المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

338-. حدَّثنا آدَمُ، قالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ: حدَّثنا الحَكَمُ، عن ذَرٍّ، عن سَعِيدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبْزَىَ، عن أَبِيهِ: قالَ:

جاءَ رَجُلٌ إلىَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فقالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الماءَ. فقالَ عَمَّارُ بنُ ياسِرٍ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: أَما تَذْكُرُ أَنَّا [1] كُنَّا في سَفَرٍ أَنا وَأَنْتَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ [2] لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [3] : «إنَّما كان يَكْفِيكَ هَكَذا [4] ». فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَفَّيهِ [5] الأَرْضَ [6] ، وَنَفَخَ فِيهِما، ثُمَّ مَسَحَ بهما وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ؟

الأطراف



[1] في رواية الأصيلي: «إذْ».
[2] في رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت زيادة: «ذلكَ».
[3] قوله: «النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» ليس في رواية الأصيلي (ن، و). وفي (ب، ص) أنَّ قوله: «النَّبِيُّ» فقط هو الذي ليس في روايته.
[4] في رواية أبي ذر عن الحَمُّويي والمُستملي: «هَذا».
[5] قوله: «النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» ليس في رواية أبي ذر.
[6] في رواية أبي ذر: «في الأرض»(ن، ق)، وعزاها في (ب، ص) إلىَ رواية الأصيلي بدل أبي ذر.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

لا تتوفر معاينة

338# (ابْنِ أَبْزَى) بهمزة مفتوحة وموحدة ساكنة وزاي.

(إِنِّي [1] أَجْنَبْتُ) بهمزة مفتوحة وجيم، يقال: أجنبَ الرجلُ، وجَنُبَ بالضم، وجَنَب بالفتح.

(فتمَعَّكْتُ، فَصَلَّيْتُ) قال ابن دقيق العيد: كأنَّه لما رأى أن الوضوء خاصٌّ ببعض الأعضاء، وكان بدلُه وهو التيممُ خاصًّا أيضًا، فوجب أن [2] يكون بدلُ الغسل الذي يعمُ جميعَ البدن عامًّا له أيضًا.

(إنَّمَا كانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا) قال ابنُ حزم: فيه إبطالُ القياس؛ لأن عمارًا قاس التيمم للجنابة [3] على الغسل لها، فأبطلَ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورُدَّ [4] بأنَّه لا يلزم من بطلان هذا القياس الخاصِّ بطلانُ القياس على وجه [5] العموم، والقائسون لا يعتقدون صحَّةَ كلِّ قياسٍ.

[1] في (ق): ((أي إني)).
[2] في (ق): ((وجب بأن)).
[3] في (د): ((بالجنابة)).
[4] في (ق): ((وردها)).
[5] في (ق): ((جهة)).





338- قَولُهُ: (حَدَّثَنَا [1] الحَكَمُ): هو ابن عتيبة، تصغير عتبة، تقدَّم، وتقدَّم [2] بعض ترجمته، وأنَّ لهم آخر يقال له: الحكم بن عتيبة، وَهِم [3] البخاريُّ فجعلهما واحدًا.

قَولُهُ: (عن ذَرٍّ): هو بفتح الذَّال المعجمة، وتشديد الرَّاء، وهو ابن عَبْد الله بن زُرارة الهمْدانيُّ الكوفيُّ، عنِ المُسَيَّب بن نَجَبَة، وعبد الله بن شدَّاد، وعنه: عمر بن ذرٍّ، ومنصور، والأعمش، هجره سعيد بن جبير؛ لإرجائه، أخرج له الجماعة، وهو موثَّق [4] ، وثَّقه ابن مَعِين وغيره، له ترجمة في «الميزان»، وصحَّح عليه، قال في ترجمته: (قال أحمد: لا بأس به، هو أوَّل من تكلَّم في الإرجاء) انتهى، وقد قدَّمت في (كتاب الإيمان) [خ¦48] : أنَّ أوَّل المرجئة: الحسن [5] بن محمَّد [6] ابن الحنفيَّة، وأنَّ له مصنَّفًا [7] ، وذكرت هناك جمعًا بين هذين الكلامين، والله أعلم.

قَولُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ إلى عُمَرَ بن الخطَّاب): هذا الرَّجل لا أعرف اسمه.

قَولُهُ: (فَلَمْ أُصِبِ المَاءَ): هو بضمِّ الهمزة، وهو رباعيٌّ، أصاب: وجد.

[1] في النسخ: (عن) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[2] (وتقدم): ليس في (ب) .
[3] في (ج): (ووهم) .
[4] في (ج): (موثوق) .
[5] في (ب): (الحسين) ، وهو تحريفٌ.
[6] في النسخ: (محمد بن الحسن) ، والمثبت من الموضع المشار إليه ومن المصادر.
[7] في (ج): (مصنفات) .





338- (أَمَا تَذْكُرُ): الألفُ للاستفهامِ، و (مَا) للنَّفْيِ.


338- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ)؛ بفتح الحاء والكاف، ابن عُتَيْبَة؛ بضمِّ العين وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة وفتح المُوحَّدة (عَنْ ذَرٍّ)؛ بفتح الذَّال المُعجَمة وتشديد الرَّاء، ابن عبد الله، الهمْدانيِّ؛ بسكون الميم (عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى)؛ بفتح الهمزة وسكون المُوحَّدة وبالزَّاي المفتوحة، مقصورًا، و«سعيدٍ» بكسر العين (عَنْ أَبِيهِ) عبد الرَّحمن، الصَّحابيِّ الخزاعيِّ الكوفيِّ (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) وفي رواية الطَّبرانيِّ: من أهل البادية (إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ)؛ بفتح الهمزة؛ أي: صرت جنبًا (فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ)؛ بضمِّ الهمزة، من الإصابة؛ أي: لم [1] أجده (فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ) العنْسيُّ؛ بالنُّون السَّاكنة، وكان من السَّابقين الأوَّلين، وهو وأبوه شهد المشاهد كلَّها، وقال عليه الصلاة والسلام: «إنَّ عمَّارًا مُلِىءَ إيمانًا»، أخرجه التِّرمذيُّ، واستأذن عليه، فقال له: «مرحبًا بالطَّيِّب المُطيِّب»، وقال: «من عادى عمَّارًا؛ عاداه الله، ومن أبغض عمَّارًا؛ أبغضه الله»، له في «البخاريِّ» أربعة أحاديث، منها: قوله هنا (لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين (أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا) وللأَصيليِّ: ((إذ)) (كُنَّا فِي سَفَرٍ) ولـ: «مسلمٍ»: في سريَّةٍ، وزاد [2] : فأجنبنا (أَنَا وَأَنْتَ) تفسيرٌ لضمير الجمع في: «كنَّا»، وهمزة «أَمَا» للاستفهام، وكلمة «ما» للنَّفي، وموضع «أنَّا كنَّا» نصبُ مفعولِ «تذكر» (فَأَمَّا أَنْتَ؛ فَلَمْ تُصَلِّ)؛ أي: لأنَّه كان يتوقَّع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت، أو لاعتقاد أنَّ التَّيمُّم عن الحدث الأصغر لا الأكبر، وعمَّارٌ قاسه عليه (وَأَمَّا أَنَا؛ فَتَمَعَّكْتُ)؛ أي: تمَّرغت في التُّراب، كأنَّه لمَّا رأى أنَّ التَّيمَّم إذا وقع بدل الوضوء؛ وقع على هيئة الوضوء، رأى [3] أنَّ التَّيمُّم [/ج1ص370/]

عنِ الغسل يقع على هيئة الغسل، (فَصَلَّيْتُ فَذَكَرْتُ ذلك لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) ولغير أبوَي ذَرٍّ والوقت [4] وابن عساكر: ((فذكرت [5] للنَّبيِّ)) بإسقاط لفظ: «ذلك» (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) وللأَصيليِّ: ((فقال صلى الله عليه وسلم)): (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ [6] هَكَذَا))؛ بالكاف بعد الهاء، وللحَمُّويي والمُستملي: ((هذا)) (فَضَرَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِكَفَّيْهِ) ولأبي ذَرٍّ: ((فضرب بكفَّيه)) (الأَرْضَ) وللأَصيليِّ: ((في الأرض))، (وَنَفَخَ فِيهِمَا) نفخًا؛ تخفيفًا [7] للتُّراب، وهو محمولٌ على أنَّه كان كثيرًا، (ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ) إلى الرُّسغين [8] ، وهذا مذهب أحمد فلا يجب عنده المسح إلى المرفقين، ولا الضَّربة الثَّانية للكفَّين، واستُشكِل: بأنَّ ما يمسح به وجهه يصير مُستعمَلًا، فكيف يمسح به كفَّيه؟ وأُجيب: بأنَّه يمكن أن يمسح الوجه ببعض الكفَّين، والكفَّين بباقيهما، والمشهور عند المالكيَّة: وجوب ضربتين والمسح إلى المرفقين، واختُلِف عندهم إذا اقتصر على الرُّسغين وصلَّى؛ فالمشهور: أنَّه يعيد في الوقت، ومذهب أبي حنيفة والشَّافعيِّ، وصحَّحه النَّوويُّ رحمه الله: وجوب [9] ضربةٍ لمسح وجهه، وأخرى ليديه، والمسح إلى المرفقين، قياسًا على الوضوء؛ لحديث أبي داود: أنَّه صلى الله عليه وسلم تيمَّم بضربتين؛ مسح بإحداهما وجهه، وروى الحاكم والدَّارقُطنيُّ عن ابن عمر عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال [10] : «التَّيمُّم ضربتان: ضربة للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين»، و«إلى» هنا بمعنى «مع»، والقياس على الوضوء دليلٌ على أنَّ المُراد بقوله في حديث عمَّارٍ: «وكفَّيه»؛ أي: إلى المرفقين، وصحَّح الرَّافعيُّ الاكتفاء بضربةٍ؛ لحديث الباب، والأوَّل: أصحُّ مذهبًا، والثَّاني: أصحُّ دليلًا، وأمَّا حديث الدَّارقُطنيِّ والحاكم: «التَّيمُّم ضربتان...» إلى آخره؛ فالصَّواب وَقْفَه على ابن عمر، وأمَّا حديث أبي داود؛ فليس بالقويِّ، وقضيَّة حديث عمَّار: الاكتفاء بمسح الوجه والكفَّين وهو قولٌ قديمٌ، قال في «المجموع»: وهو وإن كان مرجوحًا عند الأصحاب، فهو القويُّ في الدَّليل، كما قال الخطَّابيُّ: الاقتصار على الكفَّين أصحُّ في الرِّواية، ووجوب الذِّراعين أشبه بالأصول وأصحُّ في القياس، ولو كان التُّراب ناعمًا؛ كفى وضع اليد عليه من غير ضربٍ، وفي الحديث: أنَّ مسح الوجه واليدين بدلٌ من [11] الجنابة عن كلِّ البدن، وإنَّما لم يأمره بالإعادة؛ لأنَّه عمل أكثر ممَّا كان [12] يجب عليه في التَّيمُّم.

ورواة هذا [13] الحديث الثَّمانية ما بين خراسانيٍّ وكوفيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة والقول، وثلاثةٌ من الصَّحابة، وأخرجه المؤلِّف رحمه الله في «الطَّهارة»، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

[1] في (ص): «ما».
[2] «وزاد»: ليس في (م).
[3] في (ص): «أي».
[4] زيد في غير (م): «والأصيليِّ»، وليس بصحيحٍ.
[5] في غير (د): «فذكرته»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[6] في هامش (ص): «قوله: «إنَّما كان يكفيك»، والأصل: يكفيك مثل هذا، فقدَّم حرف التَّنبيه على الكاف، كما نبَّه عليه المعرب في قوله تعالى: {أهكذا عرشك} [النَّمل: 42] ، حيث قال: فُصِلَ بحرف الجرِّ بين حرف التَّنبيه واسم الإشارة، والأصل: «أهكذا؟»؛ أي: «أمثل هذا؟»، ولا يجوز ذلك في غير الكاف، لو قلت: «أبهذا مررت؟»، و«لهذا فعلت؟»؛ لم يجز أن يُفصَل بحرف الجرِّ بين «ها» و«ذا»، فلا نقول: «أها بذا مررت؟ أها لذا فعلت؟»، انتهى، ثمَّ قال: قوله: «إنَّما كان يكفيك هكذا» يحتمل أنَّ اسم «كان» ضمير الشَّأن، و«هكذا» فاعل «يكفيك»، والجملة مُفسِّرةٌ لضمير الشَّأن؛ أي: إنَّما كان الشَّأن يكفيك مثل هذا الفعل المُشار إليه، ويحتمل أنَّ «هكذا» اسم «كان»، و«يكفيك» خبرها، وفيه ضميرٌ عائدٌ على اسم «كان»، وعلى الاحتمالين: يحتمل أن تكون الكاف اسمًا مضافًا لاسم الإشارة، ويحتمل أن يكون حرف جرٍّ، وهي ومجرورها صفةٌ لمحذوفٍ دلَّ عليه السِّياق، هو اسم «كان» أو فاعل «يكفي». انتهى. تقرير. الشَّيخ عليّ الأجهوري».
وفي هامش (ص): «قوله: «هكذا»: «ها» حرف تنبيهٍ، و«الكاف» يحتمل أن يكون اسمًا على مذهب الأخفش والفارسيِّ؛ بمعنى «مثل» في محلِّ رفعِ فاعل «يكفيك»، وهو مضافٌ إلى اسم الإشارة، ويحتمل أن يكون حرف جرٍّ للتَّشبيه، وهي ومجرورها في محلِّ رفعٍ على الفاعليَّة، أو صفةٌ لفاعلٍ مُقدَّرٍ يدلُّ عليه السِّياق. انتهى. تقرير».
[7] في (ص) و(م): «خفيفا».
[8] في هامش (ص): «قوله: «إلى الرُّسغين»؛ بالضَّمِّ؛ منتهى الكفِّ عند المفصل، كذا في «التَّقريب»، وعبارة «المصباح»: الرُّسُغ من الإنسان: مفصلٌ ما بين الكفِّ إلى السَّاعد، والقدم إلى السَّاق، وضمُّ السِّين للإتباع لغةٌ، والجمع: أرساغٌ. انتهى».
[9] في (د): «يضرب».
[10] «قال»: سقط من (د).
[11] في غير (ص) و(م): «في».
[12] «كان»: سقط من (د).
[13] «هذا»: سقط من (د).





338- ( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ... إلى آخره ): ليس فيه جواب عمر رضي الله عنه، وقد بيَّنه النَّسائيُّ فقال: «لا يصلِّي حتَّى يجد الماء».

( فَضَرَبَ ): زاد غير أبي ذَرٍّ: «النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

338- وبالسَّند إليه قال: ((حدثنا آدم)) ؛ بالمد: هو ابن أبي إياس؛ بكسر الهمزة ((قال: حدثنا شعبة) هو ابن الحجاج ((قال: حدثنا الحَكَم)) بفتح الحاء المهملة، والكاف: هو ابن عُتَيْبَة؛ بضمِّ العين المهملة، وفتح المثناة الفوقية، وسكون التحتية، وفتح الموحدة، ((عن ذَرٍّ)) بفتح الذَّال المُعجمة، وتشديد الراء: هو ابن عبد الله الهمْداني؛ بسكون الميم، ((عن سَعِيْد)) بكسر العين المهملة ((بن عبد الرحمن بن أَبْزَى)) بفتح الهمزة، وسكون الموحدة، وبالزَّاي المفتوحة، مقصورًا، ((عن أبيه)) هو عبد الرَّحمن الصَّحابي الخزاعي الكوفي، استعمله علي الصدِّيق الأصغر رضي الله عنه على خَرَاسان ((قال)) أي: عبد الرحمن ((جاء رجلٌ)) أي: من أهل البادية، كذا صَرَّح به الطبراني في روايته ((إلى عُمَر بن الخطاب)) أمير المؤمنين رضي الله عنه، ((فقال)) ؛ أي: الرَّجل: يا أمير المؤمنين؛ ((إني أَجنبت)) بفتح الهمزة؛ أي: صِرْت جُنبًا، وفي رواية: (جُنِبت) ؛ بضمِّ الجيم، وكسر النون، ((فلم أُصب الماء)) ؛ بضمِّ الهمزة، من الإصابة؛ أي: لم أجدهُ، وفي هذا دليلٌ على أنَّ المسافر له أن يطأ جاريته وإن علم أنَّه لا يجد الماء؛ لأنَّ الصَّعيد شرع طهورًا بحال عدم الماء، ولا تكره الجنابة حال وجود الماء، فكذا حالة عدمه، وبهذا صرَّح في «البحر» عن «المحيط»؛ فليُحفظ.

((فقال عمَّار)) بتشديد الميم ((بن ياسر)) هو العَنْسي؛ بفتح العين المهملة، وسكون النون، الصحابي ابن الصَّحابي، شهد هو وأبوه المشاهد كلَّها، وأخرج التِّرمذي: أنَّه عليه السَّلام قال: «إنَّ عمارًا مُلِئَ إيمانًا»، واستأذن عليه، فقال له: «مرحبًا بالطَّيب المطيَّب»، وقال: «من عادى عمَّارًا؛ عاداه الله، ومن أبغض عمارًا؛ أبغضه الله»، وكان من السَّابقين الأولين، له في «الصَّحيح» أربعة أحاديث؛ منها قوله هنا ((لعمر بن الخطاب)) رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين؛ ((أَما)) ؛ بفتح الهمزة للاستفهام، وكلمة (ما) للنفي ((تذكُر)) من الذِكر؛ بضمِّ الذال المعجمة؛ أي: تحفظ، وتفطن، وتعلم ((أنَّا)) وفي رواية الأصيلي: (إذا) ، وموضع (أنا) نصب على أنَّه مفعول (تذكر) ((كنَّا في سفر)) وفي رواية مسلم: (في سرية) ، وزاد: (فأجنبنا) ((أنا وأنت)) تفسير لضمير الجمع في (كنا) ((فأمَّا أنت؛ فلم تُصلِّ)) تفصيل لما وقع من عمَّار وعمر رضي الله عنهما؛ ومعناه: أنَّه لم يصلِّ بالتيمم؛ لأنَّه كان يتوقع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت، أو أنَّه جعل آية التيمم مختصة بالحدث الأصغر، وأدَّاه اجتهاده إلى أنَّ الجُنب لا يتيمم، فقاسه عمار عليه، ولم يذكر في هذه الرواية جواب عمر، وكذلك روى البخاري هذا الحديث في الباب الذي يليه من رواية ستة أنفس عن شُعبة، ولم يذكر فيها جواب عمر، وذكره مُسلم من طريق يحيى بن سَعِيْد، والنَّسائي عن حجاج بن محمَّد، فقال: (لا تُصلِّ) ، وزاد السراج: (حتى تَجد الماء) ، وهذا مذهب مشهور عن عمر، ووافقه عليه ابن مسعود، وجرت فيه مناظرة بين أبي موسى وابن مسعود على ما سيأتي في باب (التيمم ضربة) ، وقيل: إن ابن مسعود رجع عن ذلك، قاله إمام الشَّارحين.

قلتُ: قدمنا أنَّ عمر وابن مسعود قد ثبت رجوعهما عن ذلك، وقالا: بصحة التيمم عن الجنابة؛ فليحفظ.

ويدلُّ لذلك: ما قاله في «عمدة القاري»: (وفي لفظ للبخاري: قال أبو موسى لابن مسعود: إذا لم تجد الماء؛ لا تصلِّ، قال عبد الله: لو رُخِّصت لهم في هذا كان إذا وجد أحدهم البرد؛ قال هكذا -يعني: تيمم وصلى- قال أبو موسى: فقلت: أين قول عمار لعمر رضي الله عنهما؟ قال: إني لم أر قنع عمر بقول عمار) ، وفي لفظ آخر: (كيف تصنع بقول عمار حين قال له النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: «كان يكفيك»؟ قال: لم نر عمر يقنع بذلك منه، فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمار، كيف تصنع بهذه الآية؟ فما درى عبد الله ما يقول) انتهى.

قلت: وظاهره أنَّه رجع عن ذلك وهو يدلُّ لما قدمناه؛ فافهم.

((وأمَّا أنا؛ فتمعكت)) وفي الرواية الآتية: (فتمرغت) ؛ بالغين المعجمة؛ أي: تقلبت بالتراب، وفي لفظ: (بعثني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة...) ؛ الحديث، ((فصليت)) ؛ لأنَّه قد ارتفع حدثه، وكأنَّه اجتهد أنَّ التيمم إذا وقع بدل الوضوء؛ وقع على هيئة الوضوء، واجتهد أنَّ التيمم عن الغُسل يقع على هيئة الغسل، فلهذا تمعَّك، وهذا اجتهاد منه في ذلك، وهو صحيح وإن كان في عصره عليه السَّلام؛ لأنَّ الجمهور: جوَّزوا الاجتهاد في عصره عليه السلام مطلقًاسواء كانوا غائبين عن الرسول أو حاضرين في بلده عليه السلام، وهو المختار، ولهذا لم يأمره النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم حين سأله بإعادة الصَّلاة؛ لأنَّه فعل أكثر ما كان يجب عليه في التيمم؛ حيث تقلَّب على الصعيد، ففيه دليل على جواز الاجتهاد في جهة القِبلة إذا كان في صحراء، أو ظلمة، أو غير ذلك، فلو صلى الظهر مثلًا واجتهد لجهة، ثم تبدل اجتهاده لجهة أخرى؛ ينحرف ويصلي، فلو تبدل أيضًا؛ ينحرف، وهكذا، فصلاته صحيحة، ولا إعادة عليه، وإن كان كل ركعة لجهة؛ لأنَّه فعل ما في وسعه؛ فليحفظ.

((فذكرت)) وقوله: ((ذلك)) ثابت في رواية، ساقط في أخرى ((للنَّبيِّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) ؛ أي: فعله المذكور، ((فقال النَّبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) وفي رواية الأصيلي: (فقال صلَّى الله عليه وسلَّم) أي: لعمار في الجواب: ((إنَّما كان يكفيك)) ، زاد في لفظ: (أن تَصنع) ، ((هكذا)) بالكاف بعد الهاء، وفي رواية الحموي، والمستملي: (هذا) ، وفي لفظٍ: (وضرب بكفيه على الأرض، ثم نفضهما، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه) ، وفي لفظٍ: (مسح وجهه وكفيه واحدة) ، كذا في «عمدة القاري»، قال: وهذا ظاهر في تقديم الكف على الوجه، وهو شاهدٌ لما ذهب إليه الإمام الأعظم، وهو قول محمَّد بن إدريس، وبه قال ابن حزم، وحكاه عن الأوزاعي، وسيأتي تمامه.

((فضرب النَّبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) ولأبي ذر: (فضرب) ((بكفيه)) ؛ بالتثنية ((الأرضَ)) وللأصيلي: (في الأرض) ((ونفخ فيهما)) ، وفي لفظ: (فأدناهما، ثم أدناهما، ونفخ فيهما) ، وفي لفظ: (قال عمَّار: وتفل فيهما) ، وفي لفظ: (ثم نفضهما) ، وهذا يدل على أنَّه لم يُبْقِ عليهما من التراب شيئًا؛ لأنَّ النَّفخ، وأدناهما منه، والتفل فيهما يزيل أثر التُّراب بالكلية، كما هو مُشَاهد، ويدلُّ [/ص399/] لهذا ما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله، عن عمَّار: (فأمر المسلمين فضربوا بأكفهم التُّراب، ولم يقبضوا من التراب شيئًا...) ؛ الحديث؛ يعني: من شدة النفخ لم يحملا من التراب شيئًا؛ لأنَّ النفض وكذا التَّفل -وهو النفخ الشَّديد- لا سيما دُنوُّهما منه يزيل أثر التراب بالكلية، كما لا يخفى، فهذا يدلُّ لما ذهب إليه الإمام الأعظم، والإمام محمَّد بن الحسن، والجمهور: من أنه إذا تيمم على صخر؛ جاز؛ لأنَّ الواجب المسح بكفٍّ موضوعٍ على الأرض لا استعمال التراب، وخالفهم الشَّافعية، فزعموا أنه لا بد من التُّراب، وحملوا هذا الحديث على أنَّ النفخ كان لأجل تخفيف التراب وهو محمول على أنَّه كان كثيرًا.

قلتُ: وهذا كلام غير موجه؛ لأنَّ اشتراط التُّراب غير ثابت عند الشَّارع، وإنَّما الثَّابت اشتراط الصَّعيد، وهو وجه الأرض؛ كحجرٍ، ومَدَرٍ، وتُراب، وغير ذلك، وهو ما أجمع عليه أهل التفسير، وأهل اللغة كما سبق، وقولهم: إن النفخ كان لأجل التخفيف كلام فاسد؛ لأنَّه جاء بلفظ (التفل) ، وجاء بلفظ (النفض) ، وجاء: أنه أدناهما، وهذا كله يدل على أنَّه أزال عنهما التراب بالكلية، وهذا إذا ثبت أنَّه ضَرب يديه على التُّراب، والظاهر منه: أنه ضرب بيديه على الحصى كبارًا وصغارًا، فإنَّ حكمة النَّفض والنَّفخ؛ لأجلألَّا يعلق بهما شيء من ذلك فيؤذي وجهه الشَّريف، ولأنَّه يصير الشخص مثلة في تبديل خلقه وتغيير هيئته، وهو منهيٌّ عنه؛ لأنَّه يصير هزأةً بين الناس لا يقال: إنه أثر عِبَادة؛ لأنَّا نقول التُّراب ملوث مبدِّل للخلقة، فإنَّه وإن كان طهورًا إلا أنه لا يصلح لذلك؛ لاحتمال أنَّه قد دخل الغبار ونحوه بخلاف الماء، فإنه منظف؛ فافهم.

فإن الأرض تُطلق: على الحجر، والمدر، والحصى، وغير ذلك إذا كان منبسطًا، وعلى فرض أنَّه على التُّراب، فالتفل -وهو شدة النفخ- وأدناهما منه دليل واضح على أنه لم يُبْقِ فيهما شيء من التُّراب، كما لا يخفى.

وقولهم: (وهو محمول على أنَّه كان كثيرًا) كلام باطل؛ لأنَّ اليدين إذا ضرب بهما الأرض؛ لم يحملا ترابًا كثيرًا، وإنما يتلوثان بالغبار، كما هو مشاهد لأولي الألباب، فكيف يوصف بالكثير؟ وما هذا إلا تعنت وعناد، ولا حاجة إلى هذا الحمل؛ لأنَّه قد ورد عند أبي داود: (ولم يقبضوا من التراب شيئًا) ، كما سبق قريبًا، و (شيئًا) نكرة، وهي في سياق النفي تعمُّ فتشمل القليل والكثير؛ يعني: لم يبق عليهما تراب لا قليلًا ولا كثيرًا؛ فافهم، والله أعلم.

قال إمام الشَّارحين: (ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث ذكر النفخ، ولكن ليس في الحديث استفهام فيه، ولهذا قلنا: إن تبويبه بالاستفهام ليس بسديدٍ) انتهى.

قلتُ: واختُلِفَ هل ينفخ مرة واحدة أو مرتين؟

قلتُ: وظاهر الحديث أنَّه ينفض بقدر ما يتناثر التَّراب عنهما؛ لئلَّا يصير مثلة، وبه صرَّح في «الهداية»، فالمقصود: تناثر التُّراب إنْ حصل بمرةٍ؛ اكتفى بها، وإن لم يحصلْ؛ ينفض مرتين، كذا قاله في «البدائع».

((ثم مسح بهما)) أي: يديه ((وجهه)) مستوعبًا، فيخلل لحيته، ويمسح عذاره، والوترة التي بين المنخرين، وما تحت الحاجبين، وموق العينين؛ لأنَّ الاستيعاب شرطٌ على المُختار، وهو ظاهر الحديث، وظاهره أيضًا أنَّه يُشْترط المسح بجميع اليد أو بأكثرها، فلا يجوز أن يمسح بإصبع أو إصبعين، كما في «السِّراج الوهاج»، ((وكفيه)) فيخلل أصابعه، ويحرك الخاتَم، وظاهر الحديث أنَّه لا يُشترط الترتيب في التيَّمم كأصله؛ لأنَّ الواو لمطلق الجمع عند المحققين، فلا تفيدُ التَّرتيب، ولا التَّعقيب، وهو كذلك لكنَّه سُنة، وظاهر الحديث أيضًا أنَّه على التوزيع، فمسح باليد اليمنى وجهه، وباليسرى كفَّيه؛ لأنَّه لا يشترط المسح باليدين حتى لو مسح بإحدى يديه وجهه، وبالأخرى يده؛ أجزأه في الوجه واليد، ويعيد الضَّرب لليد الأخرى، كذا في «النهر».

واعلم أن: المؤلف لم يسق هذا الحديث بتمامه، والأئمَّة الستة أخرجوه مطولًا ومختصرًا، وكان لعمَّار في هذا الباب أحاديث مختلفة مضطربة، فاختار كل واحد من العلماء حديثًا منها ممَّا صحَّ عنده، فذهب الإمام الأعظم، والإمام محمَّد بن الحسن، والإمام أبو [1] يوسف، والإمام زُفَر إلى أنَّ التيَّمم ضربتان؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين، وهو قول الحسن بن حي، وابن أبي ليلى، واللَّيث بن سعد، وبه قال مالك والشافعي، وهو رواية عن الأوزاعي.

واستدلوا على هذا بأحاديثَ، وآثارٍ، وقياس، أمَّا الأحاديث؛ فمنها: حديث الأسلع بن شُريك التميمي خادم النَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، عن النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين»، رواه الحافظ الطَّحاوي، والطَّبراني، والدَّارقطني، والبيهقي.

ومنها: حديث ابن عمر، رواه الدَّارقطني مرفوعًا من حديث نافع، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين»، قال الدَّارقطني: كذا رواه علي بن طهمان مرفوعًا، ووقفه يحيى القطَّان، وهشيم، وغيرهما، ورواه الحافظ الطَّحاوي من طرق موقوفًا.

ومنها: حديث جابر رواه الدارقطني من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النَّبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «التَّيمم ضربةٌ للوجه، وضربةٌ للذراعين إلى المرفقين»، وأخرجه البيهقي أيضًا، والحاكم أيضًا من حديث إسحاق الحربي، وقال: هذا إسناد صحيحٌ، وقال الذَّهبي أيضًا: (إسناد صحيح) .

ومنها: حديث أبي أمامة أخرجه الطَّبراني بإسناده إليه عن النَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «التَّيمم ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين»، وفيه جعفر بن الزُّبير [وهو] ضعيف.

ومنها: حديث عائشة أخرجه البزَّار بإسناده إليها عن النَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «التَّيمم ضربتان؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين»، وفي إسناده الحويش بن حريث، ضعَّفه أبو زُرْعة.

ومنها: حديث عمَّار رواه أبو داود من حديث عبد الله عن عمَّار قال: (فأمر النَّبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم المسلمين فضربوا بأكفهم التُّراب ولم يقبضوا من التُّراب شيئًا فمسحوا وجوههم مسحةً واحدةً، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيديهم) ، قال أبو داود: (وكذا رواه ابن إسحاق، قال به عن ابن عباس، وذكر ضربتين، كما ذكره يونس عن الزُهْرِي، ورواه معمر، وذكر ضربتين) .

ومنها: حديث عبد الله رواه ابن ماجه من حديث محمَّد بن أبي ليلى القاضي عن الحكم، وسَلَمَة بن كهيل، فإنهما سألا عبد الله بن أبي أوفى عن التَّيمم، فقال: (أمر النَّبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم عمَّارًا أن يفعل هكذا، وضرب بيديه إلى الأرض، ثُمَّ نفضهما، ومسح على وجهه) ، قال الحكم: (ويديه) ، وقال سَلَمَة: (ومرفقيه) .

ومنها: ما رواه أبو داود: قال: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا أبان، عن قتادة، عمن حدثه، عن الشَّعبي، عن عبد الرَّحمن بن أَبْزَى، عن عمَّار قال: إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «التَّيمم ضربتان؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين»، ورواه ابن أبي ذئب، عن الزُهْرِي، فذكر [/ص400/] فيه ضربتين.

ومنها: ما رواه البيهقي بسندٍ صحيحٍ عن عمَّار قال: إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال له: «التَّيمم ضربتان؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين».

وأمَّا الآثار؛ فمنها: ما رواه الإمام محمَّد بن الحسن عن الإمام الأعظم أبي حنيفة قال: حدثنا حمَّاد عن إبراهيم في (التَّيمم) قال: (تضع راحتيك في الصَّعيد، فتمسح وجهك، ثم تضع الثَّانية، فتمسح يديك وذراعيك إلى المرفقين) ، قال محمَّد: وبه نأخذ.

ومنها: ما رواه الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي من حديث قَتَادة عن الحُسين أنَّه قال: (التَّيمم ضربةٌ للوجه والكفين، وضربةٌ للذِّراعين إلى المرفقين) .

ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة في «مُصنفه»: حدثنا ابن عليَّة، عن داود بن الشَّعبي قال: (التَّيمم ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين) ، وروي عن إبراهيم، وطاووس، وسالم، والشَّعبي، وسَعِيْد بن المُسيِّب مثله.

وأمَّا القياس؛ فلأنَّ التيمم خلفٌ عن الوضوء؛ فيجب أن يكون مثله، لكن لمَّا كان التَّيمم شُرع لأجل الرُّخصة؛ تُرِك فيه الرأس والرجلان، فبقي الوجه واليدان، والدَّليل على أنَّه كالوضوء: أنَّه أعطي أحكامه من عدم اشتراط الترتيب فيه، ومن طُروء النَّواقض عليه، وطهارة الصَّعيد كالماء، وغير ذلك مِّما لا يخفى.

وروى الإمام الحسن بن زياد عن الإمام الأعظم: (أنَّ التَّيمم ضربةٌ للوجه، وأخرى لليدين إلى الرُّسغين) ، ورُوِي ذلك عن ابن عباس، وهو قول الأوزاعي، والأعمش، وعبد الحكم، والشَّافعي في القديم.

ومالك في رواية لما رواه الدَّارقطني قال: (ما تمرغ عمَّار وسأل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فضرب بكفيه الأرض، ثُمَّ نفضهما) ، وقال: (تمسح بهما وجهك، وكفيك إلى الرُّسغين) ، وعند الأشرم من روايته عنه: (ثُمَّ تمسح بوجهك وكفيك إلى الرسغين) .

وفي «الأوسط» للطَّبراني: عن عمَّار: (تمسح وجهك وكفيك بالتراب ضربة للوجه، وضربة للكفين) .

قلتُ: ولا دلالة لهم في هذا، فإنَّ حديث الدَّارقطني ضعيف؛ لأنَّه لم يروه عن حُصين مرفوعًا غير إبراهيم بن طهمان، وأوقفه شُعبة، وزائدة، وغيرهما، وما رواه الأشرم؛ فإنَّ في سنده مجهول، وما رواه الطَّبراني؛ فإنَّه لم يروه عن سَلَمَة بن كهيل عن سعد بن أَبْزَى إلا إبراهيم بن محمَّد الأسلمي، وعلى كلٍّ؛ فهذه الأحاديث لا يُحتج بها مع وجود الأحاديث، والآثار السَّابقة التي علمتها، فإنَّ الصَّحيح لا يُقاوم الضَّعيف.

وذهب أحمد ابن حنبل، وعطاء، وإسحاق: إلى أن التَّيمم ضربة للوجه والكفين إلى الرسغين، وهو قول الطَّبري، والشَّعبي في رواية، والأوزاعي في رواية، فلا يجب عندهم المسح إلى المرفقين، ولا الضَّربة الثَّانية، واستدلوا بحديث الباب.

قلتُ: ولا دِلالة فيه لهم؛ لأنَّ الحديث فيه طيٌّ؛ لأنَّه رُوِي مختصرًا [2] هنا، ورواه الأئمَّة الستة مطولًا، فقوله: (ثُمَّ مسح بهما وجهه وكفيه) يعني: وضرب ضربة أخرى للذِّراعين إلى المرفقين، يدلُّ لهذا: ما قدمنا في حديث أبي داود، عن عمَّار: (فأمر المسلمين فضربوا بأكفهم التُّراب، ولم يقبضوا من التراب شيئًا، فمسحوا وجوههم مسحةً واحدةً، ثُمَّ عادوا فضربوا بأكفهم الصَّعيد مرةً أخرى فمسحوا بأيديهم) .

وفي «المعجم الكبير» للطَّبراني: ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين، فهذا يدلُّ على أنَّ الحديثَ مختصرٌ، فلا دليلَ لهم فيه على أنَّ ما يُمسح به وجهه يصير مستعملًا، وقد أمر الله تعالى بالصَّعيد الطَّيب، فكيف يَمسح به كفيه؟

وأجيب: بأنَّه يُمكن أنْ يَمسح الوجه ببعض الكفين، والكفين بباقيهما.

قلتُ: وهذا فيه حرج وعُسر، وقد أُمرنا بالتَّيسير، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] ، ففي هذه الكيفية حرج، وهو مدفوع بالنَّص.

وذهب محمَّد بن سيرين: إلى أنَّ التَّيمم ثلاث ضربات: ضربةٌ للوجه، وضربةٌ للكفين، وضربةٌ للذِّراعين، ورُوِي عنه: (ثلاثُ ضرباتٍ الثَّالثة لهما جميعًا) .

وقال ابن شهاب الزُهْرِي: (التَّيمم ضربتان؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين يَبلغ بها إلى الإباط) .

ويدلُّ لهذا: ما رواه أبو داود بسندٍ صحيحٍ مُتصلٍ عن عُبيد الله، عن ابن عباس، عن عمَّار قال: (فقام المسلمون مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فضربوا بأيديهم إلى الأرض، فمسحوا بها وجوههم، وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الإباط) .

وفي «المُعجم الكبير» للطَّبراني: (وضربةٌ لليدين إلى المنكبين ظهرًا وبطنًا) ، وفي لفظ: (ومن بطون أيديهم إلى الإبط) ، وفي لفظ: (إلى المناكب) .

قلتُ: وهذا لا يدلُّ لمدعاه؛ لأنَّ الرِّوايات عن عمَّار قد اختلفت، وأصحُّ الرِّوايات عنه ما قدمناه، والمُراد هنا: هو صورة التَّعليم والتَّقريب، وليس المُراد: جميع ما يحصل به التَّيمم، وهذا مخالفٌ لما سبق، ففيهِ دلالة إلى أنَّه انتهى إلى ما عِمَلَهُ النَّبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم.

وقال ابن أبي حازم: (لا يخلو أن يكون حديث عمَّار بأمرٍ أولًا، فإنْ يكن من غير أمرٍ؛ فقد صحَّ عن النَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم خِلافه، وإنْ كان عن أمرٍ؛ فهو منسوخ، وناسِخه حديث عمَّار أيضًا، انتهى، كذا قرره إمام الشَّارحين.

قلتُ: والظَّاهر: أنَّ هذه الأحاديث المُختلفة المُضطربة المَرويَّة عن عمَّار كانت قبل نُزول آية التَّيمم؛ لأنَّ هذه الصِّفات فعلها عمَّار باجتهادٍ منه، وسأل عنها النَّبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، فتوقف النَّبيُّ عن الجواب حتى نزلت آية التَّيمم، وهي تدلُّ على: ضربتين؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين قياسًا على الوضوء، وإتباعًا لما رُوِي في ذلك من الأحاديث التي قدَّمناها؛ فإنَّها تدلَّ على الضَّربتين، والظَّاهر أنَّها كانت آخرًا، فهي ناسخةٌ لما تقدمها من الصِّفات؛ فإنَّ الله تعالى قد أوجب غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء، ثم قال في (التَّيمم) : {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: 43] ، واليد المطلقة هنا هي المقيدة في الوضوء من أوَّل الآية، فلا يُتْرك هذا الصَّريح إلا بدِلالة صريحٍ، ولمَّا كان التَّيمم خلفًا عن الوضوء؛ أعطي حكمه؛ لئلَّا يزيد الخلف على الأصل، فتعيَّن في التَّيمم الاقتِصار على الوجه واليدين إلى المرفقين؛ إعمالًا للخلفية بقدر الإمكان، وعملًا بالأحاديث الواردة.

ورَجَحت رواية: (إلى المرفقين) بما رواه ابن عُمر، وجابر، والأسلع، وغيرهم رضي الله عنه، فإنَّهم حكوا تيمم النَّبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ بأنَّه ضرب ضربةً للوجه، وضرب أُخرى لليدين إلى المرفقين، والغاية داخلةٌ في المغيَّا عند الإمام الأعظم والجمهور، وقال الإمام زفر: هي غير داخلة، كما قدَّمناه في (الوضوء) .

وفي الحديث دليلٌ على صحة القياس؛ لقول عمَّار: (أمَّا أنا؛ فتمعكت) ، فإنَّه اجتهد في صفة التَّيمم ظنًّا منه أن حالة الجنابة تخالف حالة الحدث الأصغر، فقاسه على الغسل، وهذا يدلُّ على أنَّه كان عنده عِلم من أصل التَّيمم، ثُمَّ إنَّه لمَّا أخبر به النَّبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ علَّمه صفة التَّيمم، وأنَّه للجنابة والحدث سواء.

وفيه دليل على جواز التَّيمم من الصخرة [/ص401/]

التي لا غُبار عليها؛ لأنَّه لو كان مُعتبرًا؛ لَما نَفخ عليه السَّلام في يديه.

وفي الحديث دليلٌ على أنَّ النَّفخ مطلوبٌ وهو سُنة أو مُستحب، وقدمنا أنَّه ينفخ مرةً أو مرتين، وظاهر الحديث يدلُّ على الأول.

وفيه دليل على جواز الاجتهاد في عصره عليه السَّلام، وهو قول الجمهور مُطلقًا سواء كانوا غائبين أم حاضرين عنده عليه السَّلام.

وفيه دليل على أنَّ المسافر له أن يطأ جاريته وإن علم أنَّه لا يجد الماء.

وفيه دليل على استحباب تأخير التَّيمم إلى آخر الوقت المستحب؛ لأنَّه ربَّما يجد الماء فيؤدِّي العبادة بأكمل الطَّهارتين، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم.

اللهم؛ اقض عني الدين، وارزقني رزقًا حلالًا بلا تعب، وفرِّج عني ما أهمَّني، ووفِّق أمَّة نبيك الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم لما تحب وترضى إنك على ما تشاء قدير.

[1] في الأصل: (أبي )، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (مختصر)، وهو تحريف.