المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

291-. حدَّثنا مُعاذُ بنُ فَضالَةَ، قالَ: حدَّثنا هِشامٌ _(خ): وَحدَّثنا أبو نُعَيْمٍ، عن هِشامٍ- عن قَتادَةَ، عن الحَسَنِ، عن أَبِي رافِعٍ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ: «إِذا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِها الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَها، فَقَدْ وَجَبَ الغَسْلُ».

تابَعَهُ عَمْرُو بنُ مَرْزُوقٍ [1] ، عن شُعْبَةَ. مِثْلَهُ [2] .

وقالَ مُوسَىَ: حَدَّثَنا [3] أَبانُ: حدَّثنا قَتادَةُ: أخبَرَنا الحَسَنُ. مِثْلَهُ.

[1] قوله: «بن مرزوق» ليس في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت.
[2] قوله: «مثله» ليس في رواية الأصيلي وابن عساكر.
[3] في رواية الأصيلي: «أخبَرَنا».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

291- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ. (ح) للتَّحويل: (وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (عَنْ هِشَامٍ) هو الدَّستوائيُّ السَّابق (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة المفسِّر (عَنِ الْحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفَيْعٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا جَلَسَ) الرَّجل (بَيْنَ شُعَبِهَا)؛ أي: شعب المرأة (الأَرْبَعِ) بضمِّ الشِّين المُعجَمَة وفتح العين المُهمَلة، جمع: شعبةٍ؛، وهي القطعة من الشَّيء، والمُراد هنا على ما قِيل: اليدان والرِّجلان، وهو الأقرب للحقيقة، واختاره ابن دقيق العيد، أو الرِّجلان والفخذان، أو الشُّفران والرِّجلان [1] ، أو الفخذان والإِسْكَتان [2] ، وهما ناحيتا الفرج أو نواحي فرجها الأربع، ورجَّحه عياضٌ (ثُمَّ جَهَدَهَا)؛ بفتح الجيم والهاء؛ أي: بلغ جهده، وهو كنايةٌ عن مُعالَجة الإيلاج، أوِ الجهد: الجماع؛ أي: جامعها، وإنَّما كُنِّيَ بذلك؛ للتَّنزُّه عمَّا يفحش ذكره صريحًا، ولأبي داود: «إذا قعد بين شعبها الأربع وألزق الختان بالختان»؛ أي: موضع الختان بالختان [3] ، ولمسلمٍ من حديث عائشة: «ومسَّ الختان الختان» وللبيهقيِّ مُختَصرًا: «إذا التقى الختانان»؛ (فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ) بفتح الغَيْن المُعجَمة في «اليونينية» ليس إلَّا؛ أي [4] : على الرَّجل وعلى [5] المرأة وإن لم يحصل إنزالٌ، فالموجب [6] غيبوبة الحشفة، هذا الذي انعقد عليه الإجماع، وحديث: «إنَّما الماء من الماء» منسوخٌ، قال الشَّافعيُّ وجماعةٌ؛ أي: كان لا يجب الغسل إلَّا بالإنزال، ثمَّ صار يجب الغسل بدونه، لكن قال ابن عبَّاسٍ: إنَّه ليس بمنسوخٍ بلِ المُراد به: نفيُ وجوب الغسل بالرُّؤية في النَّوم إذا [7] لم ينزل، وهذا الحكم باقٍ، وليس المُراد بالمسِّ في حديث مسلمٍ السَّابق: حقيقته؛ لأنَّ ختانها في أعلى الفرج فوق مخرج البول الذي هو فوق مدخل الذَّكر، ولا يمسُّه الذَّكر في الجماع، فالمُراد: تغييب حشفة الذَّكر، وقد أجمعوا على أنَّه لو وضع ذكره على ختانها، ولم يولج؛ لا يجب الغسل، فالمُراد: المُحاذاة. وهذا هو المُراد أيضًا بالتقاء الختانين، ويدلُّ له رواية التِّرمذيِّ بلفظ: «إذا جاوز»، ومُطابَقة الحديث للتَّرجمة من جهة قوله: «ثمَّ جهدها»، المُفسَّر عند الخطَّابيِّ بالجماع المقتضي لالتقاء الختانين على ما مرَّ من المراد المُصرَّح [8] به في رواية البيهقيِّ السَّابقة، ولعلَّ المؤلِّف أشار في التّبويب إلى هذه الرِّواية كعادته في التَّبويب بلفظ إحدى روايات الباب.

ورواة هذا الحديث السَّبعة كلُّهم بصريُّون، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه كلُّهم في «الطَّهارة».

(تَابَعَهُ)؛ أي: تابع هشامًا (عَمْرُو)؛ بالواو، أي: ((ابن مرزوقٍ)) كما صرَّح به في رواية كريمة، البصريُّ الباهليُّ، وفي اليونينية: سقوطه عند الأربعة [9] ، ممَّا [10] وصله عثمان بن أحمد السَّمَّاك (عَنْ شُعْبَةَ مِثْلَهُ)؛ أي: مثل حديث الباب، ولفظة: ((مثله)) ساقطةٌ عند الأَصيليِّ وابن عساكر.

(وَقَالَ مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ شيخ المؤلِّف: (حَدَّثَنَا)، وللأَصيليِّ: ((أخبرنا)) (أَبَانُ) بن يزيد العطَّار (قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة قال: (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ) البصريُّ (مِثْلَهُ) صرَّح بتحديث الحسن لقتادة؛ لينفي [11] تدليس قتادة؛ إذ ربَّما يحصل لبسٌ بعنعنته السَّابقة، وإنَّما قال هنا: «وقال»، وهناك: «تابعه»؛ لأنَّ المُتابَعة أقوى؛ لأنَّ القول أعمُّ من نقله روايًة وعلى سبيل المذاكرة.

[1] في (د): «أو مُؤخَّر الرِّجلان».
[2] في (د): «الإسكفان»، وهو تحريفٌ.
[3] «أي موضع الختان بالختان»: سقط من (م).
[4] قوله: «بفتح الغَيْن المُعجَمة في «اليونينية» ليس إلَّا؛ أي»، مثبتٌ من (ب).
[5] «على»: سقط من (ص) و(م).
[6] في (م): «فالواجب».
[7] في (د): «إنْ».
[8] «المُصرَّح»: سقط من (م).
[9] قوله: «وفي اليونينية: سقوطه عند الأربعة»، مثبتٌ من (م).
[10] في (م): «بما».
[11] في (ب) و(د): «لنفي».





لا تتوفر معاينة

291- قوله: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ [1] بْنُ فَضَالَةَ): تقدَّم أنَّه بفتح الفاء، وهذا ظاهر، إلَّا أنِّي رأيت من ينطق بها مضمومة ممَّن يقرأ هذا «الصَّحيح» على النَّاس.

قوله: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ): هو ابن أبي عَبْد الله الدَّستوائيُّ، وقد تقدَّم أعلاه.

قوله: («ح»: وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ): أمَّا (ح) ؛ فقد تقدَّم الكلام عليها أوَّل هذا التَّعليق.

وأمَّا (أبو نعيم) ؛ فهو الفضل بن دُكَين، تقدَّم مرارًا.

قوله: (عَنِ الحَسَنِ): هو ابن أبي الحسن البصريُّ العالم المشهور، وقد [2] تقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (عَنْ أَبِي رَافِعٍ): تقدَّم أنَّه نُفَيع الصَّائغ قريبًا، وتقدَّم شيء من ترجمته.

قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم مرارًا [3] أنَّه عَبْد الرَّحمن بن صخر، على الأصحِّ من [4] ثلاثين قولًا.

قوله: (شُعَبِهَا الأَرْبَعِ): قال الدِّمياطيُّ: (أي: بين يديها ورجليها، وقيل: بين رجليها [5] وشفريها) انتهى، وكذا ذكره غير واحد، ويتحصَّل من الأقوال في [6] ذلك خمسة، وقيل: إنَّ المراد نواحي الفرج الأربع، والشَّعب: النَّواحي، وقيل: المراد الرِّجلان والفخذان، وبقي قول آخر لا أستحضره الآن، قال ابن دقيق العيد العلامة أبو الفتح بعد أنْ ذكر فيه أربعة أقوال: (والأقرب عندي أنْ يكون المراد اليدين والرِّجلين، أو الرِّجلين والفخذين، ويكون الجماع مكنًيا عنه بذلك [/ج1ص122/] يكتفى بما ذكر عنِ التَّصريح، وإنَّما رجَّحنا هذا؛ لأنَّه أقرب إلى الحقيقة، وهو حقيقة في الجلوس بينهما...) إلى آخر كلامه.

قوله: (ثُمَّ جَهَدَهَا): هو بفتح الهاء، قال الدِّمياطيُّ: (وجهدها: بالغ في معاناة [7] ذلك العمل فيه كناية عن بلوغ الغاية في ذلك، قال الخطَّابيُّ: الجهد: اسم من أسماء النِّكاح، فمعنى (جَهدها): وطئها، انتهى.

قال ابن دقيق العيد العلامة أبو الفتح بعد عزو هذا إلى الخطَّابيِّ: (وعلى هذا؛ فلا يحتاج أنْ يجعل قوله: «ثمَّ جلس بين شعبها الأربع» كناية عنِ الجماع، فإنَّه صرَّح به بعد ذلك) انتهى.

قوله: (تَابَعَهُ عَمْرٌو): الضَّمير في (تابعه) يعود على هشام؛ أي: تابع عَمرو -هو [8] ابن مرزوق- هشامًا فرواه عن شُعْبَة؛ يعني: عن قتادة مثله، و (عَمرو): هو ابن مرزوق الباهليُّ، روى عن شُعْبَة، ومالك بن مغول، وعكرمة بن عمَّار، وغيرهما [9] ، وعنه: البخاريُّ مقرونًا بغيره، وأبو داود، وإِسْمَاعِيل القاضي، وأبو خليفة، وخلق، ثقة فيه بعض الشَّيء، مات سنة (224 هـ ) [10] ، أخرج له البخاريُّ [11] مقرونًا -كما تقدَّم- وأبو داود.

والحكمة في هذه المتابعة: أنَّ هشامًا عنعن -وقد تقدَّم أنَّه [12] هشام بن أبي [عَبْد الله الدَّستوائيُّ- عن قتادة، فأتى بمتابعة شُعْبَة عن قتادة، وإنْ كان شُعْبَة عنعن عن قتادة، فإنَّ المِزِّيَّ قال في «أطرافه»: (وتابعه عَمرو -يعني: ابن مرزوق- عن) [13] شُعْبَة عن قتادة إلَّا أنَّ شُعْبَة من أشدِّ النَّاس قولًا في التَّدليس، فإنَّه قال: (لأنْ أزني أحبُّ إليَّ من أنْ أدلِّس) ، وهذا قاله على سبيل المبالغة، وقال أيضًا: (التَّدليس أخو الكذب) ، فلا فرق بين أنْ يعنعن، أو يصرِّح بالتحديث أو الإخبار أو السَّماع، ومتابعة شُعْبَة أخرجها مُسْلِم، وأبو داود، والنَّسائيُّ.

قوله: (وَقَالَ مُوسَى): الذي ظهر لي أنَّه موسى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوْذَكيُّ، شيخه، وقد تقدَّم الكلام على بعض ترجمته ونسبته، ويكون قد [14] أخذه عنه في حال المذاكرة؛ فلهذا أتى به على صورة التَّعليق، وقد قدَّمت أنَّ هذا وأمثاله محمول على السَّماع؛ لأنَّه شيخه، والبخاريُّ غير مدلِّس، وقد أطلت الكلام عليه فيما مضى؛ فانظره إنْ أردته، وتعليق موسى قال شيخنا: (أخرجه البيهقيُّ من حديث عفَّان بن مُسْلِم وهمَّام بن يحيى عنه بلفظ: «ثمَّ أجهد نفسه؛ فقد وجب الغسل أنزل أو لَمْ ينزل») [15] .

قوله: (حَدَّثَنَا أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ: أَخْبَرَنَا الحَسَنُ مِثْلَهُ): الذي ظهر لي أنَّه أبان بن يزيد العطَّار البصريُّ، عنِ الحسن، وأبي [16] عمران الجونيِّ، وعِدَّة، وعنه: يحيى بن سعيد القطَّان، وعفَّان، وهدبة، قال أحمد: (ثبتٌ في كلِّ المشايخ) ، وقد قدَّمت الكلام في ترجمته، أخرج له البخاريُّ، ومُسْلِم، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ.

والحكمة في مجيئه بهذا الذي صورته صورة التَّعليق الذي أخذه عن موسى في المذاكرة: أنَّ أبانًا قد صرَّح فيه بالتحديث من قتادة، وأنَّ قتادة صرَّح بالإخبار من الحسن، وفي السَّند الأوَّل عنعن هشام -هو الدَّستوائيُّ- وإنْ لَمْ يكن مدلِّسًا إلَّا أنَّ في العنعنة مطلقًا خلافًا، فصرَّح أبان بالتحديث من قتادة، وقتادة مدلِّس، وعنعنة المدلِّس لا تُقبَل، فأتى بهذا؛ لتصريح [17] قتادة بالإخبار من الحسن، والله أعلم.

[1] في (ج): (محمد) ، وليس بصحيح.
[2] (قد): ليس في (ب) .
[3] (مرارًا): ليس في (ب) .
[4] زيد في (ب): (نحو) .
[5] في (ج): (يديها) ، وسقط (وقيل: بين رجليها) من (ب) .
[6] في (ج): (من) .
[7] في (ج): (معاياة) .
[8] في (ب): (وهو) .
[9] (وغيرهما): ليس في (ج) .
[10] في (ج): (234 هـ ) .
[11] في (ج): (الجماعة) .
[12] في (ج): (أنَّ) .
[13] ما بين معقوفين سقط من (ب) .
[14] (قد): ليس في (ج) .
[15] «التوضيح» (4/*) .
[16] في (ج): (وابن) .
[17] في (ج): (التَّصريح) .





لا تتوفر معاينة

291- ( إِذَا جَلَسَ ) أي: الرَّجل، وتركه للعلم به.

( شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ) أي: يديها ورجليها، [وقيل: رجليها] [1] وفخذيها، وقيل: فخذيها وشفريها، وقيل: نواحي فرجها الأربع.

( جَهَدَهَا ): بفتحات، أي: بلغ المشقَّة بها، أي: كدَّها بحركته، وهو كناية عن معالجة الإيلاج، ولفظ أبي داود بدله: «وألزق الختان بالختان».

( فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ ) زاد مسلم: «وإن لم ينزل»، وللدَّارقطنيِّ: «أنزل أو لم ينزل». [/ج1ص386/]

[1] ما بين معقوفتين مكرر في [ع]





291- وبالسَّند إلى المؤلف قال: ((حدثنا مُعاذ)) بضمِّ الميم أوله، وبالذال المعجمة آخره ((بن فَضالة)) بفتح الفاء، وتخفيف الضاد المعجمة، البصري ((قال: حدثنا هشام)) ؛ هو الدستوائي. ((ح)) : مهملة بين الإسنادين من التحويل، وتقدم أن الأصح أنها للتحويل، قال العجلوني: وفي بعض النسخ هي ساقطة؛ لإغناء الواو عنها في قوله: وحدثنا) انتهى.

قلت: وهو ممنوع فإن فائدة ثبوت (ح) الإشارة إلى تعدد الإسناد، وهي للتحويل من إسناد إلى آخر، و (الواو) لا تدل على هذا بدونها، الأصح ضمها إليه، فهما متلازمان في الدلالة؛ فافهم.

((وحدثنا أبو نُعيم)) ؛ بضمِّ النون، وسكون التحتية، هو الفضل بن دُكين؛ بضمِّ الدال المهملة، ((عن هشام)) ؛ هو الدستوائي السابق، وإنما فرقهما؛ لأنَّ أبا نعيم قال: (عن) ، ومعاذًا قال: (حدثنا) ، والرواة إلى الصحابي كلهم بصريون، كذا في «عمدة القاري»، ((عن قَتادة)) بفتح القاف، هو ابن دعامة المفسر، ((عن الحسن)) هو البصري، ((عن أبي رافع)) ؛ هو نُفيع _بضمِّ النون_ مصغرًا الصائغ؛ بالمهملة آخره معجمة، ((عن أبي هريرة)) هو عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه، ((عن النبيِّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) أنه ((قال: إذا جلس)) الضمير المرفوع فيه، وفي (جهد) يرجع إلى (الرجل) ، وأما الضمير الذي في (شعبها) وفي (جهدها) يرجعان إلى المرأة، وإن لم يمض ذكرها؛ لدلالة السياق عليه، كما في قوله تعالى: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص: 32] ، كذا في «عمدة القاري»، وقد صرح بذلك في رواية لابن المُنْذِر من وجه آخر عن أبي هريرة قال: إذا غشي الرجل امرأته فقعد ((بين شُعَبها الأربع)) ؛ بضمِّ الشين المعجمة، وفتح العين المهملة، جمع شعبة، ويروى: (أشعبها) جمع شعيب، وقال ابن الأثير: (الشعبة: الطائفة من كل شيء، والقطعة منه، والشعب: النواحي، واختلفوا في المراد بالشعب الأربع؛ فقيل: هي اليدان والرجلان، وقيل: الرجلان والفخذان، وقيل: الرجلان والشفران، واختار القاضي عياض: أن المراد من الشعب الأربع: نواحيها الأربع، والأقرب أن يكون المراد اليدين والرجلين والفخذين، ويكون الجماع مكنيًّا عنه بذلك يكتفى بما ذكر عن التصريح، وإنما رجح هذا؛ لأنَّه أقرب إلى الحقيقة في الجلوس بينهما، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري»، ((ثم جَهَدها)) ؛ بفتح الهاء والجيم؛ أي: بلغ جهده في العمل فيها، وقيل: بلغ مشقتها، يقال: جهدته وأجهدته [1] ؛ إذا بلغت مشقته، وقيل معناه: كدها بحركته.

وفي رواية مسلم من طريق شعبة عن قتادة: (ثم اجتهد) ، وقيل: الجهد من أسماء النكاح، فمعنى (جَهَدها) : جامعها، وإنما عدل إلى الكناية؛ للاجتناب عما يفحش ذكره صريحًا، وروى أبو داود من طريق شعبة وهشام معًا، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إذا قعد بين شعبها الأربع وألزق الختان بالختان؛ فقد وجب الغسل»؛ أي: موضع الختان بموضع الختان؛ لأنَّ الختان اسم للفعل، وهذا يدل على أن الجهد هنا كناية عن معالجة الإيلاج.

وفي رواية البيهقي من طريق ابن أبي عَروبة عن قتادة: (إذا التقى الختانان؛ فقد وجب الغسل) ، ورواه ابن ماجه من طريق القاسم بن محمَّد، عن عائشة برجال ثقات، ورواه مسلم من طريق أبي موسى الأشعري، عن عائشة، ولفظه: (مس الختان الختان) ، والمراد بالمس: الالتقاء، يدل عليه رواية الترمذي، ولفظه: (إذا جاوز) ، وليس المراد حقيقة المس حتى لو حصل المس بدون التقاء الختانين؛ فلا يجب الغسل بلا خلاف، كذا في «عمدة القاري».

((فقد وجب الغسل)) ؛ أي: على كل من الرجل والمرأة، ولا يتوقف على نزول المني، بل متى غابت الحشفة في الفرج؛ وجب الغسل عليهما وإن لم يوجد الإنزال، يدل عليه رواية مسلم من طريق ابن الوراق، عن الحسن في آخر هذا الحديث: (وإن لم ينزل) ، ووقع ذلك في رواية قتادة أيضًا.

رواه ابن أبي خيثمة في «تاريخه» عن عفان قال: حدثنا همام وأبان؛ قالا: أخبرنا قتادة به، وزاد في آخره: (أنزل أو لم ينزل) ، وكذا رواه الدارقطني، وصححه من طريق علي بن سهل، عن عفان، وكذا ذكرها أبو داود الطيالسي عن حمَّاد بن سَلَمَة، عن قتادة، ولا فرق في ذلك بين أن يكون قبلًا أو دبرًا، طائعًا أو مكرهًا، نائمًا أو مستيقظًا، فإن الفسقة يرجحون قضاء الشهوة من الدبر على قضائها من القبل؛ لما يدعون فيه من اللين والحرارة والضيق، والمراد: غيبوبة الحشفة أو قدرها من مقطوعها، أما مجرد التلاقي؛ فلا يوجب الغسل، لكنه يوجب الوضوء عند الإمام الأعظم والإمام أبي يوسف؛ لأنَّ ذلك لا يخلو على ظهور مذي غالبًا، فصار كالمتحقق، وقال الإمام محمَّد: لا يجب حتى يظهر المذي.

وقيدنا بالرجل والمرأة؛ لأنَّه لو أولج في فرج بهيمة؛ لا يجب الغسل إلا بالإنزال، لكنه يعزَّر وتذبح البهيمة وتحرق على وجه الاستحباب، ولا يحرم أكل لحمها، كذا في «القنية»، وكذلك الميتة إذا أولج في فرجها لا يجب الغسل إلا أن ينزل، ولا يجب الوضوء فيه في المسألتين كما في «شرح النقاية» للعلامة القهستاني، لكنه يغسل ذكره ندبًا، وقيدنا بالرجل والمرأة احتراز عن الصغيرة الغير المشتهاة؛ فلا يجب الغسل بوطئها إلا أن ينزل؛ لعدم كمال السببية، وقال في «السراج»: (فيه خلاف؛ فقيل: يجب الغسل مطلقًا سواء أفضاها _أي: خلط مسلك سبيلها_ أم لا، وقيل: لا يجب مطلقًا، والصحيح: أنه إذا أمكن الإيلاج في محل الجماع من الصغيرة ولم يفضها فهي ممن يجامع مثلها؛ فيجب الغسل، لكن قد صرحوا بأن وجوب الغسل مشروط بزوال البكارة، كما هو مشروط في الكبيرة، ففيها بالأولى) ، وقال في «البحر»: (بقاء البكارة دليل على عدم الإيلاج، فلا يجب الغسل) ، كما اختاره في «النهاية»، والمراد بالصغيرة: التي لا يجامع مثلها هي بنت ست مطلقًا، أو سبع، أو ثمان إذا لم تكن عبلة؛ أي: سمينة ضخمة، كما في «شرح المنية»، ولو لف على ذكره خرقة وأولج ولم ينزل، قال بعضهم: يجب الغسل، وقال بعضهم: لا يجب، والأصح أنه إن كانت الخرقة رقيقة بحيث يجد حرارة الفرج واللذة؛ وجب الغسل، وإلا؛ فلا، والأحوط وجوب الغسل في الوجهين، كذا في «البحر» عن «السراج».

والصبي ابن عشر لو جامع زوجته البالغة؛ يجب عليها الغسل؛ لوجود إيلاج الحشفة، ولا يجب عليه؛ لانعدام الخطاب إلا أنه يؤمر بالغسل تخلقًا واعتيادًا، كما في «الخانية»، ولا بد أن يكون الصبي ممن يشتهى؛ لأنَّه لو لم يكن كذلك؛ لا يجب عليها الغسل، كما في «الدر»؛ لأنَّ ذكره بمنزلة الإصبع، ولا يجب الغسل بإدخال إصبع ونحوه؛ كذكر غير آدمي؛ كجني، وقرد، وحمار، وذكر خنثى مشكل، وذكر ميت، وصبي لا يشتهى، وما يضع على صورة الذكر من خشب ونحوه في الدبر أو القبل على المختار، كما في «التجنيس».

لكن في «حواشي نوح أفندي»، و«شرح المنية»: (أن المختار وجوب الغسل في القبل إذا قصد الاستمتاع؛ لغلبة الشهوة فيهن، فأقيم السبب مقام المسبب وهو [/ص316/] الإنزال دون الدبر؛ لعدمها) انتهى.

ولو كان ذكره طويلًا، فعبث فيه حتى أدخله في دبر نفسه هل يجب عليه الغسل؟ فيه قولان رجح في «النهر» عدم الوجوب إلا بالإنزال، فإذا أنزل؛ وجب الغسل، وإلا؛ فلا، ورجح في «منهل الطلاب» الوجوب؛ يعني: يجب عليه الغسل وإن لم ينزل؛ زجرًا له ولتحقق الإيلاج؛ فليحفظ.

قال: وكبر الذكر دليل على رداءة الأصل وصغره على حسنه، كذا قالوا؛ فليحفظ.

هذا مذهب رئيس المجتهدين الإمام الأعظم، وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، ومذهب مالك، والشافعي، وأحمد: (أنه يجب الغسل على كل من الرجل والمرأة بمجرد تغيُّب الحشفة في الفرج وإن لم يحصل إنزال سواء كان الفرج قبلًا أو دبرًا، من آدمي أو بهيمة، حيًّا أو ميتًا، طائعًا أو مكرهًا، نائمًا أو مستيقظًا) انتهى.

قلت: وإيجابهم في البهيمة والميتة الغسل نظر؛ لأنَّ كمال السببية معدومة فيهما، ولأنَّه لا تتحقق الشهوة فيهما إلا بالإنزال فجعل سببًا للوجوب، أما الإيلاج فقط؛ فالوجوب به غير ظاهر؛ لأنَّ الحديث لا يدل عليه؛ لأنَّ صريح الحديث يدل على الآدمي الحي بخلاف غيره، فبقي على الأصل وهو وجود الإنزال؛ فليحفظ.

قال صاحب «عمدة القاري»: (ويستنبط من الحديث المذكور: أن إيجاب الغسل لا يتوقف على نزول المني، بل متى غابت الحشفة؛ يجب الغسل عليهما وإن لم ينزلا وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان الخلاف فيه في الصدر الأول، فإن جماعة ذهبوا إلى أن من وطئ في الفرج ولم ينزل؛ فليس عليه غسل، وممن ذهب إلى هذا عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، ورافع بن خديج، وأبو [2] سَعِيْد الخدري، وأُبيُّ بن كعب، وأبو [3] أيُّوب الأنصاري، وابن عباس، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، وجمهرة الأنصاري رضي الله عنهم، وهو قول عطاء بن أبي رباح، وأبي سَلَمَة بن عبد الرحمن، وهشام بن عروة، والأعمش، وبه قالت الظاهرية، واحتجوا بآثار:

منها: ما رواه المؤلف من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه الآتي في الباب بعده، وأخرجه مسلم أيضًا والحافظ الطحاوي، والبزار، ولفظه: (عن زيد بن خالد الجهني: أنه سأل عثمان عن الرجل يجامع ولا ينزل؟ فقال: ليس عليه إلا الوضوء، وقال عثمان: أشهد أني سمعت ذلك من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) .

ومنها: حديث أُبيِّ بن كعب رواه مسلم عنه قال: سألت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن الرجل يصيب من المرأة، ثم يكسل؟ فقال: «يغسل ما أصابه من المرأة، ثم يتوضأ»، وأخرجه الحافظ الطحاوي، وابن أبي شيبة، وأحمد ابن حنبل.

ومنها: حديث أبي سَعِيْد الخدري أخرجه الشيخان عنه: أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مر على رجل من الأنصار فأرسل إليه؛ فخرج ورأسه يقطر فقال: «لعلنا أعجلناك؟» قال: نعم؛ يا رسول الله، قال: «إذا [4] أعجلت أو قحطت؛ فلا غسل عليك وعليك الوضوء»، وأخرج مسلم عنه عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «الماء من الماء»، وأخرجه الطحاوي أيضًا.

ومنها: حديث أبي هريرة أخرجه الحافظ الطحاوي عنه قال: بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى رجل من الأنصار؛ فأبطأ فقال: «ما حبسك؟»قال: كنت أصبت أهلي؛ فلما جاءني رسولك؛ اغتسلت من غير أن أحدث شيئًا، فقال: «الماء من الماء والغسل على من أنزل».

ومنها: حديث عتبان الأنصاري رواه أحمد عنه وابن عتبان الأنصاري قال: يا نبي الله؛ إني كنت مع أهلي؛ فلما سمعت صوتك؛ أقلعت فاغتسلت، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الماء من الماء».

ومنها: حديث رافع بن خديج أخرجه الطبراني وأحمد عنه: نادى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأنا على بطن امرأتي فقمت ولم أنزل، فاغتسلت فأخبرته أنك دعوتني وأنا على بطن امرأتي فقمت ولم أنزل فاغتسلت، فقال عليه السلام: «الماء من الماء».

ومنها: حديث عبد الرحمن بن عوف، أخرجه أبو يعلى عنه.

ومنها: حديث عبد الله بن عباس، أخرجه البزار عنه.

ومنها: حديث عبد الله بن عبد الله بن عقيل، أخرجه معمر بن راشد عنه في «جامعه»، وفي آخر هذه الأحاديث: «الماء من الماء»، وحجة الجمهور حديث الباب وحديث عائشة رضي الله عنها: (أنها سئلت عن الرجل يجامع فلا ينزل؟ فقالت: فعلته أنا ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فاغتسلنا منه جميعًا) ، أخرجه الحافظ الطحاوي، وأخرجه الترمذي عنها أيضًا، ولفظه: (إذا جاوز الختان الختان؛ وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فاغتسلنا) ، وهذا حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن ماجه أيضًا، فعائشة رضي الله عنها أعلم بهذا؛ لأنَّها شاهدت ذلك وعاينته عملًا من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فقولها أولى وأحق ممن لم يشاهد ذلك.

وروى مالك عن يحيى بن سَعِيْد، عن سَعِيْد بن المسيِّب: (أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه أتى عائشة أم المؤمنين فقال: لقد شق علي اختلاف أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في أمر إني لأعظم أن استقبلك به فقالت: (ما هو؟ ما كنت سائلًا عنه أمك؛ فسلني عنه) ، فقال لها: الرجل يصيب أهله ثم يكسل ولا ينزل، قالت: (إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغسل) ، فقال أبو موسى: لا أسأل أحدًا عن هذا بعدك أبدًا) ، وأخرجه البيهقي من طريقه، وقال أحمد: هذا إسناد صحيح إلا أنه موقوف على عائشة، وقال أبو عمر: هذا الحديث موقوف في «الموطأ» عند جماعة من رواته، وروى موسى بن طارق، وأبو قرة عن مالك، عن يحيى بن سَعِيْد، عن سَعِيْد بن المسيِّب، عن أبي موسى، عن عائشة: أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إذا التقى الختانان؛ وجب الغسل»، ولم يتابع على رفعه عن مالك.

وأخرج الحافظ الطحاوي أيضًا عن عائشة مرفوعًا، وأخرجه عن جابر بن عبد الله قال: أخبرتني أم كلثوم عن عائشة: (أن رجلًا سأل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن الرجل يجامع أهله، ثم يكسل: هل عليه غسل؟) وعائشة جالسة فقال عليه السلام: «إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل».

قالوا: فهذه الآثار أخبرت عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه كان يغتسل إذا جامع وإن لم ينزل، وقالت الطائفة الأولى: هذه الآثار تخبر عن فعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد يجوز أن يفعل ما ليس عليه؛ يعني: كان يفعله بطريق الاستحباب لا بطريق الوجوب؛ فلا يتم الاستدلال بها والآثار الأُوَل تخبر عما يجب وعما لا يجب، فهي أولى.

وأجاب الجمهور عن هذا: أن هذه الآثار على نوعين؛ أحدهما: «الماء من الماء» لا غير، فهذا ابن عباس قد روى عنه أنه قال: مراد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من هذا أن يكون في الاحتلام، وأخرج الترمذي عن علي بن حجر، عن شريك، عن أبي [5] الجحاف، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: (الماء من الماء في الاحتلام) ؛ يعني: إذا رأى أنه يجامع ثم لم ينزل؛ فلا غسل عليه، والنوع الآخر الذي أمر [6] وأخبر فيه بالقصة وأنه لا غسل في ذلك حتى يكون الماء، قد جاء خلاف ذلك عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو حديث أبي هريرة المذكور في الباب، وهذا ناسخ لتلك الآثار.

فإن قلت: ليس فيه دليل على النسخ؛ لعدم التعرض إلى شيء من التاريخ؟

قلت: قد جاء ما يدل على النسخ صريحًا، روى أبو داود: حدثنا أحمد بن [/ص317/] صالح: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو _يعني: ابن الحارث_ عن ابن شهاب قال: حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد الساعدي أخبره: أن أُبيَّ بن كعب أخبره: أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إنَّما جعل ذلك رخصة في أول الإسلام؛ لقلة الثبات، ثم أمرنا بالغسل ونهى عن ذلك، قال أبو داود: يعني: الماء من الماء، وأخرجه الحافظ الطحاوي أيضًا.

وأخرج أبو داود أيضًا: حدثنا محمَّد بن مهران الرازي قال: أخبرنا مبشر الحلبي عن محمَّد أبي غسان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: حدثني أُبيُّ بن كعب: أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد، وأخرجه ابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

فإن قلت: الحديث الأول مجهول وهو قوله: (حدثني بعض من أرضى) .

قلت: الظاهر: أنه أبو حازم سَلَمَة بن دينار الأعرج؛ لأنَّ البيهقي روى هذا الحديث، ثم قال: ورويناه بإسناد آخر موصول عن أبي حازم، عن سهل بن سعد؛ الحديث محفوظ عن أُبيِّ بن كعب كما أخرجه أبو داود، وقال ابن عبد البر في «الاستذكار»: (إنما رواه ابن شهاب عن أبي حازم، وهو حديث صحيح ثابت بنقل العدول له.

وأخرج ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن عبيد ابن رافع، عن أبيه رفاعة بن رافع قال: بينا أنا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ إذ دخل عليه رجل فقال: (يا أمير المؤمنين؛ هذا زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة) ، فقال عمر: (علي به) ، فجاء زيد فلما رآه عمر؛ قال: (أين عدو نفسه؟ قد بلغت أنك تفتي الناس برأيك؟) ، فقال: (يا أمير المؤمنين؛ بالله ما فعلت، لكن سمعت من أعمامي حديثًا فحدثت به من أبي أيُّوب، ومن أُبيِّ بن كعب، ومن رفاعة بن رافع) ، فأقبل عمر على رفاعة بن رافع فقال: (وقد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدكم من المرأة وأكسل لم يغتسل) ، فقال: (قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فلم يأتنا فيه تحريم ولم يكن من رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فيه نهي) ، قال: (ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يعلم ذلك؟) ، قال: (لا أدري) ، فأمر عمر رضي الله عنه بجمع المهاجرين والأنصار فجُمِعوا له فشاورهم، فأشار الناس أن لا غسل في ذلك إلا ما كان من معاذ وعلي رضي الله عنهما؛ فإنهما قالا: (إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغسل) ، فقال عمر رضي الله [عنه] : (هذا وأنتم أصحاب بدر وقد اختلفتم، فمن بعدكم أشد اختلافًا) ، قال: فقال علي رضي الله عنه: (يا أمير المؤمنين؛ إنه ليس أحد أعلم بهذا من شأن [7] رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من أزواجه) ، فأرسل إلى حفصة رضي الله عنها، فقالت: (لا علم لي بهذا) ، فأرسل إلى عائشة رضي الله عنها، فقالت: (إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغسل) ، فقال عمر: لا أسمع برجل فعل ذلك إلا أوجعته ضربًا) ، ورواه الحافظ الطحاوي أيضًا وفيه: (لا أعلم أحدًا فعله، ثم لم يغتسل إلا جعلته نكالًا) ، ولم يتقن الكلام أحد في هذا الباب مثل الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي، فإن أراد أحد أن يتقنه؛ فعليه بكتابه «معاني الآثار» وشرحه المسمى بـ«مباني الأخبار» لشيخ الإسلام والمسلمين إمام الشارحين السيد بدر الدين محمود العيني رضي الله تعالى عنه.

قال في «عمدة القاري»: (فإن قلت: ادَّعى بعضهم أن التنصيص على الشيء باسم الماء يوجب نفي الحكم عما عداه؛ لأنَّ الأنصار فهموا عدم وجوب الغسل بالانكسال من قوله عليه السلام: «الماء من الماء»؛ أي: الاغتسال واجب بالمني، فـ (الماء) الأول: هو المطهر، والثاني: هو المني، و (من) للسببية، والأنصار كانوا من أهل اللسان وفصحاء العرب، وقد فهموا التخصيص منه حتى استدلوا به على نفي وجوب الاغتسال بالإكسال لعدم الماء، ولو لم يكن التنصيص موجبًا للنفي؛ لِمَ صح استدلالهم على ذلك؟

قلت: الذي يقول هذا أبو بكر الدقاق، وبعض الحنابلة، والجواب: أن ذلك ليس من دلالة التنصيص، بل إنَّما هو من (اللام) المعرفة الموجبة للاستغراق عند عدم المعهود، ونحن نقول: هذا الكلام للاستغراق والانحصار، كما فهمت الأنصار، لكن لما دل الدليل وهو الإجماع على وجوب الاغتسال من الحيض والنفاس أيضًا؛ نفى الانحصار فيما وراء ذلك مما يتعلق بالمني، وصار المعنى: جميع الاغتسالات المتعلقة بالمني منحصر فيه لا يثبت لغيره.

فإن قلت: فعلى هذا؛ ينبغي ألا يجب الغسل بالإكسال لعدم الماء.

قلت: الماء فيه ثابت تقديرًا؛ لأنَّه تارة يثبت عيانًا، كما في حقيقة الإنزال، وتارة دلالة، كما في التقاء الختانين، فإنه سبب لنزول الماء، فأقيم مقامه بكونه أمرًا خفيًا؛ كالنوم أقيم مقام الحدث؛ لتعذر الوقوف عليه.

فإن قلت: المنسوخ ينبغي أن يكون حكمًا شرعيًّا، وعدم وجوب الغسل عند عدم الإنزال ثابت بالأصل.

قلت: عدمه ثابت بالشرع؛ لأنَّ مفهوم الحصر إنَّما يدل عليه؛ لأنَّ معنى الحصر إثبات المذكور ونفي غير المذكور، فيفيد أنه لا ماء من غير الماء) انتهى.

وزعم الكرماني أن الراجح من الحديثين؛ يعني: حديث: «الماء من الماء»، وحديث أبي هريرة المذكور في الباب حديث: «التقاء الختانين»؛ لأنَّه يدل بالمنطوق على وجوب الغسل، وحديث: «الماء من الماء» يدل بالمفهوم على عدمه، وحجة المفهوم مختلف فيها، وعلى تقدير ثبوتها؛ المنطوق أقوى من المفهوم، وعلى هذا التقدير؛ لا يحتاج إلى القول بالنسخ) انتهى.

ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: قلت: عدم دعوى الاحتياج إلى القول بالنسخ؛ غير صحيح؛ لأنَّ المستنبطين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ما وفقوا بين الأحاديث التي في هذا الباب المتضادة إلا بإثبات النسخ على ما ذكرنا.

فإن قلت: حديث «الالتقاء» مطلق، وحديث: «الماء من الماء» مقيد، فيجب حمل المطلق على المقيد؟

قلت: سؤال الكرماني مبني على مذهبه، ثم أجاب: ليس ذلك مطلقًا، بل عامًّا؛ لأنَّ الالتقاء وصف يترتب الحكم عليه، وكلما وجد الوصف؛ وجد الحكم، وهذا ليس مقيدًا، بل خاصًّا، وكأنه قال: بالالتقاء يجب الغسل، ثم قال: بالالتقاء مع الإنزال يجب الغسل، فيصير من باب قوله عليه السلام: «أيُّما إهاب دبغ؛ فقد طهر»، وقوله عليه السلام: «دباغها طهورها»، وإفراد فرد من العام بحكم العام ليس من المخصصات) انتهى، والله تعالى أعلم.

((تابعه)) أي: تابع هشامًا ((عَمرو)) ؛ بفتح العين المهملة، هو ابن مرزوق البصري أبو عثمان الباهلي، يقال: مولاهم، وصرح به في رواية كريمة، المتوفى سنة أربع وعشرين ومئتين، ((عن شعبة)) : هو ابن الحجاج، وزعم الكرماني أن قوله: (تابعه) يحتمل أن يراد به: عن شعبة، عن قتادة، أو عن شعبة، عن الحسن، فيختلف الضمير في (تابعه) بحسب المرجع.

ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: لا اختلاف للضمير فيه، بل هو راجع إلى هشام على كل حال) انتهى؛ فليحفظ، والله أعلم.

((مثله)) أي: مثل حديث الباب، وهذا التعليق وصله هشام بن أحمد بن السماك نحو سياق حديث الباب، لكن في روايته: (ثم أجهدها) من باب الإجهاد، وتمامه في «عمدة القاري»، ((وقال موسى)) هو ابن إسماعيل التبوذكي: ((حدثنا)) وفي رواية: (أخبرنا) ((أَبان)) ؛ بفتح الهمزة، وتخفيف الموحدة، هو ابن يزيد العطار ((قال: حدثنا قَتادة)) ؛ بفتح القاف، هو ابن دِعامة ((قال: أخبرنا الحسن)) هو البصري ((مثله)) ؛ أي: مثل حديث الباب، ومن فوائد هذا الإسناد: أن فيه التصريح بتحديث الحسن لقتادة؛ لأنَّ في رواية حديث الباب (عن قتادة، عن الحسن) ، وقتادة ثقة ثبت، لكنه مدلس، وإذا صرح بالتحديث؛ لا يبقى كلامٌ.

وزعمَ الكرماني[/ص318/] فإن قلت: لم قال: (تابعه عمرو) ، وقال: (قال موسى) ، ولم يسلك فيهما طريقًا واحدًا؟قلت: المتابعة أقوى؛ لأنَّ القول أعم من الذكر على سبيل النقل والتحميل، أو من الذكر على سبيل المجاورة والمذاكرة، فأراد الإشعار بذلك، ويحتمل سماع البخاري من عمرو وموسى؛ فلا يجزم بأنه ذكرهما على سبيل التعليق.

قال صاحب «عمدة القاري»: (قلت: كلاهما تعليق صورة، ولكن الاحتمال المذكور موجود؛ لأنَّ كليهما من مشايخ البخاري) انتهى.

وتمامه في «عمدة القاري» فإنه شرح لم يسبق بمثله، ومن أراد بيان المعاني والتحقيق والتدقيق؛ فعليه به، فإنه مشحون من الفوائد والفرائد، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم إنه تواب رحيم.

[1] في الأصل: (اجتهدته)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (أبي)، وليس بصحيح.
[3] في الأصل: (أبي)، وليس بصحيح.
[4] في الأصل: (إذ لا)، والمثبت موافق لما في «الصحيحين».
[5] سقط من الأصل: (أبي).
[6] في الأصل: (الأمر) ، وليس بصحيح.
[7] في الأصل: (فمن سأل )، والمثبت موافق لما في «المصنف».