كفاية القاري في شرح ثلاثيات البخاري

حديث سلمة: من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار

الحديثُ الأولُ:
منها ما قالَ أميرُ المؤمنينَ في علمِ الحديثِ، وإمامُ أئمةِ الحُفَّاظِ في الفضلِ والتَّحديثِ، الإمامُ أبو عبدِ اللهِ محمدُ بن إسماعيلَ البخاريُّ في «الجامعِ الصحيحِ» من كتابِ العلم، في «بابِ إِثْمِ من كَذَبَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم»: (حَدَّثَنَا) اعلمْ أنَّ هذه الألفاظُ التي تذكرُ في الأسانيدِ تُسَمَّى عند المحدِّثينَ: صِيَغَ الأداءِ.
قال الحافظُ ابنُ حجرٍ العسقلاني في ((النخبةِ)) [1] : وصيغُ الأداءِ المُشَارِ إليها ثمان مراتبٍ:
الأولى: سمعتُ وحدَّثني، ثم أَخْبَرَنِي وقرأتُ عليهِ، وهي المرتبةُ الثانيةُ، ثم قُرِئَ عليهِ وأنا أسمعُ، وهي الثالثةُ، ثم أَنْبَأَنِي، وهي الرابعةُ، ثم نَاوَلَنِي، وهي الخامسةُ، ثمَّ شَافَهَنِي بِالإجَازَةِ، وهي السادسةُ، ثم كَتَبَ إِلَيَّ الإجازةَ، وهي السابعةُ، ثم عن، ونحوها من الصِّيغِ المحتملةِ للسماعِ والإجازةِ ولعدم السماع أيضًا، وهذا مثلُ: قَالَ وذَكَرَ ورَوَى.
فاللفظانِ الأولانِ من صيغِ الأداءِ _وهما سمعتُ وحدَّثني_ صالحان [2] لمَن سَمعَ وحدَهُ من لفظِ الشيخِ، وتخصيصُ التَّحديثِ لِمَا سُمِعَ من لفظِ الشيخِ هو الشائعُ بين أهلِ الحديثِ اصطلاحًا، ولا فرقَ بين التَّحديثِ والإخبارِ من حيثُ اللغةِ، وفي ادِّعاءِ الفرقِ بينهما تكلفٌ شديدٌ، لكن لمَّا تقرَّرَ في الاصطلاحِ صارَ ذلك حقيقةً عرفيةً، فتُقدَّمَ على الحقيقةِ اللغويةِ، مع أنَّ هذا الاصطلاحَ إنَّما شاعَ عند المشارقةِ ومن تَبِعَهُمْ، وأما غالبُ المغاربةِ فلم يستعملوا
ص4
هذا الاصطلاحَ، بل الإخبارُ والتحديثُ بمعنىً واحدٍ عندهم.
فإنْ جمعَ الراوي _أي: أتى بالصِّيغةِ الأولى جمعًا، كأن يقولَ: حدَّثَنَا فلانٌ، أو سَمعنا فلانًا يقولُ_ فهو دليلٌ على أنَّه سمعَ منه مع غيره، وقد تكونُ النون للعظمةِ لكن نقله.
وَأَوَّلُهَا _أي صيغُ المراتبِ_ أَصْرَحُهَا، أي أصرحُ صيغِ الأداءِ في سماعِ قائلها لأنها لا تحتملُ الواسطةَ، ولأنَّ حدَّثني، قد تُطْلَقُ في الإجازةِ تدليسًا، وَأَرْفَعُهَا مِقْدَارًا ما يقعُ في الإملاءِ؛ لما فيه من التَّثبت والتَّحفظِ، والثَّالثُ وهو أَخْبَرَنِي كالرابع، وهو قرأتُ عليهِ لمن قرأَ بنفسهِ على الشيخِ، فإن جمعَ، كأن يقول: أخبرنا أو قَرَأنا عليهِ، فهو كالخامسِ، وهو قُرِئَ عليهِ وأنا أسمعُ، وعُرِفَ من هذا أن التعبيرَ بـ «قرأتُ» لمن قرأَ خيرٌ من التعبيرِ بالإخبار؛ لأنَّه أفصحُ بصورةِ الحالِ.
تنبيهٌ:
القراءةُ على الشيخِ أحدُ وجوه التَّحمُّلِ عندَ الجمهورِ، وأَبْعَدَ من أَبَى ذلكَ من أهلِ العراق، وقد اشتدَّ إنكارُ الإمامُ مالكٍ وغيرُهُ من المدنيِّينِ عليهم، حتى بالغَ بعضُهم فرجَّحها على السماعِ من لفظِ الشيخِ، وذهب جمعٌ جمٌّ _منهم البخاريُّ، وحكاهُ في أوائلِ «صحيحه» عن جماعةٍ من الأئمةِ_ إلى أنَّ السماعَ من لفظ الشيخِ والقراءةَ عليه [سواء] يعني في الصِّحة والقوةِ، والله أعلم.
وَالإِنْبَاءُ _من حيثُ اللغةِ واصطلاحُ المتقدِّمينَ_ بمعنى الإخبارِ؛ أمَّا في عُرْفِ المتأخِّرينَ فهو للإجازةِ، كـ «عن» لأنَّها في عُرْفِ المتأخِّرينَ للإجازةِ، وعَنْعَنَةُ المعاصرِ محمولةٌ على السماعِ بخلاف غيرِ المعاصر، فإنها تكونُ مُرسلةً أو مُنقطعةً، فَشَرْطُ حملِها على السماعِ ثبوتُ المعاصرةِ إلَّا من المدلِّسِ، فإنَّها ليست محمولةً على السماعِ، وقيلَ يُشترطُ في حملِ عَنْعَنَةِ المعاصرِ على السماعِ ثبوتُ لقارئهما _أي الشيخِ والراوي_ ولو مرةً واحدةً؛ ليحصلَ الأمنُ في باقي مُعَنْعَنِهِ عن كونه من المرسلِ الخفيِّ. انتهى.
وقالَ الحافظُ ابن حجرٍ في ((شرحِ النُّخْبَةِ)): والفرقُ بين المدَّلسِ
ص5
والمرسلِ الخفيِّ [3] دقيقٌ، يَحْصُلُ تحريرهُ بما ذكره ههنا، وهو أنَّ التَّدليسَ يختصُّ بمن روى عمَّن عُرِفَ لقاؤه إياه، فأما إن عاصرَهُ ولم يُعرفْ أنَّه لقيه فهو المرسلُ الخَفِيُّ، ومَن أدخلَ في تعريف التدليسِ المعاصرةَ ولو بغيرِ لُقِيٍّ لزمَهُ دخولُ المرسلِ الخفيِّ في تعريفه، والصوابُ التَّفْرِقَةُ بينهما.
وقالَ الطِّيْبِيُّ في ((الخلاصةِ)): لا يجوزُ في الكتبِ المؤلَّفَةِ إذا رُويتْ إبدالُ «حَدَّثَنَا» بـ«أَخْبَرَنَا» ولا عكسُهُ؛ لاحتمالُ أن يكون مَن قالَ ذلك ممَّن [4] لا يرى التسويةَ بينهما، وإن كان يرى ذلك، والإبدالُ عند التسويةِ مبنيٌّ على الخلافِ المشهورِ في روايةِ الحديثِ، هل يجبُ أداءُ ألفاظهِ؟ أو يجوزُ نقلُ معناهُ؟ فمَن جَوَّزَ إذًا نقلَ المعنى من غيرِ نقلِ اللفظِ يُجَوِّزُ إبدالَ «حدَّثَنَا» بـ«أَخبرنا»، وعكسُهُ، ومن لم يُجَوِّزِ لم يُجَوِّزِ الإبدالَ [5] ، وعلى هذا التفصيلِ ما سمعهُ من لفظِ الشيخِ. انتهى.
وقالَ الشيخُ زكريا أبو يحيى [6] الأنصارِيُّ: في ((شرحِ الألفيةِ)): (واختصروا) أي: المحدِّثونَ (في كُتُبِهِمْ) لا في نُطْقِهِمْ: (حَدَّثَنَا) على اختلافٍ بينهم في كيفيةِ ذلكَ، فمنهم من يقتصرُ منها (على: ثَنا) شَطْرُهَا الثاني، وهو المشهورُ، أو على (نا) الضميرِ، (وقيلَ): على (دَثَنَا) بإسقاطِ الحاءِ، كما رآهُ ابنُ الصَّلاحِ في خطِّ الحاكمِ وغيره، (واختصروا) أيضا (أخبرنا) على اختلافٍ بينهم في كيفيةِ ذلك، فمنهم مَن يقتصرُ منها على (أنا) الألفُ والضميرُ، وهو المشهورُ، أو على (أَرَنا) بحذفِ الخاءِ والباء، (و) اقتصرَ (البيهقي) على (أَبَنا) بحذفِ الخاء والراء، قالَ ابنُ الصلاحِ: «وليس بحسنٍ» أي: لاشتباههِ بـــ«أَنْبَأَنَا» ويُرْمَزُ أَيضًا «حدَّثني» فيكتب: «ثَنِي»، أو «دَثَنِي» دونَ أخبرني، وأنبأنا، وأنبأني. انتهى.
قال الإمامُ النوويُّ في ((مقدِّمةِ شرحِ مسلمٍ)): جرتْ عادةُ أهلِ الحديثِ بحذفِ «قال» ونحوه فيما بين رجالِ الإسنادِ في الخطِّ، وينبغي للقارىءِ أن يلفظَ بها، وإذا كانَ في الكتابِ «قُرِئَ على فلانٍ:
ص6
أخبرك فلانٌ» فليقلْ القارىء: « [قُرئ] على فلانٍ» قيل له: أخبركَ فلانٌ، [واذا كان فيه: قُرئ على فلان: أخبرنا فلانٌ» فليقل: قرئ على فلان] قيل له: قلتُ: «أخبرنا فلانٌ». وإذا تكررَتْ كلمةُ «قال» كقولِهِ: «حدَّثنا صالحٌ قالَ [7] : قالَ الشعبيُّ» فإنَّهم يحذفونَ أحدَهما في الخطِّ فليلفظْ بهما القارىء، فلو تركَ القارىء لفظَ «قال» في هذا كلِّهِ فقد أخطأَ، والسماعُ صحيحٌ للعلمِ بالمقصود، ويكونُ من الحذفِ لدلالةِ الحالِ عليه. انتهى.
كذا ممَّا عُهِدَ حذفُهُ أيضًا لفظُك «أنه» في مثلِ ما رواه الترمذيُّ من حديثِ حذيفةَ _رضي الله عنه_ قالَ: رأى رجلًا.. الحديث. فإنَّ تقديرَهُ: قال: إنَّه رأى رجلًا، وقولِ البخاريِّ: ثَنَا الحسنُ بن الصَّبَّاحِ، سمعَ جعفرَ بنَ عونٍ... فهذا خلاصةُ ما يُنَاسِبُ ذكرُهُ من صيغِ الأداءِ في هذا المقامِ.
ولنرجعْ إلى شرحِ الحديثِ:
قوله: (المَكِّيُّ) فاعلُ «حَدَّثَنَا» قالَ الكِـَرْمَانِيُّ: هو بفتحِ الميمِ وبالكافِ وبالمشددةِ، أبو السَّكَنِ بفتحِ المهملةِ والكافِ، (بْنُ إِبْرَاهِيْمَ) بنُ بَشيرٍ، بفتحِ الموحدة وكسرِ المعجمة آخره راءٌ، البلخيُّ الحنظلي التَّمِيْمِيُّ، قَدِمَ بغدادَ [حاجًا] وحدَّثَ الناسَ ذهابًا وإيابًا، قال: حَجَجْتُ سِتِّينَ، وَتزوجتُ ستينَ، وجاورتُ البيتَ عشرَ سنين.
وفي القَسْطَلَانِيِّ: وفي روايةِ أبي ذرٍّ: «حَدَّثَنِي المَكِّيُّ» بالإفرادِ والتعريفِ، وفي أخرى: «حَدَّثَنِي مكيٌّ» بالإفرادِ والتنكيرِ، وفي ((فتحِ الباري)): هو اسمٌ وليس بِنَسَبٍ، وهو من كبارِ شيوخِ البخاريِّ، سمعَ من سبعةَ عشرَ من التابعينَ، وفي ((هدايةِ الإرشادِ)) عن محمدِ بن عليٍّ قال: سألتُ مَكيًّا في سنةِ كم وُلِدْتَ؟ قالَ: سنةَ ستٍّ وعشرين ومائةٍ، قالَ أبو عَلِيٍّ: وحَدَّثَنَا محمدٌ قالَ: ماتَ مَكِّيُّ بن إبراهيمَ ليلةَ الأربعاءِ، قُبَيْلَ الصبحِ [النصف] من شعبانَ، سنةَ خمسَ عشرة ومائتين. قالَ البُخَارِيُّ في ((التاريخِ الصغير)): ماتَ سنة أربعَ عشرةَ ومائتين [أو خمس عشرة ومئتين]. وقالَ في ((الكبير)): ماتَ سنةَ أربع عشرةَ
ص7
ومائتين، ولم يشكَّ فيهِ.
(قالَ: حَدَّثَنِي يَزِيْدٌ) على صيغةِ المضارعِ من الزيادةِ (ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) مُصَغَّرُ «عبد»، فهو بفتحِ العينِ، هو مولى سلمةَ بنِ الأكوعِ الأسلميِّ، روى عن سلمةَ بن الأكوعِ، وروى عنه مَكِّيُّ بن إبراهيمَ في «العلمِ» [خ¦109] والتفسيرِ والأضاحي [خ¦5497]، وأبو عاصمٍ، وحاتمُ بن إسماعيلَ، ويحيى بن سعيدٍ القَطُّانُ، وبكيرُ بن عبدِ اللهِ الأشجُّ، وتُوُّفِيَ بالمدينةِ سنةَ ستٍّ أو سبعٍ وأربعينَ ومائةٍ.
ومن المعلومِ أنَّ حاصلَ المعنى: حَدَّثَنَا يَزِيْدٌ حالَ كونه راويًا، (عَنْ) تقدَّم أن الروايةَ بـ«عن» محمولةٌ على السماعِ بشرطِ المعاصرةِ واللقاءِ، وهو مُتَحَقِّقٌ ههنا كما لا يخفى (سَلَمَةَ) بالمهملةِ واللامِ المفتوحتينِ (ابْنِ الأَكْوَعِ) بفتحِ الهمزةِ وسكونِ الكافِ وفتح الواو وبالمهملةِ، وهو لغةً المُعْوَجُّ الكوع، أي طرفُ الزِّنْدِ الذي يلي الإبهامَ، واسمُ الأكوعِ سِنَانُ بن عبدِ اللهِ الأسلميُّ المدنيُّ، ويُفْهَمُ من ظاهرِ هذه العبارةِ أنَّ الأكوعَ أبو سَلَمَةَ بلا واسطةٍ، لكنَّهُ ذُكِرَ في ((الإصابة)) بلفظٍ: قيلَ هو ابنُ عمرَ بن الأكوعِ، وقيلَ اسمُ أبيهِ وَهْبٌ، وقيلَ غيرُ ذلك، فعلى هذا يكونُ «سلمةُ» منسوبًا في الحديث إلى جدِّهِ، ولعلَّ سببَ نسبتهِ إليه ما ذكره في ((القاموسِ)) من أنَّ الأكوعَ العظيمُ، وكنيةُ سَلَمَةَ أبو مسلمٍ أو أبو إياسٍ أو أبو عامرٍ.
ومن مناقبهِ أنَّه شهدَ بيعةَ الرِّضوانِ، وبايعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثَ مراتٍ في أولِ الناسِ وأوسطهم وآخِرِهم، وقد رُوِيَ له عن رسول الله سبعةٌ وسبعونَ حديثًا، خرَّجَ البخاريُّ منها واحدًا [8] وعشرينَ حديثًا، وكانَ شجاعًا راميًا مُحسنًا، يسبقُ الفرسَ فاضلًا خَيِّرًا، سكنَ الرَّبَذَةَ _بالتحريكِ وإعجام الذال_ قريةً بنجدٍ من عمل المدينة، على نحوِ أربعة أيام منها، نزلها أبو ذرٍّ الغِفَارِيُّ، وتُوُفِّيَ بها، كما ذكره السيد
ص8
السَّمهُوْدِيّ في ((تاريخِ المدينةِ)).
وقال الكِرْمَانِيُّ: ويُقَالُ: إنَّه كَلمَهُ الذئبُ، قالَ سلمةُ: قد رأيتُ الذئبَ قد أخذَ ظبيًا، فطالبتُهُ حتى نزعتُهُ منه، فقالَ: ويحكَ مالي ولكَ؟! عمدتُ إلى رزقٍ رَزَقَنِيْهِ اللهُ ليسَ من مالك فتنزعه مني، قال: قلتُ يا عبادَ اللهِ إنَّ هذا لعجبٌ، ذيبٌ يتكلم. فقال الذئبُ: أعجبُ منه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في أصولِ النخلِ يدعُوكم إلى عبادةِ اللهِ وتأبونَ إلَّا [9] عبادةَ الأوثان، قال: فلحقتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأسلمتُ. انتهى.
وقال القاضي عياضُ في ((الشِّفا)): ومن ذلكَ قصةُ كلامِ الذئبِ المشهورةُ عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه: بَينا راعٍ يرعَى غنمًا له عرضَ الذئبُ لشاةٍ منها، فأخذها الراعي منهُ، فأَقْعَى الذئبُ، وقالَ للرَّاعي: أَلَا تَتَّقِي اللهَ حُلْتَ بَيني وبينَ رزقي، قال الرَّاعي: العجبُ من ذئبٍ يتكلَّمُ بكلامِ الإنسِ، فقالَ الذئبُ: أَلَا أخبركَ بأعجبَ من ذلك، رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين الحرَّتَيْنِ يُحدِّثُ الناسَ بأنباءِ ما قد سبقَ. فأتى الرَّاعي النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبرهُ، فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «قُمْ فَحَدِّثْهُمْ»، ثم قالَ: صَدَقَ. والحديثُ فيه قصةٌ، وفي بعضهِ طولٌ.
ورُوِيَ حديثُ الذئبِ عن أبي هريرةَ _رضي الله عنه_ فقالَ الذئبُ: أنت أعجبُ مني واقفًا على غنمكَ وتركتَ نبيًا لم يَبعثِ اللهُ نبيًا أعظمَ منه عنده قدرًا، قد فُتِحَتْ له أبوابُ الجنةِ الثمانيةُ، وأشرفَ أهلُهَا على أصحابهِ ينظرونَ قِتَالَهُمْ، وما بينكَ وبينهُ إلَّا هذا الشِّعْبُ، فتصيرُ في جنودِ الله. قالَ الراعي: مَنْ لِيْ بغنمي؟ قالَ الذئب: أنا أرعاها حتى ترجعَ. فأسلمَ الرجلُ إليه غنمَهُ ومضى، وذكرَ قصته وإسلامهُ ووجودَهُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقاتلُ،
ص9
فقالَ له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «عُدْ إلى غنمكَ تَجِدْهَا بِوَفْرِهَا». فوجدَها كذلك، وذبحَ للذئبِ شاةً.
وعن أُهْبَانَ بْنِ أَوْسٍ وأنهُ كانَ صاحبَ القضيةِ، والمحدِّثَ بها، ومُكَلِّمَ الذئبِ.
وعن سلمةَ بن الأكوعِ وأنَّهُ كان صاحبَ هذه القصةِ أيضًا وسببَ إسلامهِ بمثلِ حديث أبي سعيدٍ. انتهى.
وقال في ((الإصابة)): وأوَّلُ مشاهدِهِ _رضي الله عنه_ الحديبيةُ، وكان من الشُّجعانِ، ويسبقُ الفرسَ عَدْوًا، وبايعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عندَ الشجرةِ على الموت، نزلَ المدينةَ، ثم تحوَّلَ إلى الرِّبَذَةِ بعد قتل عثمانَ، وتزوَّجَ بها ووُلِدَ لهُ، حتى كان قبل أن يموتَ بليالٍ نزلَ المدينةَ فماتَ بها، وكانَ ذلكَ سنةَ أربعٍ وسبعينَ على الصحيحِ، وقيل: ماتَ سنة أربعٍ وستينَ.
وزَعَمَ الواقديُّ ومَن تبعهُ أنَّه عاشَ ثمانينَ سنةً.
قال في ((الفتح)) [10] : وهو على هذا القولِ باطلٌ إذ يلزمُ منه أن يكونَ له في الحديبيةِ نحوٌ من عشرِ سنينَ، ومَن كانَ في ذلكَ السنِّ لا يبايعُ على الموتِ، ثم رأيتُ عندَ ابن سعدٍ أنه ماتَ في آخر خلافةِ معاويةَ، كذا ذكرَهُ البَلاذُرِيُّ. انتهى.
(قَالَ): قد سبقتِ الإشارةُ إلى أنَّه ينبغي للقارئ أن يتلفظَ بلفظِ: «أنه قيل: قال» لاقتضاءِ المقام له كما لا يَخفى.
(سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) أي كلامهُ حال كونهِ (يَقُوْلُ: مَنْ) موصولٌ متضمنٌ معنى الشرطِ، والتالي صلتُهُ (يَقُلْ عَنِّي) أصله يقولُ، حُذفت الواو للجزمِ لأجلِ الشرطِ (مَا لَمْ أَقُلْ) أي شيئًا لم أقلْهُ أو الذي لم أقلْ، فحُذِفَ العائدُ لأنَّ العائدَ المفعولَ يجوز حذفُهُ، وذَكَرَ القول لأنه الأكثرُ، وكذا لو نقلَ ما قاله بلفظٍ يُوْجِبُ تغييرَ الحكمِ، وحكمُ الفعلِ كذلك لاشتراكهما في عِلَّةِ الامتناعِ، وهو الجَسَارةُ على
ص10
الشريعةِ، ومُشَرِّعِهَا صلواتُ الله وسلامُهُ عليه، فلا فرقَ في ذلك بين أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كَذا أو فَعَلَ كذا، إذا لم يكنْ قالَهُ أو فعلَهُ.
قال القسطلانيُّ في شرحِ حديثِ أبي هريرةَ _رضي الله عنه_ الواردِ في وعيدِ الكذبِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومُقتضى هذا الحديثِ استواءُ تحريمِ الكذبِ عليهِ في كل حالٍ، سواءٌ في اليقظةِ أو في النومِ. انتهى.
(فَلْيَتَبَوَّأْ) بكسرِ اللامِ على الأصلِ وسكونِها على المشهورِ، وهو جوابُ الشرطِ السابق (مَقْعَدَهُ) أي فليتخذْ لنفسه منزلًا، يُقالُ: تبوأَ الرجلُ المكانَ؛ إذا اتخذَهُ مسكنًا، وهو أمرٌ بمعنى الخبرِ أو بمعنى التهديدِ أو بمعنى التَّهَكُّمِ، أو دُعاءٌ على فاعلِ ذلك، أي: بوأَهُ اللهُ ذلكَ.
وقال الكِرْمَانِيُّ: يحتملُ أن يكون الأمر على حقيقتهِ، والمعنى: مَن كذب فليأمرْ نفسهُ بالتَّبوُّءِ، ويلزمُ عليه كذا. قال: وأُوْلَاهَا أَوْلَاهَا، فقد رواهُ أحمدُ بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عمرَ بلفظِ: «يُبْنَى لَهُ بَيْتٌ في النَّارِ».
قال الطَّيبيُّ: فيه إشارةٌ إلى معنى القصدِ في الذنب وجزائِهِ، أي: كما أنه قَصَدَ في الكذب التعمُّدَ فليقصدْ بجزائه التَّبوُّءَ.
وفي ((النهاية)) في بيانِ شرح هذا الحديث: ومعناهُ لينزل منزلَهُ [11] من النارِ، ويُقال: بَوَّأَهُ اللهُ منزلًا، أي: أسكنَهُ إِيَّاهُ.
وفي ((القاموس)): وقعدَ به أقعدَهُ، والمَقْعدُ والمَقْعدةُ مكانه، والقِعدةُ بالكسر نوعٌ منه، ومقدارُ ما أخذه القاعدُ من المكان، ويفتح.
(مِنَ النَّارِ) قال الكِرْمَانِيُّ: وكلمة «مِنَ» يُحتملُ أن تكونَ بيانيةً أو ابتدائيةً.
وقال في ((الفتح)): فإن قيل الكذبُ معصيةً إلَّا ما استُثنيَ في الإصلاح وغيره والمعاصي قد يُوْعَدُ عَليها بالنارِ، فما الذي امتازَ به الكاذبُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم من الوعيدِ على من كذبَ على غيرِهِ؟ فالجوابُ عنه من وجهينِ: أحدهما: أنَّ
ص11
الكذبَ عليه يَكْفُرُ مُتَعَمِّدُهُ عند بعضِ أهلِ العلمِ، وهو الشيخُ أبو محمد الجوينيُّ، لكن ضعَّفَهُ ابنهُ إمام الحرمينِ ومَن بعده، ومَالَ ابنُ المُنَيِّرِ إلى اختيارهِ، وَوَجَّهَهُ بأنَّ الكاذبَ عليه في تحليلِ حرامٍ مثلًا لا ينفكُّ عن استحلالِ ذلكَ الحرامِ أو الحملِ على استحلالهِ، واستحلالُ الحرامِ كفرٌ، والحملُ على الكفرِ كفرٌ. وفيما قالهُ نظرٌ لا يخفى، والجمهورُ على أنه لا يَكْفُرُ إلَّا إذا اعتقدَ حِلَّ ذلكَ. الجوابُ الثاني: أنَّ الكذبَ عليه كبيرةٌ والكذبَ على غيره صغيرةٌ فافْتَرَقَا، ولا يلزمُ في استواءِ الوعيدِ في حقِّ مَن كذبَ عليهِ و كذبَ على غيره أن يكونَ مقرُّهما واحدًا أو طولُ إقامتِهِمَا سواءً، فقد دلَّ قولهُ صلى الله عليه وسلم : «فَلْيَتَبَوَّأْ» على طولِ الإقامةِ فيها، بل ظاهرهُ أنَّه لا يخرجُ منها لأنَّه لم يجعلْ له منزلًا غيره، إلَّا أنَّ الأدلةَ القطعيَّةَ قامت على أنَّ خلودَ التَّأبيدِ مختصٌّ بالكافرينَ، وقد فرَّقَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بينَ الكذب عليهِ وبين الكذبِ على غيره في حديثِ المغيرةِ، حيث يقول: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ» [خ¦1291].
قال في ((الفتح)): أي غيري، ومعناهُ أنَّ الكذبَ على الغيرِ قد أُلِفَ واسْتُسْهِلَ خَطْبُهُ، وليسَ الكذبُ عليَّ بالغًا مبلغَ ذاك، فإذا كانَ دونه في السُّهُوْلَةِ فهو أشدُّ منه في الإِثمِ، وبهذا التقريرِ يندفعُ اعتراضُ مَن أوردَ أنَّ الذي تدخلُ عليه الكافُ أعلى، والله أعلم.
وكذا لا يلزمُ مِن إثباتِ الوعيدِ المذكورِ على الكذبِ عليهِ أنْ يكونَ الكذبُ على غيرهِ مباحًا، بل يُسْتَدَلُّ على تحريمِ الكذبِ على غيره بدليلٍ آخرَ، والفرقُ بَينهما أنّ الكذبَ عليه تُوُعِّدَ فاعلُهُ بِجَعْلِ النارِ لهُ [12] مَسكنًا، بخلافِ الكذبِ على غيرهِ.
وقالَ النوويُّ في ((شرحِ مسلمٍ)): معنى الحديثِ أنَّ هذا جزاؤُهُ، وقد يُجازَى بهِ، وقد يعفو الله الكريمُ عنه، ولا يُقطَعُ عليه بدخولِ النارِ، وهكذا
ص12
سبيلُ ما جاءَ من الوعيدِ بالنارِ لأصحاب الكبائرِ غير الكفرِ، فكُلُّهَا يُقالُ فيها: هذا جزاؤُهُ، وقد يُجازى، وقد يُعفَى عنه، ثم إنْ جُوْزِيَ وأُدْخِلَ النارَ فلا يخلدُ فيها بل لا بدَّ من خروجهِ منها بفضلِ الله تعالى ورحمته، ولا يَخْلُدُ في النارِ أحدٌ ماتَ على التوحيدِ، وهذه قاعدةٌ متفقٌ عليها عند أهلِ السنةِ.
ثم قال: وأما الكذبُ فهو عند المتكلِّمينَ من أصحابِنا: الإخبارُ عن الشيءِ على خلافِ ما هو، عمدًا كان أو سهوًا، وهذا مذهب أهلِ السُّنة.
ثم قال: واعلمْ أن هذا الحديثَ يشتملُ على فوائدَ وجملٍ من القواعدِ:
إحداها: تقريرُ هذهِ القاعدةِ لأهلِ السُّنةِ أن الكذبَ يتناولُ إخبارَ العامدِ والسَّاهِي عن الشيءِ [بخلاف ما هو].
الثانية: تعظيمُ تحريمِ الكذبِ عليه صلى الله عليه وسلم فإنه فاحشةٌ عظيمةٌ ومَوْبِقَةٌ كبيرةٌ، ولكن لا يَكْفُرُ بهذا الكذبِ إلَّا أن يَسْتَحِلَّهُ، هذا هو المشهورُ من مذاهبِ العلماءِ من الطوائفِ.
قال: ثم إنَّ من كذبَ عليهِ صلى الله عليه وسلم في حديثٍ واحدٍ فَسَقَ وَرُدَّتْ رِوَايَاتُهُ كُلُّهَا، وبطلَ الاحتجاجُ بجميعها، فلو تابَ وحَسُنَتْ توبته فقدْ قال جماعةٌ من العلماءِ لا تُؤَثِّرُ توبتهُ في ذلكَ ولا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ أبدًا، بل يُحَتَّمُ جَرْحُهُ دائمًا.
ثم قال: قلتُ: وهذا الذي ذكرهُ هؤلاءِ الأئمةُ ضعيفٌ مُخالفٌ للقواعدِ الشرعيةِ، والمختارُ القطعُ بصحَّةِ توبتهِ في هذا وقبول رواياتهِ [13] بعدها إذا صحَّتْ توبتهُ بشروطهِ المعروفةِ، وهي: الإقلاعُ عن المعصيةِ، والنَّدمُ على فِعلِهَا، والعزمُ على أن لايعودَ إليها، فهذا هو الجارِي على قواعدِ الشَّرعِ، وقد أجمعوا على صحَّةِ روايةِ من كان كافرًا فأسلمَ، وأكثرُ الصحابةِ _رضي الله عنهم_ كانوا بهذه الحالةِ، وأجمعوا على قَبُوْلِ شهادتهِم، ولا فرقَ بينَ الشهادةِ
ص13
والروايةِ في هذا، والله أعلم.
الثالثة: أنَّه لا فرقَ في تحريمِ الكذبِ عليه صلى الله عليه وسلم بينَ ما كانَ في الأحكامِ وما لا حُكمَ فيهِ، كالتَّرهيبِ والترغيب والمواعظِ وغيرِ ذلكَ، فكلُّهُ حرامٌ من أكبرِ الكبائرِ وأقبحِ القبائحِ، بإجماعِ المسلمينَ الذين يُعْتَدُّ بهم في الإجماعِ.
ثم قال [14] : الرابعة: تحريمُ روايةِ الحديثِ الموضوعِ على مَن عَرفَ كونهُ موضوعًا أو غلبَ على ظنِّهِ وضعُهُ، فمَن روى حديثًا عَلِمَ أو ظنَّ وضعُهُ فهو داخلٌ في هذا الوعيدِ مندرجٌ في جملةِ الكاذبينَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدلُّ عليهِ الحديثُ: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيْثٍ يَرَى أنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبِيْنَ»، ولهذا قالَ العلماءُ: ينبغي لمن أرادَ روايةَ حديثٍ أو ذكرَهُ أن يَنْظُرَ فإنْ كانَ صحيحًا أو حسنًا قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كذا أو فعلَ كذا أو نحوَ ذلك مِنْ صِيَغِ الجزمِ، وإن كانَ ضعيفًا فلا يقلْ: قالَ أو فعلَ أو أمرَ أو نهى وشِبْهَ ذلكَ من صيغِ الجَزْمِ، بل يقول: رُوِيَ عنهُ كذا، أو جاءَ عنهُ كذا، أو يُرْوَى أو يُذْكَرُ أو يُحكى أو بلغنا وما أشبهه. واللهُ أعلمُ. انتهى.
قلتُ: وتتميمًا للفوائدِ المتعلِّقة بهذا الحديثِ نذكر ما قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ في ((فتحِ الباري)) في آخرِ شرحِ هذا البابِ.
تنبيهٌ:
رَتَّبَ المصنفُ أحاديثَ البابِ ترتيبًا حسنًا؛ لأنَّهُ بدأَ بحديثِ عليٍّ وفيهِ مقصودُ البابِ، وثَنَّى بحديثِ الزبيرِ الدالِّ على توقِّي الصحابةِ وتَحَرُّزِهِمْ من الكذبِ، وثَلَّثَ بحديثِ أنسٍ الدالِّ على امتناعِهم إِنَّمَا كانَ من الإكثارِ المُفضي إلى الخطأ لا عن أصلِ الحديثِ، لأنهم مأمورونَ بالتبليغِ، وختمَ بحديثِ أبي هريرةَ الذي فيه الإشارةُ إلى استواءِ تحريمِ الكذبِ عليهِ سواءً كانت دعوى السماعِ منهُ في اليقظةِ أو في المنامِ.
وقد أخرجَ البخاريُّ حديثَ [«مَن كذبَ عليَّ» أيضًا من حديث المغيرة وهو في الجنائز [خ¦1291] ومن حديث] عبدِ اللهِ بن عمرِو بن العاصِ في أخبارِ بني إسرائيلَ [خ¦3461]، ومن حديثِ واثلةَ بن الأسقعِ في مناقبِ قريشٍ [خ¦3509]، لكن ليس هو بلفظ [15]
ص14
الوعيدِ بالنارِ صريحًا، واتَّفقَ مسلمٌ معه على تخريجِ حديثِ عليٍّ [خ¦106] وأنسٍ [خ¦108] وأبي هريرةَ [خ¦110] والمغيرةِ [خ¦1291] رضي الله عنهم.
وأخرجه مسلمٌ من حديثِ أبي سعيدٍ أيضًا، وصحَّ أيضًا في غيرِ الصحيحين من حديثِ عثمانَ بن عفانَ وابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ وأبي قتادةَ وجابرٍ وزيدِ بن أرقمٍ. ووردَ بأسانيدَ حِسَانٍ من حديثِ طلحةَ بن عبيدِ اللهِ وسعيدِ بن زيدٍ وأبي عبيدةَ بن الجَرَّاحِ [16] ومعاذِ بن جبلٍ وعقبةَ بن عامرٍ وعمرانَ بن حصينٍ [17] وسلمانَ الفارسيِّ ومعاويةَ بن أبي سفيانَ ورافعِ بن خَدِيْجٍ وطارقٍ الأشجعيِّ والسائبِ بن زيدٍ وخالدِ بن عُرْفطةَ وأبي أُمامةَ وأبي قِرْصَافَةَ وأبي موسى الغافقيِّ وعائشةَ، فهؤلاء ثلاثونَ نفسًا من الصحابةِ رضي الله عنهم، ووردَ أيضًا عن نحوٍ من خمسينَ غيرِهم بأسانيدَ ضعيفةٍ، وعن نحوٍ من عشرينَ آخرينَ بأسانيدَ ساقطةٍ.
وقد اعتنى جماعةٌ من الحفُّاظِ بجمعِ طُرُقِهِ، فأوَّلُ مَن وقفتُ على كلامهِ في ذلكَ عليُّ بن المَدِيْنِيِّ وتَبِعَهُ يعقوبُ بن أبي شَيْبَةَ، فقال: رُوِيَ هذا الحديثُ من عشرينَ وجهًا عن [18] الصحابةِ من الحجازيينَ وغيرهم.
ثم إبراهيمُ الحربيُّ وأبو بكرٍ البَزَّارُ، فقالَ كلٌّ منهما أنهُ وردَ من حديث أربعينَ من الصحابةِ، وجمعَ طُرُقَهُ في ذلكَ العصرِ أبو محمدِ بن يحيى بن محمدِ بن صاعدٍ، فزادَ قليلًا.
وقال أبو بكرٍ الصَّيْرَفِيُّ شارحُ رسالةِ الشافعيِّ: رواهُ ستونَ نفسًا من الصحابةِ.
وجمعَ طُرُقَهُ الطبرانيُّ فزاد
ص15
قليلًا، وقالَ أبو القاسمِ بن مَنْدَه: رواهُ أكثرُ من ثمانينَ نفسًا، [وقد] خرَّجَهَا بعضُ النَّيسابوريينَ فزادت قليلًا.
وقد جمعَ طُرُقَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ في مقدمة كتابِ «الموضوعاتِ» فجاوزَ التسعينَ، وبذلكَ جزم ابنُ دحيةَ، وقال أبو موسى المدينيُّ: يرويهِ نحو مائةٍ من الصحابةِ، وقد جمعها بعدهُ الحافظانِ يوسفُ بن خليلٍ وأبو علي البكريُّ، وهما متعاصرانِ، فوقعَ لكلٍّ منهما ما ليسَ عند الآخرِ.
ويحصلُ من مجموعِ ذلك كُلِّهِ روايةُ مائةٍ من الصحابةِ على ما فصَّلَهُ من صحيحٍ وحسنٍ وضعيفٍ وساقطٍ، مع أن فيها ما هو في مطلقِ ذمِّ الكذبِ عليه من غير تقييدٍ بهذا الوعيدِ الخاصِّ.
ونقلَ النَّوَوِيُّ أنه جاءَ عن مائتينِ من الصحابةِ، ولأجلِ كثرةِ طُرُقِهِ أَطْلَقَ عليه جماعةٌ أنه متواترٌ.
ونازعَ بعضُ مشايخنا في ذلكَ قال: لأنَّ شرطَ التواترِ استواءُ طرفيهِ وما بينهما في الكثرة [19] ، وليست موجودةً في كل طريقٍ [منها] بمفردِها!
وأُجِيْبَ بأنَّ المرادَ بإطلاق كونه متواترًا روايةُ المجموعِ عن المجموعِ من ابتدائهِ إلى انتهائهِ في كل عصرٍ، وهذا كافٍ في إفادةِ العلمِ، وأيضًا طريق أنسٍ وحدَها قد رواها عنه العددُ الكثيرُ، وتواترتْ عنهم، نعم وحديثُ عليٍّ رواهُ ستة من مشاهيرِ التابعينَ وثِقَاتِهِمْ، وكذا حديثُ ابن مسعودٍ وأبي هريرةَ، وعبدِ الله بن عمرٍو، فلو قيلَ في كلٍّ منها أنه متواترٌ عن صحابيَّهِ لكان صحيحًا، فإن العددَ المعينَ لا يُشترطُ في المتواترِ بل ما أفادَ العلمَ كفى، والصِّفاتُ العَلِيَّةُ في الرواة تقومُ مقامَ العددِ أو تزيد عليهِ، كما قَرَّرْتُهُ في ((نُكَتِ علومِ الحديث)) وفي ((شرحِ نُخبةَ الفِكَرِ)) وبَيَّنْتُ هناكَ الردَّ على من ادَّعَى أن مثالَ المُتواترِ لا يوجدُ إلا في هذا الحديثِ، وبَيَّنْتُ أن أمثلتهُ كثيرةٌ: منها: حديثُ: «مَنْ بَنَى للهِ مَسْجِدًا»،
ص16
والمَسْحُ عَلَى الخُفَّيْنِ، وَرَفْعُ اليَدَيْنِ، والشَّفَاعَةُ، وَالحَوْضُ، ورُؤْيَةُ اللهِ في الآخِرَةِ، وَالأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ، وغيرُ ذلكَ، والله المستعانُ.
وأمَّا ما نقلهُ البيهقيُّ عن الحاكمِ ووافقهُ أنه جاءَ من روايةِ العشرةِ المشهورةِ، قال: وليسَ في الدنيا حديثٌ أجمعَ العشرةُ على روايتهِ غيرُهُ. فقد تَعَقَّبَهُ غير واحدٍ، لكن الطُّرُقَ عنهم موجودةٌ فيما جمعهُ ابن الجوزيِّ ومن بعدهُ، والثابتُ منها ما قدَّمتُ ذكرَهُ: من الصِّحَاحِ عليٌّ والزبيرٌ، ومن الحِسَانِ طلحةُ وسعدٌ وسعيدٌ وأبو عبيدةَ، ومن الضعيفِ المتماسكِ طريقُ عثمانَ، وبَقِيَّتُهَا ضعيفٌ وساقطٌ. انتهى.
وأما ما أشار إليه من بيانه في ((شرح نُخْبَةِ الفِكَرِ)) فهذه عبارته:
فائدة:
ذكر ابن الصَّلاحِ أن مثالَ المتواترِ على التفسيرِ المتقدِّمِ يعزُّ وجودُهُ، إلا أنْ يُدَّعَى في حديث: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ» وما ادَّعاهُ من العِزَّةِ ممنوعٌ، وكذا ما ادَّعاهُ غيرهُ من العدمِ؛ لأن ذلك نشأ عن قلةِ الاطلاعِ على كثرةِ الطرقِ، وأحوالِ الرجالِ، وصفاتِهم المقتضيةِ لإبعادِ العادةِ أن يتواطؤوا على الكذبِ، أو يحصلُ منهم اتفاقًا.
ومِنْ أَحْسَنِ ما يُقَرَّرُ بهِ كونُ المتواترِ موجودًا وجودَ كثرةٍ في الأحاديثِ أن الكتبَ المشهورةَ والمتداولةَ بأيدي أهلِ العلمِ شرقًا وغربًا المقطوعَ عندهم بصحةِ نِسْبَتِهَا إلى مُصنِّفيها إذا اجتمعت على إخراجِ حديثٍ، وتعدَّدَتْ طُرُقُهُ تعدُّدًا تُحِيْلُ العادةُ تواطُؤَهم على الكذبِ إلى آخرِ الشروطِ أفاد العلم اليقينَ إلى قائلهِ، ومثلُ ذلك في الكتبِ المشهورةِ كثيرٌ.
وفيه أيضًا: ومنها المسلسلُ بالأئمة الحفَّاظِ المتقنينَ حيث لا يكونُ غريبًا، كالحديث الذي يرويه أحمدُ بن حَنْبَلٍ مثلًا، ويُشاركُه [20] فيه غيرهُ [عن الشافعي، ويشاركه فيه غيره] عن مالكِ
ص17
بن أنسٍ، فإنه يفيدُ العلمَ عند سامعهِ بالاستدلالِ من جهةِ جَلالةِ رُوَاتِهِ وأن فيهم من الصفاتِ اللائقةِ الموجبةِ للقَبولِ ما يقومُ مقامَ العددِ الكثيرِ من غيرهم، ولا يتشكَّكُ من له أدنى ممارسةٍ بالعلمِ وأخبارِ الناسِ أن مالكًا _مثلًا_ لو شافهَهُ بخبرٍ أنه صادقٌ فيه، فإذا انضافَ إليه [أيضًا] مَن هو في تلك الدرجةِ ازدادَ قوةً وبَعُدَ عمَّا يُخشى عليه من السهوِ. انتهى.


[1] هذه عبارته في نزهة النظر.
[2] في المخطوط: «صالحات».
[3] في المخطوط: «والخفي المرسل».
[4] في المخطوط: «مما».
[5] في المخطوط: « ومن ثَمَّ لم يُجَوِّزِ الإبدالَ ».
[6] في المخطوط: «أبو زكريا يحيى».
[7] في المخطوط: «قوله».
[8] في المخطوط: «أحدًا».
[9] في المخطوط: «وتأتون إلى».
[10] هكذا عزاه إلى الفتح ولم أره فيه، إنما وجدته في الإصابة.
[11] في المخطوط: «ينزل منزلةً».
[12] في المخطوط: «بوعد صاحبه يجعل في النار».
[13] في المخطوط زيادة: «في»، وليست في شرح مسلم.
[14] لم ينقل المؤلف القاعدة الثالثة وهي: أن اللام في ليضل ليست لام التعليل بل هي لام الصيرورة والعاقبة معناه أن عاقبة كذبه ومصيره إلى الإضلال به.
[15] في المخطوط: « ربط»، والمثبت من الفتح.
[16] زاد في النسخ المتأخرة من الفتح بخط الحافظ: «وسعد بن أبي وقاص».
[17] زاد في النسخ المتأخرة من الفتح بخط الحافظ: «وابن عباس».
[18] في المخطوط: «من».
[19] في المخطوط: «أكثره».
[20] في المخطوط: «شاركهم».