كفاية القاري في شرح ثلاثيات البخاري

حديث سلمة: غزوت مع النبي سبع غزوات

الحديثُ الخامسُ عشر:
من ثلاثياتِ الإمامِ البخاريِّ: ما أخرجهُ في المغازي في ((بابِ بعثِ النبي صلى الله عليه وسلم أسامةَ بن زيدٍ إلى الحُرُقَاتِ))، قال القَسطلانيُّ: بضمَّ الحاءِ والراء المهملتين وفتح القاف وبعد الألف فوقيةٌ: نسبةً إلى الحُرُقةِ، واسمهُ جُهيش، سُمِّيَ الحرقةَ لأنه حرَّقَ قومًا بالقتلِ فبالغَ في ذلكَ، والجمعُ فيه باعتبارِ بطونِ تلك القبيلةِ (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميمِ وسكون المعجمةِ، وسقطَ ((الضحاكُ بن مخلدٍ)) لأبي ذرٍّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر والأصيليِّ: «أخبرنَا» ( يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) مولى سلمةَ، وثبت: ((ابن أبي عبيدٍ)) لأبي ذرٍّ (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رضيَ الله عنه، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تِسْعَ غَزَوَات) بفوقيةٍ قبل السينِ كذا في الفرعِ هنا في روايةِ أبي عاصمٍ الضَّحاكِ، فإن كانت محفوظةً فلعله عدَّ غزوةِ وادي القِرى التي وقعت بعد خيبرَ وعمرةِ القضاءِ، وبهما تكملُ التِّسعةُ.
قالَ القسطلانِيُّ: لكن رأيتُ في غيرِ الفرعِ من الأصولِ المعتمدَةِ: « سبعٌ» بالموحدةِ في هذهِ الروايةِ. انتهى.
وقد ذكرَ قبل هذه الروايةِ روايةً أخرى عن يزيدِ بن أبي عُبيدٍ، أنه قالَ: سمعتُ سلمةَ بن الأكوعِ يقولُ: ((غزوتُ معَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم))، وفي نسخةٍ: «رسولَ اللِه
ص108
صلى الله عليه وسلم سبعَ غزواتٍ »_بالموحدةِ بعد السينِ_ عمرةَ الحُديبيةِ وخيبرَ ويومَ القَرَدِ وغزوةَ الفتحِ والطائفَ وتبوكَ، وهي آخرهُنَّ، ((وَخَرجتْ فيما يبعثُ من البعوثِ)) جمعُ بعثٍ، وهو الجيشُ ((تسعُ غزواتٍ)) بفوقيةٍ قبلَ السين ((مرةً علينا أبو بكرٍ)) الصديقُ _رضي الله عنه_ أمير إلى بني فزارةَ، وأُخرى إلى بني كلابٍ، وثالثةٌ إلى الحجِّ ((ومرَّةً عَلينا أسامةَ)) أميرًا إلى الحُرُقاتِ، ((وإلى أُبْنَى)) بضمِّ الهمزةِ وسكونِ الموحدةِ ثم نون مفتوحةٌ مقصورةٌ من نواحي البلقاءِ، وهذهِ الخمسةُ ذكرها أهلُ السِّيَرِ، وبقيتْ أربعٌ لم يذكرُوها، فيحتملُ أن يكون في هذا الحديثِ حذفٌ، أي: ومرةً علينا غيرُهما.
وقالَ في ((الفتحِ)): أما غزواتُ سلمةَ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم فتقدَّمَ بيانُها في غزوةِ الحُديبيةِ، وقد ذكرَ منها الطريقِ الأخيرِ من حديثِ البابِ: يعني بَعْثُ أسامةَ والحديبيةِ ويومَ حنينٍ ويومَ القَرَد، وفي آخره: قال يزيد _يعني أبي عُبيد_ الراوي عنهُ، ونسيتُ بَقيتهُم كذا فيه بالميمِ في ضميرِ الغزواتِ والمعروفُ فيه التأنيثُ، [وكذا وقعَ في روايةِ النَّسفيِّ بالميمِ وضَبَّبَ عليه، ووقعَ في روايةٍ حكاها الكرمانيُّ، ولم أقف عليها بعينها، وهي أوجهُ] وأما بقيةُ الغزواتِ التي نسيهُنَّ يزيدُ فهُنَّ غزوةُ الفتحِ وغزوةُ الطَّائفِ [فإنَّهما وإن كانا في سنةِ غزوةِ حُنينٍ فهما غيرُهما] وغزوةُ تبوكَ وهي آخرُ الغزواتِ النَّبويةِ فهذهِ سبعُ غزواتٍ كما ثبتَ في أكثرِ الرِّواياتِ.
ثم قالَ: وأمَّا مَا وقعَ عند أبي نُعيمٍ في ((المستخرج)) فقالَ في أولهِ: أُحد وخيبرَ، وفيه نظرٌ لأنهم لم يذكروا سلمةَ فيمن شهدَ أُحدًا. انتهى.
قلتُ: يحتملُ أن يكون سلمة [1] ممَّنْ غزا أُحُدًا، وخيبرُ من مشاهدِهِ، ما أشارَ إليه
ص109
القاضي عياض في [2] ((الشفا)) وابنُ الأثيرِ في ((جامع الأصول)) والكِرمَانِيُّ في شرحهِ من أنَّ سلمةَ بن الأكوعِ هو الذي كلَّمهُ الذئبُ، وقد وردَ بعض رواياتِ الذئبِ، قالَ االذئب: أنت أعجبُ مني واقفًا على غنمكَ، وتركتَ نبيًا لم يبعثْ الله نبيًا أعظمَ منه عنده قدرًا قد فُتحتْ له أبوابُ الجنةِ، وأشرفَ أهلُها على أصحابه ينظرونَ، فقال لهم: وما بينك وبينه إلا هذا الشِّعبُ فتصيرَ في جنودِ اللهِ، إلى أن قال: وذكرَ قصتهُ وإسلامهُ ووجودَهُ النبي صلى الله عليه وسلم يقاتلُ، والظاهرُ أنه كان ذلك بأُحُدٍ، وأيضًا قالَ في ((الفتح)) في بيانِ غزوةِ زيدِ بن حارثةَ بعد أن ذكرَ حديثَ البابِ: ورواهُ مسلمٌ البلخيُّ عن أبي عاصمٍ بلفظ: «وَغَزَوْتُ مَعَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، يُؤَمَّرُ عَلَيْنَا».
وكذلكَ أخرجهُ الطبرانيُّ عن أبي عاصمٍ.
وقد تَتَبَّعْتُ ما ذكرهُ أهلُ المغازي من سرايا زيدِ بن حارثةَ فبلغَتْ سبعًا، كما قالَ سلمةُ، وإن كانَ بعضهم ذكرَ ما لم يذكرْهُ بعضٌ، فأوَّلها في جُمادى الآخر سنة خمسٍ، قيل: يجدُ في أحدَ مائةِ راكبٍ، والثانيةُ في ربيعٍ الآخرِ سنةَ ستٍ إلى بني سُليمٍ، والثالثةُ في جُمادى الأولى منها في مائةٍ وسبعينَ، فتلقَّى عِيرًا لقريشٍ، وأسروا [أبا] العاصَ بن الربيعِ، والرابعةُ في جمادى الآخر منها إلى ثعلبةَ، والخامسةُ إلى حُمسى _بضمِّ المهملةِ_ فوق خمسمائةٍ إلى أناسٍ من بني جُذَامٍ بطريقِ الشامِ كانوا قطعوا الطريقَ على دحيةَ وهو راجعٌ من عند هر قل، والسادسةُ: إلى وادِي القِرَى، والسابعةُ إلى ناسٍ من فَزَارَةَ، فأخذوا ما معه وضربوهُ فجهَّزَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فأوقعَ بهم.


[1] في المخطوط: « سعيد ».
[2] في المخطوط: « و ».