شرح تراجم أبواب صحيح البخاري

[أبواب تقصير الصلاة]

((18)) (كِتَابُ التَّقْصِيْرُ لِلصَّلَاةِ)
(1) (بابُ مَا جَاءَ فَي التَّقْصِيْرِ، وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ)
اعلم أنَّ المسافر إذا وَرَدَ على بلدةٍ أو قريةٍ فلا يخلو إمَّا أنْ ينوي الإقامة أو لَا؛ فإن نوى الإقامة، فقال الشافعيُّ: يجب أن ينوي إقامة أربعة أيامٍ كَوَامِلَ حتى يُتِمَّ [1]. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يجب أن ينوي إقامة خمسةَ عشر حتى يَصِحَّ له الإتمام، وإن نوى أقل من ذلك قصر [2]، وأما قول ابن عباس: (أَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ) فهو قصَّةُ عام الفتح، وأجاب الشافعيُّ عنه: أنَّه عليه السلام لم يكن ناوياً للإقامة في تلك الأيام بل كان متردداً إلى أمرين: هو إن أطاعوا رجع إلى المدينة، وإن أبوا اعتراهم فلم يكن فيما نحن فيه [3].
وأما ما وقع في الحديث الثاني من الباب من قوله: (أَقَمْنَا بِهَا عَشْرَاً) فهو قصة حجة الوداع، وأجاب عنه الشافعيُّ: بأنَّ قوله ذلك وَرَدَ على سبيل المسامحة؛ لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَدِمَ مكة صبيحة الرابع من ذي الحجة ثم خرج يوم التروية إلى منى ويوم عرفة إلى عرفات، فما أقام بمكة أربعة أيام كوامل، ووجه المسامحة أنَّه عَدَّ أيام منى ويوم عرفات في أيام مكة جعلهما مكاناً واحداً، فكان كلها مكة؛ ولهذا قال: (أَقَمْنَا بِهَا عَشْرَاً). وإن لم ينو الإقامة فقال أكثر العلماء: إنَّه يقصر وإن أقام شهوراً بل سنين، لفعل ابن عمر حين أقام بإذربيجان [4] ستة أشهر يقصر، وقال بعضهم: بل يتم بعد مضي ثمانية عشر يوماً [5]، وقال بعضهم:
ص102
بمضي تسعة عشر يوماً [6] وأخذ ذلك من قصة الفتح على اختلاف الروايات [7].


[1] يُنظر مغني المحتاج (1/398).
[2] يُنظر حاشية ابن عابدين (2/728-729).
[3] يُنظر مغني المحتاج (1/399).
[4] أذربيجان: بالفتح ثم السكون وفتح الراء وكسر الباء الموحدة وياء ساكنة وجيم، وقومٌ فتحوا الذال وسكنوا الراء، ومدَّ آخرون الهمزة مع ذلك، ويتصل حدها من الشمال ببلاد الديلم، ومن أشهر مدائنها تبريز، وتقع على الساحل الغربي لبحر قزوين، وعاصمتها الحالية (باكو) ومساحتها /87000/ كم مربع. يُنظر معجم البلدان (1/165)، أطلس العالم (69 و96)، أطلس العالم الإسلامي د. شوقي أبو خليل.
[5] وقال بذلك الشافعية. يُنظر مغني المحتاج (1/399).
[6] وقال بذلك إسحاق بن راهويه. يُنظر فتح الباري (2/724).
[7] يُنظر شرح الكرماني (6/159-160)، فتح الباري (2/724-726).