المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

238-. 239-. حدَّثنا أبو اليَمانِ، قالَ: أخبَرَنا شُعَيْبٌ، قالَ: أخبَرَنا [1] أبو الزِّنَادِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ [2] حَدَّثَهُ:

أَنَّهُ سَمِعَ أَبا هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ [3] رَسُولَ اللَّهِ [4] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ».

وَبِإِسْنادِهِ؛ قالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في الماءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ [5] فِيهِ».

الأطراف



[1] في رواية ابن عساكر: «حدَّثنا».
[2] قوله: «الأعرج» ليس في رواية [عط] .
[3] في رواية ابن عساكر: «يقول: إنَّه سَمِع»، قارن بما في الإرشاد، وفي رواية الأصيلي: «قال: سمعتُ».
[4] في رواية ابن عساكر: «النَّبيَّ».
[5] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«يَغْتَسِلْ».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

238- 239- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) بتخفيف الميم، الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: ((حدَّثنا)) (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّهُ سَمِعَ) وللأَصيليِّ: ((قال: سمعت)) ولابن عساكر: ((يقول: سمعت)) (رَسُولَ اللهِ)، ولابن عساكر: ((النَّبيَّ)) (صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: نَحْنُ الآخِرُونَ) بكسر الخاء؛ أي: المُتأخِّرون في الدُّنيا (السَّابِقُونَ)؛ أي: المُتقدِّمون في الآخرة.

(وَبِإِسْنَادِهِ) أي: إسناد هذا الحديث السابق (قَالَ: لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ) بالمُهمَلة: الرَّاكد [1] القليل الغير القلَّتين، فإنَّه يَتَنَجَّسْ وإن لم يتغيَّر، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، وقال المالكيَّة: لا ينجس [2] إلَّا بالتَّغيُّر، قليلًا كان أو كثيرًا، جاريًا كان الماء أو راكدًا؛ لحديث: «خلق اللهُ الماءَ طهورًا [3] لا ينجِّسه شيءٌ...»؛ الحديث [4] ، وعند الحنفيَّة: ينجس إذا [5] لم يبلغ الغدير العظيم، وهو [6] الذي لا يتحرك أحد أطرافه بتحرك أحدها [7] ، وعن [8] أحمد روايةٌ صحَّحوها: في غير بول الآدميِّ وعذرته المائعة، فأمَّا هما؛ فينجِّسان الماء وإن كان قلَّتين فأكثر [9] على المشهور ما لم يكثر؛ أي: بحيث لا يمكن نزحه، وقوله: (الَّذِي لَا يَجْرِي) قِيلَ: هو تفسيرٌ لـ: «الدَّائم» وإيضاحٌ لمعناه، وقِيلَ: احترز به عن الماء الدَّائر؛ لأنَّه جارٍ من حيث الصُّورة، ساكنٌ من حيث المعنى، وقال ابن الأنباريِّ: «الدَّائم» من حروف الأضداد، يقال للسَّاكن والدَّائر، ويطلق [10] على البحار والأنهار الكبار التي [11] لا ينقطع ماؤها: أنَّها دائمة، بمعنى: أنَّ ماءها غير منقطع، وقد اتفق على أنَّها غير مرادة هنا، وعلى هذين القولين، فقوله: الذي لا يجري صفة مخصِّصةٌ لأحد معنيي المُشتَرك، وهذا أولى من حمله على التَّوكيد الذي الأصل عدمه، ولا يخفى أنَّه لو لم يقل: الذي لا يجري؛ لكان مجملًا بحكم الاشتراك الدَّائر بين الدَّائر والدَّائم، وحينئذٍ [12] فلا يصحُّ الحمل على التَّأكيد، أو [13] احترز به عن راكد يجري بعضه كالبرك، (ثُمَّ) هو (يَغْتَسِلُ فِيهِ) أو يتوضَّأ وهو [14] بضمِّ اللَّام على المَشهُور في الرِّواية، وجوَّز ابن مالكٍ في «توضيحه» صحَّة الجزم، عطفًا على: «يبولن»، المَجزُوم موضعًا بـ: «لا» النَّاهية، ولكنَّه فُتِحَ بناءً؛ لتأكيده بالنُّون، والنَّصب على إضمار «أَنْ»؛ إعطاء لـ: «ثم» حكم واو الجمع، وتعقَّبه القرطبيُّ في «المفهم»، والنَّوويُّ في «شرح مسلم»: بأنَّه يقتضي أنَّ النَّهيَ للجمع بينهما [15] ، ولم يقله أحدٌ، بل البول منهيٌّ عنه أراد الغسل منه أو لا، وقال ابن هشامٍ: أجاز ابن مالكٍ الثَّلاثة، فتوهَّم تلميذه النَّوويُّ من قوله: «فأُعطِيَ حكم واو الجمع» أنَّ المراد إعطاء حكمها في معنى الجمع، فقال: لا يجوز بالنَّصب؛ لأنَّه يقتضي أنَّ المَنهيَّ عنه الجمع بينهما دونَ إفراد أحدهما _إلى آخره_ وإنَّما أراد ابن مالكٍ إعطاءها حكمها في النَّصب لا في المعيَّة [16] ، وأجاب ابن دقيق العيد: بأنَّه لا يلزم أن يدلَّ على الأحكام المتعددة لفظٌ واحدٌ، فيُؤخَذ النَّهيُ عن الجمعِ بينهما من هذا الحديث، إن ثبتت رواية النَّصب، ويؤُخَذ النَّهي عن الإفراد من حديث آخر، انتهى. يعني: كحديث مسلم عن جابر مرفوعًا: نهى عن البول في الماء الرَّاكد، وقال القرطبيُّ أبو العبَّاسِ: لا يحسن النَّصب [17] ؛ لأنَّه لا يُنصَب بإضمار «أن» بعد «ثمَّ»، وقال أيضًا: إنَّ الجزم ليس بشيء؛ إذ لو أراد ذلك؛ لقال: ثمَّ [18] لا يغتسلنَّ؛ لأنَّه إذ ذاك يكون عطف فعلٍ على فعلٍ، لا عطف جملةٍ على جملةٍ، وحينئذٍ يكون الأصل مساواة [19] الفعلين في النَّهي عنهما [20] وتأكيدهما بالنُّون المشدَّدة [21] ، فإنَّ المحلَّ الذي تواردا [22] عليه شيءٌ واحدٌ؛ وهو «الماء»، فعدوله عن «ثم لا يغتسلنَّ [23] » إلى [24] «ثمَّ يغتسل» دليل على أنَّه لم يُرِد العطفَ، وإنَّما جاء «ثمَّ يغتسل» على التَّنبيه على مآل الحال، ومعناه: أنَّه إذا بال فيه؛ قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه [25] استعمالُه؛ لِمَا وقع فيه من البول، وتعقَّبه الزَّينُ العراقيُّ: بأنَّه لا يلزم من [26] عطف النَّهي على النَّهي ورود التَّأكيد فيهما معًا، كما [27] هو معروفٌ في العربيَّة، قال [28] : وفي رواية أبي داود: «لا يغتسل فيه من الجنابة»، فأتى بأداة النَّهيِ ولم يؤكِّده [29] ، وهذا كلُّه محمولٌ على القليل عند أهل العلم على اختلافهم في حدِّ القليل، وقد تقدَّم قول من لا يعتبر إلَّا التَّغيُّر وعدمه، وهو قويٌّ [30] ، لكنَّ التَّفصيل بـ: «القلَّتين» أقوى؛ لصحَّة الحديث فيه، وقد نُقِل عن مالك: أنَّه حمل النَّهيَ على التَّنزيه فيما لا يتغيَّر، وهو قول الباقين في الكثير، وقد وقع في رواية ابن عُيَيْنَة عن أبي الزِّناد: «ثمَّ يغتسل منه» _بالميم_ بدل: «فيه»، وكلٌّ منهما يفيد حكمًا بالنَّصِّ وحكمًا بالاستنباط، فلفظة: «فيه»؛ بالفاء، تدلُّ على منع الانغماس بالنَّصِّ، وعلى منع التَّناول بالاستنباط، ولفظة [31] : «منه»؛ بالميم، [/ج1ص304/] بعكس [32] ذلك، وكلُّ ذلك [33] مبنيٌّ على أنَّ الماء ينجس بملاقاة النَّجاسة، فإن قلت: ما وجه دخول «نحن الآخرون» في التَّرجمة؟ وما المناسبة بين أوَّل الحديث وآخره [34] ؟ أُجيْب: باحتمال أن يكون أبو هريرة سمعه من النِّبيِّ صلى الله عليه وسلم مع ما بعده في نسقٍ واحدٍ، فحدَّث بهما جميعًا، وتبعه المؤلِّف، ويحتمل أن يكون همَّامٌ فعل ذلك وأنَّه [35] سمعهما من أبي هريرة، وإِلَّا فليس في الحديث مناسبة للتَّرجمة، وتُعقِّب: بأنَّ البخاريَّ إنَّما ساق الحديث من طريق الأعرج عن أبي هريرة لا من طريق همَّامٍ، فالاحتمال الثَّاني ساقطٌ، وقال في «فتح الباري»: والصَّواب: أنَّ البخاريَّ في الغالب يذكر الشَّيء كما سمعه جملةً؛ لتضمُّنه موضع الدَّلالة المطلوبة منه، وإن لم يكن باقيه مقصودًا.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث بالإفراد والجمع والإخبار والسَّماع، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

[1] «بالمُهمَلة الرَّاكد»: مثبتٌ من (م).
[2] في (د): «لا يتنجَّس».
[3] في (م): «طاهرًا».
[4] قوله: «جاريًا كان الماء أو راكدًا... لا ينجِّسه شيءٌ...»؛ الحديث»، سقط من (د).
[5] في (د): «إنْ».
[6] «وهو»: مثبتٌ من (م).
[7] في (م): «أحدهما».
[8] في (د): «وعند».
[9] في (م): «أو أكثر».
[10] في (م): «أو يطلق».
[11] في (م): «الذي».
[12] «وحينئذٍ»: سقط من (ب).
[13] في (د): «واحترز».
[14] «وهو»: سقط من (د) و(م).
[15] «بينهما»: ليست في (م).
[16] قوله: «وقال ابن هشامٍ: أجاز ابن مالكٍ... النَّصب لا في المعيَّة»، مثبتٌ من (م).
[17] في (د): «يجوز».
[18] «ثمَّ»: سقط من (د).
[19] في (ب) و(س): «مشاركة».
[20] في (ب) و(س): «المنهيِّ عنه».
[21] في (م): «الشَّديدة».
[22] في (س) و(م): «توارد).
[23] في (م): «يغتسل».
[24] قوله: «لأنَّه إذ ذاك يكون عطف... فعدوله عن «ثم لا يغتسلنَّ» إلى»، سقط من (د).
[25] «عليه»: سقط من (د).
[26] في (م): «في».
[27] في (ب): «و».
[28] «قال»: سقط من (د).
[29] «لم يُؤكِّده»: سقط من (د).
[30] في (د): «أقوى».
[31] في (م): «لفظ».
[32] في (م): «على عكس».
[33] في (م): «وكلُّه».
[34] في (د) و(م): «لآخره».
[35] في (د): «أو أنَّه».





238- 239- (لَا يَبُولَنَّ): بفتحِ اللَّامِ.

(الَّذِي لَا يَجْرِي): صفةٌ مبيِّنةٌ لـ (الدَّائِمِ)، والمراد منه: الرَّاكدُ، وقيل: للاحترازِ عن راكدٍ يَجري بعضُه؛ كالبِرَكِ.

وقال البيضاويُّ: («الَّذِي لَا يَجْرِي»: صفةٌ ثانيةٌ تؤكِّدُ الأُولى).

(ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ): قال الطِّيبيُّ نقلًا عن القاضي ناصرِ الدين [1] : («ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ»: عطفٌ على الصِّلةِ، وترتيبُ الحكمِ على ذلكَ يُشعِرُ بأنَّ الموجِبَ للمنعِ أنَّهُ يتنجَّسُ به؛ فلا يجوزُ الاغتسالُ به، وتخصيصُه بـ«الدَّائِمِ» يُفْهَمُ منه: أنَّ الجاريَ لا يتنجَّسُ إلَّا بالتَّغييرِ.

أقول: لعلَّه امتنع من العطف على «يَبُوْلَنَّ»، وارتكب هذا التَّعسُّفَ؛ للاختلافِ بينَ الإنشائيِّ والإخباريِّ، والمعنى عليه أظهرُ، فيكونُ «ثُمَّ» مثلَ الواو في: «لا تأكلِ السَّمكَ وتشربَ اللَّبنَ»، عطف الاسم على الفعلِ على تأويلِ الاسمِ؛ أي: لا يكنْ منكَ أكلُ السَّمكِ وشربُ اللَّبنِ؛ أي: لا تجمعْ بينَهما؛ لأنَّ الاغتسالَ في الماءِ الدَّائمِ وحدَه غيرُ منهيٍّ عنه، أو مثلَ الفاءِ في قولِه تعالى: {وَلَا تَطْغَوا فِيْهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضِبِي} [طه: 81] ؛ أي: لا يكنْ مِنْ أحدٍ البولُ في الماءِ الموصوفِ ثُمَّ الاغتسالُ فيه؛ فـ«ثُمَّ» استبعاديَّةٌ؛ أي: بعيدٌ مِنَ العاقلِ الجمعُ بينَ هذينِ الأمرينِ.

فإن قلتَ: عَلامَ يُعتَمد في نصب «يَغْتَسِلُ» حتَّى يتمشَّى لك هذا المعنى؟

قلتُ: إذا قَوِيَ المعنى؛ لا يضرُّ الرَّفعُ؛ لأنَّه حينئذٍ مِنْ بابِ «أحضُرُ الوغى» )، ثُمَّ نَقَلَ كلامَ النَّوويِّ، وكلامَ ابنِ مالكٍ الآتي.

وقال الشَّيخُ المالكيُّ في «الشَّواهدِ»: (يجوزُ في «يَغْتَسِل» الجزمُ عطفًا على «يَبُولَنَّ»؛ لأنَّه مجزومُ الموضعِ بـ«لَا» الَّتي للنَّهيِ، ولكنَّه بُنِيَ على الفتحِ؛ لتوكيدِه بالنُّونِ، ويجوزُ فيه الرَّفعُ على تقديرِ: ثمَّ هو يغتسلُ فيه، والنَّصبُ على إضمارِ «أَنْ» وإعطاءِ «ثُمَّ» حكمَ واوِ الجمعِ، ونظيرُه في جوازِ الأوجهِ الثلاثةِ التِّلاوةُ في قولِه تعالى: {ثُمَّ يُدرِكْهُ المَوتُ} [النساء: 100] ؛ فإنَّه قُرِئَ بالجَزْمِ ـ وهو الَّذي قرأَ به السَّبعةُ ـ وبالرَّفعِ والنَّصبِ على الشُّذوذِ ).

وقال الشَّيخُ محيي الدِّينِ النَّوويُّ [2] : (الرِّوايةُ بالرَّفعِ، ولا يجوزُ النَّصبُ ؛ لأنَّه يقتضي أنَّ المنهيَّ عنه الجمعُ بينهما دونَ إفرادِ أحدِهما، وهذا لم يقلْهُ أحدٌ؛ بلِ البولُ فيه منهيٌّ عنه، سواءٌ أرادَ الاغتسالَ فيه أو منه، أم [3] لا).

قال الطِّيبيُّ في قولِه [4] : (أمَّا النَّصبُ؛ فلا يجوزُ): (فيه نظرٌ؛ لما جاءَ في التَّنزيل: {وَلَا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ} [البقرة: 42] ، والواو للجمع، [والمنهيُّ هنا الجمعُ] والإفرادُ، بخلافِ قولهم: لا تأكلِ السَّمكَ وتشربَ اللَّبنَ).

وقال الكرمانيُّ: (أقولُ: لا يقتضي الجمعَ؛ إذْ لا يريدُ بتشبيهه «ثمَّ» بالواو المشابهةَ مِنْ جميعِ الوجوهِ؛ بل في جوازِ النَّصبِ بعدَه فقط، سلَّمنا، لكنْ لا يضرُّ؛ إذْ كونُ الجمعِ منهيًّا يُعلمُ مِنْ هنا، وكونُ الإفرادِ منهيًّا مِنْ دليلٍ آخرَ؛ كقولِه تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ} [البقرة: 42] على تقديرِ النَّصبِ) انتهى.

واعلم أنَّ القرطبيَّ منعَ النَّصبَ، فقال: (لا يجوزُ النَّصبُ؛ إذْ لا ينصب بإضمار «أَنْ» بعد «ثمَّ»)، ثمَّ وهَّى الجزمَ الَّذي ادَّعى النَّوويُّ ظهورَه، فقال: (وبعضُ النَّاسِ قيَّدَه بالجزمِ على العطفِ على «يَبُولَنَّ»، وليس بشيءٍ؛ إذْ لو أراد ذلك؛ لقالَ: «ثمَّ لا يَغْتَسِلَنَّ»؛ لأنَّه إذْ ذاكَ عطفُ فعْلٍ على فعْلٍ، لا عطفُ جملةٍ على جملةٍ، وحينئذٍ يكونُ الأصلُ مساواةَ الفعلينِ في النهيِ عنهما، وتأكيدهما بالنُّونِ المشدَّدةِ، فإنَّ المحلَّ الَّذي تواردَا عليه هو شيءٌ واحدٌ؛ وهو الماء، فعدولُه عن «ثُمَّ لَا يَغْتَسِلَنَّ» [5] دليلٌ على أنَّه لم يُردِ العطفَ، وإنَّما جاءَ «ثُمَّ يَغْتَسِلُ» على التَّنبيهِ على مآلِ الحالِ، ومعناه: أنَّه إذا بالَ فيه قد يحتاجُ إليه، فيمتنعُ عليه استعمالُه؛ لما أوقعَ فيه مِنَ البولِ، وهذا مثلُ: «لَا يَضْرِبْ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الْأَمَةِ، ثُمَّ يُضَاجِعُهَا» برفع «يُضَاجِعُهَا»، ولم يَرْوِهِ أحدٌ بالجزمِ؛ لأنَّ المفهومَ منه أنَّما نهاه عن ضربِها؛ لأنَّه يحتاجُ إلى مضاجعتِها في ثاني حالٍ، فتمتنعُ عليه بما أساءَ مِنْ معاشرتِها، ويتعذَّرُ عليه المقصودُ لأجل الضَّرب، وتقديرُ اللَّفظِ: «ثُمَّ هو يُضَاجِعُهَا»، و«ثُمَّ هو يَغْتَسِلُ»).

ورأيتُ في «المغني» للشَّيخِ جمالِ الدِّينِ ابنِ هشامٍ رحمه الله تعالى ما لفظُه: (وإنَّما أرادَ ابنُ مالكٍ إعطاءَها حكمَها في النَّصبِ لا في المعيَّةِ أيضًا، ثمَّ ما أوردَهُ إنَّما جاءَ مِنْ قِبَلِ المفهومِ لا المنطوقِ، وقد قامَ دليلٌ [آخرُ] على عدمِ إرادَتِه، ونظيرُه: إجازةُ الزَّجاجِ والزَّمخشريِّ في: {وَلَا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ} [البقرة: 42] كونَ {تَكْتُمُوا} مجزومًا، وكونَه منصوبًا، مع أنَّ النَّصبَ معناهُ النَّهيُ عنِ الجمعِ) انتهى.

وبخطِّ بعضِ الفضلاءِ على كلامِ «المغني»: (المعيَّةُ أعمُّ مِنَ النَّصبِ، وكلَّما [6] وُجِدَ النَّصبُ؛[/ص36/] وُجِدَ المعيَّةُ؛ فإذًا الجوابُ غيرُ مُخَلِّصٍ) انتهى.

فائدةٌ: قرأَ الحسنُ البصريُّ: {ثُمَّ يُدْرِكَهُ}؛ بالنَّصبِ، وقرأَ النَّخَعيُّ وطلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ بالرَّفْعِ.

[1] أي: البيضاوي في «تحفة الأبرار شرح المصابيح».
[2] في (أ): (النواوي).
[3] في النسختين: (أو)، والمثبت من مصدره.
[4] أي: قول النووي.
[5] في النسختين: (ثم لا يغتسل)، والمثبت من مصدره.
[6] في (ب): (فكلما).





238- 239-.قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ): تقدَّم مرارًا أنَّه الحكم بن نافع، وتقدَّم بعض ترجمته. [/ج1ص107/]

قوله: (أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ): هو بالنُّون، واسمه عَبْد الله بن ذكوان أَبُو عَبْد الرَّحمن، الإمام، تقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ): قال العلماء: معناه: الآخرون في الزمان، السَّابقون بالفضل ودخول الجنَّة، فتدخل هذه الأمَّة قبل الأمم الجنَّةَ، وقال شيخنا المؤلِّف في أواخر شرحه: (السَّابقون يوم القيامة في الحساب ودخول الجنَّة) انتهى، ورأيت أنا [1] في جواز الصراط أيضًا، والله أعلم، وكون [2] هذه الأمَّة أوَّل من يُحاسَب؛ فكذلك هو في «مسند أبي داود الطيالسيِّ» من حديث ابن عَبَّاس، وكذا جواز الصراط، فهو [3] في «الصَّحيح».

قوله: (وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ: لَا يَبُولَنَّ..) إلى آخره: قال شيخنا: (وجه إدخال البخاريِّ الحديث الأوَّل في هذا الباب، وهو حديث: «نحن الآخرون...» إلى آخره: أنَّ أبا هريرة رواه كذلك، وذكر مثل هذا في كتاب «الجهاد»، و«المغازي»، و«الأيمان والنُّذور»، و«قصص الأنبياء»، و«الاعتصام» ذكر في أوائلها كلِّها: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ»، قال ابن بطَّال في «شرحه»: يمكن أنْ يكون همَّام فعل ذلك؛ لأنَّه سمع من أبي هريرة [أحاديث ليست بكثيرة، وفي أوائلها: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ»، فذكرها على الرُّتبة التي سمعها من أبي هريرة، ويمكن -والله أعلم- أنَّ يكون سمع أَبُو هريرة] [4] ذلك في نسق واحد، فحدَّث بهما جميعًا كما سمعهما) .

قال شيخنا: (قلت: ساق البخاريُّ الحديث من طريق الأعرج عن أبي هريرة -كما ذكرته لك- لا من حديث همَّام عنه، وتلك تعرف بصحيفة همَّام، وعادة مُسْلِم يقول فيها: فذكر أحاديث ومنها كذا، وهذه أيضًا صحيفة رواها بشر بن شعيب بن أبي حمزة، عن أبيه [5] ، عن أبي الزِّناد عنه، عن أبي هريرة، وأحاديثها تقرب من صحيفة همَّام، وأوَّلها: «نحن الآخرون السَّابقون»، وفيها حديث البول في الماء الدَّائم) ، ثُمَّ أخذ يعترض على ابن بطَّال في قوله: (إنَّ همَّامًا سمع من أبي هريرة أحاديث ليست [6] بكثيرة) ؛ ليس بجيِّد؛ لأنَّ الدَّارقطنيَّ جمعها في جزء مفرد، فبلغت فوق المئة، ثُمَّ اعترض عليه في قوله: (ويمكن أنَّ يكون سمعه من رَسُول اللِّه صلَّى الله عليه وسلَّم في نسق واحد) ؛ فيه بعدٌ، قال [7] شيخنا [8] : (وقد وقع لمالك في «موطَّأيه» مثل هذا في موضعين) ؛ فذكرهما، والله أعلم.

قوله: (في المَاءِ الدَّائِمِ الذِي لَا يَجْرِي): اعلم أنَّ الدَّائم هو الرَّاكد، كما جاء في روايةٍ أخرى، وقوله: (الذي لا يجري) تأكيد لمعناه وتفسير له، وقيل: للاحتراز عن راكد يجري بعضه؛ كالبرك ونحوها.

قوله: (ثُمَّ يَغْتَسِلُ فيه): الرِّواية بالرَّفع [9] ، وجوَّز ابن مالك جزمه على النَّهي، ورفعُه بتقدير: ثُمَّ هو يغتسل، ونصبه على إعطاء (ثمَّ) حكم واو الجمع، وقد منعه القرطبيُّ والنَّوويُّ، قال النوويُّ: (لا يجوز النَّصب؛ لأنَّه يقتضي أنَّ المنهيَّ عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لَمْ يقله أحد، بل البول منهيٌّ عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أم لا) انتهى.

وقال [10] ابن هشام الأستاذ النحويُّ المصريُّ في «مغنيه»: (وإنَّما أراد ابن مالك إعطاءها حكمها في النصب، لا في المعيَّة أيضًا...) إلى آخر كلامه.

[1] (أنا): ليس في (ج) .
[2] في (ج): (وكذا) .
[3] (فهو): ليس في (ج) .
[4] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[5] قوله: (عن أبيه): استدركها المؤلف في الهامش، فهي ساقطة من «التوضيح» (4/) .
[6] (ليست): سقطت من (ج) .
[7] في (ج): (وقال) .
[8] (شيخنا): ليس في (ب) .
[9] في (ب): (بالفتح) ، وليس بصحيح.
[10] في (ج): (قال) .





238- 239- ( أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ ) الكلُّ منصوب [ على الصفة ] [1] إلا هرمز، فإنَّه مضاف؛ لكنه غير منصرف.

( ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ ) برفع اللام هي الرواية الصحيحة، ومنع القرطبي نصبه، وجوَّزه ابن مالك مع الجزم أيضًا.

واعلم أنَّه يحتمل أن يكون هذا سمعه أبو هريرة من النبي صلى الله عليه وسلم مع ما بعده في نسقٍ واحدٍ فحدَّث بهما جميعًا، ويحتمل أن يكون هَمَّام فعل ذلك [2] ، وأنه سمعهما من أبي هريرة، وإلا فليس في الحديث الأول مناسبة للترجمة [3] .

=========

[1] ما بين معقوفين زيادة من ( ظ ).

[2] قال ابن حجر رحمه الله: قوله: «همام فعل ذلك» وهم؛ لأنَّه ليس الحديث من رواية همام، ولا ذكر له في الإسناد، وإنَّما هو من رواية الأعرج عن أبي هريرة، وهذا الوهم سبق إليه ابن بطال وتبعه ابن التين وابن المنير والكرماني والمصنف.

[3] قال ابن حجر رحمه الله: قد أبدى ابنُ المُنَيِّر بينهما مناسبة، ولكنها متكلَّفة جدًا.


238- 239- ( الَّذِي لاَ يَجْرِي ) قيل: هو تفسير للدَّائم وإيضاح لمعناه، وقيل: احترز به عن راكد يجري بعضه.

وقال ابن الأنباريِّ: الدَّائم من حروف الأضداد، يقال للسَّاكن وللدَّائر، فـ ( الذي لا يجري ) صفة مخصَّصة لأحد معنيي المشترك.

( ثمَّ يَغْتَسِلُ ): بالرَّفع، وجوَّز ابن مالك الجزم عطفًا على النَّهي، والنَّصب على معنى الجمع بإعطاء «ثمَّ» حكم الواو، والأمران [متعقبان] [1] رواية ومعنى، إذ يلزم على الأخير تخصيص النَّهي بالجمع بين الأمرين دون أحدهما وليس كذلك، قاله النَّوويُّ.

( فِيْهِ ) لمسلم: «منه»، فالأولى تفيد منع الانغماس، والثَّانية [منع] [2] التَّناول. [/ج1ص355/]

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (متفقان)
[2] ما بين معقوفتين في [ع] : (معنى) والمثبت من غيرها لأنه أوجه





238- 239- وبه قال: ((حدثنا أبو اليَمَان)) ؛ بفتح التحتية، وتخفيف الميم: هو الحَكَم _بفتحتين_ بن نافع ((قال: أخبرنا شعيب)) هو ابن أبي جمرة ((قال: حدثنا)) : وفي رواية: (أخبرنا) ((أبو الزِّناد)) ؛ بكسر الزاي، وتخفيف النُّون: عبد الله بن ذكوان: ((أنَّ عبد الرحمن بن هُرْمُزَ)) ؛ بضمِّ الهاء، وسكون الرَّاء، وضم الميم، والمنع من الصرف؛ لأنَّه أعجمي، ففيه العلمية والعجمة ((الأعرج)) صفته ((حدَّثه)) ؛ أي: حدَّث أبا الزِّناد: ((أنَّه سمع أبا هريرة)) عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه: ((أنَّه سمع)) : وللأصيلي: (قال: سمعت) ، ولابن عساكر: (أنَّه يقول: سمعت) ((رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول)) جملة محلها نصب على الحال: ((نحن الآخِرون)) ؛ بكسر الخاء المعجمة، جمع الآخر بمعنى المتأخر، يذكر في مقابلة الأول، وبفتحها جمع لآخر أفعل التفضيل، وهذا المعنى أعم من الأول، والرواية بالكسر فقط؛ ومعناه: نحن المتأخرون في الدنيا من حيث الوجود، فإنَّا آخر الأمم وجودًا، ولا توجد بعدنا أمة، بل نحن الآخرون ((السابقون)) ؛ أي: المتقدمون في الآخرة من حيث البعث، والحساب، ودخول الجنة.

قال في «عمدة القاري»: والحكمة في تقديم هذا الحديث فقد اختلفوا فيها؛ فقال ابن بطال: يحتمل أن يكون أبو هريرة سمع ذلك من النبيِّ عليه السَّلام، وما بعده في نسق واحد، فحدَّث بهما جميعًا، ويحتمل أن يكون همَّام فعل ذلك؛ لأنَّه سمعهما من أبي هريرة، وإلا؛ فليس في الحديث مناسبة للترجمة، قيل: في الاحتمال الأول نظر؛ لتعذره، ولأنَّه ما بلغنا أن النبيَّ عليه السَّلام حفظ عنه أحد في مجلس واحد مقدار هذه النسخة صحيحًا إلا أن يكون من الوصايا الغير الصحيحة، ولا يقرب من الصحيح، وقال ابن المنير: (ما حاصله: أن همَّامًا راويه روى جملة أحاديث عن أبي هريرة استفتحها له أبو هريرة بحديث: «نحن الآخِرون»، فصار همام كلما حدث عن أبي هريرة؛ ذكر الجملة من أولها، وتبعه البخاري في ذلك، وذلك في مواضع أخرى في كتابه في (الجهاد) ، و (المغازي) ، و (الأيمان والنذور) ، و (قصص الأنبياء) عليهم السَّلام، و (الاعتصام) ذكر في أوائلها كلها: (نحن الآخرون السابقون) ، وقال ابن المنير: هو حديث واحد، فإذا كان واحدًا؛ تكون المطابقة في آخر الحديث، وفيه نظر؛ لأنَّه لو كان واحدًا؛ لما فصله البخاري بقوله: (وبإسناده) ، وأيضًا فقوله: (فنحن الآخرون) طرف من حديث مشهور في ذكر يوم الجمعة، ولو راعى البخاري ما ادعاه؛ لساق المتن بتمامه، ويقال: الحكمة في هذا أن حديث: (نحن الآخرون السابقون) أول حديث في صحيفة همَّام عن أبي هريرة، كان همَّام إذا روى الصحيفة؛ استفتح بذكره، ثم سرد [1] الأحاديث، فوافقه البخاري ههنا، ويقال: الحكمة فيه: أن من عادة المحدثين ذكر الحديث جملة؛ لتضمنه موضع الدلالة المطلوبة، ولا يكون ما فيه مقصودًا بالاستدلال، وإنما جاء تبعًا لموضع الدليل، وفيه نظر لا يخفى، وزعم الكرماني ناقلًا عن بعض أهل العصر مناسبة صدر الحديث لآخره: أن هذه الأمة آخر من يُدْفَنُ من الأمم، وأول من يُخْرَجُ منها؛ لأنَّ الأرض لهم وعاء، والوعاء آخر ما يوضع فيه، وأول ما يخرج منه، وكذلك الماء الراكد آخر ما يقع فيه من البول أول ما يصادف أعضاء المتطهر منه، فينبغي أن يجتنب ذلك ولا يفعله، قلت: فيه جر الثقيل، ولا يشفي الغليل، انتهى كلام صاحب «عمدة القاري».

قلت: وقيل: ووجهه: أن بني إسرائيل وإن سبقوا في الزمان؛ لكنَّ هذه الأمة سبقتهم[/ص227/] باجتناب الماء الراكد إذا وقع فيه البول، فلعلهم كانوا لا يجتنبون.

وردَّ بأنَّ بني إسرائيل كانوا أشدَّ مبالغة في اجتناب النَّجاسة، فكيف يظن بهم التساهل في هذا؟ ألا ترى أن أحدهم إذا أصاب ثوبه نجاسة؛ قرضه بالمقراض؛ تحرُّزًا عن النَّجاسة، وقيل: الصواب أن البخاري يذكر في الغالب الشيء كما سمعه جملة؛ لتضمنه موضع الدلالة وإن لم يكن باقيه مقصودًا، وليس غرضه منها إلا الحديث الأخير، لكنَّه أداهما على الوجه الذي سمعها.

قلت: وفيه نظر؛ لأنَّه لا يلزم من ذكره كما سمعه أن يذكر الجملة المشتملة على الحديثين في سياق واحد، ويكون غرضه منها أحدهما، بل يجوز أن يَذْكُرَ الحديث الواحد المتضمن للدلالة فقط ويَتْرُكَ غيره، ونظير ذلك: ما ذكره في أول باب (النية) ، فإنَّه ذكر قطعة من الحديث متضمنة لما ترجم له، وساقه بتمامه في موضع آخر؛ لبيان غرضه؛ فافهم.

والظاهر: أنَّ المؤلف ساق الحديث الأول بسنده، ثم أسند الثاني إلى شيخه، ولم يذكر سنده؛ للاختلاف في سنده وأشياخه من حيث تعدُّد طرقه، فإن الحديث الثاني قد ساقه الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي، وأخرجه من عشرة طرق، وكلها صحيحة كما ستقف عليها، ولأنَّ ذلك يفيد قوَّة على الحديث الأول على أنَّه قد اختلف أيضًا في لفظ متنه كما ستعلمه، فلهذا: المؤلف اقتصر على قوله: (وبإسناده) وساق الحديث الأول؛ فافهم.

((وبإسناده)) : الضمير يرجع إلى الحديث؛ أي: حدثنا أبو اليمان بالإسناد المذكور، قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: حدَّثنا صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث الأنصاري، وعلي بن شيبة بن الصلَّت البغدادي قالا: حدَّثنا عبد الله بن يزيد المقري قال: سمعت ابن عوف يحدِّث عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: (نهى _أو نهي_ أن يبول في الماء الدائم _أي: الراكد _ ثم يتوضأ منه، أو يغتسل فيه) .

الطريق الثاني: حدثنا علي بن سَعِيْد بن نوح البغدادي قال: حدثنا عبد الله بن بكر السهمي قال: حدثنا هشام بن حسَّان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه»، وأخرج مسلم نحوه.

الطريق الثالث: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرني أنس بن عياض الليثي، عن الحارث بن أبي ذئاب ـ وهو رجل من الأزد ـ عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه أو يشرب»، وأخرجه البيهقي بنحوه إسنادًا ومتنًا.

الطريق الرابع: حدثنا يونس قال: أخبرني عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث: أن بكير بن عبد الله بن الأشبح حدَّثه: أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا يَغْتَسِلُ أحدُكم في الماء الدائم وهو جنب»، فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» نحوه: (عن عبد الله بن مسلم، عن حرملة بن يحيى، عن عبد الله بن وهب...) إلى آخره.

الطريق الخامس: حدَّثنا ابن أبي داود قال: حدثنا سَعِيْد بن الحكم بن أبي مريم قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: حدثني أبي، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل منه».

الطريق السادس والسابع: حدثنا حسن بن نصر البغدادي قال: حدثنا محمَّد بن يوسف الفريابي قال: حدثنا سفيان.

(ح) : وحدثنا فهد قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد؛ فذكر مثله.

الطريق الثامن: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي قال: حدثنا أسد بن موسى قال: حدثنا عبد الله بن لهيعة قال: حدثنا عبد الرحمن الأعرج قال: سمعت أبا هريرة يقول عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل».

الطريق التاسع: حدَّثنا الربيع بن سليمان الجيزي قال: حدَّثنا أبو زرعة وهبة الله بن راشد قال: أخبرنا حيوَة بن شريح قال: سمعت ابن عجلان يحدِّث عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لا يبولنَّ أحدكم في الماء الراكد، ولا يغتسل منه».

الطريق العاشر: حدَّثنا إبراهيم بن منقذ العضوي قال: حدثني إدريس بن يحيى قال: حدثنا عبد الله بن عياش، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مثله غير أنه قال: «ولا يغتسل فيه جنب»، وتمامه في «عمدة القاري».

((قال)) أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: ((لا يبولَنَّ)) ؛ بفتح اللام، وبنون التأكيد الثقيلة، وفي رواية ابن ماجه: (لا يبول) ؛ بغير نون التأكيد ((أحدكم)) : خطاب خاص المراد به العام ((في الماء الدائم)) : من دام الشيء يدوم ويدام، يقال: ديمًا ودوامًا وديمومة، قال ابن سيده: وأصله من الاستدارة؛ لأنَّ أصحاب الهندسة يقولون: إن الماء إذا كان بمكان؛ فإنه يكون مستديرًا في الشكل، ويقال: الدائم: الثابت الواقف الذي لا يجري، فقوله: ((الذي لا يجري)) إيضاح لمعناه، وتأكيد له، ولهذا لم يذكر هذا القيد في رواية مسلم عن جابر، ولا في بعض الروايات، وقيل: احترز به عن الماء الدائر وإن كان جاريًا من حيث الصورة، ساكن من حيث المعنى، وقيل: الدائم: الراكد، كما جاء في بعض الروايات، وفي «تاريخ نيسابور»: (الماء الراكد: الدائم) ، وقيل: الدائم والراكد مقابلان للجاري، لكن الدائم: هو الذي له نبع، والراكد: لا نبع له، ويطلق الدائم أيضًا على الجاري؛ كالأنهار التي لا ينقطع ماؤها؛ لديمومة مائها واستمراره، لكنه غير مراد هنا، واحترز به عن الجاري كلًّا أو بعضًا؛ كالبرك التي يجري بعضها، وكالبحرات التي في ديارنا الشريفة الشامية، فإن الجاري إذا خالطه الشيء النجس؛ دفعه الجزء الثاني الذي يتلوه فيغلبه، فيصير في معنى المستهلَك، ويخلفه الطاهر الذي لم يخالطه النجس، فلا ينهى عنه نهي تحريم، بل تنزيه، وأما الراكد؛ فلا يدفع النجس عن نفسه إذا خالطه، بل يتداخله، فمهما أراد استعمال شيء منه؛ كان النجس فيه قائمًا، فالنهي فيه للتحريم، ولهذا قال العلماء: النهي عن البول في الماء يرجع إلى الأصول، فإن كان الماء جاريًا أو ما في حكمه؛ فالنهي للتنزيه، وإن كان راكدًا قليلًا؛ فالنهي للتحريم.

وزعم ابن الأنباري أن الدائم من الأضداد، يقال للساكن والدائر، انتهى.

قلت: لكنه للساكن حقيقة، وللدائر وغيره مجازًا، فهو من باب عموم المجاز بأن تجعل الحقيقة فردًا من أفراد ذلك المجاز، فالحمل في قوله: (الذي لا يجري) على التأكيد أو التوضيح أولى وأوجه؛ لأنَّ الذي لا يجري هو الساكن حقيقة؛ فليحفظ، لا يقال: لو لم يقل: (لا يجري) ؛ لكان مجملًا؛ لأنَّا نقول: الدائم: هو الذي لا يجري حقيقة، فهو إيضاح لمعناه، وتأكيد له؛ لأنَّ الدائم هو الساكن الذي لا يجري، كما لا يخفى؛ فافهم، على أنه قد فسر النبيُّ الأعظم عليه السَّلام الدائم: بأنَّه هو الذي لا يجري، فلا يجوز العدول عن هذا التفسير، والدائم: يشمل القليل؛ كالبحرات التي في ديارنا، والكثير: وهو الذي لم يبلغ عشرًا في عشر، فإن النجس ينجِّسه وإن لم يتغير في الظاهر، لكنه متغير من حيث إنَّ النجس اختلط في أجزاء الماء، والله تعالى أعلم.

((ثم يغتسل فيه)) ؛ أي: أو يتوضأ؛ أي: في الدائم الذي لا يجري، وتفرد المؤلف بلفظ: (فيه) هنا،[/ص228/]

وفي رواية ابن عيينة عن أبي الزناد: (ثم يغتسل منه) ؛ بكلمة (من) ، وكل واحد من اللفظين يفيد حكمًا بالنص وحكمًا بالاستنباط، كذا في «عمدة القاري»، وذلك لأنَّ لفظة (فيه) تدل على منع الانغماس بالنص، وعلى منع التناول بالاستنباط، ولفظة: (منه) ؛ بعكس ذلك، ويدل لهذا ما قدَّمنا عن أبي هريرة حيث قال: (يتناوله تناولًا) ؛ أي: بإناء صغير أو بأصابعه مضمومة، كما سبق البحث فيه، قال في «عمدة القاري»: يجوز في (يغتسل) ثلاثة أوجه: الجزم: عطفًا على (لا يبولنَّ) ؛ لأنَّه مجزوم الموضع بـ (لا) التي للنهي، ولكنه بني على الفتح؛ لتوكيده بالنُّون، والرفع: على تقدير: ثم هو يغتسل فيه، وهو المشهور في الرواية، والنصب: على إضمار (أن) ، وإعطاء (ثم) حكم واو الجمع، ونظيره في الأوجه الثلاثة قوله تعالى: {ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ} [النساء: 100] ، فإنه قرئ بالجزم للسبعة، والرفع والنصب على الشذوذ.

وزعم النووي أنَّه لا يجوز النصب؛ لأنَّه يقتضي أنَّ المنهيَّ عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقلْه أحدٌ، بل البول فيه منهيٌّ عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أم لا.

وردَّه في «عمدة القاري» بأنه أراد تشبيه (ثم) بـ (الواو) في جواز النصب بعدهما لا في اقتضاء الجمع، ولئن سلمنا ذلك؛ فلا يضرنا؛ إذ كون الجمع منهيًّا عنه يعلم من دليل آخر؛ كما في قوله تعالى: {وَلاَ تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ} [البقرة: 42] : على تقدير النصب، انتهى، ومثله كحديث مسلم مرفوعًا: (نهى النبيُّ عليه السَّلام عن البول في الماء الراكد) ، وكحديثه عن أبي هريرة: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب»، وذكر مثله في «المغني»، وقال: إن إجراء (ثم) مجرى (الفاء) و (الواو) هو مذهب الكوفيين.

ومنع القرطبي النصب أيضًا فقال: إذ لا تُضْمَرُ (إن) بعد (ثم) ، ولو أراد النهي؛ لقال: ثم لا يغتسل، فحينئذٍ يتساوى الأمران في النهي عنهما؛ لأنَّ المحل الذي توارد عليه شيء واحد، وهو الماء، قال: فعدوله عن ذلك يدلَّ على أنَّه لم يرد العطف، بل (فيه) على مآل الحال؛ والمعنى: أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه، ويمتنع عليه استعماله، ومثَّله بقوله عليه السَّلام: «لا يضربنَّ أحدكم امرأته ضرب الأمة، ثم يضاجعها»، فإنه لم يروِه أحد بالجزم؛ لأنَّ المراد: النهي عن الضرب؛ لأنَّه يحتاج إليه في مثل حاله إلى مضاجعتها، فتمتنع لإساءته إليها، فلا يحصل له مقصوده، وتقديره: ثم هو يضاجعها، وفي حديث الباب: (ثم هو يغتسل منه) .

وردَّ بأنَّه لا يلزم من تأكيد النهي ألا يُعْطَفَ عليه نهيٌ آخر غير مؤكد؛ لاحتمال أن يكون للتأكيد في أحدهما معنًى ليس للآخر، وهذا ظاهر؛ فافهم.

فالحاصل: أنَّه يجوز في (يغتسل) ثلاثة أوجه؛ فليحفظ.

قال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: (احتج بالحديث أصحابنا على أن الماء الذي لا يبلغ الغدير العظيم إذا وقعت فيه نجاسة؛ لم يجز الوضوء به قليلًا كان أو كثيرًا، وعلى أنَّ القلَّتين تحمل النَّجاسة؛ لأنَّ الحديث مطلق، فبإطلاقه يتناول القليل، والكثير، والقلتين، والأكثر منهما، ولو قلنا: إنَّ القلتين لا تحمل النجاسة؛ لم يكن للنهي فائدة، على أنَّ هذا الحديث أصح من حديث القلَّتين، انتهى.

قلت: بل حديث القلَّتين مما لا يثبت، كما صرَّح به الحفَّاظ، فهو بالجملة ضعيف واه لا يُعْمَلُ به.

وزعم ابن قدامة: أن حديث القلَّتين وحديث بئر بضاعة نصٌ يخالف ما ذهب إليه الأئمَّة الحنفية، وبئر بضاعة لا يبلغ إلى الحدِّ الذي يمتنع التنجيس عندهم.

وردَّه إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» فقال: (لا نسلم أن هذين الحديثين نصٌ في خلاف مذهبنا، أمَّا حديث القلَّتين؛ فلأنَّه مضطرب سندًا ومتنًا، والقلَّة في نفسها مجهولة، والعمل بالصحيح المتَّفق عليه أولى وأقرب، وأمَّا حديث بئر بضاعة؛ فإنَّا نعمل به، فإنَّ ماءها كان جاريًا) انتهى.

قلت: وبِضاعة: اسم امرأة، وهي بكسر الموحدة وضمها: بئر قديمة بالمدينة، يلقى فيها الجيف ومحايض النساء، فذكر ذلك للنبيِّ عليه السَّلام حين توضأ منها، فقال: «الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو ريحه أو طعمه»، وقد كان ماؤها جاريًا في البساتين يسقى منه خمسة بساتين، وفي الماء الجاري لا ينجس بوقوع النَّجاسة عندنا.

لا يقال: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فكيف اختص بئر بضاعة مع وجود دليل العموم فيه، وهو الألف واللام؟

لأنَّا نقول: هذا ليس من باب الخصوص في شيء، وإنَّما هو من باب الحمل للتوفيق، فإن الحديثين إذا تعارضا وجُهل تاريخهما؛ جُعل كأنهما وردا معًا، ثم بعد ذلك إن أمكن العمل بهما؛ يحمل كلٌّ منهما على محمل، وإن لم يمكن؛ يطلب الترجيح، وإن لم يمكن؛ تهاترتا، وههنا: أمكن العمل بأن يحمل هذا الحديث على بئر بضاعة، وحديث المستيقظ وحديث الباب على غيرها، فعلمنا بذلك دفعًا للتناقض على أنَّ حديث بئر بضاعة لم يثبت، كما ذكره الدارقطني وغيره، فلا يعارض الصحيح القوي، وقال البيهقي: إنه غير قوي، فلا يصحُّ الاستدلال به، وإنما صحَّ بدون استثناء، وظاهره: أنه غير مراد إجماعًا؛ لأنَّه إذا تغيَّر بالنَّجاسة؛ تنجَّس إجماعًا، كذا قرره في «منهل الطلاب».

فقول ابن قدامة: (وبئر بضاعة لا يبلغ...) إلخ فاسد؛ لما علمت، على أنَّ البيهقي روى عن الشافعي: أن بئر بضاعة كانت كثيرة الماء واسعة، وكان يُطرح فيها من الأنجاس ما لا يغيِّر لها لونًا، ولا طعمًا، ولا ريحًا؛ فافهم.

ثم قال إمام الشارحين: (فإن قالوا: حديثكم عامٌّ في كل ماء، وحديثنا خاصٌّ فيما يبلغ القلَّتين، وتقديم الخاصِّ على العام متعين، كيف وحديثكم لا بدَّ من تخصيصه، فإنَّكم وافقتمونا على الماء الكثير الذي يزيد على عشرة أذرع، وإذا لم يكن بدٌّ من التخصيص، فالتخصيص بالحديث أولى؟

قلنا: لا نسلِّم أنَّ تقديم الخاص على العام متعين، بل الظاهر من مذهب الأئمَّة الحنفية ترجيح العام على الخاص في العمل به، كما في تحريم [2] بئر الناضح، فإنَّه رجح قوله عليه السَّلام: «من حفر بئرًا؛ فله مما حولها أربعون ذراعًا» على الخاص الوارد بقوله عليه السَّلام: «ليس فيما دون خمس أوسق صدقة»، ونُسخ الخاص بالعام.

وقولهم: (التخصيص بالحديث أولى) قلنا: هذا إنَّما يتمُّ ويكون؛ إذا كان الحديث المخصص غير مخالف للإجماع، وحديث القلَّتين خبر آحاد، ورَدَ مخالفًا لإجماع الصحابة، فيُرَدُّ.

وبيانه: أن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهما أفتيا في زنجيٍّ وقع في بئر زمزم بنزح الماء كله، ولم يَظْهَرْ أثرُه في الماء، وكان الماء أكثر من قلَّتين، وذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم، ولم يُنْكِرْ عليهما أحد منهم؛ فكان إجماعًا، وخبر الواحد إذا ورد مخالفًا للإجماع؛ يُردُّ، ويدلُّ لهذا أنَّ علي ابن المديني قال: (لا يثبت هذا الحديث عن النبيِّ عليه السَّلام) ، وكفى به قدوة في هذا الباب، وقال أبو داود: (لا يكاد يصحُّ لواحد من الفريقين حديث عن النبيِّ عليه السَّلام في تقدير الماء) ، وقال صاحب «البدائع»: (ولهذا رجع أصحابنا في التقدير إلى الدَّلائل الحسِّية دون الدلائل السَّمعية) انتهى.

ثم قال إمام الشارحين: فهذا الحديث عامٌّ، فلا بدَّ من تخصيصه اتفاقًا بالماء المستبحر الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحرك الطرف الآخر؛ لما قلنا، أو بالعمومات الدَّالة على طهورية الماء ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة، كما ذهب إليه مالك، أو بحديث القلَّتين، كما ذهب إليه الشافعي، وزعم ابن حجر: أن التفصيل بالقلَّتين أقوى؛ لصحة الحديث فيه، وقد اعترف الطحاوي من الحنفية بذلك، لكنه اعتذر عن القول به: بأنَّ القلَّة في العرف تطلق على الكبيرة والصغيرة والجرَّة، ولم يثبت في الحديث تقديرها، فيكون مجملًا، فلا يُعْمَلُ به، وقوَّاه ابن دقيق العيد، قال إمام الشارحين: هذا القائل ادَّعى، ثم أبطل دعواه بما ذكره، فلا يحتاج إلى ردِّ كلامه بشيء آخر.[/ص229/]

واعترضه العجلوني، فقال: (ليتأمل كلامه من أين أبطل دعواه بما ذكره؟) انتهى.

قلت: كيف خفي عليه ذلك، وهو ظاهر لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم؟ فإن قوله: (القلة في العرف تطلق...) إلخ؛ دليل ظاهر على إبطال مدَّعاه، وذلك لأنَّ القلَّة في نفسها مجهولة؛ لأنَّها تذكر ويراد بها: قامة الرجل، وتذكر ويراد بها: رأس الجبل، كما روي ذلك عن علي رضي الله عنه، وتذكر ويراد بها: الجرَّة، وتطلق على الكبيرة والصغيرة، فلا ريب أنَّها مجهولة، وبالمجهول لا يثبت الأحكام.

وقوله: (ولم يثبت في الحديث تقديرها) : ظاهر أيضًا في إبطال دعواه؛ لأنَّه إذا لم يثبت تقديرها في الحديث؛ كيف يصح ويجوز العمل به؟!

وقوله: (فيكون مجملًا، فلا يعمل به) : ظاهر أيضًا في إبطال دعواه؛ لأنَّ المجمل لا يجوز العمل به.

وقول الشافعي: (بقلال هجر) منقطع للجهالة التي ذكرناها، والتعيين لـ (قلال هجر) ، إنَّما جاء من قول جرير، وهو غير ثابت من غيره، فالتَّعيين بقول جرير لا يثبت؛ لأنَّه مقلِّد فيبقى الاحتمال، ويبطل الاستدلال؛ فافهم.

ونقل العجلوني عن القاسم بن سلام: أن المراد بالقلة: الكبيرة، إذ لو أراد الصغيرة؛ لم يحتج لذكر العدد، فإن الصغيرتين قدر واحدة كبيرة، ويُرجع في الكبيرة إلى العرف، والظاهر: أن الشارع ترك تحديدهما على سبيل التوسعة، والعلم محيط بأنَّه ما خاطب الصحابة إلا بما يفهمونه، فانتفى الإجمال، لكن لعدم التحديد وقع الخلف بين السلف في مقدارهما على تسعة أقوال حكاها ابن المُنْذِر، ثم حدَّث بعد ذلك تحديدهما بالأرطال، انتهى.

قلت: وهذا فاسد، فأيُّ دليل دلَّه على أنَّ المراد بالقلة: الكبيرة، وما هي إلا دعوى باطلة؟

وقوله: (إذ لو أراد الصغيرة...) إلخ؛ ممنوع، فإن ذكر العدد يحتاج إليه في الكبيرة قطعًا؛ إذ لا فرق بين الكبيرة والصغيرة من حيث العدد.

وقوله: (فإن الصغيرتين...) إلخ؛ هذا دليل فاسد، فإنَّ المقادير لا تقدَّر بالرأي، بل بالدليل الظاهر، وهنا ليس كذلك.

وقوله: (ويرجع في الكبيرة...) إلخ؛ فاسد، فإن العرف في هذا لا مجال له؛ لأنَّه يختلف باختلاف الأزمان، والبلدان، والأشخاص، فيلزم أن تكون في زمن مقدرة بشيء، وفي غيره بعده بشيء آخر، وكذا في بلد وبلد، وهذا تناقضٌ وقولٌ بالرأي بعينه، وهو مردودٌ لا يُعْمَلُ به.

وقوله: (والظاهر...) إلخ، من أين جاءه هذا الظاهر وما هو إلا دعوى من غير دليل؟! فأي ظاهر ظهر له من غير دليل؟!

وقوله: (على سبيل التوسعة) : ممنوع، فإنَّ الشارع لو كان مراده التوسعة؛ لبين مقدارها، ولكن علم أنَّها مجهولة في لسان العرب، تطلق ويراد بها: قامة الرجل إلى غير ذلك كما تقدم.

وقوله: (والعلم محيط...) إلخ؛ هذا فاسد، فإن الصحابة رضي الله عنهم كان لهم إطلاقات في القلَّة، فإن عليًّا رضي الله عنه كان يطلق القلَّة، ويريد بها: قامة الرجل، ويطلقها ويريد بها: رأس الجبل.

فقوله: (فانتفى الإجمال) ؛ ممنوع، بل ثبت الإجمال، وثبتت الجهالة، كما لا يخفى.

وقوله: (لكن لعدم...) إلخ؛ استدراك لما قدمه، وفيه إبطال لما ادعاه من عدم الإجمال، وقد رجع إلى القول بالإجمال والجهالة، فإنَّ عدم تحديدها هو عين الإجمال والجهالة.

وقوله: (وقع الخلف...) إلخ؛ فإن الخلاف الواقع بين السلف في مقدارها على الأقوال المذكورة دليل ظاهر على الإجمال والجهالة؛ لأنَّها لو كانت معلومة؛ لم يقع الخلاف في مقدارها، والتقدير الذي حدث بعد ذلك بالأرطال هو قولٌ بالرأي بعينه، وهو مردودٌ غير مقبول؛ لأنَّه لم يثبت عن النبيِّ الأعظم عليه السَّلام، ولم يُنْقَل عنه أصلًا، ولا عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، ولا عن أحد من التابعين، بل اختراع ورأي فاسد على أن قدمنا عن علي ابن المديني شيخ المؤلِّف أنَّه قال: (حديث القلَّتين مما لا يثبت) ، وقال البيهقي: (إنه غير قوي) ، وقد تركه الغزالي والروياني مع شدَّة تعصبهما للشافعي؛ لشدَّة ضعفه، فلا يعارض القوي الصحيح، وإذا كان كذلك؛ فالاشتغال بردِّه لا حاجة إليه؛ لأنَّه لا يعمل به، ولا يعتمد عليه، لا سيما ومسائل الطهارة مبنيَّة على الاحتياط، وهنا ليس كذلك، بل فيه عدمه؛ فليحفظ.

واستدلَّ بالحديث الإمام الثاني أبو يوسف قدس سره على نجاسة الماء المستعمل، فإنه قرن فيه بين الغسل فيه والبول فيه، أمَّا البول فيه؛ فينجسه، فكذلك الغسل، وفي دلالة القران بين الشيئين مع استوائهما في الحكم خلاف بين العلماء، فالمذكور عن الإمام أبي يوسف وتبعه المزني ذلك، وخالفهما غيرهما.

واعترض ابن حجر، فزعم أن دلالة القران ضعيفة.

وردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّ هذا عجيب منه، فإذا كانت دلالة القران صحيحة عندهم؛ فقوله: (وهي ضعيفة) يردُّ على قائله على أنَّ مذهب أكثر أصحاب إمامه مثل مذهب الإمام أبي يوسف على تنجُّس الماء المستعمل، فإنَّ البول ينجِّس الماء، فكذلك الاغتسال فيه.

ثم قال ابن حجر: وعلى تقدير تسليمها قد يلزم التسوية، فيكون النهي عن البول؛ لئلا ينجسه، وعن الاغتسال؛ لئلا يسلبه الطهورية.

وردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّ هذا أعجب من الأول؛ لأنَّه تحكم حيث لا يفهم هذه التسوية من نظم الكلام، والذي احتجَّ به في نجاسة الماء المستعمل يقول بالتسوية من نظم الكلام.

ثم قال ابن حجر: ويزيد ذلك وضوحًا ما في رواية مسلم: (كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا) ، فدلَّ على أنَّ المنع عن الانغماس فيه؛ لئلا يصير مستعملًا، فيمتنع على الغير الانتفاع به، والصحابي أعلم بموارد الخطاب من غيره، وهذا من أقوى الأدلة على أنَّ المستعمل غير طهور، انتهى.

قلت: هذا أعجب مما تقدم، فإن رواية مسلم: (يتناوله تناولًا) تدل على النَّجاسة صريحًا؛ لأنَّه دلَّ على منع الانغماس فيه، وأنَّه يأخذ منه بإناء صغير حتى يُفْرِغَ على بدنه وأعضائه، فالمنع عن الانغماس فيه لئلا يصير نجسًا، فيمتنع على الغير الانتفاع به بالكلية، فهذا دليل ظاهر على النَّجاسة، وزاد دليل النَّجاسة وضوحًا، لا كما زعم، فإنه يفهم الشيء بالعكس.

وقوله: (والصحابي أعلم...) إلخ سلَّمنا أنه أعلم، لكنَّه هنا لم نسلِّم أنَّه فهم من كلامه أنَّ المستعمل طاهر، بل قوله: (يتناوله تناولًا) : يعمُّ معنيين: النَّجاسة وهو الأظهر، والطهارة وهو بعيد؛ لأنَّ التناول الأخذ بإناء من إناء آخر، وهو يدلُّ على كمال التحرُّز، وهو يفيد أنَّه ينجس.

وقوله: (وهذا من أقوى...) إلخ، بل هذا دليل واهٍ أوهى من بيت العنكبوت، فإن الأدلة على النَّجاسة ظاهرة؛ كالشمس في رابعة النهار، تقدَّم لنا الكلام عليها، وهذا منها؛ فليحفظ.

وقال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: (في الحديث: التأديب بالتنزُّه عن البول في الماء الراكد، وقد أخذ داود الظاهري بظاهر هذا الحديث، وقال: النهي مختصٌّ بالبول، والغائط ليس كالبول، ومختص ببول نفسه، وجاز لغير البائل أن يتوضأ بما بال فيه أيضًا، وجاز أيضًا للبائل إذا بال في إناء، ثم صبه في الماء، أو بال بقرب الماء، ثم جرى إليه، وهذا أقبح ما نُقِلَ عنه) انتهى.

قال العجلوني: تخصيصه الحكم بالبول دون الغائط غير ظاهر، بل هو أشد وأكره، وكذا تخصيصه الحكم ببول نفسه، وأمَّا كونه أقبح ما نقل عنه، فهو ظاهر إن كان هذا الحكم مع فرض الماء كثيرًا ولم يتغير، وأمَّا إذا كان الماء قليلًا أو كان كثيرًا لكنَّه تغير؛ فلا قبح[/ص230/]

في ذلك؛ لتنجيس الماء بذلك) انتهى.

قلت: أما قوله: (تخصيصه الحكم...) إلخ مسلَّمٌ، ولا نسلِّم التفصيل الذي ذكره بقوله: (وأمَّا إذا كان الماء قليلًا...) إلخ؛ لأنَّه في هذه الحالة أقبح بلا ريب؛ لتنجيس الماء الطاهر، فإنَّ تنجيس كلِّ طاهر حرام، فهو أقبح بلا شبهة.

وحاصله: أنه لا اختصاص بالبول، بل الغائط مثله، بل هو أقبح، وكذا الاختصاص ببول نفسه؛ لأنَّه لا فرق في بول الآدمي بين الفاعل وغيره، وآدميٍ وآدميٍ آخر إلا الأنبياء عليهم السَّلام، وكذا لا اختصاص للبائل إذا بال في إناء، فإن كلَّ ذلك عامٌّ، حكمه حكم البول في الماء؛ لأنَّ المراد به حصول النَّجاسة، وقد وُجدت، وهو قبيح؛ لأنَّ تنجيس الطاهر حرام، كما لا يخفى على أولي الألباب.

وفي الحديث: دليل على نجاسة بول الآدمي وغيره مما لا يُؤْكَل لحمه؛ لأنَّه عليه السَّلام أضاف البول إلى الآدمي، وهو غير مأكول اللحم، فالحيوان الذي لا يؤكل لحمه بوله كبوله، فاستفيد من الحديث: أن بول ما يُؤْكَل لحمه له حكمٌ خاصٌّ غير هذا، فذهب الإمام الأعظم والإمام أبو يوسف أنه نجس مخفَّف، وذهب الإمام محمَّد إلى أنَّه طاهر، كما قدَّمناه.

وزعم العجلوني أن في الحديث دليلًا [3] على نجاسة بول الآدمي وغيره ولو من مأكول اللحم.

قلت: نجاسة بول الآدمي وغيره مما لا يؤكل لحمه مسلَّمٌ، ولا نسلِّم أن بول مأكول اللحم نجس بدلالة الحديث؛ لأنَّ الحديث لا يدل على ذلك؛ لأنَّه عليه السَّلام قال: «لا يبولنَّ أحدكم»، فأضاف البول إلى الآدمي، فدل على المغايرة بينهما؛ فليحفظ.

وقال إمام الشارحين: إن المذكور في الحديث الغسل من الجنابة، فيلحق به الاغتسال من الحيض والنفاس، وكذلك يلحق به اغتسال الجمعة والعيدين، والاغتسال من غسل الميت عند من يوجبهما، فإن قلت: هل يلحق به الغسل المسنون أم لا؟قلت: من اقتصر على اللفظ؛ فلا إلحاق عنده، كأهل الظاهر، وأما من يعمل بالقياس؛ فمن زعم أن العلة الاستعمال؛ فالإلحاق صحيح، ومن زعم أن العلة رفع الحدث؛ فلا إلحاق عنده، فاعتبر بالخلاف الثاني بين الإمام أبي يوسف والإمام محمَّد في كون الماء مستعملًا، انتهى.

وزعم العجلوني أن الغسل عامٌّ، وكان تخصيصه بما ذكره؛ لأنَّه المتبادر، فليس في الحديث تخصيص.

قلت: بل فيه تخصيص من حيث إنه عليه السَّلام قد صرح بالغسل من الجنابة، ففي «مسلم» عن أبي هريرة بلفظ: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب»، فالتخصيص بالجنابة مصرَّح به في الحديث بنصِّه عليه السَّلام، فبقية الاغتسالات بطريق الإلحاق لا بطريق العموم، فإن الحديث ليس من العامِّ في شيء، فإن المراد بالغسل إنَّما هو من الجنابة، لا سيما وقد فسره النبيُّ الأعظم عليه السَّلام بأنَّه من الجنابة، فهو من الخصوص قطعًا، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (سود) ، وهو تحريف.
[2] في الأصل: (حريم).
[3] في الأصل: (دليل)، وليس بصحيح.