المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

293-. حدَّثنا مُسَدَّدٌ: حدَّثنا يَحْيَىَ، عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ، قالَ: أخبَرَني أَبِي، قالَ: أخبَرَني أبو أَيُّوبَ، قالَ:

أخبَرَني أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ أَنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إذا جامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ [1] فَلَمْ يُنْزِلْ. قالَ: «يَغْسِلُ ما مَسَّ المَرْأَةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي».

قالَ أبو عَبْدِ اللَّهِ: الغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذاكَ الآخِرُ، إِنَّما [2] بَيَّنَّا [3] لاِخْتِلَافِهِمْ [4] .

[1] صحَّح عليها في اليونينيَّة، وهي هكذا في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت أيضًا، ولغيرهم: «امرأتَه».
[2] هكذا في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت أيضًا، ولغيرهم: «امرأتَه».
[3] في رواية الأصيلي: «بَيَّناه».
[4] هكذا في روايةٍ لابن عساكر أيضًا (ب، ص)، وفي أخرى عنه ورواية [عط] : «بيَّنا اختلافَهم».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

293- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ، بالمُهمَلة [1] فيهما، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة َقَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي) عروة بن الزُّبير (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ) خالد بن زيدٍ الأنصاريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد في الثَّلاثة (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) في الرِّواية السَّابقة [خ¦292] : أنَّ أبا أيُّوب سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا واسطةٍ، وذلك لاختلاف الحديثين لفظًا ومعنًى، وإن توافقا في بعضٍ؛ فيكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم مرَّةً ومن أُبيِّ ابن كعب [2] مرَّة، فذكره _أي: أُبيًّا_ للتَّقوية أو لغرضٍ [3] غيره (إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ) ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((امرأته))؛ (فَلَمْ يُنْزِلْ) في السَّابقة: ((فلم يمنِ)) وهما بمعنًى واحدٍ؛ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ)؛ أي: يغسل الرَّجل [4] المذكور [/ج1ص339/]

العضو الذي مسَّ رطوبة فرج المرأة من أعضائه، وهو من إطلاق اللَّازم وإرادة الملزوم، ففي «مسَّ» ضميرٌ، وهو فاعله يعود إلى كلمة: «ما»، وموضعها نصبٌ مفعولٌ [5] لـ: «يغسل» (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) وضوءه للصَّلاة، كما زاد فيه عبد الرَّزَّاق عن الثَّوريِّ عن هشام، وفيه التَّصريح بتأخير الوضوء عن غسل ما يصيبه من المرأة (وَيُصَلِّي) هو [6] أصرح في الدَّلالة على ترك الغسل من الحديث السَّابق.

والحديث سداسيُّ الإسناد، وفيه رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والإخبار والإفراد والعنعنة.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ)؛ أي: المؤلِّف، وقائل ذلك هو الرَّاوي عنه: (الْغُسْلُ) بضمِّ الغين؛ أي: الاغتسال من الإيلاج وإن لم يُنزِل، وفي «الفرع»: «الغَسل» بفتح الغين، ليس إلَّا(أَحْوَطُ)؛ أي: أكثر احتياطًا في أمر الدِّين من الاكتفاء بغسل الفرج، والوضوء المذكور في الحديث السَّابق وفتوى من ذكر من الصَّحابة؛ أي: على تقدير عدم ثبوت النَّاسخ وظهور التَّرجيح، (وَذَاكَ الأخِيرُ) بالمُثنَّاة من غير مدٍّ، ولغير أبي ذَرٍّ: ((الآخر))؛ بالمدِّ من غير مُثنَّاةٍ؛ أي: آخر الأمرين من فعل الشَّارع، وهو يشير إلى أنَّ حديث الباب غير منسوخٍ، بل ناسخٌ لما قبله، وضبطه البدر بن [7] الدَّمامينيِّ كابن التَّين: «الآخَر»؛ بفتح الخاء؛ أي: ذاك الوجه الآخر أو [8] الحديث الآخر الدَّال على عدم الغسل (إِنَّمَا) ولابن عساكر: ((وإنَّما))؛ بالواو، والأليق حذفها؛ وهو يناسب رواية: فتح خاء الآخر (بَيَّنَّا) وللأَصيليِّ: ((بينَّاه))؛ (لاِخْتِلَافِهِمْ)؛ أي: إنَّما ذكرناه؛ لأجل بيان اختلاف الصَّحابة في الوجوب وعدمه، ولاختلاف المحدِّثين في صحَّته وعدمها، ولكريمة وابن عساكر: ((و [9] إنما بينَّا اختلافهم))، وفي نسخة الصَّغَّانيِّ: ((إنَّما بينَّا الحديث الآخر لاختلافهم والماء أنقى)) وقال [10] البدر بن الدَّمامينيِّ كالسَّفاقسيِّ: فيه جنوحٌ لمذهب داود، وتعقَّب هذا القول البرماويُّ: بأنَّه إنَّما يكون ميلًا لمذهب داود إذا فتحت خاء «آخَر»، أمَّا «بالكسر» فيكون جزمًا بالنَّسخ، والجمهور على إيجاب الغسل بالتقاء الختانين وهو الصَّواب.

ولما فرغ المؤلِّف [11] من الغسل وأحكامه؛ شرع في الكلام على الحيض والنِّفاس والاستحاضة، فقال [12] :

[1] في غير (ص) و(م): «بالمُهمَلتين».
[2] «ابن كعبٍ»: مثبتٌ من (م).
[3] في (م): «أخرجه».
[4] في (ص): «الذَّكر».
[5] في غير (د) و(م): «مفعولًا».
[6] في (س): «و».
[7] «ابن»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[8] في (م): «و».
[9] «و»: سقط من (د).
[10] زيد في (ص): «ابن».
[11] في هامش(ص): «قوله: «ولمَّا فرغ المؤلِّف...» إلى آخره هنا إسقاطٌ في كلام الشَّارح، ولعلَّه: ولمَّا فرغ من أحكام الجنابة؛ شرع في بيان أحكام الحيض، فقال: بسم الله... إلى آخره، انتهى. شيخنا العجمي».
[12] قوله: «ولما فرغ المؤلِّف من الغسل وأحكامه... والاستحاضة، فقال»، سقط من (م).





لا تتوفر معاينة

293- قوله: (حَدَّثَنَا [1] يَحْيَى): هذا هو ابن سعيد القطَّان محدِّث الإسلام، تقدَّم مرارًا [2] .

قوله: (أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ): هو خالد بن زيد [أبو] أيُّوب الأنصاريُّ رَضِيَ اللهُ عنه، تقدَّم.

قوله: (قَالَ أَبُو عَبْد الله رَحِمَهُ اللهُ [3] : الغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذَاكَ الآخِرُ [4] إِنَّمَا بَيَّنَّاه [5] ؛ لِاخْتِلَافِهِمْ): أمَّا (أبو عَبْد الله) ؛ فهو البخاريُّ صاحب «الصَّحيح» محمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إبراهيم، حافظ الإسلام.

وأمَّا قوله: (الغَسْلُ أَحْوَطُ) ؛ فـ(الغَسل) ؛ بفتح الغين: الفعل، وقد تقدَّم أنَّ الفعل بالفتح، والماء بالضَّمِّ، وأنَّ في كل منهما لغتين [6] .

وأمَّا قوله: (وَذَاكَ الآخِرُ) ؛ فهو بكسر الخاء في أصلنا الذِي سمعنا منه على الحافظ العراقيِّ؛ أي [7] : الآخر من فعله [8] ، فهو ناسخ لما قبله، وقال شيخنا: (بفتح الخاء كما قال ابن التِّين رُوِّيناه به، قال [9] : وضُبِط في بعض الكتب بكسرها، كأنَّه يقول: هذا الآخر من فعله عليه الصَّلاة والسَّلام، فهو ناسخ لما قبله) انتهى.

وقوله: (إِنَّمَا بَيَّنَّاه؛ لاِخْتِلاَفِهِمْ): هذا منه ميلٌ لمذهب داود ومن نقلنا عنه ذلك فيما تقدَّم، والجمهور على أنَّه منسوخ، بل قد حكى النَّوويُّ الإجماع على أنَّه منسوخ، كما تقدَّم، وفي حفظي أنَّ التِّرمذيَّ في «جامعه» حكى [10] (أنَّ العمل عند أكثر أهل العلم على أنَّه إذا جامع امرأته في الفرج؛ وجب عليهما الغسل وإن لم ينزلا) [11] ، والله أعلم.

[1] في النسخ: (عن) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[2] في (ج): (مرات) .
[3] (رحمه الله): ليس في «اليونينيَّة»، وهي ثابتة في النسخ و (ق) .
[4] في هامش (ق): (قيل: الوجه: وذلك الآخَر؛ بفتح الخاء كما قاله ابن التِّين) .
[5] في (ب) و (ج): (بيَّنا) .
[6] في (ب): (تعيين) .
[7] في (ب) و (ج): (إن) .
[8] زيد في (ج): (عليه السلام) .
[9] (قال): ليس في (ج) .
[10] في (ب): (حكى في «جامعه») ، وزيد في (ج): (الإجماع على نسخه) ، وضرب عليها في (أ) .
[11] ما بين قوسين سقط من (ج) .





293- ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الْغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذَلكَ الآخِرُ ) بكسر الخاء؛ أي: من فعله، فهو ناسخ لما قبله، وقال السَّفاقُسِي: رويناه بفتح الخاء، وقيل: إنه الوجه [1] .

( وإنَّما بيَّناه لاختلافهم ) هذا منه ميل لمذهب داود [2] ، والجمهور على أنَّها منسوخة. [/ج1ص116/]

[1] قال ابن حجر رحمه الله: لم يقل السَّفاقُسِي: «وقيل: إنه الوجه».
[2] قال ابن حجر رحمه الله: ليس في كلامه تصريح بذلك؛ بل عند التأمل يظهر خلاف ذلك.





293- ( وَذَلكَ الآخِرُ ): بالمدِّ، ولأبي ذرٍّ: «الأخير» بياء، أي: آخر الأمرين من [الشَّارع] [1] ، فقد قال أُبيُّ بن كعب: «إنَّ الفتيا التي كانوا يقولون: الماء من الماء رخصة، كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رخَّص بها في أوَّل الإسلام، ثمَّ أمر بالاغتسال». أخرجه أحمد وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان.

( إِنَّما بَيَّنَّا لاِخْتِلاَفِهِمْ ) للأَصِيلي: «بيَّناه»، ولكريمة: «إنَّما بيَّنا اختلافهم». [/ج1ص387/]

[1] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (التنازع) والمثبت من غيرها





293- وبه قال: ((حدثنا مسدد)) هو ابن مسرهد ((قال: حدثنا يحيى)) هو ابن القطان، ((عن هِشام)) بكسر الهاء؛ هو ابن عروة ((قال: أخبرني)) بالإفراد ((أَبي)) ؛ بفتح الهمزة، هو عروة بن الزبير بن العوام، وأشار بقوله: (أخبرني أبي) ؛ لدفع ظن ظان أنه أُبيٌّ بضمِّ الهمزة، وهو أُبيُّ بن كعب لكونه في الإسناد؛ فليحفظ نبه عليه في «عمدة القاري» ((قال: أخبرني)) بالإفراد ((أبو أيُّوب)) ؛ هو خالد بن زيد الأنصاري النجاري الخزرجي جدي وأستاذي وسندي رضي الله عنه، ((قال: أخبرني)) بالإفراد ((أُبيُّ)) ؛ بضمِّ الهمزة ((بن كعب)) رضي الله تعالى عنه ((أنه قال)) ؛ أي: أبي: ((يا رسول الله)) ، وفي الرواية الأولى أن أبا أيُّوب سمعه من النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ولا منافاة بينهما؛ لأنَّه لا مانع من كونه سمعه تارة من النبيِّ الأعظم عليه السلام، وتارة أخرى من أُبيِّ بن كعب، وذكره الواسطة تكون للتقوية أو لغرض آخر؛ لأنَّ الطريقين مختلفان في اللفظ والمعنى وإن توافقا في بعض الأحكام مع جواز سماعه من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومن أُبيِّ بن كعب كليهما، كذا قرره صاحب «عمدة القاري»؛ فليحفظ، ((إذا جامع الرجل المرأة)) وفي رواية: (امرأته) ؛ أي: أو أمته؛ يعني: أفتنا يا رسول الله فيما إذا جامع الرجل امرأته، ((فلم يُنْزل؟)) ؛ بضمِّ التحتية، وسكون النون؛ أي: لم ينزل منيه ((قال)) ؛ أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((يَغْسل)) ؛ بفتح التحتية، وسكون الغين المعجمة؛ أي: الرجل المجامع ((ما مس المرأة منه)) متعلق بـ (يغسل) وضميره للرجل، أو بـ (مس) ، وضميره عائد إلى (ما) ، والمراد به: العضو، أو بيان لـ (ما) الموصولة أو الموصوفة، ومحلها النصب على أنها مفعول (يغسل) ؛ أي: يغسل الرجل المذكور العضو الذي مس فرج المرأة من أعضائه.

وقال الكرماني: (فإن قلت: المقصود منه بيان ما أصابه من رطوبة فرج المرأة، فكيف يدل عليه وظاهر أن ما مس المرأة من يد أو رجل ونحوها لا يجب غسله؟قلت: فيه إما إضمار أو كناية؛ لأنَّ تقديره: يغسل عضوًا مس فرج المرأة، أو هو من إطلاق اسم اللازم؛ وهو مس المرأة، وإرادة الملزوم؛ وهو إصابة رطوبة فرجها) انتهى.

واعترضه العجلوني فزعم أن كلًّا من العضو الذي مسته الرطوبة مأمور بغسله، وكذا الرطوبة، لكن ظاهر الحديث يدل على أنه العضو المعبر عنه بـ (ما) ؛ لأنَّه الذي يمس المرأة، ويحتمل إرادة الرطوبة على حذف مضاف؛ أي: رطوبة ما مس المرأة، فالحديث قابل للأمرين معًا، وكل منهما يصح أن يقصد، لا أن المقصود هو الرطوبة لا غير، وغسل أحدهما يلزم منه غسل الآخر، وشمول الحديث لما ادَّعى الكرماني أنه ظاهر، غير ظاهر؛ فإن السؤال دال على أن ما يمس المرأة منه رطوبة الفرج، وكذا دعواه أن المقصود منه بيان ما أصاب من رطوبة فرج المرأة وإن كان ظاهرًا في أحدهما،انتهى.

قلت: وهو غير ظاهر؛ لأنَّ المأمور بغسله إنَّما هو العضو الذي مس فرج المرأة؛ لما عليه من الرطوبة الحاصلة من المذي منهما في الفرج، فيتلطخ العضو بذلك؛ فلهذا أمره بغسله وهذا ظاهر الحديث ودال عليه، لا ما قاله هذا القائل من أن كلًّا من العضو...إلخ؛ لأنَّ هذا لا يدل عليه ظاهر الحديث وفيه خبط وخلط، كما لا يخفى.

وقوله: (ويحتمل إرادة...) إلخ هذا الاحتمال غير ظاهر أيضًا؛ لأنَّ الحديث لا يدل عليه؛ لأنَّ قوله: (ما مس المرأة منه) صريح في أنه العضو الذي مس فرج المرأة؛ لتنجسه بالرطوبة المخالطة للمذي في الفرج، لا إرادة الرطوبة فقط؛ لأنَّ الحديث غير دال عليها ولم يشعر بها، كما لا يخفى، فقوله: (فالحديث قابل للأمرين...) إلخ ممنوع؛ لأنَّه لا دليل يدل على هذا وما هو إلا مصادمة للحديث، ولا يصح أن يقصد أحدهما دون الآخر؛ لأنَّ فائدة الأمر بالغسل إنَّما هو لأجل ما على العضو مما ذكرنا، فهما أمران متلازمان لا يصح قصد أحدهما بدون الآخر.

وقوله: (وشمول الحديث...) إلخ غير ظاهر؛ لأنَّ السؤال دالٌّ على أن ما يمس المرأة منه العضو الذي مسها لا الرطوبة فقط، فكلام الكرماني ظاهر، كما لا يخفى.

وقوله: (وكذا دعواه...) إلخ، فإنه ظاهر أيضًا؛ لأنَّ المقصود بيان العضو الذي مس فرج المرأة بغمسه رطوبة فرجها المخلوطة بالمذي الموجود منهما، ولا ريب أن ظهور المذي ناقض للوضوء؛ فأمره بالوضوء، وكل ناقض نجس، فالمذي نجس وقد اختلط برطوبة الفرج، فلهذا أمره بغسل ذكره، ويدل على هذا: ما تقدم من الأحاديث التي صرحت بأنه يغسل ذكره، فهذا هو العضو الذي مس المرأة من الرجل، وهذا القائل داء به التعصب والتشديد ولا جرم، فإن كل من دق الباب سمع الجواب، والله ولي الصواب، كما لا يخفى على أولي الألباب؛ فافهم، والله أعلم.

وفي يوم السادس عشر رجب سنة سبع وسبعين ومئتين وألف نزل ثلج ومطر فعم الأسطحة ودلفت ووقع برد وشرد ونعوذ بالله من غضبه، وسخطه، والنار، ونسأله رضاه والجنة يا أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى [/ص321/] آله وصحبه.

((ثم يتوضأ)) ؛ أي: وضوءه للصلاة، كما زاده عبد الرزاق، عن الثوري، عن هشام، وهو صريح بتأخير الوضوء عن غسل ما يصيبه منها، كذا في «عمدة القاري» ((ويصلي)) ؛ أي: ما كتب له من فرض أو نفل، وهذا تصريح في الدلالة على ترك الغسل من الحديث الذي قبله، ((قال أبو عبد الله)) فاعل (قال) محذوف وهو الراوي عن البخاري، و (أبو عبد الله) كنية البخاري، كذا قاله في «عمدة القاري»، وتبعه ابن حجر، وزعم العجلوني أن القائل البخاري نفسه لكن فيه تجريد،انتهى.

قلت: ليس كما قال، بل هو قول الراوي عن المؤلف وهو الأظهر، ولا حاجة لحمله على التجريد؛ لأنَّه خلاف الظاهر المتبادر؛ فافهم.

وقال الكرماني: (ووقع: «قال أبو عبد الله...» إلخ بعد حديث: «إذا جلس بين شعبها»، وذلك أولى) انتهى.

واعترضه العجلوني فزعم أن ذِكْره هنا أولى؛ لأنَّه حينئذٍ تظهر المفاضلة لذكر الشيئين بخلاف ما لو قدمه؛ فافهم انتهى؛ فتأمل.

ومقول القول قوله: ((الغُسل)) ؛ بضمِّ الغين المعجمة، وزعم العجلوني: أن في «الفرع» بفتحها.

قلت: والمشهور الأول؛ أي: الاغتسال لجميع الجسد من الجماع بغير إنزال المذكور في أحاديث كثيرة منها ما سبق في باب (إذا التقى الختانان) .

((أحوط)) ؛ أي: أكثر احتياطًا في أمر الدين من الاكتفاء بغسل الذكر والوضوء المذكورين في أحاديث هذا الباب المروية عمن تقدم من الصحابة، وعلى هذا؛ ينبغي أن يحمل ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء أنه قال: لا تطيب نفسي حتى أغتسل؛ أي: من الجماع من أجل اختلاف الناس للأخذ [1] بالعروة الوثقى.

قلت: لأنَّ العبادة المتفق على صحتها خير من المختلف في صحتها، كما لا يخفى، ولهذا ينبغي للإمام أن يحتاط في وضوئه وصلاته، ويفعل ما أجمع عليه الأئمَّة الأعلام؛ لتكون عبادته موافقة لهم، ومجمعًا [2] على صحتها لا ما يفعله بعض المتعصبين من الشافعية الذين يظنون أنفسهم من المتورعين، ويحتاط على مذهب إمامه ويفعل ما هو مخل أو مفسد في مذهب غير إمامه من الأئمَّة الكبار، فإن هذا ليس من الاحتياط في شيء، وإنما هو تعصب، وشدة في أمر الدين، ومخالفة لسيد المرسلين القائل: «بعثت بالدين الحنيفية السمحة»؛ فافهم ذلك، ولا تكن ممن غلب جهله على علمه، أو جهله على عقله أو دينه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

((وذلك)) ؛ باللام، وفي بعض النسخ: (وذاك) بدونها، والإشارة إلى الحديث الدال على لزوم الغسل لجميع الجسد ((الأخير)) ؛ بمثناة تحتية من غير مد على وزن (فعيل) هو رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: (الآخِر) ؛ بالمد بغير مثناة تحتية، وكسر الخاء المعجمة، وعليها؛ فالمعنى: وذاك المذكور في العبارة لذكره في الباب الثاني، وقال ابن التين: (ضبطناه بفتح الخاء) ؛ أي الحديث من فعل الشارع عليه السلام المغاير الدال على عدم لزوم الغسل، وقال في «عمدة القاري»: (وأشار بقوله: «وذلك الأخير» إلى أن هذا الحديث غير منسوخ؛ أي: آخر الأمرين من الشارع) انتهى؛ أي: بل هو ناسخ لما قبله؛ فتأمل، ((إنما بيَّنا)) وللأَصيلي: (بيناه) ؛ بالهاء، ولابن عساكر بالواو، لكن الأنسب حذفها؛ لأنَّ الجملة خبر (وذلك الأخير) تابع له؛ ((لاختلافهم)) ولكريمة: (اختلافهم) ، وعلى الأولى؛ فهو متعلق بـ (بيَّنا) على أنه علة له؛ أي: ذكرنا الحديث الذي يدل على عدم لزوم الغسل في هذه الحالة؛ لنبين اختلاف الصحابة في الوجوب وعدمه، أو اختلاف المحدثين في صحته وعدمه، لا لأنا نقول به ونرتضيه، ويؤيد هذا الحمل ما في نسخة الصغاني: (إنما بيَّنا الحديث الآخر؛ لاختلافهم والماء أنقى والظاهر أن معنى قول المؤلف: (وذلك الأخير) الإشارة للحديث الدال على لزوم الغسل، ومعنى كونه الأخير: أنه آخر الأمرين من فعل الشارع فهو ناسخ لما أفتى به عثمان ومن ذكر من الصحابة، فـ (ذلك) مبتدأ و (الأخير) خبره، ومثله على كسر الخاء بلا ياء، وأما على فتحها؛ فهو بظاهره غير مفيد؛ لأنَّه تابع لذاك، فإن قُدِّر له خبر نحو هو المعول عليه كان مفيدًا صحيحًا ويكون قوله: (إنما بينا؛ لاختلافهم) على هذه الوجوه مستأنفًا، وضمير (بيناه) الموجود أو المقدر راجع إلى ما تقدم من حديث زيد بن خالد، وعلى هذا؛ فيكون كلام المؤلف موافقًا لما عليه الإجماع من وجوب الغسل بالجماع وإن لم ينزل، وليس في هذا ميل لمذهب داود الظاهري وإن نقله البرماوي عن السفاقسي حيث قال: وقال السفاقسي: (رويناه بفتح الخاء) ، وقيل: إنه الوجه، وقال في قوله: (إنما بيناه ؛ لاختلافهم) : (ميل لمذهب داود، والجمهور على أنها منسوخة) .

قلت: (إنما يكون ميلًا [3] لمذهب داود إذا فتحت الخاء من (آخَر) ، أمَّا بالكسر؛ فيكون جزمًا بالنسخ) انتهى، ولا يتوجه عليه أيضًا اعتراض ابن العربي حيث قال: قد روى جماعة من الصحابة المنع، ثم رجعوا حتى رُوِيَ عن عمر أنه قال: من خالف في ذلك؛ جعلته نكالًا، وانعقد الإجماع على ذلك، ولا يعبأ بخلاف داود فيه، فإنه لولا خلافه ما عرف، وإنما الأمر الصعب خلاف البخاري في ذلك، وحكمه: بأن الغسل أحوط وهو أحد علماء الدين، والعجب منه أنه يساوي بين حديث عائشة في وجوب الغسل بالتقاء الختانين وبين حديث عثمان وأُبيِّ بن كعب إلا بالإنزال، وحديث عثمان ضعيف، وحديث أُبيِّ بن كعب التعلق به ضعيف؛ لأنَّه قد صح رجوعه عما روى لما سمع وعلم ما هو أقوى منه، ثم قال: يحتمل أن قول البخاري: (الغسل أحوط) ؛ يعني: في الدين وهو باب مشهور في الأصول وهو الأشبه بإمامة الرجل وعلمه.

قال ابن حجر: (هذا هو الظاهر من تصرفه، فإنه لم يترجم بجواز ترك الغسل، وإنما ترجم ببعض ما يستفاد من الحديث بغير هذه المسألة) ،

ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: من ترجمته يفهم جواز ترك الغسل؛ لأنَّه اقتصر على غسل ما يصيب الرجل من المرأة، إنَّما هو الجواب، والغسل غير واجب، ولكنه يستحب؛ للاحتياط) انتهى.

وأجاب ابن حجر في «الانتقاض»: (بأن هذا إنَّما يفهم من جواب السؤال، وأما غسل الذكر وهو المترجم به؛ فمقصود من يترجم به أنه مشروع أعم من أن يكون غسل جميع البدن واجبًا أم لا، وهذا على رأي من لا يرى اندراج إزالة النجاسة في غسل جميع الجسد، بل يشترط لها غسلًا آخر) انتهى.

قلت: وهذا فاسد ظاهر الفساد؛ لأنَّ ما ترجم به المؤلف من غسل ما يصيب فرج المرأة بيان على أن ترك الغسل جائز، والجائز غير واجب، فبقي على الاستحباب؛ للاحتياط، وهذا ظاهر.

وقوله: (وأما غسل الذكر...) إلخ ممنوع؛ لأنَّ غسل الذكر مشروع في الاستنجاء؛ فلا حاجة لبيانه هنا، وإنما ترجم به؛ للإشارة إلى أن الجماع تارة يكون واجبًا وهو ما إذا أنزل، وتارة يكون مستحبًّا وهو ما إذا لم ينزل؛ ولأجل اختلاف الناس في ذلك ترجم بما يصيب المرأة وإصابتها أعم من [أن] يكون واجبًا أو مستحبًّا، وهذا مفهوم ضرورة من الترجمة؛ فافهم، والله أعلم.

واعترض ابن حجر على ابن العربي في نفيه الخلاف، فزعم أن الخلاف مشهور في الصحابة والتابعين، يثبت عن جماعة منهم ومن التابعين،انتهى.

ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: لقائل أن يقول: انعقد الإجماع عليه، فارتفع الخلاف) ؛ بيانه: ما رواه الحافظ الطحاوي: حدثنا روح بن الفرج قال: حدثني يحيى بن عبد الله بن بُكير قال: حدثني الليث قال: حدثني معمر بن أبي حُيَيَّة؛ بضمِّ الحاء المهملة، وفتح المثناة التحتية المكررة، فهي حيية بنت مرَّة بن عمرو بن عبد الله بن شعيب، ومعمر هذا يروي عن عبد الله بن عدي بن الجبار قال: تذاكر أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عند عمر بن الخطاب الغسل من الجنابة، فقال [/ص322/] بعضهم: (إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغسل) ، وقال بعضهم: (الماء من الماء) ، قال عمر رضي الله عنه: (قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الأخيار، فكيف الناس بعدكم؟!) فقال علي بن أبي طالب: (يا أمير المؤمنين؛ إن أردت أن تعلم ذلك؛ فأرسل إلى أزواج النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فسلهن عن ذلك) ، فأرسل إلى عائشة رضي الله عنها، فقالت: (إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغسل) ، فقال عمر رضي الله عنه عند ذلك: (لا أسمع أحدًا يقول: الماء من الماء؛ إلا جعلته نكالًا) ،

قال الحافظ الطحاوي: (فهذا عمر رضي الله عنه قد حمل الناس على هذا بحضرة أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فلم ينكر ذلك عليه منكِر) انتهى.

واعترضه العجلوني فزعم أن الخصم ينازع في الإجماع بما نقله مما تقدم، فكيف يتوجه الرد عليه بما ذكره؛ فتأمل.

قلت: تأملته، فناسب أن يقال هنا: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ العِلْمِ} [النجم: 30] ؛ ولا يخفى أنه لا نزاع في الإجماع؛ لأنَّ المراد بالإجماع إجماع الصحابة رضي الله عنهم وهو المعتبر في الدلائل الشرعية لا إجماع التابعين؛ لأنَّه غير معتد فيه في الشرع، فهذا القائل لم يفرق بين إجماع الصحابة وإجماع من بعدهم، ولا يسع أحدًا أن ينكر إجماع الصحابة في هذه المسألة؛ لثبوته عنهم، كما رواه الحافظ الطحاوي، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في «مصنفه» على غير هذه الصفة، كما ذكرنا ذلك في باب: (إذا التقى الختانان) عن «عمدة القاري»، وفيه إجماع الصحابة على لزوم الغسل وإن لم ينزل، ولهذا قال الشافعي في «اختلاف الحديث»: حديث «الماء من الماء» ثابت، لكنه منسوخ...) إلى أن قال: (فخالفنا بعض أهل الحجاز فقالوا: لا يجب الغسل حتى ينزل، فعرف بهذا أن الخلاف مشهور بين التابعين ومن بعدهم، لكن الجمهور على إيجاب الغسل وهو الصواب) انتهى، فقد علمت أنه نفى الخلاف بين الصحابة؛ لوقوع الإجماع وثبوته عنهم، وأثبت الخلاف بين التابعين ومن بعدهم، فهذا القائل لم يدر الفرق بين إجماع هؤلاء وبين إجماع هؤلاء وبينهما فرق كما بين السماء والأرض، وعلى كل؛ فالرد متوجه على ابن حجر بما زعمه، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم.

وادعى ابن القصار أن الخلاف ارتفع بين التابعين، قال في «عمدة القاري»: (وفيه نظر؛ لأنَّ الخطابي قال: (قاله من التابعين الأعمش) ، وتبعه القاضي، ولكنه قال: (لم يقل به أحد بعد الصحابة غيره) .

قال في «عمدة القاري»: (وفيه نظر؛ لأنَّه قد ثبت أن أبا سَلَمَة بن عبد الرحمن كان يفعل ذلك، وكذا عطاء بن أبي رباح، كما رواه ابن عبد الرزاق) انتهى.

والحاصل: أن إجماع الصحابة ثابت قائم على وجوب الغسل بالجماع وإن لم ينزل، وأن اختلاف التابعين فيه ثابت، وما بعد الإجماع إلا الرجوع إليه، ثم أجمعت المجتهدون على ذلك، فلا يجوز العمل إلا بما عليه أئمة المذاهب الأربعة الأعلام، والله ولي الألباب وهو الصواب؛ فافهم.

وفي رجب سنة سبع وسبعين ومئتين وألف ظهر قحط من قلة القمح وغيره، وقلة البيع والشراء، وتعطلت الطرقات من الثلج، وظهرت السقعة في كل يوم من العصر على وجه ماء البحرات، فالبرد شديد، والخبز عزيز، والدرهم قليل، والمصرف كثير، والحي باقٍ لا يزول، اللهم؛ أحسن أحوال المسلمين، ورخص أسعارهم بجاه النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم وآله وأصحابه أجميعين آمين.

[1] في الأصل: (لأخذ) ، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (مجمع)، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (ميل)، ولعل المثبت هو الصواب.