فجميعُ سواريهِ تُستحبُّ الصلاةُ عندَها، إذ لا تخلوا من صلاةِ كبارِ الصحابةِ إليها. قالهُ ابنُ النَّجَارِ.
فصلٌ:
روى البخاريُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى».
قال في ((الفتحِ)): لا تُشَدُّ الرِّحَالُ، بضمِّ أولِهِ، بلفظِ النَّفيِّ والمرادُ النَّهيُ عن السفرِ إلى غيرِهَا.
قالَ الطِّيْبِيُّ: هو أبلغُ من صريحِ النَّهي، كأنهُ قالَ: لا يستقيمُ أن يُقْصَدَ بالزيارةِ إلا هذه البقاعُ؛ لاختصاصِها بما اختصَّتْ بهِ، والرِّحَالُ بالجمعِ [32] ، جمعُ رحلٍ، وهو للبعيرِ كالسَّرْجِ للفرسِ، وكَنَّى بشدِّ الرِّحالِ عن السفرِ، لأنهُ لازمُهُ، وخرجَ ذكرُها مخرجَ الغالبِ في ركوبِ المسافرِ، وإلا فلا فرقَ بين ركوبَ الرَّواحلِ والخيلِ والبغالِ والحميرِ والمشيِّ في المعنى المذكورِ.
ويدلُّ عليهِ ما رواهُ مسلمٌ: «إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الكَعْبَةُ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدُ إِيْلِيَا»، قولهُ: "إلَّا" الاستثناءُ مُفَرَّغٌ، والتقدير: لا تُشَدَّ الرحالُ إلى موضعٍ، ولازمُهُ منعُ السفرِ
ص54
إلى كلِّ موضعٍ غيرَها؛ لأنَّ المستثنى منهُ في المفرَّغِ يُقَدَّرُ بأعمِّ العامِ، لكن يمكنُ أن يكونَ المرادُ بالعمومِ هنا الموضعُ المخصوصُ، وهو المسجدُ.
قوله: «المَسْجِدُ الحَرَامُ»، أي: المحرَّمُ، وهو كقولِهِمْ: الكتابُ؛ يعني المكتوبِ، والمسجدِ: بالخفضِ على البدليَّةِ، ويجوزُ الرَّفعُ على الاستئنافِ، والمراد: جميعُ الحرمِ، وقيلَ: يختصُّ بالموضعِ الذي يُصَلَّى فيهِ دونَ البيوتِ وغيرهَا من أجزاءِ الحرمِ.
قالَ الطَّبَرِيُّ: ويَتَأيَّدُ بقولهِ: «مَسْجِدِي هَذَا» [لأنَّ] الإشارةُ فيه إلى مسجدِ الجماعةِ فينبغي أن يكونَ المستثنى كذلكَ، ويؤيدُ ما رواهُ الطَّيَالِسِيُّ من طريقِ عطاءٍ أنهُ قيلَ له: هذا الفضلُ في المسجدِ وحدهُ أو في الحرمِ؟ قال: بل في الحرمِ؛ لأنهُ كلُّهُ مسجدٌ.
قوله: «وَمَسْجِدُ الرَّسُوْلِ» أي محمدٌ صلى الله عليه وسلم، وفي العدولِ عن مسجدِي، إشارةٌ إلى التعظيمِ، ويحتملُ أن يكونَ ذلك من تَصَرُّفِ الرواةِ.
ويؤيِّدُهُ حديثُ أبي سعيدٍ: «مَسْجِدِي» قوله: «وَمَسْجِدُ الأَقْصَى» أي بيتِ المقدسِ، وسُمِّيَ الأقصى لبعدِهِ عن المسجدِ الحرامِ في المسافةِ، وقيلَ: في الزمانِ، وفيه نظرٌ لأنه ثبتَ في الصحيحِ أنَّ بينهما أربعينَ سنةً [خ¦3366]، وسيأتي انتهى.
قلتُ: هُوَ ما ذكرهُ في ترجمةِ إبراهيمَ الخليلِ في أحاديثِ الأنبياءِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهُ: قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلَ؟ قَالَ: «المَسْجِدُ الحَرَامُ» قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «المَسْجِدُ الأَقْصَى» قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكْتَ الصَّلاَةَ بَعْدُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الفَضْلَ فِيهِ» [خ¦3366].
قوله: «المَسْجِدُ الأَقْصَى» يعني بيتَ المقدسِ، قيلَ لهُ: الأقصى لبعدِ المسافةِ بينهُ وبين الكعبةِ، وقيل: لأنه لم يكن وراءهُ موضعُ عبادةٍ، وقيل: لبعدهِ عن الأقذارِ والخبائثِ، وقيل:
ص55
هو الأقصى بالنسبِة إلى مسجدِ المدينةِ؛ لأنه بعيدٌ من مكةَ، وبيتُ المقدسِ أبعدُ منهُ.
قولُهُ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً» قالَ ابنُ الجَّوزيِّ: فيهِ إشكالٌ؛ لأنَّ إبراهيمَ بنى الكعبةَ وسليمانَ بنى بيتَ المقدسِ، وبينهما أكثرُ من ألفِ سنةٍ.
وجوابُهُ أن الإشارةَ إلى أول البناءِ، ووضعِ أساسِ المسجدِ، وليس إبراهيمُ أولَ من بنى الكعبةَ، ولا سليمانُ أولَ من بنى بيتَ المقدسِ، فقد روينا: أولَ من بنى الكعبةَ آدمُ، ثم انتشرَ ولدُهُ في الأرضِ، فجائزًا أن يكونَ بعضهم قد وضعَ بيتَ المقدسِ، وكذا قال القُرْطُبِيُّ أن الحديثَ لا يدلُّ على أن إبراهيمَ وسليمانَ لمَّا بنيا المسجدَينِ ابتديَا وضعَهُمَا لهما، بل ذلكَ تجديدٌ لِمَا كان أسَّسَهُ غيرُهما، ثم قالَ: ويؤيدُ قولُ من قالَ: إنَّ آدمَ الذي أسَّسَ كُلًا من المسجدينِ ما ذكرهُ ابنُ هشامٍ، في كتابِ ((التِّيْجَانِ)) أنَّ آدمَ لما بنى الكعبةَ، أمرَ اللهُ بالمسيرِ إلى بيتِ المقدسِ، وأن يبنيهِ فبناهُ ونَسَكَ، وبناءُ آدمَ للبيتِ مشهورٌ. انتهى كلامُ ((الفتح)).
وتبعهُ القَسْطَلانِيُّ في هذا كلهِ.
قلتُ: لا يخفى أنه يردُّ على ما ذكرهُ الشارحانِ الجَّليلانِ ما أخرجهُ السيوطيُّ في ((الدُّرِّ المنثورِ)) في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 96] أخرجه ابن جريرٍ وابن المنذرِ والطبرانيُّ والبيهقيُّ في ((الشُّعَبِ)) عن ابنِ عَمرو قال: خَلَقَ اللهُ الْبَيْتَ قَبْلَ الأَرْضِ بِأَلْفَي سَنَةٍ، وَكَانَ إِذْ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ زِبْدَةٌ بَيْضَاءُ، وَكَانَتِ الأَرْضُ تَحْتَهُ كَأَنَّهَا خَشَعَةٌ فَدُحِيَتْ الأَرْضُ من تَحْتَهِ.
وَأخرج ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ _رضيَ الله عنه_ قَالَ: إِن الْكَعْبَةَ خُلِقَتْ قَبْلَ الأَرْضِ بِأَلْفَي سَنَةٍ، وَهِيَ مِنَ الأَرْضِ إِنَّمَا كَانَت خَشَفَةً عَلَى المَاءِ، عَلَيْهَا مَلَكَانِ من الْمَلَائِكَةِ يُسَبِّحَانِ، فَلَمَّا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَ الأَرْضَ دَحَاهَا مِنْهَا فَجَعلهَا فِي وَسَطِ الأَرْضِ.
قلتُ: ذكر السيوطيُّ في ((مختصرِ النهاية)) أن خَشْعَةً بالعينِ، أي أكمةً لاطيةً
ص56
بالأرضِ، ورُوِيَ بالقافِ، قالَ الخطابيُّ: هي واحدةُ الخَشْفِ، وهي حجارةٌ تنبتُ في الأرضِ.
قلتُ: وقالَ ابنُ الجَّوْزِيِّ: هي الأكمةُ الحمراءُ. انتهى.
ورُوِيَ بالحاءِ المهملةِ والفاء، قالَ الأزهريُّ: يُقال للجزيرةِ في البحرِ لا يعلوها حشفةٌ. انتهى.
وَأخرج ابْن جَرِيْرٍ عَن السُّدِّيِّ قَالَ: أَمَّا أَوَّلُ بَيْتٍ فَإِنَّهُ يَوْمَ كَانَتِ الأَرْضُ مَاءً كَانَ زُبْدَةً عَلَى الأَرْضِ، فَلَمَّا خَلَقَ اللهُ الأَرْضَ خَلَقَ الْبَيْتَ مَعَهَا، فَهُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ. انتهى.
فعلى هذا: الإشكالُ السابقُ ورادٌ على بناءِ آدمَ لهما كما كانَ، ولم أرَ من تعرَّضَ لذكرِ هذا السُّؤالِ فضلًا عن حلِّ هذا الإشكالِ، سواءٌ ما أشارَ به خاتمةُ الحفاظِ شيخُنا شيخُ الإسلامِ أبو الحسنِ البكريُّ _تغمَّدهُ اللهُ برضوانهِ وأسكنهُ فسيحَ جِنانه_ فإنه قالَ في تفسيرِ قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 96] وذكرَ الأقوالَ الواردةَ فيهِ، ثم قالَ: وبناءُ الملائكةِ البيتَ قبلَ خلقِ آدمَ، ووُضِعَ بعدَ الأقصى، وبينهما أربعونَ سنة، كما في حديثِ الصحيحينِ. انتهى. فهذا التوجيهُ يحلُّ الإشكالِ عما نحنُ فيهِ.
وقالَ النوويُّ في ((شرحِ مسلمٍ)): واختلفَ العلماءُ في شدِّ الرِّحالِ وإعمال المطيِّ إلى غيرِ المساجدِ، كالذهابِ إلى قبورِ الصالحينَ وإلى المواضعِ الفاضلةِ ونحوِ ذلكَ:
فقالَ الشيخُ أبو محمدٍ الجُوَيْنِيُّ من أصحابِنا هو حرامٌ، وهو الذي أشارَ القاضي إلى اختيارهِ، والصحيحُ عند أصحابِنا وهو الذي اختارهُ إمامُ الحرمينِ والمحققونَ أنه لا يحرمُ ولا يُكْرَهُ، قالوا: والمرادُ أن الفضيلةَ التَّامَّةَ إنما هي في شدِّ الرِّحالِ إلى هذه المساجدِ الثلاثة خاصَّةً، والله أعلم.
وروى البخاريُّ عن أبي هُرَيْرَةَ _ رضي الله عنهُ_ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «صَلَاةٌ في مَسْجِدِي
ص57
هَذَا أفضلُ من ألفِ صلاةٍ فيما سواهُ إلا المسجدَ الحرامَ» [خ¦1190].
وروى الإمام أحمد بإسنادٍ على رسمِ الصحيحِ عنه صلى الله عليه وسلم: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ في المَسْجِدِ الحرامِ أفضلُ من ألفِ صلاةٍ في بيتِ المقدسِ».
وقولهُ: «خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ»، تلكَ الزيادةُ لا يُعلم قدرَها إلا الله تعالى.
وروى أبو الشيخِ: «وَصَلَاةٌ في مَسْجِدِي _يعني مَسْجِدِ المدينةِ_ تَعْدِلُ بِعَشْرَةِ آلَافِ صَلَاةٍ».
وروى ابنُ مَاجَه: «صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هَذَا بِخَمْسِيْنَ أَلْفِ صَلَاةٍ».
وروي أيضًا: «صَلَاةٌ في المَسْجِدِ الأَقْصَى بِخَمْسِيْنَ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلاةٌ في المَسْجِدِ الحَرَامِ بِمِائةِ أَلْفِ صَلاةٍ».
وروى أبو يَعْلَى برجالٍ ثِقَاتٍ [33] : إِنَّ الصَّلاةَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ، أي في غيرِهِ مِنَ المسَاجِدِ مُطْلَقًا إلا المَسْجِدَ الحَرَامَ.
ثم قيلَ على حديثِ الصحيحينِ: إنَّ الصلاةَ بالمسجدِ الحرامِ مساوٍ لمسجدِ المدينةِ، ورَجَّحَهُ بعضُهم، وقيل: بل أنقصُ، وعليهِ مالكٌ، وقيل: بل أفضلُ بمائةٍ، وقيل: بمائةِ ألفٍ.
فَصْلٌ:
وروى البخاريُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ _رضي الله عنهما_ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ، مَاشِيًا وَرَاكِبًا». [خ¦1193]
وعنه رضي الله عنه، قالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي قُبَاءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا». [خ¦1194]
زادَ ابن نُمَيْرٍ: فيُصَلِّي فيهِ ركعتينِ. [خ¦1194] انتهى.
قال العلماءُ: ويستحبُّ أن يأتي قُبَاءَ يومَ السبتِ، ويَنوي زيارتَهُ، والصلاةَ فيهِ، وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أَنَّ الصَّلاةَ فِيْهِ كَعُمْرَةٍ. رواهُ الترمذيُّ وغيرُهُ، وأنه كان يأتيهِ كلَّ سبتٍ راكبًا وماشيًا. [خ¦1194] متفقٌ عليه.
ورُوِيَ إتيانُهُ يومَ الإثنينِ أيضًا، وصبيحةَ سبعةَ عشرَ من رمضانَ، وكان عمرُ _ رضي الله عنه_ يأتي قباءَ يوم الإثنينِ والخميسِ.
وعن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ _ رضي الله عنه_ أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أُصَلِّي في مَسْجِدِ قُبَاءٍ رَكْعَتَيْنِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ آتِي بَيْتَ المَقْدِسِ مَرَّتَيْنِ.
رواهُ ابن أبي شَيبة بسندٍ
ص58
صحيحٍ، ورواه الحاكمُ ولم يذكرْ: ((مرَّتين))، وقال: إسنادهُ صحيحٌ على شرطِهِمَا، وعددُ الركعاتِ التي تقومُ مقامَ العمرة ركعتانِ، وفي روايةٍ: أربعُ ركعاتٍ. انتهى.


[1] هو محمد بن أحمد بن خلف الخزرجي المدني جمال الدين المعروف بالمَطَري، مؤلف تاريخ المدينة المتوفى (741).
[2] في المخطوط: « المتحدث إلى الأستاد».
[3] في المخطوط: « فَاضْطَرَبَ ».
[4] في المخطوط زيادة: « قال».
[5] في المخطوط: « ذكره »، وهو خطأ بدليل السياق وبما في جامع الترمذي.
[6] في المخطوط: « فقدَّمنا ».
[7] في المخطوط: « كره قوم الطبري »، وهو وهمٌ، بدليل السياق وبما في فتح الباري.
[8] في المخطوط: « المسجد ».
[9] في المخطوط: « كان »، والصواب: قال، بدليل السياق وبما في صحيح البخاري.
[10] في صحيح البخاري: «ملأ» بدل «صلى»، وهو الأصح.
[11] في المخطوط: «سعد ابن زورارة ».
[12] في المخطوط: «فاشترى ».
[13] في المخطوط: « قبتله »، وهو وهم، والصحيح ما أثبت.
[14] في المخطوط: « الحد »، وما أثبته هو في خلاصة الوفاء للسمهودي، الذي نقل منه المؤلف. والله أعلم.
[15] في المخطوط: «حجرات ».
[16] في وفا الوفا: «بضعة».
[17] في المخطوط: « أبو ».
[18] في وفا الوفاء وخلاصته: « خاصة».
[19] كذا قال رحمه الله.
[20] في المخطوط: « بيتي».
[21] في المخطوط: «خيرة».
[22] في المخطوط: « الداروردي ».
[23] في المخطوط: « تعمدها ».
[24] في المخطوط: «تظهر».
[25] في المخطوط: « وجماعة ».
[26] في المخطوط: «ابن النجاري».
[27] في المخطوط: « بسعة »، وهو وهم.
[28] في المخطوط: « عن ابن عمران محمد أيوب».
[29] في الوفا وخلاصته: ((بمجلس القلادة)).
[30] في الوفا وخلاصته: ((قال)).
[31] في الخلاصة: ((سليم)).
[32] في الفتح: ((بالمهملة)).
[33] زاد في المخطوط: ((للشيخ)).