تعليقات القاري على ثلاثيات البخاري

حديث سلمة: يا ابن الأكوع، ألا تبايع

[حديث: يَا ابْنَ الأَكْوَعِ، أَلاَ تُبَايِعُ]
الحادي عشر: [خ¦2960]
قال البُخاري: (حَدَّثَنَا المكِّيُّ بنُ إِبْرَاهِيم ثنا) أي قال: حدثنا (يزيدُ بن أبي عُبيد عن سَلَمَةَ) أي ابن الأكوعِ كما في نُسخة، (قَالَ: ) أي سَلَمَةَ: (بَايَعْتُ النَّبي صلى الله عليه وَسلم) أي بيعة الرُّضوان تحتَ الشَّجرةِ بالحُديبيَّة، (ثُمَّ عَدَلْتُ إلى ظِلَّ الشَّجَرَة) أي المَعْهُودة، وَلأبي ذرٍّ: ((إِلَى ظِلِّ شَجَرَةِ))، كذا ذكره الشَّارح.
وقالَ الشَّارحُ: إلى ظلِّ شجرةٍ، وَقال: أي شجرة أخرى هنالك، وَلم يَذكرْ سِوَى ذلك، وَهُوَ الموافق للنسخ المصحَّحة.
(فَلَمَّا خَفَّ النَّاسُ) أيْ قَلُّوا بأنْ تفرَّقوا من حوله عليْهِ السَّلام بعد أن بَايعُوه، وَوقع نظرُه الأشرف عليه، فظنَّ أنَّه لم يقع المبايعة منه بحضرته لازدحام الخَلق وَكثرته، فحينئذٍ (قال: ) أي: النَّبي عليه السَّلام: (أَلَا تُبَايعُ ؟ قَالَ: ) أَيْ سلمة: (قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُ يَا رَسُوْلَ الله) أي في أوَّل الأمر، (قال: وَأيضًا) أي وَبَايع مرَّةً أخرى، وَمَا هي إلا من كمال العناية لا لعدم استحكامه في المبايعة، (فَبَايَعْتُهُ الثَّانِيَةَ) أي البيعة الثانية، أو المرَّة الثانية.
وَفيه دليلٌ على أنَّ إعادة لفظ النِّكاح وَغيره ليس فسخًا للعقد الأوَّل خلافًا لبعض الشَّافعية كما ذكره ابن المنير.
وقالَ العلماء: الحكمة في تكرار البيعة لسَلمة أنَّه كان مِقدامًا في الحرب فَأكَّد عليْهِ احتياطًا، أو لأنَّه كان يُقاتل قتال الفارس وَالرَّاجل، كما يُفهم من الحديث الذي بعده، فتَعَدُّدُ البيعة بحَسب تعدُّد الصفة، كأنَّه اعتبره رجلين، وَلذا أعطَاه النَّبي صَلى الله عليه وَسلم في تلك الغزوة سَهم الراجل وَالفارس، كما وَقع في بعض طرق الحديث الآتي، وَالله أعلم.
كَذَا ذكره الشَّارح، لكن تَعَقَّبَ العَسقلانيُّ هذا الكلام حيث نقله عن المهلَّب _ فيما ذكر ابن بطَّال _ أنَّه أراد صَلى الله عليه وَسلم أنَّ يُؤكِّد بيعة سَلمة لعلمه بشجاعته وَعنايته في الإسلام وَشهرته في الثبات للمرام، وَلذلك أمره بتكريرِ المُبايعةِ
ص26
لتكونَ له في ذلك فضيلةٌ. ثم قال العسقلاني: وَالَّذي أشار إليه ابن بطَّال من حَالِ سَلمة في الشجاعة وَغيرها لم يَكن ظهر بعد؛ لأنَّهُ إنَّما وَقع منه بعد ذلك في غزوة [ذي] قَرَد، حيث استنقذ السَّرح الذي كان المشركون أغاروا عليهم، فَاسْتَلَبَ ثيابهم، وَكان آخر أمره أنَّه أسهمَ له [سهم] الفارس وَالراجل، فالأَوْلى أن يُقال: تفرَّس فيه النَّبيُّ صلى الله عليه وَسلم ذلك فبايَعَهُ مرَّتين، وَأشارَ بذلكَ إلى أنَّه سيقوم في الحرب مقام رجلين، فَكان كذلك، وَالله أعلم بما هنالك.
(فقلتُ: ) أي لسَلمة، وَقائله يزيد بن أبي عُبيد: يا أبا [مسلم] [1] ، _ وهي كُنية سلمة _ (عَلَى أَيِّ شَيءٍ كُنْتُم تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ ؟) أي يَوم الحديبيَّة، (قال: عَلَى المَوْتِ) أي كنَّا نُبايع على أن لا نَفِرَّ وَلو متنا، وَالمعنى: على الثَّبات إلى الموت.
وَالمقصود منه: الصَّبر على القتال وَإن آلَ ذلك إلى الموت في المآل؛ لا أنَّ الموتَ مقصودٌ في نفس الأمر وَضيق الحال، وَقضيَّةُ الحُديبية مشهورةٌ، وَقصَّتها في كتب السير مَسطورةٌ.
(أخرجه) أي البخاري (في كتاب الجِهاد) أي في باب البيعة في الحرب، كما في نُسخة، وَالله تعالى أعلم.


[1] سبق التنبيه إلا وهم المصنف في تسميته (أبا سلم) وهكذا جاءت هنا أيضًا.