المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

347-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلَامٍ [1] ، قالَ: أخبَرَنا [2] أبو مُعاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن شَقِيقٍ، قالَ: كُنْتُ جالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، فقالَ لَهُ أبو مُوسَىَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ، فَلَمْ يَجِدِ الماءَ شَهْرًا، أَما كان يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي؟ فَكَيْفَ [3] تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ [4] في سُورَةِ المائِدَةِ: { فَلَمْ تَجِدُواْ [5] مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا } [المائدة: 6] ؟ فقالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ في هَذا، لأَوْشَكُوا إذا بَرَدَ [6] عَلَيْهِمُ الماءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ [7] . قُلْتُ: وَإِنَّما [8] كَرِهْتُمْ هَذا لِذا؟ قالَ: نَعَمْ. فقالَ [9] أبو مُوسَىَ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ [10] أَجِدِ الماءَ، فَتَمَرَّغْتُ في الصَّعِيدِ [11] كَما تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ: «إِنَّما كان يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذا». فَضَرَبَ [12] بِكَفِّهِ [13] ضَرْبَةً على الأَرْضِ، ثُمَّ نَفَضَها، ثُمَّ مَسَحَ بِهَما [14] ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمالِهِ _أَوْ ظَهْرَ شِمالِهِ بِكَفِّهِ_ ثُمَّ مَسَحَ بِهِما [15] وَجْهَهُ؟! فقالَ [16] عَبْدُ اللَّهِ: أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ [/ج1ص77/] عَمَّارٍ؟!

وَزادَ [17] يَعْلَىَ، عن الأَعْمَشِ، عن شَقِيقٍ: كُنْتُ [18] مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَىَ، فقالَ أبو مُوسَىَ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ [19] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَنِي أَنا وَأَنْتَ، فَأَجْنَبْتُ، فَتَمَعَّكْتُ بِالصَّعِيدِ، فَأَتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ [20] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبَرْناهُ، فقالَ: «إِنَّما كان يَكْفِيكَ هَكَذا [21] ». وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ واحِدَةً؟!

الأطراف



[1] قوله: «بن سلام» ليس في رواية الأصيلي.
[2] في رواية أبي ذر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «حدَّثنا».
[3] في رواية [عط] : «قال: فكيف».
[4] قوله: «بهذه» ثابت في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا، ولفظة: «الآية» ليس في روايته، وذكر في (ب، ص) أنَّها ثابتة في روايته.
[5] في رواية أبي ذر والأصيلي: «فإنْ لم تجدوا»، قال في الفتح: وهو مغاير للتلاوة، وقيل: إنَّه كان كذلك في رواية أبي ذر ثم أصلحها علىَ وفق الآية.اهـ، وانظر قولَ أبي ذر الذي تقدَّم في التعليق علىَ أول كتاب التيمم قبل الحديث: 334.
[6] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«بَرُدَ».
[7] في رواية الأصيلي: «بالصعيد».
[8] في رواية أبي ذر والأصيلي: «فإنما».
[9] في رواية ابن عساكر: «قال».
[10] في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «ولم».
[11] في رواية [عط] : «في التراب».
[12] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «وضرب».
[13] في رواية الأصيلي: «بِكَفَّيْهِ» بالتثنية.
[14] في رواية أبي ذر والأصيلي و [عط] ورواية ابن عساكر عن أبي الوقت: «بها» بالإفراد.
[15] في رواية ابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «بها».
[16] في رواية أبي ذر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «قال» (ن، و، ق) وهو موافق لما في الإرشاد.
[17] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «زاد».
[18] في رواية أبي ذر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «قال: كنت».
[19] في رواية الأصيلي: «النَّبيَّ».
[20] في رواية الأصيلي: «النَّبيَّ».
[21] هكذا في رواية المُستملي وروايةٍ للكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا (و، ب، ص)، وفي رواية أخرىَ للكُشْمِيْهَنِيِّ: «هذا».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

347- ( ابْنُ سَلاَمٍ ) بالتخفيف.

( فَتَمَعَّكْتُ ) هو بمعنى تمرغت في الرواية الأولى، والتمعُّك: الدلك.


347# (وضَرَبَ [1] بِكَفِّهِ ضَرْبَةً) إلى هذا يرجع [2] مذهب مالكٍ عند التحقيق.

ومذهبُ الشافعي: أنه لا بدَّ من ضربتين، وقد ورد في حديث: ((التَّيمُّم ضربَتَانِ: ضربَةٌ للوَجْهِ، وضربَةٌ لليدَيْنِ)).

قال ابنُ دقيق العيد: إلا أنَّه لا يقاوم هذا الحديث في الصِّحة، ولا يعارَضُ مثلُه بمثلهِ.

[1] في (م): ((فضرب)).
[2] ((يرجع)): ليست في (د).





347- قَولُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ): كذا في أصلنا، وعلى (سلَام) نسخة وعلامة راويها، وقد تقدَّم أنَّ سلَامًا؛ بتخفيف اللَّام على الأصحِّ، وتقدَّم بعض ترجمة محمَّد ابنه، وقد ذكر هذا الحديث المِزِّيُّ في «أطرافه» في مسند عمَّار، وعنه: أبو موسى، فقال في (الطَّهارة): (عن عُمر [1] بن حفص بن غياث، وعن محمَّد عن أبي معاوية) ، فلم ينسبْه.

قَولُهُ: (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ): تقدَّم أنَّه الضَّرير، محمَّد بن خَازم؛ بالخاء المعجمة، وتقدَّم شيء من ترجمته، وأنَّه حافظ، وأنَّه كان مرجئًا.

قَولُهُ: (عن الأَعْمَشِ): تقدَّم أعلاه أنَّه سُلَيْمَان بْنُ مِهْرَانَ، أبو محمَّد الكاهليُّ، وتقدَّم قبل ذلك بكثير ترجمتُه.

قَولُهُ: (لَأَوْشَكُوا): تقدَّم الكلام عليه أعلاه.

قَولُهُ: (إِذَا بَرَدَ): تقدَّم أنَّ فيه لغتين؛ فتح الرَّاء وضمَّها.

قَولُهُ: (فَأَجْنَبْتُ): تقدَّم أنَّ هذه هي اللُّغة الفصيحة، وأن فيه لغةً أخرى: جُنِب؛ بضمِّ الجيم وكسر النُّون.

قَولُهُ: (كَمَا تَمَرَّغُ): هو بفتح أوَّله وثانيه وثَالِثه مع التَّشديد، وهو محذوف إحدى التَّاءين، وهو فعل مضارع مرفوع، ومعناه معروف.

قَولُهُ: (زَادَ يَعْلَى عنِ الأَعْمَشِ): أمَّا (الأعمش) ؛ فقد تقدَّم أعلاه أنَّه سُلَيْمَان بن مِهْرَانَ، وأمَّا (يعلى) ؛ فهو ابن عبيد الطَّنافسيُّ [2] ، أخو محمَّد وعمر، عن يحيى بن سعيد والأعمش، وعنه: ابن نمير والصَّاغانيُّ، ثقة عابد، وقال ابن معين: ثقة إلَّا في سفيان الثَّوريِّ، مات في شوَّال سنة (209 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وله ترجمة في «الميزان»، وزيادة يعلى بن عبيد لم أرها في شيء من الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا، وقال شيخنا: (وصله الإِسْمَاعِيليُّ عنِ ابن زيدان، عن أحمد بن حازم، عن يعلى به) انتهى [3]

قَولُهُ: (عن شَقِيقٍ): تقدَّم أعلاه أنَّه أبو وائل شقيق بن سلمة [4] .

[1] في (ج): (عمرو) ، وهو تحريفٌ.
[2] زيد في (ب): (وهو) .
[3] (عن يعلى به انتهى): سقطت من (ب) و (ج) .
[4] زيد في (ب): (عن يعلى انتهى) .





347- (أَمَا كَانَ): الهمزةُ فيه إمَّا مقحمةٌ، وإمَّا للتَّقريرِ، وإمَّا نافيةٌ على أصلها، وعلى التَّقديرينِ الأَوَّلَينِ وقعَ جوابًا لـ (لَوْ)، إمَّا على تقديرِ الإقحامِ؛ فإنَّ وجودَه كعدمِه، وإمَّا على التَّقريرِ؛ فإنَّه لم يبقَ على معنى الاستفهام الَّذي هو المانعُ مِنْ وقوعِه جزاءً للشَّرطِ، والقولُ مقدَّرٌ قبل (لَو)، وحاصله: يقولون: لو أجنبَ رجلٌ؛ ما تيمَّمَ، فكيف تصنعون...؟ وعلى التَّقدير الثَّالث وقع جوابًا لـ (لَوْ) بتقديرِ القولِ؛ أي: لو أجنبَ رجلٌ؛ يُقالُ في حقِّهِ: أَمَا يتيمَّم؟ ويَحتملُ أنْ يكونَ جوابُ (لَوْ): (فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ).

(تَمَرَّغُ): مرفوعٌ محذوفُ إحدى التَّاءينِ.

(بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ): أكَّدَ الضَّميرَ المنصوبَ [1] بالمرفوعِ، وإنْ كان المعطوفُ في حكمِ المعطوفِ عليه؛ فهو أيضًا تأكيدٌ له، وكانَ القياس أنْ يقولَ: بعثني إيَّايَ وإيَّاكَ، إلَّا أنَّ الضَّمائرَ تجري بينها المقارضةُ.

[1] في (ب): (بالمنصوب).





347- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ) وفي غير رواية الأَصيليِّ: ((محمَّد [1] بن سَلَام))؛ بتخفيف اللَّام وتشديدها، كما في «الفرع»، البيكنديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ؛ بالمُعجَمَتين، الضَّرير (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ)؛ أي: أبي وائل بن سلمة (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) رضي الله عنهما (فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى): تقول: (لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي؟) كذا لكريمة والأَصيليِّ؛ بالهمز، كما [2] قاله الحافظ ابن حجرٍ، و«ما» نافيةٌ على أصلها، و«الهمزة»: إمَّا للتَّقرير المخرج عن معنى الاستفهام الذي هو المانع من وقوعه جزاءً للشَّرط، وإمَّا مُقحَمةٌ؛ فوجودها كالعدم، وإمَّا للاستفهام، وعليها [3] فهو جواب «لو»، لكن يُقدَّر في الأوَّلين القول قبل «لو» _كما مرَّ_ وفي الثَّالث قبل «أَمَا كان»؛ أي: لو أنَّ رجلًا أجنبَ يقال في حقِّه: إمَّا يتيمَّم [4] ، ويجوز على هذا أن يكون جواب «لو» هو قوله: (فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ)؛ أي: مع قولكم: لا يتيمَّم، وفي روايةٍ: ((قال: فكيف تصنعون)) [5] (بِهَذِهِ الآيَةِ) التي (فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ؟) وفي رواية الأكثرين: ((ما كان))، بإسقاط الهمزة، ولـ: «مسلمٍ»: كيف تصنع بالصَّلاة؟ [6] ، وفي روايةٍ: ((قال؛ أي: أبو موسى: فكيف))، وللأَصيليِّ كما في «الفتح»: ((فما تصنعون بهذه الآية في سورة «المائدة»؟))، وفي «الفرع» علامةٌ للكُشْمِيْهَنِيِّ على: ((بهذه))، وعلى: ((الآية)) (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) وللأَصيليِّ زاد في «الفرع» وأبي ذَرٍّ: ((فإن لم تجدوا))، وهو مغايرٌ للتِّلاوة، وقد قِيلَ: إنَّه كذلك كان في نسخة أبي ذَرٍّ، ثمَّ أصلحه على وفق التِّلاوة، وهو يؤيِّد ما في «الفرع» _كما مرَّ_ وإنَّما عيَّن سورة «المائدة»؛ لكونها [7] أظهر في مشروعيَّة تيمُّم الجنب من آية «النِّساء»؛ لتقُّدم [8] حكم الوضوء في «المائدة»، ولأنَّها آخر [/ج1ص379/]

السُّور نزولًا (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ: (لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشَكُوا) بفتح الهمزة؛ أي: لأسرعوا (إِذَا بَرَدَ) بفتح الرَّاء وضمِّها (عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا)؛ أي: يقصدوا (الصَّعِيدَ) وللأَصيليِّ: ((بالصَّعيد))، قال الأعمش: (قُلْتُ) لشقيقٍ: (وَإِنَّمَا) بالواو، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ [9] : ((فإنَّما)) (كَرِهْتُمْ هَذَا)؛ أي: تيمُّم الجنب (لِذَا)؛ أي: لأجل تيمُّم صاحب البرد، وفي رواية حفص بن عمر السَّابقة: «فقلت لشقيقٍ: فإنَّما كره عبد الله لهذا» [خ¦346] ، (قَالَ)؛ أي: شقيقٌ: (نَعَمْ) وهو يردُّ على البرماويِّ كالكرمانيِّ، حيث قال في حديث هذا الباب: قلت: وهو قول شقيقٍ (فَقَالَ) بالفاء، ولابن عساكر: ((قال)) (أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما: (بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَاجَةٍ) أي: في سريَّةٍ فذهبت (فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ) بالفاء، ولأبي الوقت [10] : ((ولم)) [11] (أَجِدِ الْمَاءَ) من «وجد» المتعدِّي لواحدٍ؛ لأنَّه بمعنى: لم أُصِبِ الماء [12] (فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ)، وفي روايةٍ: ((في التُّراب)) (كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ) برفع الغَيْن وحذف إحدى التَّاءين تخفيفًا؛ كـ: {تَلَظَّى} [الليل: 14] ، و«الكاف» للتَّشبيه، وموضعها مع مجرورها نصبٌ على الحال، وأعربها أبو البقاء في قوله تعالى: {كما آمن النَّاس} [البقرة: 13] نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ، فيُقدَّر: تمرُّغًا [13] كتمرُّغ الدَّابَّة، ومذهب سيبويه في هذا كلِّه: النَّصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدِّم المحذوف، بعد الإضمار على طريق الاتِّساع، فيكون التَّقدير: فتمرَّغت على هذه الحالة، ولا يكون عنده نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ؛ لأنَّه يؤدي إلى حذف الموصوف في غير المواضع المُستثناة، قال عمَّارٌ: (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ) بالتُّراب [14] (هَكَذَا، فَضَرَبَ) بالفاء، وللأربعة: ((وضرب)) (بِكَفِّهِ) بالإفراد، وللأَصيليِّ: ((بكفَّيه)) (ضَرْبَةً) واحدةً (عَلَى الأَرْضِ) وفي غير هذه الطَّريق: «ضربتان»، وهو الذي رجَّحه النَّوويُّ وقال: إنَّه الأصحُّ المنصوص عليه [15] كما سيأتي قريبًا _إن شاء الله تعالى_، (ثُمَّ نَفَضَهَا)؛ أي: تخفيفًا للتُّراب، (ثُمَّ مَسَحَ بِهَا)؛ أي: بالضَّربة (ظَهْرَ كَفِّهِ) اليمنى [16] (بِشِمَالِهِ أَوْ) مسح (ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ) اليمنى [17] ؛ بالشَّكِّ في جميع الرِّوايات. نعم؛ هو في رواية أبي داود من طريق معاوية من غير شكٍّ [18] ، (ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا)؛ أي: بكفَّيه، ولأبي الوقت وابن عساكر: ((بها))؛ أي: بالضَّربة (وَجْهَهُ) فيه الاكتفاء [19] بضربةٍ واحدةٍ، وتقديم مسح الكفِّ على الوجه، والاكتفاء بظهر كفٍّ واحدةٍ وعدم مسح الذِّراعين، ومسح الوجه بالتُّراب المُستعمَل في الكفِّ، ولا يخفى ما في ذلك كلِّه، وقد تعسَّف الكرمانيُّ فأجاب: بأنَّ الضَّربة الواحدة لأحد ظهري الكفِّ، والتَّقدير: ثمَّ ضرب ضربةً أخرى، ثمَّ مسح بها يديه؛ للإجماع على عدم الاكتفاء بمسح إحدى اليدين، فيكون المسح الأوَّل ليس لكونه من التَّيمُّم، بل فعله عليه الصلاة والسلام خارجًا عنه؛ لتخفيف التُّراب. انتهى. وتُعقِّب: بأنَّ حديث عمَّارٍ لم يزد فيه على ضربةٍ، والأصل عدم التَّقدير، وقد قال به ابن المنذر ونقله عن جمهور العلماء، وإليه ذهب الرَّافعيُّ وهو مذهب أحمد، وقال النَّوويُّ: الأصحُّ المنصوص وجوب ضربتين، وأمَّا عدم التَّرتيب؛ فيتَّجه على مذهب الحنفيَّة، أما عند الشَّافعيَّة؛ فواجبٌ. نعم؛ لا يُشترَط ترتيب نقل التُّراب للعضو في الأصحِّ، بل يُستحَّبُّ؛ لأنَّه وسيلةٌ، فلو ضرب بيديه دفعةً واحدةً ومسح بيمينه وجهه وبيساره يمينه جاز؛ لأنَّ الفرض المسح، والنَّقل وسيلةٌ، وقد روى أصحاب «السُّنن»: «أنَّه عليه الصلاة والسلام تيمَّم فمسح وجهه وذراعيه»، و«الذِّراع»: اسمٌ للسَّاعد إلى المرفق، وعن «القديم»: إلى الكوعين؛ لحديث عمَّارٍ هذا، قال في «المجموع»: وهو الأقوى دليلًا، وفي «الكفاية» تعيين ترجيحه، وذكر في «المُحرَّر» كيفيَّة التَّيمُّم، وجزم في «الرَّوضة»: باستحبابها، فإذا مسح اليمنى [20] ؛ وضع بطون أصابع يساره غير الابهام على ظهور أصابع يمينه غير الإبهام؛ بحيث لا تخرج أنامل اليمنى عن مسبِّحة اليسرى، ولا تحازي مسبِّحة اليمنى أطراف أنامل اليسرى، ويُمِرُّها [21] على ظهر الكفِّ، فإذا بلغ الكوع؛ ضمَّ أطراف أصابعه على حرف [22] الذِّراع ويمرُّها إلى المرفق، ثمَّ يدير بطن كفِّه إلى بطن الذِّراع، ويمرُّها عليه وإبهامه مرفوعةٌ، فإذا بلغ الكوع؛ أمرَّها على إبهام اليمنى [23] ، ثم يمسح اليسار باليمنى [24] كذلك، ثمَّ يمسح إحدى [/ج1ص380/]

الرَّاحتين بالأخرى ويخلِّل أصابعهما، ولم تثبت هذه الكيفيَّة في السُّنَّة، بل في «الكفاية» عن «الأمِّ» أنَّه يعكس فيجعل بطن راحتيه معًا إلى فوق، ثمَّ يمرُّ الماسحة وهي من تحتٍ؛ لأنَّه أحفظ للتُّراب، (فَقَالَ) بالفاء، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((قال)) (عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ: (أَلَمْ تَرَ عمر) بن الخطَّاب، ولكريمة والأَصيليِّ وهو في متن «الفرع» من غير عزوٍ: ((أفلم تر عمر بن الخطَّاب)) (لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ) وعند «مسلمٍ» من رواية عبد الرَّحمن بن أَبْزَى: اتَّقِ الله يا عمَّار _أي: فيما ترويه_ وتثبَّت، فلعلَّك نسيت أو اشتبه عليك، فإنِّي كنت معك ولا أتذكَّر شيئًا من هذا! (وَزَادَ)؛ بالواو، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((زاد)) (يَعْلَى) بن عبيدٍ الطَّنَافِسِيُّ [25] الحنفيُّ الكوفيُّ، ممَّا وصله أحمد وغيره (عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ قال: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (وَأَبِي مُوسَى) الأشعريِّ (فَقَالَ أَبُو مُوسَى) لعبد الله: (أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ) وللأَصيلي: ((إنَّ النَّبيَّ)) (صلى الله عليه وسلم، بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ) لا يُقال: كان الوجه بعثني إيَّاي وإيَّاك؛ لأنَّ «أنا» ضمير رفعٍ، فكيف وقع تأكيدًا للضَّمير المنصوب، والمعطوف في حكم المعطوف عليه؛ لأنَّ الضَّمائر [26] تتقارض فيُحمَل بعضها على بعضٍ، وتجري بينها [27] المُناوَبة (فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ بِالصَّعِيدِ فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: ((النَّبيَّ)) (صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((هذا)) (وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ) مسحةً (وَاحِدَةً) أو ضربةً واحدةً [28] ، وهو المناسب؛ لقول المؤلِّف في التَّرجمة [29] «باب التَّيمُّم ضربةٌ».

[1] «محمَّد»: سقط من (د).
[2] في (د): «كذا».
[3] في (ب) و(س): «عليه».
[4] في (ص): «تيمَّم».
[5] قوله: «وفي روايةٍ: «قال: فكيف تصنعون»»، مثبتٌ من (م).
[6] قوله: «وفي رواية الأكثرين: «ما كان»، بإسقاط الهمزة، ولـ: «مسلمٍ»: كيف تصنع بالصَّلاة؟»، سقط من (م).
[7] في (د): «لأنَّها».
[8] في غير (د) و(م): «لتقديم».
[9] «والأصيليِّ»: سقط من (م).
[10] في (ص): «ذَرٍّ»، وهو خطأٌ.
[11] «ولم»: سقط من (د)، وفيها: «بالواو».
[12] قوله: «من «وجد» المتعدِّي لواحدٍ؛ لأنَّه بمعنى: لم أُصِبِ الماء»، مثبتٌ من (م).
[13] في (م): «ممرَّغًا».
[14] «بالتُّراب»: سقط من (د) و(م).
[15] «عليه»: مثبتٌ من (م).
[16] في (د) و(ص): «اليمين».
[17] في (د): «اليمين».
[18] في هامش (ص): «قوله: «من غير شكٍّ»؛ أي: أتى بالواو عوض «أو». انتهى».
[19] في هامش (ص): «قوله: «فيه الاكتفاء...» إلى آخره: أمَّا الأوَّل؛ فمُعارَضٌ برواية الضَّربتين، وبأنَّ الضَّربة لم تكن تيمُّمًا، بل تعليمًا للكيفيَّة، وأمَّا الثَّاني؛ فلأنَّ «ثمَّ» ليست للتَّرتيب في الزَّمان، بل في الإخبار الموافق؛ لخبر: «ابدؤوا بما بدأ الله به»، وأمَّا الثَّالث؛ فمُعارَضٌ بالإجماع على عدم الاكتفاء بذلك، وأمَّا الرَّابع؛ فإنَّ التَّيمُّم بدل الوضوء، فالأنسب أن يكون مثله، وأمَّا الخامس؛ فيُجاب عنه بما أُجِيب به عنِ الأوَّل، ذكر ذلك كلَّه شيخ الإسلام زكريَّا الأنصاريُّ، انتهى».
[20] في (د): «اليمين».
[21] في (د) و(م): «غيرها»، وهو تحريفٌ.
[22] في (د): «حدَّ».
[23] في (د): «اليمين».
[24] في (د): «اليمين».
[25] في هامش (ص): «قوله: «الطَّنَافِسِيُّ»: بفتحتين وكسر الفاء ومُهمَلة؛ نسبةً إلى الطَّنفسة؛ وهي بساطٌ له خملٌ، وهذا ممَّا جاء النَّسب فيه على غير قياسٍ؛ لأنَّه جمعٌ؛ كذا في «جامع الأصول». انتهى».
[26] في هامش (ص): «قوله: «لأنَّ الضَّمائر» جواب «لا يُقال». انتهى».
[27] في (ص) و(م): «بينهما»، وفي هامش (ص): «قوله: «بينهما»، الأَوْلى «بينها». انتهى».
[28] «واحدة»: سقط من (د).
[29] «في التَّرجمة»: سقط من (د).





347- ( مَا كَانَ ): للأصيليِّ: «أما» بزيادة همزة الاستفهام.

( بَرَدَ ): بفتح الرَّاء.

( تَمَرَّغْ ): بفتح المثنَّاة وضمِّ الغين المعجمة، وأصله: تتمرَّغ فحذف إحدى التَّاءين.

( ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ ): كذا في جميع الرِّوايات بالشَّكِّ، ولأبي داود: «ثمَّ ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفَّين، ثمَّ مسح وجهه».

( أَلَمْ تَرَ ): للأصيليِّ وكريمة: «أفلم».

( وَزَادَ يَعْلَى... إلى آخره ): هذه الزِّيادة وصلها أحمد عنه، وفيها فائدة بيان عذر عمر رضي الله عنه في عدم الاكتفاء بقول عمَّار، حيث أخبره عنه أنَّه كان معه في القصَّة ولم يذكر عمر رضي الله عنه ذلك أصلًا؛ ولهذا قال لعمَّار في رواية مسلم: «اتَّق الله يا عمَّار».

( يَكْفِيكَ [هَكَذَا] [1] ) للكُشْمِيهنيِّ: «هذا».

( وَاحِدَةً ) بالنَّصب، أي: مسحةً واحدةً. [/ج1ص437/]

[1] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (هذا) والمثبت من غيرها.





91/347# قال أبو عبد الله: أخبرنا يعني مُحَمَّداً، قالَ: أخبَرنا أبو مُعاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ، عن شَقِيقٍ [1] ، قالَ: كُنْتُ جالِساً مَعَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، فقالَ لَهُ أبو مُوسَىَ: لَوْ [2] أَنَّ رَجُلاً أَجْنَبَ، فَلَمْ يَجِدِ الماءَ شَهْراً أَما [3] كان يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي؟ فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ [4] المائِدَةِ: { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا } [المائدة: 6] ؟ قالَ عَبْدُ اللهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ في هَذا لأَوْشَكُوا إذا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الماءُ [5] أَنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ. قُلْتُ [6] : وَإِنَّما كَرِهْتُمْ هَذا لِذا [7] ؟ قالَ: نَعَمْ. فقالَ أبو مُوسَىَ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ [8] : بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في حاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ الماءَ، فَتَمَرَّغْتُ في الصَّعِيدِ كَما تَتمَرَّغُ الدَّابَّةُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: «إِنَّما كان يَكْفِيكَ أَنْ [9] تَصْنَعَ

@%ص97%

هَكَذا». وَضَرَب بِكَفِّهِ ضَرْبَةً على الأَرْضِ، ثُمَّ نَفَضَها، ثُمَّ مَسَحَ بِها ظَهْرَ كَفِّهِ [10] بِشِمالِهِ _أَوْ ظَهْرَ شِمالِهِ بِكَفِّهِ_ ثُمَّ مَسَحَ بِها وَجْهَهُ؟! فقالَ عَبْدُ اللهِ: أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ [11] لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ. وَزَادَ [12] يَعْلَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ [13] لِعُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ، فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ بِالصَّعِيدِ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا [14] ». وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ وَاحِدَةً.

قلتُ: فإن قيلَ: قولُ أبي موسى: (فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة [15] { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا } [المائدة: 6] )، وقولُ عبد الله: (لو رُخِّص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يَتَيَمَّمُوا الصَّعيد) ثمَّ قولُ أبي موسى عند ذلك: (فإنَّما كرهتم هذا لذا؟ فقال: نعم). مُناظرة الظاهر منها يأتي على إبطال حكم الآية، وأَيُّ عُذرٍ لمن تَرك العمل بما في هذه الآية من أجل أنَّ بعض الناس عساهُ أن يستعملها على غير وجههَا، وفي غير حينها، وأنَّ الذي يتعمَّد استحلال ذلك لعلَّه قد يَستحلُّ أن يترك الطَّهارة أصلاً، فما مُوجبُ [16] الآية وحكمُها؟ وما الوجهُ فيما ذهبَ إليه عبد الله من إبطال هذه الرخصة، مع ما فيه من إسقاطِ الصلاة عمَّن هو مخاطب بها، مأمورٌ بإقامتها؟

فالجوابُ: أنَّ عبد الله لم يذهب هذا المذهب الذي ظنَّه هذا القائل، وإنَّما كان تأوَّلَ المُلامَسة المذكورة في هذه الآية على غير معنى الجماع، وصار إلى أنَّ الذي اختاره من التأويل أشبهُ بمعنى الآية، وأحوط للتعبُّد؛ لأنَّه لو تأوَّل الآية [17] على معنى الجماع لكان ذلك [18] ذريعةً إلى الترخيص بما لا يُؤمنُ معه الخروجُ إلى خلاف

@%ص98%

مُوجِب حكم الآية؛ من أجل ذلك اختار الوجه الآخر الذي هو مُلامَسَة البشرة مِن النساء، ولو كان أراد غير ذلك لكان فيه مخالفةُ الآية صَراحاً، وذلك ممَّا لا يجوز من مثله في علمه وفقهه.

وقد حصل [19] من هذه القصَّة التي دارت [20] بين عمر وعَمَّار، وعبد الله وأبي موسى أنَّ رأي عمر وعبد الله انتقاض الطهارة بملامسة بشرة الرجل بشرة المرأة.

وقول عمَّار: (تَمَرَّغْتُ في التراب) إنَّما هو لأنَّه حين رأى التراب بدلاً عن الماء استعمله في جميع ما يأتي عليه الماء.

وفي الحديث بيان [21] أنَّ التيمُّمَ ضربةٌ واحدةٌ في الوجه والكفَّين حسب.

وحديث [22] أبي الجَهْم بن [23] الصِّمَّة لا يصِحُّ في مَسح الذراعين [24] ، والله أعلم [25] .

[1] في (أ): (عن سفيان).
[2] قوله: (لو) زيادة من (ط).
[3] في (ط): (أو بما) وفي (أ): (لما)
[4] (سورة) سقطت من النسخ الفروع.
[5] في (م): (الماء عليهم).
[6] في النسخ الفروع: (قال).
[7] في (أ) و (م): (لهذا).
[8] (لعمر) سقط من (ط).
[9] (أن) سقطت من (أ).
[10] في (ر): (كفيه).
[11] في (ط): (أفلم تزعم).
[12] في النسخ الفروع: (وفي حديث).
[13] قوله: (وزاد يعلى.... قول عمار) زيادة من (ط).
[14] في النسخ الفروع: (هذا).
[15] (في سورة المائدة) سقط من (ط).
[16] في (أ) و (ر): و (م) (فما خبر) وفي (ف): (بتأخير).
[17] في النسخ الفروع: (لو تأولها).
[18] (ذلك): سقط من (ط).
[19] في (م): (فجعل).
[20] في النسخ الفروع: (ذكرت).
[21] في النسخ الفروع: (وفيه دليل).
[22] في النسخ الفروع: (لأن حديث).
[23] (بن): سقط من (ط).
[24] انظر: البخاري رقم (337) ورقم (338).
[25] قوله: (والله أعلم) زيادة من (أ).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

347- وبالسَّند إلى المؤلف قال: ((حدثنا محمَّد بن سلام)) ؛ بتخفيف اللام: هو البيكندي، وفي رواية الأصيلي: (محمَّد هو ابن سلام) ، وفي رواية: (محمَّد) فقط ((قال: حدثنا)) وفي رواية كريمة: (أخبرنا) ((أبو معاوية)) ؛ بضمِّ الميم: هو محمَّد الضرير بن خازن؛ بالمعجمتين، ((عن الأعمش)) : هو سليمان بن مهران؛ بفتح الميم، ((عن شقيق)) : هو أبو وائل بن سَلَمَة ((قال)) أي: شقيق: ((كنت جالسًا)) يومًا ((مع عبد الله)) : هو ابن مسعود ((وأبي موسى)) : هو عبد الله بن قَيْس ((الأشعري)) رضي الله عنهما، يحتمل جلوسهم أن يكون في المسجد النبوي، ويحتمل أن يكون في بستان من بساتين المدينة يتحدثون، ((فقال له)) أي: لابن مسعود ((أبو موسى)) أي: الأشعري: ما تقول ((لو أن رجلًا أجنب)) ؛ أي: صار جنبًا ((فلم يجد الماء)) أي: لم يقدر على استعماله إما لفقده، أو لتعذر الاستعمال ((شهرًا)) ليس بقيد، بل هو اتفاقي؛ لأجل المبالغة؛ ((أما كان يتيمم ويصلي؟)) بالهمزة في (أما) ، وهي رواية الأصيلي، وكريمة، وفي رواية غيرهما بإسقاط الهمزة، وفي رواية مسلم: (قال عبد الله: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرًا) ، ثم الهمزة فيه إما مقحمة، وإما للتقرير، وإما للاستفهام، و (ما) نافية على أصلها، وعلى التقديرين الأولين: وقع جوابًا لـ (لو) ، أما تقدير الإقحام؛ فلأن وجوده كعدمه، وأما على تقدير التقرير؛ فلأنَّه لم يبق على معنى الاستفهام الذي هو المانع من وقوعه جزاء للشرط، وعلى التقدير الثالث فهو جواب (لو) ، لكن يقدر القول في الأوليين قبل (لو) ، وفي الثالث قبل (إما) ، فعلى الأولين؛ يعني: يقولون: لو أجنب رجل؛ ما يتيمم، وعلى الثالث: لو أجنب رجل؛ يقال في حقه: أما تتيمم، ويجوز على هذا أن يكون جواب (لو) هو قوله: ((فقال)) أي: أبو موسى: ((فكيف تصنعون)) وفي رواية مسلم: (كيف نصنع بالصَّلاة؟) ؛ يعني: مع قولكم: لا يتيمم ((بهذه الآية)) ، وفي رواية الأصيلي: (فما تصنعون بهذه) ؛ يعني: الآية التي ((في سورة المائدة؟)) إنَّما عين سورة المائدة؛ لكونها أظهر في مشروعية تيمم الجنب من آية النساء؛ لتقدم حكم الوضوء في المائدة، ولأنَّها آخر السور نزولًا (({فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا})) ؛ أي: اقصدوا (({صَعِيدًا})) ؛ أي: وجه الأرض (({طَيِّبًا})) [النساء: 43] ؛ أي: طاهرًا، وهذا بيان للمراد من الآية، ووقع في رواية الأصيلي: (فإن لم تجدوا) ، وهو مغاير للتلاوة، وقيل: إنه كذلك في رواية أبي ذر، ثم أصلحها على وفق التلاوة، كذا في «عمدة القاري».

وزعم الخطابي أنَّ هذا يدل على أن عبد الله كان يرى أن المراد بالملامسة: الجماع، فلهذا لم يدفع دليل أبي موسى، وإلا؛ لكان يقول له: المراد من الملامسة: التقاء البشرتين فيما دون الجماع، وجعل التيمم بدلًا عن الوضوء لا يستلزم أن يكون بدلًا عن الغسل.

ورده إمام الشارحين حيث قال: (قلت: ولا يخفى أنَّ عبد الله لم يذهب هذا المذهب الذي ظنه هذا القائل، وإنما كان تأول الملامسة المذكورة في الآية على معنى غير معنى الجماع؛ لأنَّه لو أراد الجماع؛ لكان فيه مخالفة للآية صريحًا، وذلك مما لا يجوز من مثله في علمه وفهمه وفقهه) انتهى.

((فقال عبد الله)) : هو ابن مسعود: ((لو رُخص)) ؛ بضمِّ الراء مبنيًّا للمجهول ((لهم)) أي: للمسلمين ((في هذا)) أي: في تيمم الجنب؛ ((لأَوشكوا)) ؛ بفتح الهمزة؛ أي: لأقربوا وأسرعوا ((إذا بَرَد)) بفتح الموحدة، والراء على المشهور، وقد تضم الراء ((عليهم الماء)) ، فخافوا أن يهلكهم ((أن يتيمموا)) أي: يقصدوا ((الصعيد)) وللأصيلي: (بالصعيد) ؛ أي: وجه الأرض.

((قلت)) ؛ أي: قال الأعمش: قلت لشقيق: ((وإنما)) بالواو، وفي رواية الأصيلي، وأبي ذر: (فإنما) ((كرهتم)) أي: لم تجوزوا ((هذا)) ؛ أي: تيمم الجنب ((لِذا)) ؛ بكسر اللام؛ أي: لأجل تيمم صاحب البرد، وفي رواية عمرو بن حفص: (فقلت لشقيق: فإنما كره عبد الله؛ لهذا قلت) ، وقول القسطلاني وفي رواية حفص بن عمر السابقة خطأ، والصواب عمرو بن حفص؛ فافهم.

((قال)) أي: شقيق ((نعم)) كرهنا هذا لذا، وقول الكرماني وتبعه البرماوي: قوله: (قلت هو مقول شقيق) : خطأ ظاهر، ولهذا قال إمام الشارحين: (قلت: ليس كذلك، بل القائل ذلك: هو الأعمش، والمقول له: هو شقيق، كما صرح بذلك في رواية عمرو بن حفص التي مضت قبل هذه) انتهى.

فانظر ما أدق نظر إمام الشارحين! وما أفتر نظر الكرماني، وكذا البرماوي! وفوق كل ذي علم عليم.

((فقال)) ؛ بالفاء، ولابن عساكر: (قال) ((أبو موسى)) أي: الأشعري لعبد الله: ((ألم تسمع قول عمَّار)) ؛ بتشديد الميم: هو ابن ياسر ((لعمر)) : هو ابن الخطاب رضي الله عنهما: ((بعثني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في حاجة)) ؛ أي: في سرية، كما في رواية مسلم، أو في سفر، كما في رواية آدم بن أبي إياس في باب (هل ينفخ فيهما أو في الإبل) ، كما في رواية أبي داود، ((فأجنبت)) أي: صرت جنبًا، ((فلم)) ؛ بالفاء، ولأبي الوقت: (ولم) ((أجد الماء)) المطلق الكافي إلى أن حضرت الصَّلاة، ((فتمرغت)) أي: تقلبت ((في الصعيد)) أي: على وجه الأرض؛ ((كما تمرغ الدابة)) أي: كما تتقلب الدابة، والكاف في (كما) إما مصدرية، أو للتشبيه، قال السيد: لفظة: (ما) في (كما) إن كانت كافة على مصححة لدخولها على الجملة؛ كانت للتشبيه بين مضمون جملتين، وإن كانت مصدرية؛ فاختار أبو البقاء وغيره: أن الكاف مع مجرورها نعت لمصدر محذوف؛ تقديره: تمرغًا؛ كتمرغ الدابة، ومذهب سيبويه: أن محله النصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدم المحذوف بعد الإضمار على طريق الاتساع، فيكون التقدير: فتمرغت على هذه الحالة، ومنع أن يكون نعتًا لمصدر محذوف؛ لأنَّه يؤدي إلى حذف الموصوف في غير المواضع المستثناة.

قلت: [/ص422/] وقد أعرب جماعة؛ منهم: البيضاوي قوله تعالى: {كَمَا آمَنَ النَّاسُ} [البقرة: 13] ؛ بالنصب على المصدر، و (ما) كافة، أو مصدرية، ويدل عليه ما ذكرناه عن السيد؛ فتأمل.

و (تُمرُّغُ) ؛ بتشديد الراء [1] ، وضم المثناة الفوقية قبلها، ورفع الغين المعجمة، وأصله تتمرغ؛ بالتاءين، فحذفت إحداهما للتخفيف، كما في قوله تعالى: {نَارًا تَلَظَّى} [الليل: 14] ، والدابة اسم لكل ما يدب على الأرض، والمراد بها: الخيل والحمير؛ لأنَّ التمرغ يكون منهما، ((فذكرت ذلك للنبيِّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) والإشارة إلى ما فعله من التمرغ؛ لأجل رفع الحدث الأكبر عنه حتى يصلي فيه، ((فقال)) عليه [الصَّلاة] والسَّلام له: ((إنما كان يكفيك)) عوضًا عما فعلته ((أن تصنع)) ؛ بالخطاب؛ أي: بالصعيد ((هكذا)) ؛ يعني: أشار بيديه، ((وضرب)) ؛ بالواو، وفي رواية: (فضرب) ((بكفه)) ؛ بالإفراد، وللأصيلي: (بكفيه) ؛ بالتثنية ((ضربة)) ؛ أي: واحدة ((على أرض)) وقدمنا في الأحاديث عن عدة صحابة يرفعونه إلى النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: أن التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، وأن أحاديث عمار لا تصلح حجة؛ لاضطرابها واختلافها، فالضربتان هو الأصح من الأحاديث، كما لا يخفى.

((ثم نفضها)) ؛ أي: يده، وفي الروايات السابقة: (فنفخ فيهما) ، وفي بعضها: (فتفل) ، وهذا يدل على أنه عليه الصَّلاة والسَّلام لم يبق [2] عليها من الغبار شيئًا؛ لأنَّ النفض، والنفخ، والتفل تزيل أثر الغبار بالكلية، وإنما كان يفعل هذا؛ لأجل عدم تلويث الوجه بالغبار؛ لأنَّه يصير به الآدمي مثلة، وهو منهي عنه، وقد قال عز وجل: {لَقَدْ [3] خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] ، ومن حسن تقويمه ألَّا يلوث وجهه ويديه؛ فافهم.

((ثم مسح بها)) ؛ أي: بيده الذي ضرب بها الأرض ((ظهر كفه)) ؛ أي: اليمنى ((بشماله)) وفي رواية: (ثم مسح بهما) ؛ أي: بيديه، ((أو)) مسح ((ظهر شماله بكفه)) ؛ أي: اليمنى، كذا هو بالشك في جميع الروايات إلا في رواية أبي داود، فإنه رواه أيضًا من طريق أبي معاوية كما رواه البخاري، ولفظه قال: («إنما يكفيك أن تصنع هكذا»؛ فضرب بيديه على الأرض فنفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه) انتهى.

قال إمام الشارحين: (وهذا يحرر رواية غيره؛ لأنَّ الحديث واحد، واختلاف الألفاظ باختلاف الرواة، وفيه دليل صريح على أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين جميعًا، ولكن العامة أجابوا عن هذا الضرب المذكور بأنه كان للتعليم، وليس المراد به: بيان جميع ما يحصل به التيمم؛ لأنَّ الله تعالى أوجب غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء في أول الآية، ثم قال في التيمم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: 43] ، والظاهر: أن اليد المطلقة هنا هي المقيدة في الوضوء؛ فافهم.

قلت: وعلى هذا؛ فالفرض في التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، وهو الموافق للأحاديث الصحيحة التي تقدم ذكرها، فإنَّها صريحة في ذلك، كما لا يخفى.

((قال)) وفي رواية: (فقال) ((عبد الله)) : هو ابن مسعود لأبي موسى: ((ألم تر)) ؛ أي: تبصر، أو تعلم ((عمر)) : هو ابن الخطاب، وفي رواية الأصيلي وكريمة كما في «عمدة القاري»: (أفلم تر عمر) ((لم يقنع)) ؛ أي: لم يأخذ ((بقول عمار)) : هو ابن ياسر، ووجه عدم قناعته بقول عمار كما قاله إمام الشارحين: هو أنه كان معه في تلك القصة ولم يتذكر عمر ذلك، ولهذا قال لعمار فيما رواه مسلم عن عبد الرحمن بن أبزى: (اتق الله يا عمار) ؛ أي: فيما ترويه، وتثبَّت فيه، فلعلك نسيت أو اشتبه عليك، فإني كنت معك، ولا أتذكر شيئًا من هذا، ومعنى قول عمار: أني رأيت المصلحة في الإمساك عن التحديث به راجحة على التحديث، ووافقتك، وأمسكت، فإني قد بلغته، ولم يبق عليَّ حرج، فقال له عمر: (نوليك ما توليت) ؛ أي: لا يلزم من كوني لا أتذكره ألَّا يكون حقًّا في نفس الأمر، فليس لي في منعك من التحديث به) انتهى.

((زاد)) من الزيادة ((يَعْلَى)) بفتح المثناة التحتية أوله، وسكون العين المهملة، وفتح اللام: هو ابن عبيد بن يوسف الطنافسي الحنفي الكوفي، المتوفَّى سنة تسع ومئتين، وزعم الكرماني أن هذا إما داخل تحت إسناد محمَّد بن سلام، وإما تعليق من البخاري مع احتمال سماع البخاري منه؛ لأنَّه أدرك عصره.

ورده إمام الشارحين حيث قال: (قلت: هذا تعليق من البخاري، وقد وصله أحمد ابن حنبل في «مسنده»، ووصله أيضًا الإسماعيلي عن ابن زيدان: حدثنا أحمد بن حَازم: حدثنا يعلى: حدثنا الأعمش؛ فذكره) انتهى.

قلت: فاحتمال ما زعمه الكرماني باطل، كما لا يخفى؛ فافهم.

((عن الأعمش)) : هو سليمان بن مهران، ((عن شقيق)) : هو أبو وائل بن سَلَمَة ((قال: كنت مع عبد الله)) : هو ابن مسعود ((وأبي موسى)) : هو عبد الله بن قَيْس الأشعري رضي الله عنهما، يحتمل أنه كان معهما في بستان من بساتين المدينة، ويحتمل أنه كان معهما في المسجد النبوي، ويحتمل أنه كان معهما في الطريق يتحدثان وهو يسمع كلامهما، ((فقال أبو موسى)) أي: الأشعري لعبد الله بن مسعود: (أرأيت لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء، أيتيمم ويصلي؟) قال عبد الله: (لا يتيمم ولا يصلي حتى يجد الماء) ، فقال أبو موسى لعبد الله بن مسعود: ((ألم تسمع قول عمار)) : هو ابن ياسر ((لعمر؟)) : هو ابن الخطاب رضي الله عنهما ((إنَّ رسول الله)) ، وللأصيلي: (إن النبي) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم بعثني)) ؛ يعني: أرسلني في حاجة، أو في سرية فذهبت ((أنا وأنت)) قيل: كان القياس أن يقول: بعثني إياي وإياك؛ لأنَّ (إيا) ضمير مرفوع، فكيف وقع تأكيدًا للضمير المنصوب، والمعطوف في حكم المعطوف عليه؟

وأجيب: بأن الضمائر يقام بعضها مقام بعض، وتجري بينهما المناوبة، وهنا كذلك، كذا في «عمدة القاري».

((فأجنبت)) ؛ أي: صرت جنبًا، وحضرت الصَّلاة، ولم أجد ماء للطهارة، ((فتمعكت)) أي: تقلبت ((بالصعيد)) ؛ أي: على وجه الأرض كما تتمعك الدابة، ((فأتينا رسول الله)) وللأصيلي: (النبي) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) بعدما قضينا ما بعثنا إليه، ((فأخبرناه)) ؛ يعني: عن البعث، وعن عدم وجود الماء وهو جنب، وأنه تمعك، ((فقال)) عليه السلام له: ((إنما كان [/ص423/]

يكفيك)) أي: للطهارة من الجنابة ((هكذا)) وفي رواية الكشميهني: (هذا) ، ((ومسح وجهه وكفيه واحدة)) ؛ يعني: ضربة واحدة، وهذا التقدير هو المناسب لغرض المؤلف؛ لأنَّه ترجم الباب بقوله: (باب التيمم ضربة) ، ويحتمل أن يقدر مسحة واحدة، وهو الظاهر من اللفظ، قاله إمام الشارحين.

فإن قلت: لم يذكر في هذه الرواية: أنه عليه السلام ضرب مرة أو مرتين، وزعم الكرماني أن التيمم وقع بالضربتين.

ورده إمام الشارحين: بأنه لا يدل شيء من الحديث على ذلك، انتهى.

قلت: وهو كذلك، كما لا يخفى، ثم استكشل الكرماني، فزعم أنه إذا حمل على الضربة الواحدة، واستعمل في الوجه، فكيف مسح به الكفين؟

وأجاب: بأن السؤال ساقط على مذهب من يقول: التراب لا يصير مستعملًا، وأما على مذهبنا؛ فوجهه أن يمسح الوجه بكف واحدة، ثم ينفض بعض الغبار في الكف الغير المستعملة إلى الأخرى، أو يدلك إحداهما بالأخرى، ثم يمسح اليدين بهما، انتهى.

ورده إمام الشارحين فقال: (قلت: هذا الذي ذكره وجعله مذهبًا لا يفهم من هذا الحديث) انتهى.

قلت: وهو كذلك فمن أين أخذه هذا القائل على أن قوله هذا متناقض، كما لا يخفى.

قال في «البدائع»: (قال الإمام أبو يوسف: سألت الإمام الأعظم رضي الله عنهما عن كيفية التيمم؟ فقال: التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، فقلت: كيف هو؟ فضرب بيديه على الصعيد، فأقبل بهما وأدبر، ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه، ثم أعاد كفيه على الصعيد ثانيًا، فأقبل بهما وأدبر، ثم نفضهما، ثم مسح بهما ظاهر الذراعين وباطنهما إلى المرفقين) ، ثم قال صاحب «البدائع»: (وقال بعض علمائنا: وينبغي أن يمسح بباطن أربع أصابع يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤوس الأصابع إلى المرفق، ثم يمسح بكفه اليسرى دون الأصابع باطن يده اليمنى من المرفق إلى الرسغ، ثم يمر بباطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى، ثم يفعل باليد اليسرى كذلك) ، قال: (وهذا أقرب إلى الاحتياط؛ لما فيه من الاحتراز عن استعمال الصعيد المستعمل بالقدر الممكن) انتهى.

قلت: وتعبيره (ينبغي) يقتضي استحباب هذه الكيفية، وقد اختارها صاحب «المحرر» من الشافعية، وجزم في «الروضة» باستحبابها، وذكر في «الكفاية» عكسها، ونقله عن «الأم»، قال القسطلاني: (ولم تثبت هذه الكيفية في السنة) انتهى.

قلت: فعلينا اتِّباع ما ورد في السنة، فالكيفية التي نقلها صاحب «البدائع» عن الإمام الأعظم أولى؛ لأنَّها قد وردت في السنة، لا سيما وقد نقلت عن الإمام الأعظم صاحب المذهب المعظم الذي إلى غير مذهبه لا يذهب، ومن تحت نظره لا يهرب.

قال الكرماني: اعلم: أن هذه الكيفية المذكورة في حديث هذا الباب مشكلة من جهات:

أولًا: من الاكتفاء بضربة واحدة، وقد ثبت في الطرق الأُخرى أنه ضربتان، وقال النووي: (الأصح المنصوص ضربتان) .

وثانيًا: من جهة الاكتفاء بمسح ظهر كف واحدة، وبالاتفاق: مسح كلا ظهري الكفِّ واجب، ولم يجوز أحد الاجتزاء بأحدهما.

وثالثًا: من حيث إن الكف إذا استعمل ترابه في ظهر الشمال كيف مسح به الوجه، وهو صار مستعملًا؟

ورابعًا [4] : من جهة أنه لم يمسح الذراعين.

وخامسًا: من عدم مراعاة الترتيب، وتقديم الكف على الوجه.

وأجاب عن الأول: بالمنع؛ بأنا لا نسلم أن هذا التيمم كان بضربة واحدة، وأجاب عن الثاني: بأنه لا بد من تقدير: ثم ضرب ضربة أخرى، ومسح بها، وأجاب عن الثالث: بما لا طائل، وأجاب عن الرابع: بمنع إيجاب مسح الذراعين، ولهذا قالوا مسح الكفين أصح في الرواية، ومسح الذراعين أشبه بالأصول، وأجاب عن الخامس: بمنع إيجاب الترتيب، كما هو مذهب الأئمَّة الحنفية.

وقد ردَّ هذه الأجوبة إمام الشارحين حيث قال: (قوله في جواب الأول: (بالمنع) : قلت: منعه ممنوع؛ لأنَّه كان بضربة واحدة؛ لأنَّه صرح فيه بأن الضربة الواحدة كافية، فيحمل هذا على الجواز، وما ورد من الزيادة عليها على الكمال.

وقوله: (وقال النووي...) إلى آخره، هذا ممنوع؛ لأنَّه اعتراض على الحديث بالمذهب، وهو غير صحيح.

وقوله في جواب الثاني: (لا بد من تقدير...) إلى آخره: قلت: لا يحتاج إلى هذا التقدير؛ لأنَّ أصل الفرض يقوم بضربة واحدة، كما في الوضوء على أن مذهب جمهور العلماء الاكتفاء بضربة واحدة، كذا ذكره ابن المُنْذِر، واختاره هو أيضًا، والبخاري أيضًا، فلذلك بوب عليه.

وجوابه عن الثالث: قلت: والجواب السديد أن التراب لا يأخذ حكم الاستعمال، وهذا الحكم في الماء دون التراب.

وقوله في جواب الرابع وتأكيده بقوله: (ولهذا...) إلى آخره، قلت: فعلى هذا الإشكال؛ الرابع غير وارد من الأول.

وقوله في جواب الخامس: قلت: هذه استعانة برأي من هو يخالف رأيه) انتهى.

قلت: فكلام الكرماني في غاية التعسف؛ لأنَّ هذه الأسئلة والأجوبة غير واردة؛ فافهم.

[1] في الأصل: (الميم) ، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (لم يبقي)، والمثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (ولقد)، وليس بصحيح.
[4] في الأصل: (وأربعًا).