المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

128-. حدَّثنا إِسْحاقُ بنُ إِبْراهِيمَ، قالَ: حدَّثنا [1] مُعاذُ بنُ هِشامٍ، قالَ: حدَّثني أَبِي، عن قَتادَةَ، قالَ:

حدَّثنا أَنَسُ بنُ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُعاذٌ [2] رَدِيفُهُ على الرَّحْلِ، قالَ: «يا مُعاذَ بنَ جَبَلٍ». قالَ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قالَ: «يا مُعاذُ». قالَ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ [3] . ثَلاثًا، قالَ: «ما مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ [/ج1ص37/] مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ على النَّارِ». قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا [4] ؟ قالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا [5] ». وَأَخْبَرَ [6] بِها مُعاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.

الأطراف



[1] في رواية أبي ذر وابن عساكر: «أخبَرَنا»، وزاد في (ن، ب، ص) نسبتها إلىَ رواية الأصيلي، وزاد في (ن، و) نسبتها إلىَ رواية [عط] ، وزاد في (و، ب، ص) نسبتها إلىَ رواية السمعاني عن أبي الوقت، وهي في (ب، ص) بدل [عط] .
[2] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[3] قوله: «يا مُعاذُ قال: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ» ليس في رواية الأصيلي.
[4] في رواية أبي ذر: «فيستبشرونَ».
[5] في رواية الأصيلي: «يَنْكُلوا» (ن)، وهو موافق لما في (ق)، وعزاها في (و، ب، ص، ق) إلىَ رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ بدل الأصيلي.
[6] في رواية [عط] : «أَخبَرَ» بغير واو.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

128- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه (قَالَ: حَدَّثَنَا)، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((أخبرنا)) (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ)؛ أي: ابن أبي عبد الله الدَّستوائيُّ، المُتوفَّى بالبصرة سنة مئتين، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) هشامٌ، (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنَا [1] أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَمُعَاذٌ)؛ أي: ابن جبلٍ (رَدِيفُهُ)؛ أي: راكبٌ خلفَه (عَلَى الرَّحْلِ)؛ بفتح الرَّاء، وسكون الحاء المُهمَلَتين، وهو للبعير أصغر من القِتْب [2] ، وعند المؤلِّف في «الجهاد»: «أنَّه كان على حمار» [خ¦2856] ، (قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ) بضمِّ «معاذُ»، منادى مفردٌ عَلَمٌ، واختاره ابن مالكٍ؛ لعدم احتياجه إلى تقديرٍ، ونصبه على أنَّه مع ما بعده كاسمٍ واحدٍ مُركَّبٍ، كأنَّه أُضِيف، وهذا اختاره ابن الحاجب، والمُنادَى المُضَاف منصوبٌ فقط، (قَالَ)؛ أي: معاذ: (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (يَا مُعَاذُ، قَالَ)؛ أي: معاذٌ: (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا)؛ يعني: أنَّ نداءه عليه الصلاة والسلام لمعاذٍ وإجابة معاذٍ قِيلَ: ثلاثًا، (قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) شهادةً (صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ)، والجارُّ والمجرور الأوَّل _وهو «من قلبه»_ يتعلَّق [3] بقوله: «صدقًا»، أو بقوله: «يشهد»، فعلى الأوَّل: الشَّهادة لفظيَّةٌ؛ أي: يشهد بلفظه ويصدِّق بقلبه، وعلى الثَّاني: قلبيَّةٌ؛ أي: يشهد بقلبه ويصدِّق بلسانه [4] ، واحتُرِز به عن شهادة المنافقين، فإن قلت: إنَّ ظاهر هذا يقتضي عدم دخول [/ج1ص220/]

جميع من شهد الشَّهادتين النَّار؛ لِمَا فيه من التَّعميم والتَّأكيد، وهو مُصادِمٌ للأدلَّة القطعيَّة الدَّالَّة على دخول طائفةٍ من عُصَاة الموحِّدين النَّارَ، ثمَّ يخرجون بالشَّفاعة، أُجِيب: بأنَّ هذا مُقيَّدٌ بمن يأتي بالشَّهادتين تائبًا، ثمَّ يموت على ذلك، أو أنَّ المُرَاد بالتَّحريم هنا: تحريم الخلود، لا أصل الدُّخول، أو أنَّه خرج مخرج الغالب؛ إذِ الغالب أنَّ الموحِّدَ يعمل بالطَّاعات ويجتنب المعاصي، أو من قال ذلك مؤدِّيًا حقَّه وفرضه، أوِ المُرَاد: تحريم النَّار على اللِّسان النَّاطق بالشَّهادتين [5] ؛ كتحريم مواضع السُّجود.

(قَالَ) معاذٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا)؛ بهمزة الاستفهام، وفاء العطف المحذوف معطوفها، والتَّقدير: أقلت ذلك فلا [6] (أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟) نُصِبَ بحذف النُّون، والتَّقدير: فأن يستبشروا، قال الدَّمامينيُّ: على القاعدة في نصب المضارع المقترن بالفاء في جواب العرض [7] ، ولأبي ذَرٍّ: ((فيستبشرون))؛ بالنُّون؛ أي: فهم يستبشرون، (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (إِذًا)؛ أي: إن أخبرتهم؛ (يَتَّكِلُوا)؛ بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة؛ أي: يعتمدوا على الشَّهادة المُجرَّدة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((يَنْكُلوا))؛ بنونٍ ساكنةٍ، وضمِّ الكاف، مِنَ النُّكول؛ وهو الامتناع؛ أي: يمتنعوا عن العمل اعتمادًا على مُجرَّد التَّلفُّظ بالشَّهادتين، (وَأَخْبَرَ)، وفي روايةٍ: ((أخبر))؛ بغير واوٍ، (بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ)؛ أي: موت معاذٍ، (تَأَثُّمًا)؛ بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، والهمزة، وتشديد المُثلَّثة، نُصِبَ على أنَّه مفعولٌ له؛ أي: تجنُّبًا عن الإثم إن كتم ما أمر الله بتبليغه [8] ؛ حيث قال: {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الذين أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187] ، فإن قلت: سلَّمنا أنَّه تأثَّم من الكتمان، فكيف لا يتأثَّم من مخالفة الرَّسول عليه الصلاة والسلام في التَّبشير؟ أُجِيب: بأنَّ النَّهيَ كان مُقيَّدًا بالاتِّكال، فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك أو أنَّ المُرَاد بالتَّحريم تحريمُ الخلود، لا أصل الدُّخول فيها [9] أو أنَّ النَّهيَ إنَّما كان للتَّنزيه لا للتَّحريم، وإِلَّا؛ لَمَا كان يخبر به أصلًا، وقد روى البزَّار من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ في هذه القصَّة: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أَذِنَ لمعاذٍ في التَّبشير، فَلَقِيَهُ عمرُ رضي الله عنه، فقال: لا تعجلْ، ثمَّ دخل فقال: يا نبيَّ الله، أنت أفضل رأيًا، إنَّ النَّاس إذا سمعوا ذلك؛ اتَّكلوا عليها، قال: فَرَدَّه [10] ، وقد تضمَّن هذا الحديث أنْ يُخصَّ بالعلم قومٌ فيهمُ الضَّبطُ وصحَّةُ الفهم، ولا يُبذَل المعنى اللَّطيف لمن لا يستأهله [11] ، ومن يخاف عليه التَّرخيص والاتِّكال لتقصير فهمه، وهو مطابقٌ لما ترجم له المؤلِّف.

[1] في (د): «حدَّثني».
[2] في (س): «القنب».
[3] في (ص) و(م): «متعلِّقٌ».
[4] في (ص): «بلفظه».
[5] «بالشهادتين»: سقط من (ب) و(م)، وفي (د) و(ص): «بالتحريم».
[6] في (ص): «أفلا».
[7] قوله: «قال الدَّمامينيُّ: على القاعدة في نصب المضارع المقترن بالفاء في جواب العرض»، سقط من (د) و(س).
[8] في غير (ص) و(م): «تبليغه».
[9] قوله: «أو أنَّ المُرَاد بالتَّحريم تحريمُ الخلود، لا أصل الدُّخول فيها»، سقط من (س).
[10] «فردَّه»: سقط من (م).
[11] في (ص): «يتأهله».





128- (عَلَى الرَّحْلِ): متعلِّقٌ بـ (رَدِيفُهُ)، والجملةُ حالٌ، و (قَالَ): هو خبرٌ لـ (أنَّ)، ويَحتمل أن يكون (عَلَى الرَّحْلِ) حالًا مِنَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

(يَا مُعَاذ بْن جَبَلٍ): (ابْنَ) منصوبٌ، وفي «التَّسهيل» جوازُ رفعِه، و (معاذ) فيه النَّصبُ والرَّفعُ، وسيأتي الكلامُ على هذا مطوَّلًا في «يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ» [خ¦2053] .

وقال البِرماويُّ: (بنصبِ «ابْن»، وضمِّ «مُعَاذ»؛ لأنَّه منادى مفردٌ، ونصبِه؛ لأنَّه مع صفتِه كشيءٍ واحدٍ مضافٍ لما بعدَه).

وقال الكرمانيُّ: (إنَّه المختارُ) [1] ؛ أي: كما اختارَه ابنُ الحاجب، لكن مختار ابن مالك الضمُّ.

وقال الزَّركشيُّ: (يجوزُ في «مُعَاذ» النَّصبُ على أنَّه مع ما بعدَه كاسمٍ واحدٍ مركَّبٍ، والمنادى المضاف منصوبٌ، ويجوزُ فيه الرَّفعُ على أنَّه منادى مفردٌ عَلَمٌ، و«ابْنَ» منصوبٌ بلا خلافٍ) انتهى.

قوله [2] : (لَبَّيْكَ): معناه: أنا مقيمٌ على طاعتِكَ.

(وَسَعْدَيْكَ): أي: مُساعِدٌ طاعتَك، وهما من المصادر التي يجبُ حذفُ فِعْلِها، وكان حقَّهما أن يُقال: لبًّا لك، وإسعادًا لك، ولكن ثُنِّيَا [3] على معنى التَّأكيد؛ أي: إلبابًا بعدَ إلباب [4] ؛ أي: إقامةً بعدَ إقامةٍ، وإسعادًا بعدَ إسعادٍ؛ قاله الكرمانيُّ.

اعلم أنَّهمُ اختلفوا في (لَبَّيْكَ) وأخواته؛ هل هو مفردٌ، أو تثنيةٌ لفظيَّةٌ، أو حقيقيَّةٌ؟

فذهب يونسُ إلى أنَّه مفردٌ مقصورٌ، والأصلُ: (لَبَّى)، وكان الأصل أن يقالَ: لَبَاكَ؛ مثلُ: عَصَاكَ، إلَّا أنَّه قُلِبَتْ ألفُهُ مع الضَّميرِ بالحملِ على (لَدَى) و (على؛ كما قالوا: (لديك) و (عليك) قالوا: (لبيك).

ورُدَّ بأنَّ القلبَ لو كان لأجلِ الضَّميرِ؛ لَمَا انقلبَ معَ الظَّاهرِ، قال الشَّاعرُ: [من المتقارب]

~ دَعَوْتُ لِمَا نَابَنِي مِسْوَرًا فَلَبَّى فَلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ

وذهبَ سيبويه والخليل إلى أنَّه تثنيةٌ، ومفرده: (لبَّ) [5] ؛ حكاهُ سيبويه، و (لَبَّ) اسمُ مصدرٍ الَّذي هو (إلباب)، ولكن هذه التَّثنية المراد بها: التَّكثير.

وذهبَ السُّهيليُّ إلى أنَّها تثنيةٌ حقيقيَّةٌ، والمرادُ بها: تَلْبيتانِ؛ تلبيةٌ في امتثالِ الأوامرِ، وتلبيةٌ في الازدجارِ عنِ المناهي.

ثمَّ لا يُضافُ إلَّا إلى ضمير المخاطب، ويظهرُ من كلام سيبويه أنَّها تُضاف إلى الظَّاهر، فقال: (تقول: لبَّيْ زيدٍ).

وأمَّا إضافتُها إلى ضميرِ الغائبِ؛ فشاذٌّ.

والفعلُ النَّاصبُ لهذا المصدرِ لا يَظهرُ؛ لأنَّ التَّثنيةَ تكريرٌ في المعنى، والتَّكريرُ يُغني عن ذِكْرِ الفعل.

وأمَّا الكافُ اللَّاحقةُ لها؛ فذهب الجمهورُ إلى أنَّها ضميرٌ؛ فإنْ كان المصدرُ يُرادُ به الطَّلبُ؛ فهي في موضعِ الفاعل؛ نحو: (دواليك)، فإنَّه مأخوذٌ مِنَ المداولة؛ أي: تداولنا دواليك، فالكافُ ضميرُ الفاعل؛ أي: (دوال)، وإنْ كان المصدرُ يُرادُ به الخبرُ؛ فهي في موضعِ المفعول؛ نحو: (لبَّيك) ؛ أي: أجبتُك.

وذهبَ الأعلمُ: أنَّ الكافَ حرفُ خطابٍ لا محلَّ لها مِنَ الإعراب؛ كالكاف في (ذلك)، والله أعلم.

(ثَلَاثًا): راجعٌ لقول معاذٍ، ويَحتمل أنَّه لقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم أيضًا، فيكونُ مِنَ التنازُعِ.

(مِنْ قَلْبِهِ): يُمكن تعلُّقُه بـ (صِدْقًا) ؛ فالشَّهادةُ لفظيَّةٌ، وبـ (يَشْهَدُ) ؛ فالشَّهادةُ قلبيَّةٌ، ويُوصفُ الفعلُ بالصِّدقِ باعتبارِ تحرِّي كمالِه، قال تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ به} [الزمر: 33] ؛ أي: حقَّق ما أوردَه قولًا بما تحرَّاه فعلًا.

(أَفَلَا أُخْبِرُ): العطفُ على مقدَّرٍ بعد الهمزة؛ أي: أقلتَ ذلك فلا أخبر به؟.

(فَيَسْتَبْشِرُوا): النُّونُ محذوفةٌ؛ لأنَّ الفاءَ وقعتْ بعدَ النَّفيِ، أوِ الاستفهامِ، أوِ العرْضِ، وفي بعضِها بالنُّونِ؛ أي: فهُم يستبشرون، وقال شيخُنا في «الفتح»: (في روايةِ أبي ذرٍّ بإثبات النُّونِ، ولبقيَّةِ الرُّواةِ بحذفِها، وهو الجادَّةُ).

وقال البِرماويُّ: (وعندَ أبي الهيثم بالنُّون).

وقال الزَّركشيُّ: (وعندَ أبي الهيثم بالنُّون، والأوَّلُ الوجهُ؛ لأنَّ الفعلَ يُنصبُ بعدَ الفاءِ المجابِ بها عَرْضٌ؛ كقوله: [من البسيط]

~ يَا ابْنَ الْكِرَامِ أَلَا تَدْنُو فَتُبْصِرَ مَا ..... ... ... ... ... ... ... .

والرَّفعُ إنَّما يجوزُ إذا قُصِدَ بالفاءِ مجرَّدُ العطفِ؛ كقوله تعالى: {وَلَا يُؤذنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 36] ؛ أي: فهُم يعتذرون).

(إِذَنْ): جوابٌ وخبرٌ؛ أي: إِنْ أخبرتَهم؛ يتَّكِلوا.

[1] أي: النصب، «الكواكب الدراري» (2/154).
[2] (قوله): مثبت من (أ).
[3] في (ب): (بنيا)، وهو تصحيف، والمثبت من (أ) ومصدره.
[4] قوله: (أي: إلبابًا بعدَ إلباب) ضرب عليه في (ب).
[5] في النسختين: (لبَّي)، والمثبت هو الصواب.





128- قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ): فهو ابن راهويه، وجدُّه اسمه مَخْلَد -بإسكان الخاء، وفتح الميم- الإمام المشهور، أَبُو يعقوب المروزيُّ، عالم خراسان، عنِ الدراورديِّ، وجرير، ومعتمر، وطبقتهم، وعنه: من عدا ابن ماجه، وبقيَّةُ [1] شيخُه، وخلق، من آخرهم السَّرَّاج، أملى مسنده من حفظه، توفِّي وله سبع وسبعون سنة في شعبان سنة (238 هـ ) ، أخرج له الآخذون عنه، له ترجمة في «الميزان»، وصحَّح عليه رحمه الله.

قوله: (وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ): اعلم أنَّ ابن منده الحافظ جمع أرداف النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فبلغوا نيِّفًا وثلاثين رديفًا، قاله شيخنا الشَّارح، ولم أقف أنا على هذا التأليف، والذي أستحضر أنَّه عُدَّ من أردافه عليه السَّلام: أسامة بن زيد، أردفه عليه الصَّلاة والسَّلام راجعًا من عرفة، ومرَّة أخرى على إكاف، والصدِّيق في الهجرة، وعثمان بن عفَّان في قدومه عليه الصَّلاة والسَّلام من بدر، وعليُّ بن أبي طالب في حجَّة الوداع، وعبد الله بن جعفر بين يديه، وأحد [2] ابني فاطمة خلفه، وفي رواية: «حملني أنا وغلامين من بني هاشم»، وفي أخرى: جعلني أمامه وقثم خلفه وعبد الله بن عبَّاس وأخوه عبيد الله، وأخوهما الفضل في حجَّة الوداع من مزدلفة إلى منى، والحسن بن عليٍّ وأخوه الحسين هذا قدَّامه وهذا خلفه، ومعاوية بن أبي سفيان، ومعاذ بن جبل مرَّة على حمار يقال له: عفير، ومرَّة ليس بينه وبينه إلَّا مؤخِّرة الرَّحل [3] ، وأبو ذرٍّ الغفاريُّ على حمار، وزيد بن حارثة، وثابت بن الضَّحَّاك، والشريد بن سويد، وسلمة ابن الأكوع، وزيد بن سهل أَبُو طلحة الأنصاريُّ، وسهيل بن بيضاء، وعليُّ بن أبي العاصي بن الربيع يوم الفتح، وعبد الله بن الزُّبير، وغلام من بني عبد المطَّلب، وأسامة بن عمير، وصفيَّة بنت حُييٍّ أمُّ المؤمنين لمَّا قدم بالشام كذا فيه، وإنَّما أراد بها قدومه من خيبر كما في «الصَّحيح»، وهي من جهة الشام، وأبو الدرداء، وآمنة [بالنُّون والياء معًا] بنت أبي الصَّلْت الغفاريِّ، وأبو أُناس، وأبو هريرة، وقيس بن سعد بن عبادة، وخُوَّات بن جبير، وجبريل، فإنَّ في بعض السُّنَّن [-وهو في «التِّرمذيِّ» في تفسير (سورة سبحان) ، وهو في «النَّسائيِّ» في (التفسير) -] [4] : «فما زايلا ظهر البراق حتَّى رجعا»، ورأيت حديثًا معزوًّا إلى «صحيح ابن حبَّان» من حديث حمَّاد بن زيد عن عاصم بن أبي النجود عن زرِّ بن حبيش: (أنَّه سأل حذيفة هل صلَّى [5] رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ببيت المقدس حين أُسرِي به؟ قال: لا، إلا أنه أُتِي بدابَّة فحمله عليها جبريل، أحدهما رديف صاحبه، [فانطلق [6] معه من ليلته حتَّى أتى بيت المقدس] [7] ، وأُرِي ما في السَّماوات وما في الأرض، ثمَّ رجعا عودهما على بدئهما، فلم يصلِّ فيه، ولو صلَّى؛ لكانت سنَّة) ، وقال شيخنا الشَّارح في (كتاب اللِّباس) من شرح هذا الكتاب: (منهم -يعني من الأرداف-: أولاد العبَّاس، وعبد الله بن جعفر، وأبو هريرة، وقيس بن سعد بن عبادة، وصفيَّة، وأم صُبَيَّة الجهنيَّة) انتهى، فأولاد العبَّاس ستَّة رجال من أمِّ الفضل، وإنْ أراد أولاده كلَّهم؛ فعشرة بتمَّام، وقد اختُلِف في صحبته، وله رؤية، فيحرَّر ما أراد، انتهى.

وعقبة بن عامر، وقد رأيته [8] في مصنَّف لبعض الشافعيَّة استدركه على الأرداف.

وقوله فيما تقدَّم: (آمنة بنت أبي الصَّلْت الغفاريِّ): هذَه لا أعرفها، بل ولا أعرف [/ج1ص71/] في الصحابيَّات من اسمها آمنة مشهورة بهذا الاسم، إلا أنَّ النَّوويَّ ذكر أنَّ زوج عَبْد الله بن عمر الحائض [9] اسمها: آمنة بنت غفار، وفيهنَّ [10] أميَّة [11] بنت قيس الغفاريَّة ذكرها الحافظ أَبُو موسى المدينيُّ فيهنَّ، وما أدري هل هي هذه أم لا؟ والله أعلم، هذا مجموع من وقفت عليه من الأرداف.

[تنبيه: وقع في «التِّرمذيِّ» في (سورة المنافقين) في (التفسير): عن زيد بن أرقم: (وأنا رديف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) انتهى، والصَّواب: وأنا ردف عثمان] [12] ، [وفي «الشفا» لعياض في (فصل: وأمَّا نظافة جسمه): (قال المزنيُّ عن جابر: أردفني النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم والتقمت خاتم النُّبوذَة، فكان ينمُّ عَلَيَّ مسكًا) انتهى] [13]

قوله: (يَا مُعَاذ بْن جَبَلٍ): أمَّا (بن) ؛ فمنصوب، وفي «التسهيل» لابن مالك: جواز رفعه، وأمَّا (معاذ) ؛ ففيه النصب والرفع، والله أعلم.

فائدة: إذا نعتَّ بمضاف؛ فلا يخلو إما أنَّ يكون بابن أو ابنة أو غيرهما، فإنْ كان بأحدهما؛ فيشترط له ثلاثة شروط:

أحدها: أنَّ يقع [14] أحدهما بين علمين، أو كنيتين، أو لقبين، أو بين أحدهما مع الآخر؛ نحو: (يا زيد بن عمرو) ، أو (يا زيد بن أبي سعيد) ، أو (يا زيد بن بطَّة) [15] ، وكذا لو عكست.

الثَّاني: أنَّ يكون (ابن) نعتًا لا غير.

الثَّالث: ألَّا يفصل بينه وبين المنادى، ففيه ثلاثة أوجه، أفصحها: أنْ يُترَك المنادى على ضمِّه، و (ابن) على نصبه؛ استصحابًا بحكمهما الأوَّل، وهذا اختيار المبرِّد.

الوجه الثَّاني: أنَّ يفتح آخر المنادى إتباعًا لحركة (ابن) ، وهو اختيار جمهور البصريِّين، قال ابن كيسان: (وهذا الوجه أكثر في كلام العرب) انتهى.

وقد اختلف النحويُّون في [16] توجيه آخر المنادى وفتح (ابن) في هذا الوجه، وهذا له موضع آخر.

الوجه الثَّالث: ضمَّة نون (ابن) إتباعًا لضمَّة المنادى، حكاها الأخفش عن بعض العرب.

فإنْ لَمْ تجتمع [17] فيه الشروط الثلاثة؛ فلا يكون في المنادى إلا الضَّمُّ، ولا في (ابن) إلا النصب رجوعًا إلى الأصل، فمثال عدم الشرط الأوَّل (يا رجل ابن عمرو) أو (يا زيد ابن أخينا) ، فلم يقع بين علمين، ومثال عدم الشرط الثَّاني: أنْ [18] يعرب ابنًا بدلًا [19] أو منادًى ثانيًا أو مفعولًا بفعل [20] مضمر، ومثال عدم الشرط الثَّالث: قولك: (يا زيد الفاضل ابن عمرو) فقد فصلت بـ (الفاضل) بين المنادى وبين (ابن) ، فالمنادى في هذه المواضع لا يكون إلا مضمومًا؛ لتخلُّف بعض الشروط، والمسألة طويلة، وفيها خلاف بين النحويِّين، ويكفي هذا منها، والله أعلم، ومن أراد زيادة؛ فعليه بالمطوَّلات من كتب النحو، وإنْ نعتَّ المنادى المضموم بمضاف غير ابن أو ابنة؛ نحو: (يا زيد صاحب عمرو) أو (يا صفيَّة عمَّة رسول الله [21] ) ؛ فليس فيه إلا النصب على الصَّحيح.

[قوله: (فَيَسْتَبْشِرُون): كذا في أصلنا، وفي الهامش (فيستبشروا) ، وهما جائزان، وفي أصلنا الدمشقيِّ (فيستبشروا) ليس غير] [22] .

قوله: (تَأَثُّمًا): أي: خوفًا من الإثم، ومعنى تأثُّم معاذ [23] : أنَّه كان يحفظ علمًا فخاف فواته وذهابه بموته، فخشي أن يكون ممَّن كتم علمًا، وممَّن لَمْ يمتثل أمره صلَّى الله عليه وسلَّم في تبليغ سننه [24] ، فيكون آثمًا، فاحتاط [25] وأخبر بهذه؛ مخافة من الإثم، وعلم أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام لَمْ ينهه عنِ الإخبار بها نهي تحريم، وقال القاضي عياض: (لعلَّ معاذًا لم يفهم من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم النَّهي، لكن كسر عزمه عمَّا عرض له من بُشراهم؛ بدليل حديث أبي هريرة: «من لقيت يشهد أنَّ لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه؛ فبشِّره بالجنَّة») ، قال: (أو يكون معاذ بلغه أمرُه عليه الصَّلاة والسَّلام لأبي هريرة وخاف أن يكتم علمًا علمه فيأثم، أو يكون حمل النَّهي على إذاعته) ، قال النوويُّ: (وبهذا [26] الوجه ظاهر، وقد اختاره ابن الصَّلاح فقال: «منعه من التبشير العامِّ؛ خوفًا من أنْ يسمع ذلك مَن لا خبرة له ولا علم فيغترَّ ويتَّكل، وأخبر به صلَّى الله عليه وسلَّم على الخصوص من أمن عليه [27] الاغترار والاتَّكال من أهل المعرفة، فإنَّه أخبر به معاذًا، فسلك به معاذ هذا المسلك، فأخبر به من الخاصَّة من رآه أهلًا لذلك») ، قال: (فأمَّا أمره عليه الصَّلاة والسَّلام في حديث أبي هريرة من التبشير؛ فهو من تغيُّر الاجتهاد، وقد كان الاجتهاد جائزًا له واقعًا منه عند المحقِّقين، وله مزيَّة على سائر المجتهدين بأنَّهُ [28] لا يُقَرُّ على الخطأ في اجتهاده) .

[1] في (ب): (وثقه) .
[2] في (ج): (وأخذ) .
[3] (الرحل): ليس في (ج) .
[4] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[5] (صلى): سقط من (ج) .
[6] في (ب): (انطلق) ، وفي (ج): (وانطلق) .
[7] ما بين معقوفين تكرر في (ب) سابقًا بعد قوله: (في «النسائي» في «التفسير») .
[8] في: (ج): (رأيت) .
[9] (الحائض): ليس في (ب) و (ج) .
[10] في (ب): (ومنهن) .
[11] في (ج): (آمنة) .
[12] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[13] ما بين معقوفين ليس في (ب) و (ج) .
[14] زيد في (ج): (بعده) .
[15] في (ب): (بطر) .
[16] (في): ليس في (ب) .
[17] في (ب): (يجمع) .
[18] زيد في (ب): (يعلم) .
[19] (بدلًا): ليس في (ج) .
[20] في (ب): (لفعل) .
[21] زيد في (ج): (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) .
[22] في ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[23] (معاذ): ليس في (ج) .
[24] في (ب): (لسننه) ، وفي (ج): (سنته) .
[25] في (ج): (فاحتاج) .
[26] في (ب): (وهذا) .
[27] زيد في (ج): (من) .
[28] في (ب): (بأن) .





128- ( يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ ) يجوز في ( معاذ ) النصب على أنَّه مع ما بعده كاسمٍ واحدٍ مركَّبٍ والمنادى المضاف منصوب، ويجوز فيه الرفع على أنَّه منادى مفرد علم، و( ابن ) منصوب بلا خلاف.

( أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا ) وعند أبي الهيثم: «فيستبشرون»، والأول الوجه [1] ؛ لأنَّ الفعل ينصب بعد الفاء المجاب بها عَرْض، كقوله:

~ يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصرَ ما [2]

والرَّفع إنَّمَا يجوز إذا قصد بالفاء مُجَرَّد العَطْفِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } [المرسلات: 26 ] ؛ [ أَيْ: فهم يعتذرون ] [3] .

=========

[1] قال ابن حجر رحمه الله: بل هي رواية أبي ذر عن أبي الهيثم وغيره من شيوخه.

[2] جاء في هامش [ب] : عجزه: قد حدثوك فما رأيٍ كمن سمعا.

[3] بين معقوفين زيادة من ( ظ ).


128- ( وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ ) أي: راكب خلفه، جملة حاليَّة.

( عَلَى الرَّحْلِ ): بإسكان الحاء المهملة وأكثر ما يستعمل للبعير، لكن معاذ في تلك الحالة كان رديفه على حمار.

( يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ ): بنصب ( ابن )، وفي معاذ بالضَّمِّ والفتح.

( لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ) اللَّبُّ بفتح اللَّام: الإجابة، والسَّعد: المساعدة، وتثنيتهما للتَّكثير، أي: إجابة بعد إجابة وإسعادًا بعد إسعاد.

( ثَلاَثًا ) أي: النِّداء، والإجابة ثلاثًا، وصُرِّح بذلك في رواية مسلم.

( صِدْقًا ): احتراز من شهادة المنافق.

( مِنْ قَلْبِهِ ): متعلِّق بصدقًا.

( حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ ) أي: نار الخلود التي أعدَّت للكافرين للأحاديث الدَّالة على أنَّ طائفة من العصاة يعذَّبون.

( فَيَسْتَبْشِرُوا ) بالنَّصب، جواب العَرْض، ولأبي ذرٍّ بإثبات النُّون، أي: فهم كقوله: {وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } [المرسلات:36] .

( يَتَّكِلُوا ): بتشديد التَّاء الفوقيَّة المفتوحة وكسر الكاف: من الاتِّكال، وروي بإسكان النُّون وضمِّ الكاف، أي: يمتنعوا من العمل اعتمادًا على ما يتبادر من ظاهره.

وفي «مسند البزَّار» بسند حسن من حديث أبي سعيد الخدريِّ في هذه القصَّة: «أنه صلَّى الله عليه وسلَّم أذن لمعاذ في التَّبشير أوَّلًا فلقيه عمر فقال: لا تعجل ثمَّ دخل، فقال: يا نبيَّ الله، أنت أفضل رأيًا، إنَّ النَّاس إذا سمعوا ذلك اتَّكلوا عليها، قال: فردَّه» وهذا معدود من موافقات عمر.

( عِنْدَ مَوْتِهِ ) أي: موت معاذ.

( تَأَثُّمًا ): بفتح الهمزة وتشديد المثلَّثة المضمومة، أي: خشية الوقوع في إثم كتم العلم، ودلَّ صنيعه على أنَّ النَّهي عن التَّبشير كان على التَّنزيه لا على التَّحريم، وإلَّا لما أخبره أصلًا. [/ج1ص288/]


128- وبه قال: ((حدثنا إسحاق بن إبراهيم)) : المشهور بابن راهويه ((قال: حدثنا)) : وفي رواية: أخبرنا ((مُعاذ)) ؛ بضم الميم (ابن هِشَام) ؛ بكسر الهاء وفتح المعجمة المخففة: ابن أبي عبد الله الدَّستُوائي؛ بفتح الدال، وضم الفوقية، آخره همزة، المتوفى بالبصرة سنة مئتين ((قال: حدثني)) ؛ بالإفراد ((أبي)) هشام المذكور، ((عن قتادة)) : هو ابن دعامة ((قال: حدثنا أنس بن مالك)) رضي الله عنه: ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومُعاذ)) ؛ بضم الميم؛ أي: ابن جبل الصحابي المشهور، وهو بالرفع مبتدأ.

وقوله: ((رديفه)) ؛ أي: راكب خلفه، خبر المبتدأ ((على الرَّحْل)) ؛ بفتح الراء وسكون الحاء المهملتين، وهو للبعير أصغر من القتب، وهو من مراكب الرجال دون النساء، والقتب _محرك_: رحل صغير على قدر السنام، وعند المؤلف في (الجهاد) : أن معاذًا كان رديفه عليه السلام على حمار، ولعل القصة متعددة، والمراد بالرحل هنا: ما يتخذ لدفع البرد من اللباد الصوف المسمَّى بالكوبان.

((قال)) عليه السلام: ((يا معاذ بن جبل)) : يجوز في (معاذ) : النصب على أنه مع ما بعده كاسم واحد مركب، والمنادى المضاف منصوب، أو الرفع على أنه منادى مفرد علم، وأما (ابن) ؛ فهو منصوب بلا خلاف، وتمامه في «عمدة القاري».

((قال)) ؛ أي: معاذ: ((لَبيك يا رسول الله)) ؛ بفتح اللام، تثنية لَبَّ؛ ومعناه: الإجابة؛ أي: أجيبك إجابة بعد إجابة، فالتثنية للتأكيد، وتمامه في «عمدة القاري»َ، ((وسعديك)) ؛ بفتح السين المهملة، تثنية سعد؛ والمعنى: إسعادًا بعد إسعاد لطاعتك، فثنى للتأكيد، وهما من المصادر التي يجب حذف فعلها ونصبها، وقال الفراء: نصبت على المصدر.

((ثلاثًا)) : يتعلق بقول كل واحد من النبي الأعظم عليه السلام ومعاذ؛ أي: ثلاث مرات؛ يعني: النداء والإجابة، قيل: ثلاثًا، وصرح بذلك في رواية مسلم، وتمامه في «عمدة القاري»، ((قال)) عليه السلام: ((ما من أحد)) : فـ (ما) للنفي، و (من) : زائدة للتأكيد، و (أحد) : اسم (ما) .

وقوله: ((يشهد)) : خبرها ((أن)) مفسرة ((لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله صدقًا)) ؛ بالنصب على الحال؛ أي: صادقًا، أو صفة لمصدر محذوف؛ أي: شهادة صدقًا ((من قلبه)) : متعلق بقوله: (صدقًا) ، أو بقوله: (يشهد) ، فعلى الأول الشهادة لفظية؛ أي: يشهد بلفظه ويصدق بقلبه، وعلى الثاني قلبية؛ أي: يشهد بقلبه ويصدق بلسانه، واحترز به عن شهادة المنافقين.

((إلَّا حرمه الله على النار)) : ومعنى التحريم: المنع؛ كما في قوله تعالى: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} [الأنبياء: 95] ، وهل في المعنى فرق بين (حرمه الله على النار) و (حرم الله عليه النار) ؟

أجيب: بأنه لا اختلاف إلا في المفهومين، وأمَّا المعنيان؛ فمتلازمان، وهل تفاوت بين ما في الحديث وما ورد في القرآن: {حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ} [المائدة: 72] ؟

أجيب: بأنه يحتمل أن يقال: النار منصرفة، والجنة منصرف عنها، والتحريم إنَّما هو على المنصرف أنسب، فَرُوْعيَ المناسبة.

فإن قيل: ظاهر الحديث يقتضي عدم دخول جميع من شهد الشهادتين النار؛ لما فيه من التعميم والتأكيد مع أن الأدلة القطعية دلت على أن طائفة من عصاة الموحدين يعذبون في النار، ثم يخرجون منها بالشفاعة.

وأجيب: بأن هذا مقيد بمن يأتي بالشهادتين تائبًا ثم مات على ذلك، أو أنَّه خرج مخرج الغالب، فإنَّ الغالب أن الموحد يعمل الطاعة ويجتنب المعصية، أو أن المراد بتحريمه على النار: تحريم خلوده فيها لا أصل الدخول فيها، أو أنَّ المراد: تحريم جملته؛ لأنَّ النار لا تأكل مواضع السجود من المسلم وكذا لسانه الناطق بالتوحيد، وتمامه في «عمدة القاري».

((قال)) معاذ: ((يا رسول الله؛ أفلا)) : بهمزة الاستفهام وفاء العطف المحذوف معطوفها؛ والتقدير: أقلتَ ذلك، فلا ((أخبر به)) ؛ أي: بما قلتَ ((الناسَ)) ؛ بالنصب، مفعول (أخبر) ((فيستبشروا)) ؛ بالنصب، بحذف النون؛ لأنَّ الفعل ينصب بعد الفاء المجاب بها بعد النفي، والاستفهام، والعرض؛ والتقدير: فإن يستبشروا، وفي رواية: (فيستبشرون) ؛ بإثبات النون؛ والتقدير: فهم يستبشرون.

((قال)) عليه السلام: ((إذا)) : جواب وجزاء؛ أي: إن أخبرتهم ((يتَّكلوا)) ؛ بمثناة فوقية مشددة؛ أي: يعتمدوا، كأنه قال: لا تخبرهم؛ لأنَّهم يتَّكلوا على الشهادة المجردة، فلا يشتغلون بالأعمال الصالحة، وفي رواية: (ينْكُلوا) ؛ بنون ساكنة وضم الكاف، من النكول وهو الامتناع؛ أي: يمتنعوا عن العمل؛ اعتمادًا على الكلمة.

وروى البزار في هذه القصة: أنه عليه السلام أذن لمعاذ في التبشير، فلقيه عمر بن الخطاب فقال: لا تعجل، ثم دخل، فقال: يا نبي الله؛ أنت أفضل الناس رأيًا، إنَّ الناس إذا سمعوا ذلك؛ اتَّكلوا عليها، قال: «فرُدَّه»، فرَدَّه، وهذا من موافقات عمر رضي الله عنه، واستنبط منه في «عمدة القاري»: جواز الاجتهاد بحضرته عليه السلام؛ فليحفظ.

((وأخبر)) : وفي رواية: (فأخبر) بالفاء، وفي أخرى: (أخبر) بدون واو، ((بها)) ؛ أي: بهذه المقالة، وهذا مدرج من أنس رضي الله عنه، ((معاذ عند موته)) ؛ أي: موت معاذ رضي الله عنه أو عند موت النبي عليه السلام، فالضمير يحتمل رجوعه لكلٍّ منهما، بأنْ أخبر به جماعة عند موت النبي الأعظم عليه السلام، ولآخرين عند موت نفسه، ولا منافاة بينهما خلافًا لمن زعمها.

((تَأَثُّمًا)) ؛ بفتح الفوقية والهمزة، وتشديد المثلثة، نصب على أنَّه مفعول له؛ أي: مخافة التأثم إن كتم ما أمر الله به من التبليغ؛ حيث قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى...}؛ الآية [البقرة: 159] .

فإذا تأثم من الكتمان؛ فكيف لا يتأثم من مخالفة النبي الأعظم عليه السلام في التبشير.

قلنا: النهي كان مقيدًا بالاتَّكال، فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك، وصنيع معاذ أن النهي كان للتنزيه لا للتحريم، وإلا لما كان يخبر به أصلًا، أو أن المنع لم يكن إلا من العوام؛ لأنَّه من الأسرار الإلهية لا يجوز كشفها إلا للخواص؛ خوفًا من أن يسمع ذلك من لا علم له، فيتَّكل عليه، فسلك معاذ هذا المسلك، فأخبر به الخواص دون العوام، وتمامه في «عمدة القاري».

وفي الحديث: بشارة عظيمة للموحدين؛ وجواز ركوب الاثنين على الدابة، والإجابة بـ (لبيك وسعديك) ، والتخصيص لقوم بالعلم؛ حيث فيهم الضبط والفهم، ومنع قوم بعدمه؛ حيث عدم فيهم الفهم ووجد فيهم التقصير والاتِّكال، وهو محل المطابقة للترجمة.