شرح تراجم أبواب صحيح البخاري

[كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة]

((20))
(1) (بابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالمدِينَةِ) [1]
قوله: (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ... إلى آخره) [خ¦1188] قَدَّرَ الغَزَاليُّ الكلاَم بصحة الاستثناء هكذا: لا تشد الرحال إلى مسجد إلا إلى ثلاثة مساجد، حتى يبقى شد الرحال لزيارة القبور مسكوتاً عنه غير داخل تحت النهي. ولي على هذا اعتراض؛ لأنَّ نهيه عليه السَّلام عن شدِّ الرحال إنَّما هو لسد الذريعة كيلا يتخذ الناس كل مسجد، وكل مكان من الأمكنة متبركاً يعظمونه كتعظيم مسجد الله الحرام، والمسجد النبوي والبيت المقدس، كما كانوا يفعلون في الجاهلية، وهذا لا يتأتى بتقدير المستثنى منه خاصاً بل يجب أن يُترك الكلام على عمومه، وصحة الاستثناء يمكن على تقدير عمومه أيضاً بأنْ يُقال: لا تشد الرحال إلى مكان من الأمكنة المعظمة بين الناس من المقابر والمساجد إلا إلى هذه الثلاثة المعظمة. فتأمَّلْ.
وأما إتيانه عليه السلام إلى مسجد قُبَاء كلَّ سبتٍ، فإنَّما كان لملاقاة الأنصار الذين كانوا يسكنون فيها لأنَّهم كانوا بعيدين عنه صلى الله عليه وسلم، ما يَصِلُونَ كل يومٍ إليه، وجلوسه عليه السلام في المسجد لتحصيل لقاء كل واحدٍ واحدٍ منهم، واتباع ابن عمر رضي الله عنه في ذلك له عليه السلام لما شاع من الاتباع في السنن الزوائد [2].
ص109


[1] كلمة (والمدينة) الواردة في عنوان الترجمة لم ترد في النسخة الهندية.
[2] كثرة أقوال العلماء في توجيه وشرح هذا الحديث. يُنظر شرح الكرماني (7/12-13)، فتح الباري (3/83-88)، عمدة القاري (7/367-370). وأرى أن الإمام الدَّهلوي رحمه الله مَالَ إلى ترجيح قولِ مَنْ حَرَّمَ زيارة قبور الصالحين، بسبب الواقع الذي كان موجوداً في الهند في عصره، وهو الاهتمام الزائد بالقبور والمقامات، وقد صَرَّحَ الدَّهلويُّ بذلك عندما أشار إلى سد الذرائع. والله أعلم.