شرح تراجم أبواب صحيح البخاري

[أبواب سجود القرآن]

((17)) (كِتَابُ سُجُوْدِ القُرْآنِ)
(1) (بابُ مَا جَاءَ فِي سُجُودِ القُرْآنِ وَسُنَّتِهَا)
سجود القرآن سُنَّةٌ عند الكُلِّ إلا عند أبي حنيفة رحمه الله فإنَّها واجبةُ عنده في عددها [1]، إلا أن عند الشافعي في سورة الحج
ص99
واحدة، وفي {ص} واحدة [2]، وعند مالك رحمه الله أربعة عشر سجدة والثلاثة التي في المفصَّل منها غير مؤكدة عنده والبواقي مؤكدة، ولذا اشتهر بين الناس أن السجدات عنده إحدى عشرة [3]، وقال أحمد: إنَّ السجدات في القرآن خمسة عشر [4].
قوله: (قَرَأَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم النَّجْمَ بِمَكَّةَ... إلى آخره) [5] [خ¦1067]. ذكر المفسرون في هذه القصة: أنَّه جرى على لسانه من قِبَلِ الشيطان الكلمات المشهورة وهي (تِلكَ الغَرَانيقُ [6] العُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى) فلذلك سجد المشركون معه حيث زعموا أنَّه لا اختلاف بعد ذلك بيننا وبينه؛ لأنَّه يثني على آلهتنا. لكن لا أصل لهذه القصة عند المحدثين، بل الحق أن هذه الكلمات ما جرت على لسانه عليه السلام، والقصة موضوعةٌ كما قال الذَّهَبيُّ وغيرُه من المحدثين، وكيف يُظّنُّ مثل هذا بأكرم مرسل خير المخلوقات أنَّه تسلط عليه الشيطان؟ حاشا جنابه عن نسبة أمثال هذه الواهيات ثم حاشا هذا، وقد قال الله تعالى في حقِّ عامِّة الصُّلحاء {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر: 42] . فأفاد نفيه بكل الوجوه فما ظنك بسيد البشر، والشفيع المُشَفَّعِ يوم المحشر، الذي أقسم الله بعمره فقال: {لعمرك} [الحجر: 72] يا حبيبي، بل الحق أن المشركين إنَّما سجدوا لغلبة جلاله وجبروته عليه السلام، وسماع المواعظ البليغة في القرآن، فاضطروا إلى السجود ولم يبق اختيارهم في أيديهم وكيف يستبعد ذلك وقد قال الله تعالى: {كلما أضاء لهم مشوا فيه} [البقرة: 20] ، وقال: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا} [النمل: 14] [7].
ص100


[1] السجدة الأولى في الحج هي الواجبة عند الحنفية. يُنظر الاختيار شرح المختار (1/73)، حاشية ابن عابدين (2/694).
[2] ما قاله الإمام الدهلوي رحمه الله في سجدة الحج، و ص، هو على غير المفتى به في المذهب الشافعي، إذ المفتى به هو أن الحج بها سجدتان، وأما سجدة (ص) فهي سجدة شكر. قال الإمام النووي: وهنَّ في الجديد أربع عشرة: منها سجدتا الحج. لا (ص) بل هي سجدة شكر تستحب في غير الصلاة وتحرم فيها على الأصح.
[3] يُنظر بداية المجتهد (1/178).
[4] قال ابن قدامة الحنبلي: المشهور في المذهب أن عزائم سجود القرآن أربع عشرة سجدة... وعن أحمد رحمه الله رواية أخرى: أنَّها خمس عشرة سجدة منها سجدة (ص). المغني لابن قدامة (2/171-172).
[5] قال الحافظ ابن حجر: أفاد المصنف في رواية إسرائيل أنَّ النجم أول سورة أُنزلت فيها سجدة، وهذا هو السر في بداءة المصنف في هذه الأبواب بهذا الحديث، واستشكل بأن { اقرأ باسم ربك } [العلق :1] أول السور نزولاً، وفيها أيضاً سجدة ، فهي سابقة على النجم ؟ وأجيب : بأن السابق من (اقرأ) أوائلها، وأما بقيتها فنزل بعد ذلك بدليل قصة أبي جهل في نهيه للنبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، أو الأولية مقيدة بشيء محذوف بينته رواية زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عند ابن مردويه بلفظ : أن أول سورة استعلن بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والنجم، وله من رواية عبد الكبير بن دينار عن أبي إسحاق : أول سورة تلاها على المشركين فذكره. فَيُجمعُ بين الروايات الثلاث : بأن المراد أول سورة فيها سجدة تلاها على المشركين. فتح الباري (2/712).
قلت: رواية إسرائيل المشار إليها: جاءت في كتاب التفسير (النجم)، باب: { فاسجدوا لله واعبدوا } [النجم: 62] ، ب (4) ح (4862) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
[6] الغرانيق: هاهنا الأصنام، وهي في الأصل الذكور من طير الماء، واحدها: غُرْنُوق، وغُرْنِيق، سُمي به لبياضه، وقيل: هو الكُرْكِيُّ. والغرنوق أيضاً: الشاب الناعم الأبيض، وكانوا يزعمون أن الأصنام تُقَربهم من الله وتشفع لهم، فشُبِّهت بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع. النهاية في غريب الحديث والأثر (2/304).
[7] يُنظر فتح الباري (8/559).