شرح تراجم أبواب صحيح البخاري

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ، وصلَّى اللهُ على سيدنا محمَّدٍ وآلهِ وصحبه أجمعين.
أمَّا بعد، فيقول الفقير إلى رحمةِ اللهِ الكريمِ أحمدُ المدعو بوليِّ اللهِ بن عبد الرحيم كان اللهُ لهما:
أوَّل ما صَنَّفَ أهلُ الحديثِ في علمِ الحديثِ جعلوهُ مُدوَّناً في أربعةِ فنونٍ:
فنُّ السُّنَّةِ؛ أعني الذي يُقالُ له: الفقه مثل موطَّأ مالكٍ [1]، وجامع سُفيان [2].
وفنُّ التَّفسيرِ مثل كتاب ابن جُرَيْجٍ.
وفنُّ السِّيَرِ مثل كتاب محمَّد بن إسحاق.
وفنُّ الزُّهدِ والرِّقاق مثل كتاب ابن المبارك.
فأرادَ البُخاريُّ رحمهُ اللهُ أنْ يَجمعَ الفُنونَ الأربعةِ في كتابٍ، ويُجرِّدَهُ لِما حَكَمَ له العلماءُ بالصَّحَّةِ قبلَ البُخاريِّ وفي زمانهِ، ويُجرِّدَهُ للحديثِ المرفوعِ المسندِ، وما فيهِ مِنَ الآثارِ وغيرِها، إنَّما جاءَ بهِ تَبَعاً لا بأَصَالةٍ، ولهذا سَمَّى كتابَه «بالجامعِ الصَّحيحِ» المسندِ [3].
وأرادَ أيضاً أنْ يُفرِغَ جُهْدَهُ في الاستنباطِ مِنْ حديثِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ويَستنبِطَ مِنْ كلِّ حديثٍ مسائلَ كثيرةً جداً. وهذا أمرٌ لمْ يَسبقْهُ إليه غيرُهُ، غيرَ أنَّه استحسنَ أنْ يُفرِّقَ الأحاديثَ في الأبوابِ، ويُوْدِعَ في تَرَاجِمِ الأبوابِ سِرَّ الاستنباطِ.
ص1
وجملةُ تراجمِ أبوابِه تَنقسِمُ أقْساماً:
مِنْها: أنَّه يُترجِمُ بحديثٍ مرفوعٍ ليسَ على شروطِه، ويَذْكُرُ في البابِ حديثاً شاهداً لهُ على شرطِهِ.
ومِنْها أنَّه يُتَرجِمُ بمسألةٍ استنباطُها مِنَ الحديثِ بِنَحْوٍ مِنَ الاستنباطِ مِنْ نصّهِ أو إشارتِهِ أو عُمومِهِ أو إيمائِهِ.
مِنْها أنَّه يُتَرجِمُ بمَذْهَبٍ ذُهَبَ إليهِ قَبْلُ، ويَذكرُ في البابِ ما يدلُّ عليه بنحوٍ من الدَّلالةِ شاهداً، أو يكونُ له في الجملةِ مِنْ غيرِ قطعٍ بترجيحِ ذلكَ المذهبِ فيقول: (بابُ مَنْ قَالَ كَذَا).
ومِنْها: أنَّه يُتَرجِمُ بمسألةٍ اختلفتْ فيها الأحاديثُ فيأتي بتلكَ الأحاديثِ على اختلافِها لِيُقرِّبَ إلى الفقيهِ مِنْ بعدِهِ أمْرَهَا، مثاله: (بابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى البَرَازِ) [4]جَمعَ فيه حديثينِ مختلفينِ.
ومِنْها: أنَّه قدْ تتعارضُ الأدلَّةُ، ويكونُ عندَ البخاريِّ وجهُ التطبيقِ بينها بحمْلِ كُلِّ واحدٍ على مَحْمَلٍ، فَيُتَرْجِمُ بذلكَ المحمَلِ إشارةً إلى وجهِ التطبيقِ مثل: (بابُ خَوْفِ المؤْمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ، وَمَا يَحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى التَقَاتُلِ وَالعِصْيِانِ) ذَكَرَ فيه حديثَ: «سِبَابُ المسْلِمِ فُسُوقٌ وقِتَالُهُ كُفْرٌ» [5] .
ومِنْها: أنَّه قدْ يجمعُ في بابٍ أحاديثَ كثيرةٍ كلُّ واحدٍ منْها يدلُّ على الترجمةِ، ثُمَّ يَظهرُ له في حديثٍ واحدٍ فائدةٌ أُخرى سوى الفائدةِ المترجَمِ عليها، ويُعلِّمُ على ذلكَ الحديثِ بعلامةِ البابِ، وليسَ غرضُهُ أنَّ البابَ الأوَّلِ قد انقضى بما فيهِ وجاءَ البابُ الآخرُ برأسِهِ،
ص2
ولكنْ قولَهُ: (باب) هنالكَ بمنزلةِ ما يَكْتُبُ أهلُ العلمِ على الفائدةِ المهمَّةِ لفظَ (تنبيه)، أو لفظَ (فائدة)، أو لفظ (قف)، مثالُه: قولُهُ في كتابِ بدءِ الخَلْقِ: (بابُ قولهِ تعالى: {وبث فيها من كل دابة} [البقرة: 164] [6]، ثُمَّ قالَ بعدَ أسطرٍ: (بابُ خيرِ مالِ المسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بها شَعَفُ الجِبَالِ) [7]، وأخرجَ هذا الحديثَ بسندهِ ثُمَّ ذَكَرَ حديثَ: (وَالفَخْرُ والخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الخَيْلِ) [8]، ثُمَّ ما ليس فيه ذِكْرُ الغَنمِ، فكأنَّه أَعْلَمَ على هذا الحديثِ بأنَّه معَ دُخولهِ في البابِ، فيه فائدةٌ أُخرى مع مَنْقَبَةٍ للغنمِ.
ومِنْها أنَّه قد يَكتبُ لفظةَ (باب) مكانَ قولِ المحدثين: (وبهذا الإسناد)، وذلكَ حيثُ جاءَ حديثانِ بإسنادٍ واحدٍ، كما يَكتبُ (ح) حيثُ جاءَ حديثٌ بإسنادينِ، مثاله: (بابُ ذِكْرِ الملَائِكَةِ) [9] أطالَ فيهِ الكلامَ حتى أخرجَ حديثَ الملائكة: «يَتَعَاقَبُونَ مَلائِكةٌ باللَّيلِ وَمَلائِكةٌ بالنَّهَارِ» [10] بروايةِ شُعيبٍ عنْ أبي الزِّنادِ عن الأَعْرَجِ عن أبي هُريرةَ ثُمَّ كَتبَ: (بابُ إِذَا قَالَ أحَدُكُمْ: آمِيْنَ وَالملائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِيْنَ فَوافَقَتْ إِحْدَاهُما الأُخرى غُفِرَ لهُ ما تَقدَّمَ منْ ذنْبِهِ) [11] ثُمَّ أخرجَ حديثَ: «إِنَّ الملائِكَةَ لَا تَدخلُ بَيتَاً فيهِ صُورةٌ» [12] ثُمَّ ما فيه ذكر آمين إلا بعد كثير [13].
قالَ الإِسْمَاعِيليُّ في موضعِ البابِ: (وبهذا الإسناد) كأنَّه يُشيرُ إلى لفظةِ (باب) علامةً لقوله: (وبهذا الإسناد).
مِنْها: أنَّه يُترجِمُ بمذهبِ بعضِ النَّاسِ، ومما كادَ يَذهبُ إليهِ بعضُهُمْ، أو بحديثٍ لمْ يَثبتْ عندَهُ، ثُمَّ يأتي بحديثٍ يستدلُّ به على
ص3
خِلافِ ذلكَ المذهبِ، والحديثُ إمَّا بعمومِهِ أو غيرِ ذلكَ.
ومِنْها: أنَّه يَذهبُ في كثيرٍ مِنَ التراجمِ إلى طريقةِ أهلِ السِّيَرِ في استنباطهِمْ خصوصياتِ الوقائِعِ والأحوالِ من إشارةِ طُرقِ الحديثِ، وربما يَتعجَّبُ الفقيهُ مِنْ ذلكَ لعدمِ ممارستِهِ لهذا الفَنِّ، ولكنَّ أهلَ السِّيَرِ لهمْ اعتناءٌ شديدٌ بمعرفةِ تلكَ الخُصوصياتِ.
ومِنْها: أنَّه يَقْصِدُ التمرُّنَ على ذكرِ الحديثِ وِفْقَ المسألةِ المطلوبةِ، ويهدي طالبَ الحديثِ إلى هذا النَّوعِ، مثاله: ذكرُ الصُّوَاعِ في بابِ ذكرِ الحِناطِ [14]، وقدْ فَرَّقَ البخاريُّ في تراجمِ الأبوابِ علماً كثيراً مِنْ شرحِ غريبِ القرآنِ، وذكرِ آثارِ الصَّحابةِ، والأحاديثِ المعلَّقةِ.
وقدْ يَذكرُ حديثاً لا يدلُّ هو بنفسهِ على التَّرجمةِ أصلاً لكنْ له طرقٌ، وبعضُ طرقِهِ يدلُّ عليها إشارةً، أو عموماً، وقد أشارَ بذكرِ الحديثِ إلى أنَّ له أصلاً صحيحاً يتأكَّدُ به ذلكَ الطريقُ، ومِثْلُ هذا لا يَنتفعُ به إلا المهَرَةُ منْ أهلِ الحديثِ، وكثيراً ما يُترجمُ لأمْرٍ ظاهرٍ قليلِ الجدوى ولكنَّهُ إذا تحقَّقَ المتأمِّلُ أجدى، كقوله: (بابُ قولِ الرَّجلِ: مَا صَلَّيْنَا) [15]، فإنَّه أشارَ بهِ إلى الرَّدِّ على مَنْ كَرِهَ ذلكَ.
قُلْتُ: وأكثرُ ذلكَ تَعَقُّبَاتٌ وتَبكيْتاتٌ على عبدِ الرَّزَّاقِ، وابنِ أبي شَيْبَةَ في تراجمِ مُصَنَّفَيْهِما إذْ شواهدُ الآثارِ تُروى عنِ الصَّحابةِ والتابعينَ في مُصَنَّفَيْهِما، ومثلُ هذا لا يَنتفعُ بهِ إلَّا مَنْ مارسَ الكِتابينِ واطَّلَعَ على ما فيهما، وكثيراً ما يَستخرجُ الآدابَ المفهومةِ بالعقلِ مِنَ الكتابِ والسُّنَّةِ بنَحْوٍ مِنَ الاستدلالِ والعاداتِ الكائِنَةِ في زمانِهِ
ص4
صلى الله عليه وسلم، ومثلُ هذا لا يُدْرِكُ حُسْنَهُ إلَّا مَنْ مارسَ الآداب، وأجالَ عقلَه في ميدانِ آدابِ قومِهِ، ثُمَّ طلبَ لها أصلاً مِنَ السُّنَّةِ.
وكثيراً ما يأتي بشواهدِ الحديثِ مِنَ الآياتِ ومِنْ شواهدِ الآيةِ مِنَ الأحاديث تظاهراً ولتعيِّنَ بعضَ المجملاتِ دونَ البعضِ، فيكونُ كقولِ المحدِّثِ: (المرادُ بهذا العامِّ الخصوصَ، أو بهذا الخاصِّ العمومَ) ونحوِ ذلكَ، ومثلُ هذا لا يُدْرَكُ إلا بفَهْمٍ ثاقبٍ، وقلبٍ حاضرٍ.
فهذهِ مُقدِّمَةٌ لا بُدَّ مِنْ حِفظها لِمَنْ أرادَ أنْ يقرأَ البخاريَّ ويَفْهَمَ.
والحمدُ للهِ أَوَّلاً وَآخِرَاً.


[1] الموطأ في اصطلاح المحدثين: هو الكتاب المرتب على الأبواب الفقهية، ويشتمل على الأحاديث المرفوعة والموقوفة والمقطوعة. أصول التخريج ودراسة الأسانيد (119).
[2] الجامع في اصطلاح المحدثين هو: كل كتاب حديثي يوجد فيه من الحديث جميع الأنواع المحتاج إليها من العقائد والأحكام، والرقاق، والآداب، والتفسير، والتاريخ، والسير... يُنظر الرسالة المستطرفة (7)، أصول التخريج ودراسة الأسانيد (97).
[3] اسم صحيح البخاري كما سماه مُصَنفه: (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه).
[4] كتاب الوضوء، باب: خروج النساء إلى البَرَاز، ب (13) ح (146) عن عائشة رضي الله عنها. و (البَراز): بفتح الباء: الفضاء الواسع، وقد يُطلق على ما يخرج من الدبر. فعلى هذا من فتح أراد الفضاء، ومن كسر أراد نفس الخارج. يُنظر فتح الباري (1/327).
[5] كتاب الإيمان، باب: خوف المؤمن من أن تحبط عملُه وهو لا يشعر، ب (36) ح (48) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
[6] كتاب بدء الخلق، باب: وبث فيها من كل دابة، ب (14).
[7] كتاب بدء الخلق، باب: خير مال المسلم غنمٌ يتبع بها شعف الجبال، ب (15).
[8] كتاب بدء الخلق، باب: خير مال المسلم غنمٌ يتبع بها شعف الجبال، (3300) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[9] كتاب بدء الخلق، باب : ذكر الملائكة، ب (6).
[10] كتاب بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، ح (3223) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[11] كتاب بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم آمين، ب (7).
[12] كتاب بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين، والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غُفر له ما تقدم من ذنبه، ح (3224-3228) الأول عن عائشة، والثاني عن ابن عباس، والثالث عن أبي طلحة رضي الله عنهم.
[13] الحديث المشار إليه رقمه (3228) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[14] ق كتاب الزكاة، أبواب صدقة الفطر، باب: صدقةِ الفطرِ صاعاً من تمر، ب (74) ح (1507) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. الحَنَّاط: الحِنطة: البُرُّ، والجمع حِنَطٌ، بوزن عِنب، وبائعه حنَّاطٌ بالتشديد. مختار الصحاح مادة (حنط). يُنظر تاج العروس مادة (حنط).
[15] كتاب الأذان، باب : قول الرجل ما صلَّينا، ب (26)، ح (641) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.