شرح تراجم أبواب صحيح البخاري

كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

((1)) (بابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ)
قَولُه: (بَدْءُ الوَحْيِ) مِنَ البدايةِ، وتخصيصُهُ أنَّ إيرادَ (كَيْفَ) في الترجمةِ مَنْ قَبيلِ إيرادِ التَّنبيهِ في أثناءِ البابِ إفادةُ زيادة فائدةٍ على أصلِ المقصودِ مَنَ البابِ إذِ المقصودُ إثباتَ أصلِ الوحيِ، ويمكنُ أنْ يُقالَ: أنَّ المرادَ بالوحيِ؛ الوحيَ الذي هو نفسُ الحديثِ أو الكلامِ، وبدؤُهُ مَبْدَؤُهُ الذي صدرَ منْهُ وهو اللهُ تعالى، فمعنى (كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوحيِ) أي: كيفَ كانَ مَبْدَءُ ما رُويَ عنه صلى الله عليه وسلم، فأثبتَ بأحاديثِ البابِ أنَّهُ كانَ بالوحيِ وتَوُّسُّطِ الـمَلَك، فكأنَّه أثبتَ أنَّا أخذنا الحديثَ
ص5
عنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهوَ عنْ جبرائيلَ عليهِ السَّلامِ وهو عنِ اللهِ تعالى، فَبِهَذَينِ الوجهَينِ يَنْحَلُّ ما يُوْرَدُ ههنا من أنَّه ليسَ في كثيرِ أحاديثِ البابِ إثباتُ كيفيةِ بَدْءِ الوحيِ، بلْ ذِكْرُ أصلهِ، وإنَّما هو في حديثٍ واحدٍ، فتَذَكَّرْ [1].
قَولُه: (صَلْصَلَةِ الجَرَسِ.. إلى آخره) [خ¦2] [2]. اعلم أنَّ مَنْ تَعطَّلتْ حاسَّةٌ مِنْ حواسِّهِ يَظهرُ له في تلكَ الحاسَّةِ ما لا يَتميَّزُ فيهِ مثلُ مَنْ تعطَّلتْ حاسَّتُهُ البصريَّةِ يرى ألواناً مختلفةً مُتكثِّرةً، ومنْ تعطَّلتْ حاسَّتُهُ السَّمعيَّةِ يَسمعُ أصواتاً مُمتزجةً مختلفةً غيرَ مُتميزةٍ، فقَولُه: (مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ) عبارةٌ عنْ تَعطُّلِ حاسَّةِ السَّمعِ عنْ مسموعاتِ عالمِ الشَّهادةِ لكي يتفرَّغْ لحفظِ ما أُوحيَ إليهِ ويَعِيَهُ كما هو حَقّه، فتدبَّرْ.
قَولُه: (يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزيلِ شِدَّةً.. إلى آخره) [خ¦5] [3]. العِلاجُ في الأصلِ ما يجدُه الواجِدُ بعدَ الَّلمسِ باليدِ أو غيرِها مِنَ الأعضاءِ مِنَ الملاسَةِ والخُشونَةِ، والحَرارةِ والبُرودةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الوِجْدانِ مُطلقاً فمعنى قوله: (يَجِدُ منَ التَّنزيلِ شِدَّةً)
قَولُه: (وكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ... إلى آخره) (مِنْ) في هذا الكلامِ بمعنى (رُبَّ)، وقدْ جاءَ كثيراً في استعمالاتِهمْ، ويُحتمَلُ أنْ تكونَ سببية، و (ما) مصدريَّة، والضميرُ للعلاجِ [4].
قَولُه: (مَادَّ فِيْهَا... إلى آخره) [خ¦7] [5]. المُدةُ في الأصلِ الزَّمانُ، ثُمَّ اسْتُعملَ في الزَّمانِ الذيْ ضُرِبَ للصُّلحِ بيْنَ الفريقينِ، والمرادُ هاهنا نفسَ الصُّلحِ بطريقِ المجازِ [6].
قَولُه: (الحَرْبُ بيننا وبَينَهُ سِجَالٌ... إلى آخره). السِّجَالُ يجوزُ أنْ يكونَ مصدراً منَ (السَّجْلِ) بمعنى المُسَاجَلَةِ يعني المناوبَةِ، ويجوزُ أنْ يكونَ جَمْعُ (سَجْلٍ) بمعنى دَلْوٍ كرَحْلٍ ورِحَالٍ.
ص6


[1] مراد الإمام الدَّهلوي رحمه الله أنَّ الإمام البخاري رحمه الله أورد تحت هذا الباب سبعة أحاديث وذكر حديثاً واحداً فقط يدل على كيفية ابتداء الوحي، وهو الحديث رقم (3). قلت: وقد بيَّن الحافظ ابن حجر في فتح الباري (1/12) أن المراد من بدء الوحي حاله مع كل ما يتعلق بشأنه، أيَّ تعلقٍ كان.
[2] كتاب بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي، ب (1) ح (2) عن عائشة رضي الله عنها.
[3] كتاب الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي (5) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
[4] قال الحافظ ابن حجر: المعالجة محاولة الشيء بمشقة؛ أي: كان العلاج ناشئاً من تحريك الشفتين، أي: مبدأ العلاج منه،... ثم نقل كلاماً للكرماني: والصواب ما قاله ثابت السرقسطي أنَّ المراد كان كثيراً ما يفعل ذلك. فتح الباري (1/40).
[5] كتاب بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي، ح (7) عن عبد الله بن عباس عن أبي سفيان بن حرب رضي الله عنهم.
[6] قال الكرماني: وهذه المدة صلح الحديبية الذي جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي سفيان حاكي القصة وكفار قريش سنة ست من الهجرة، فإن قلت: هذا في أواخر عهد البعثة فما مناسبته لما ترجم عليه الباب، وهي كيفية بدء الوحي ؟ قلت: المراد منه أن كيفية بدء الوحي يُعلم من جميع ما في الباب لا من كل حديث منه فيكفي في كل حديث مجرد أدنى مناسبة مثل ما يُعلم من هذا الحديث أنَّ حال ابتداء الوحي المتابعون للنبي صلى الله عليه وسلم الضعفاء. شرح الكرماني (1/54).