المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

216-. حدَّثنا عُثْمانُ، قالَ: حدَّثنا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن مُجاهِدٍ:

عن ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحائِطٍ مِنْ حِيطانِ المَدِينَةِ _ أَوْ مَكَّةَ _ فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسانَيْنِ يُعَذَّبانِ في قُبُورِهِما، فقالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُعَذَّبانِ، وَما يُعَذَّبانِ في كَبِيرٍ». ثُمَّ قالَ: «بَلَىَ، كان أَحَدُهُما لَا يَسْتَتِرُ [1] مِنْ بَوْلِهِ، وَكانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ دَعا بِجَرِيدَةٍ، فَكَسَرَها كِسْرَتَيْنِ [2] ، فَوَضَعَ علىَ كُلِّ قَبْرٍ منهما كِسْرَةً [3] ، فَقِيلَ لَهُ [4] : يا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذا؟ قالَ: «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُما ما لَمْ يَيْبَسا [5] »، أَوْ: «إِلَىَ [6] أَنْ يَيْبَسا».

الأطراف



[1] في رواية ابن عساكر: «لا يَسْتَبْرِئ».
[2] صحَّح عليها في اليونينيَّة فوق الكاف.
[3] صحَّح عليها في اليونينيَّة فوق الكاف.
[4] لفظة: «له» ليست في رواية ابن عساكر.
[5] في (و، ب، ص): «تيبسا» بالمثناة الفوقية، انظر الإرشاد.
[6] في رواية أبي ذر عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

216- وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) بن أبي شيبة، الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ)؛ أي [1] : ابن جَبْرٍ؛ بفتح الجيم وسكون المُوَحَّدة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِحَائِطٍ)؛ أي: بستانٍ من النَّخل [2] عليه جدارٌ (مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ) شكَّ جريرٌ، وعند المؤلِّف في «الأدب المُفرَد»: ((من حيطان المدينة))؛ بالجزم من غير شَكٍّ، ويؤيِّده رواية الدَّارقُطنيِّ في «أفراده» من حديث جابرٍ: أنَّ الحائط كان [3] لأمِّ مبشِّرٍ [4] الأنصاريَّة رضي الله عنها؛ لأنَّ حائطها كان بالمدينة، وفي رواية الأعمش: ((مرَّ بقبرين)) (فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ) حال كونهما (يُعَذَّبَانِ) حال كونهما (فِي قُبُورِهِمَا) عبَّر بالجمع في موضع التَّثنية؛ لأنَّ استعمالها في مثل هذا قليلٌ وإن كانت هي الأصل؛ لأنَّ المُضاف إلى المُثنَّى إذا كان جزء ما أُضيف إليه؛ يسوغ فيه الإفراد؛ نحو: أكلت رأس شاتين، والجمع أجود؛ نحو: {فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] ، وإن كان غير جزئه؛ فالأكثر مجيئه بلفظ التَّثنية؛ نحو: سلَّ [5] الزَّيدان سيفهما، وإن أُمِن اللَّبس؛ جاز جعل المُضاف بلفظ الجمع، كما في قوله: في «قبورهما»، وقد تجتمع [6] التَّثنية والجمع في نحو: [من الرَّجز] :

ظهراهما مثل ظهور التُّرسين

قاله ابن مالكٍ، ولم يُعرَف اسم المقبورين ولا أحدهما، فيحتمل أن يكون عليه الصلاة والسلام لم يسمِّهما؛ قصداً للسَّتر عليهما، وخوفًا من الافتضاح، على عادة ستره وشفقته على أمَّته صلى الله عليه وسلم، أو سمَّاهما؛ ليحترز [7] غيرهما عن مُباشَرة ما باشراه، وأبهمهما الرَّاوي عمدًا [8] ؛ لما مرَّ، (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يُعَذَّبَانِ) أي: صاحبا القبرين [/ج1ص286/] (وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) تَرْكُه عليهما (ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (بَلَى) إنَّه كبيرٌ [9] من جهة المعصية، ويحتمل أنَّه عليه الصلاة والسلام ظنَّ أنَّ ذلك غير كبيرٍ، فأُوحِي إليه في الحال بأنَّه كبيرٌ فاستدرك، وقال البغويُّ وغيره _ورجَّحه ابن دقيق العيد وغيره_: إنه [10] ليس بكبيرٍ في مشقَّة الاحتراز؛ أي: كان لا يشقُّ عليهما الاحتراز عن ذلك، والكبيرة: هي الموجبة للحدِّ، أو ما فيه وعيدٌ شديدٌ، وعند ابن حبَّان في «صحيحه» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «يُعذَّبان عذابًا شديدًا في ذنبٍ هيِّنٍ»، (كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ) بمُثنَّاتين فوقيَّتين؛ الأولى: مفتوحةٌ، والثَّانية: مكسورةٌ؛ من: الاستتار؛ أي: لا يجعل بينه وبين بوله سترةً؛ أي: لا يتحفَّظ منه، وهي بمعنى [11] رواية مسلمٍ وأبي داود من حديث الأعمش: «يستنزه»؛ بنونٍ ساكنةٍ، بعدها زايٌ، ثمَّ هاءٌ، من التَّنزُّه؛ وهو الإبعاد، ولا يُقال: إنَّ معنى «لا يستتر» يكشف عورته؛ لأنَّه يلزم منه أنَّ مُجرَّد [12] كشف العورة [13] سببٌ للعذاب المذكور لا اعتبار البول، فيترتَّب العذاب على مُجرَّد الكشف، وليس كذلك، بلِ الأقرب حمله على المجاز، ويكون المُرَاد بالاستتار: التَّنزُّه عن البول والتَّوقِّي منه، إمَّا بعدم [14] مُلابسَته وإمَّا بالاحتراز [15] عن مفسدةٍ تتعلَّق به؛ كانتقاض الطَّهارة، وعبَّر عن التَّوقِّي بالاستتار مجازًا، ووجه العلاقة بينهما: أنَّ التَّستُّر عن الشَّيء فيه بُعدٌ عنه واحتجابٌ، وذلك شبيهٌ بالبعدِ عن مُلابسة البول، وإنَّما رجح المجاز وإن [16] كان الأصل الحقيقة؛ لأنَّ الحديث يدلُّ على أنَّ للبول بالنِّسبة إلى عذاب القبر خصوصيَّةً، فالحمل على ما يقتضيه الحديث المصرِّح بهذه الخصوصيَّة أَوْلى، وأيضًا فإنَّ لفظة «من» لمَّا أُضيفَت إلى «البول»، وهي؛ لابتداء الغاية حقيقةً، أو ما يرجع إلى معنى ابتداء الغاية مجازًا؛ تقتضي نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول؛ بمعنى: أنَّ ابتداء سبب عذابه من البول، وإذا حُمِل على كشف العورة؛ زال هذا المعنى، وفي رواية ابن عساكر: ((لا يستبرئ))؛ بمُوحَّدةٍ ساكنةٍ، من الاستبراء؛ أي: لا يستفرغ جهده بعد فراغه منه، وهو [17] يدلُّ على وجوب الاستنجاء؛ لأنَّه لمَّا عُذِّب على استخفافه بغسله وعدم التحرُّز منه؛ دلَّ على أنَّ [18] من ترك البول في مخرجه ولم يستنج منه أنَّه [19] حقيقٌ بالعذاب، (وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) «فَعِيلَةٌ»، من: نمَّ الحديث ينمُّه [20] ؛ إذا نقله عن المتكلِّم به إلى غيره، وهي حرامٌ بالإجماع إذا قصد بها الإفساد بين المسلمين، وسبب كونهما كبيرين [21] : أنَّ عدم التَّنزُّه من البول يلزم منه بطلان الصَّلاة، وتركها كبيرةٌ بلا شكٍّ، والمشيُ بالنَّميمة من السَّعيِ بالفساد، وهو من أقبح القبائح، ويُجاب عن استشكال كون النَّميمة من الصَّغائر: بأنَّ الإصرار عليها المفهوم هنا من التَّعبير بـ: «كان» المقتضية له يصير حكمها حكم الكبيرة، لا سيَّما على تفسيرها بما فيه وعيدٌ شديدٌ، ووقع في حديث أبي بكرة عند الإمام أحمد والطَّبرانيِّ بإسنادٍ صحيحٍ: «يُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبيرٍ، وبلى [22] ، وما يُعذَّبان إلَّا في الغيبة والبول»؛ بأداة الحصر، وهي تنفي كونهما كافرين؛ لأنَّ الكافر وإن عُذِّب على ترك أحكام المسلمين، فإنَّه يُعذَّب مع ذلك على الكفر بلا خلافٍ، وبذلك جزم العلاء بن العطَّار، وقال: لا يجوز أن يُقَال: إنَّهما كانا كافرين؛ لأنَّهما لو كانا كافرين؛ لم يدعُ لهما بتخفيف العذاب عنهما [23] ، ولا ترجَّاه لهما، وقد ذكر بعضهم السَّرَّ في تخصيص البول والنَّميمة بعذاب القبر؛ وهو أنَّ القبر أوَّل منازل الآخرة، وفيه نموذجُ [24] ما يقع في القيامة من العقاب والثَّواب، والمعاصي التي يُعاقَب عليها يوم القيامة نوعان: حقٌّ لله وحقٌّ لعباده، وأوَّل ما يُقضَى فيه من حقوق الله عزَّ وجلَّ الصَّلاة، ومن حقوق العباد الدِّماء، وأمَّا البرزخ؛ فيُقضَى فيه مقدِّمات هذين الحقَّين ووسائلهما، فمُقدِّمة الصَّلاة الطَّهارة من الحدث والخَبَث، ومقدِّمة الدِّماء [25] النميمة، فيبدأ في البرزخ بالعقاب عليهما، (ثُمَّ دَعَا) صلى الله عليه وسلم (بِجَرِيدَةٍ) من جرائد [26] النَّخل؛ وهي التي ليس عليها ورق، فأُتي بها (فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ)؛ بكسر الكاف، تثنية كِسرَةٍ؛ وهي القطعة من الشَّيء المَكسور، وقد تبيَّن من رواية الأعمش الآتية _إن شاء الله تعالى_ [خ¦218] : أنَّها كانت نصفًا، وفي رواية جريرٍ عنه: ((باثنتين)) (فَوَضَعَ) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا [27] كِسْرَةً) وفي الرِّواية الآتية: ((فغرز)) [خ¦218] ، وهو يستَلزِم الوضع دون [/ج1ص287/] العكس (فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ) ولابن عساكر: ((فقيل: يا رسول الله)) (لِمَ فَعَلْتَ هَذَا)؟ لم يعيِّن السَّائل من الصَّحابة (قَالَ صلى الله عليه وسلم: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ)؛ بضمِّ أوَّله وفتح الفاء؛ أي: العذاب، وهاء «لعلَّه» ضمير الشَّأن، وجاز تفسيره «بأنَّ» وصلتها؛ لأنَّها في حكم جملةٍ؛ لاشتمالِها على مُسنَدٍ ومُسنَدٍ إليه، ويُحتَمل أن تكون زائدةً مع كونها ناصبةً؛ كزيادة الباء مع كونها جارَّةً، قاله ابن مالكٍ، ويقوِّي الاحتمال الثَّاني حذف «أنْ» في الرِّواية الآتية؛ حيث قال: ((لعلَّه يخفَّف)) (عَنْهُمَا)؛ أي: المعذَّبين (مَا لَمْ تَيْبَسَا)؛ بالمُثنَّاة الفوقيَّة بالتَّأنيث؛ باعتبار عود الضَّمير فيه إلى «الكسرتين»، وفتح المُوَحَّدة من باب «علم يعلم»، وقد تُكسَر، وهي لغةٌ شاذَّةٌ، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((إلَّا أن تيبسا [28] ))؛ بحرف الاستثناء، وللمُستملي: ((إلى أن ييبسا))؛ بـ: «إلى» التي للغاية، والمُثنَّاة التَّحتيَّة بالتَّذكير؛ باعتبار عود الضَّمير إلى العُودين؛ لأنَّ الكسرتين هما العُودان [29] ، و«ما»: مصدريَّة زمانيَّة؛ أي: مدَّة دوامهما إلى زمن اليبس المحتمل تأقيته بالوحي، كما قاله المازريُّ [30] ، لكن تعقَّبه القرطبيُّ: بأنَّه لو كان بالوحي؛ لَمَا [31] أتى بحرف التَّرجِّي، وأُجيب: بأنَّ «لعلَّ» هنا للتَّعليل، أو أنَّه يشفع [32] لهما في التَّخفيف هذه المدة، كما صرَّح به في حديث جابرٍ، على أنَّ القصَّة واحدة كما رجَّحه النَّوويُّ، وفيه نظرٌ؛ لما في حديث أبي بكرةٍ عند الإمام أحمد والطَّبرانيِّ: أنَّه الذي أتى بالجريدة إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأنَّه الذي قطع الغصنين، فدلَّ ذلك على المُغايَرة، ويؤيِّد ذلك أنَّ قصَّة الباب كانت بالمدينة، وكان معه عليه الصلاة والسلام جماعةٌ، وقصَّة جابرٍ كانت في السَّفر، وكان خرج لحاجته، فتبعه جابرٌ وحدَه، فظهر التَّغاير بين حديث ابن عبَّاسٍ وحديث جابرٍ، بل في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المرويِّ في «صحيح ابن حبَّان» ما يدلُّ على الثَّالثة، ولفظه: أنَّه صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبرٍ [33] ، فوقف، فقال: «ائتوني بجريدتين»، فجعل إحداهما عند رأسِه، والأخرى عند رجليه، ويأتي مزيدٌ لذلك _إن شاء الله تعالى_ في باب: «وضع الجريدة على القبر» من «كتاب الجنائز» [خ¦1361] .

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيٍّ ودارميٍّ ومكِّيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف هنا عن جريرٍ عن منصورٍ عن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وفي الآتية: عن الأعمش _كمسلمٍ_ عن مجاهدٍ عن طاووسٍ عن ابن عبَّاسٍ [خ¦218] ، فأسقط المؤلِّف طاووسًا [34] الثَّابت في الثَّانية من الأولى، فانتقد عليه الدَّارقُطنيُّ ذلك، كما سيأتي مع الجواب عنه في الباب اللَّاحق إن شاء الله تعالى، وقد أخرج المؤلِّف الحديث أيضًا في «الطَّهارة» في موضعين [خ¦218] ، وفي الجنائز [خ¦1361] ، وفي [35] «الأدب» [خ¦6055] و«الحج»، ومسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الطهارة»، وكذا النَّسائيُّ فيه [36] أيضًا وفي «التَّفسير» و«الجنائز».

[1] في (د): «هو».
[2] في (د): «النَّخيل».
[3] في (م): «كانت».
[4] في (ص): «بشر».
[5] في (ص): «يسئل»، وهو تحريفٌ.
[6] في (د) و(ص): «تجمع»، وفي (م): «يجمع».
[7] في (د): «لينزجر»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمُثبَت.
[8] «عمداً»: سقط من (ص).
[9] في (م): «كبيرةٌ».
[10] في غير (ب) و(س): «أي».
[11] في (ص) و(م): (معنى».
[12] «مُجرَّد»: سقط من (م).
[13] في (م): «عورته».
[14] في (ص): «بُعْد».
[15] في (ص): «أو لاحتراز».
[16] «إن»: ليست في (م).
[17] في (م): «هذا».
[18] في غير (ب) و(س): «أنَّه».
[19] «أنَّه»: سقط من (س).
[20] في (د): «ينميه»، وفي (ص) و(م): «تنمية»، وهو تحريفٌ.
[21] في (ب) و(س): «كبيرتين».
[22] في (د): «بلى».
[23] «عنهما»: سقط من غير (ب) و(س).
[24] في (د): «أنموذج».
[25] في (ص): «العباد».
[26] في (ب) و(س): «جريد».
[27] في غير (ب) و(س): «منها».
[28] في غير (ب) و(س): «ييبسا».
[29] في (م): «لا إلى الكسرتين، وهما عودان».
[30] في (د): «المازنيُّ»، وهو تحريفٌ.
[31] «لَمَا»: ليست في (م).
[32] في (د) و(م): «شفع».
[33] في (م): «بقبرين».
[34] في (ص) و(م): «منصور»، وهو خطأٌ.
[35] «في الجنائز و»: سقط من (م).
[36] في (ب) و(س): «فيها».





216- (فِي قُبُورِهِمَا): لهما قبرانِ لا قبورٌ، لكن هو كقوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] .

قال المالكيُّ في «الشواهد»: (عُلِمَ مِنْ إضافة الـ«صَوْت» إلى «إِنْسَانَيْنِ» جوازُ إفرادِ المضافِ المثنَّى معنًى إذا كان جزءَ ما أُضيفَ إليه ؛ نحو: «أكلتُ رأس شاتين»، وجمعُه [1] أجودُ؛ كما في {قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] ، والتَّثنيةُ مع أصالتها قليلةُ الاستعمال، وإنْ لم يكن المضافُ جزءَه؛ فالأكثرُ مجيئُه بلفظ التثنية؛ نحوُ: «سَلَّ الزيدان [2] سيفيهما»، وإِنْ أُمِنَ اللَّبْسُ؛ جاز جَعْلُ المضافِ بلفظ الجمعِ، وفي: «يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا» شاهدٌ عليه، وكذا قولُه عليه السَّلام لعليٍّ رضي الله عنه: «إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا» [خ¦3113] ).

(فِي كَبِيرٍ): (فِي) هنا للسَّببيَّة، وقال ابنُ مالكٍ في قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ...» [خ¦2365] : (تضمَّن هذا الحديث استعمال «فِي» دالَّةً على التَّعليل، وهو ممَّا خَفِيَ على أكثرِ النَّحْويِّين مع وُرُودِه في القرآن، والحديث، والشِّعر القديم؛ فمِنَ الواردِ في القرآن: قولُه تعالى: {لمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ} [الأنفال: 68] ، {لمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ} [النور: 14] ، ومِنَ الواردِ في الحديث: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ» [خ¦2365] ، «وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» [خ¦216] ، ومِنَ الواردِ في الشِّعر القديم قولُ جميلٍ: [من الطويل]

~ فَلَيْتَ رِجَالًا فِيْكِ قَدْ نَذَرُوا دَمِي وَهَمُّوا بِقَتْلِي يَا بُثَيْنَ لَقُونِي

(لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ): شبَّه (لَعَلَّ) بـ (عَسَى) فأتى بـ (أَنْ) في خبرِه.

قال المالكيُّ: (روي: «يُخَفَّفَ عَنْهَا» على التَّوحيد والتَّأنيث، وهو ضمير النَّفس، وجاز إعادةُ الضَّميرين في «لَعَلَّهُ» و«عَنْهَا» إلى الميت باعتبار كونِه إنسانًا، وكونِه نَفْسًا، ويجوزُ كونُ الهاء في «لَعَلَّهُ» ضميرَ الشَّأن، وكونُ الضَّمير في «يُخَفَّفَ عَنْهَا» ضميرَ النَّفس، وجاز تفسيرُ ضميرِ الشَّأن بـ«أَنْ» وصلتِها مع أنَّهما في تقدير مصدرٍ؛ لأنَّهما في حكمِ جُملةٍ؛ لاشتمالهما [3] على مُسنَدٍ ومُسنَدٍ إليه؛ ولذلك سدَّت مسدَّ مفعولي «حَسِبَ» و«عَسَى» في نحو: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} [البقرة: 214 وآل عمران: 142] ، وفي {عَسَى أَنْ تَكرهوا شيئًا} [البقرة: 216] ، ويجوز في قول الأخفش أن تكون «أَنْ» زائدةً مع كونها ناصبة؛ كزيادة «الباء» و«مِنْ» مع كونهما جارَّتين).

أقول: ويَحتمل أن يكونَ الضَّميرُ مبهمًا يفسِّرُه ما بعدَه، ولا يكونَ ضميرَ الشَّأن؛ كقوله: {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} [الجاثية: 24] .

(ومِن تفسيرِ ضميرِ الشَّأن بـ«أَنْ» وصلتها: قولُ عمرَ رضي الله عنه: «فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا، فَعَقِرْتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَايَ» [خ¦4454] ).

[1] في (ب): (وجهه)، والصواب الموافق لمصدره ما أثبت من (أ).
[2] في (ب): (الزايدان).
[3] في (أ) و(ب): (أنها... لأنها... لاشتمالها)، ولعلَّ الصَّواب المثبت.





216- قوله: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ): هو ابن أبي شيبة، وهو عثمان بن محمَّد بن أبي شيبة، أخو أبي بكر وأخيه، وكنيته أبو الحسن العبسيُّ -بالموحَّدة- مولاهم، الكوفيُّ الحافظ، عن شريك، وأبي الأحوص، وجرير، وطبقتهم، وعنه: البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وابنه محمَّد، وأبو يعلى، والبغويُّ، وأمم، مات في المحرَّم سنة (239 هـ ) ، قال يحيى: (ثقةٌ مأمونٌ) ، وسُئل عنه أحمد [1] ، فقال: (لا أعلم إلَّا خيرًا) ، وأثنى عليه، وله ترجمة في «الميزان»، أخرج له الجماعة، وقد تقدَّم بعيدًا.

قوله: (حَدَّثَنَا [2] جَرِيرٌ): هو بفتح الجيم، وكسر الرَّاء، وهو ابن عَبْد الحميد الضَّبِّيُّ القاضي، عن منصور، وحُصين، وعبد الملك بن عُمير، وعنه: أحمد، وإسحاق، وابن معين، وله مصنَّفات مات سنة (188 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وهو صدوقٌ مُحتَجٌّ به في الكتب، له ترجمة في «الميزان»، وصحَّح عليه، تقدَّم.

قوله: (عَنْ مَنْصُورٍ): هو ابن المعتمر السُّلميُّ الكوفيُّ أبو عتَّاب، من أئمَّة الكوفة، عن أبي وائل، وزيد بن وهب، وعنه: شُعْبَة، والسُّفيانان، وخلق، قال: (ما كتبت حديثًا قطُّ) ، مناقبه جمَّةٌ، توفِّي سنة (132 هـ ) ، أخرج له الجماعة، قال ابن مهديٍّ: (أثبتُ أهل الكوفة منصورُ بن المعتمر) ، وأثنى عليه غيره رحمه الله، وقد تقدَّم بعيدًا.

قوله: (بِحَائِطٍ): الحائط: البستان من النَّخيل إذا كان عليه حائط، وهو الجدار.

قوله: (مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ أَوْ مكَّة): قال الدِّمياطيُّ: (الصَّحيح [3] المدينة) انتهى، وما قاله ظاهر صحيح، وقد ذكره في كتاب «الأدب» على الصَّواب، فقال: (بالمدينة) من غير شكٍّ [4] . [/ج1ص100/]

قوله: (فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ في قُبُورِهِمَا): ذُكِر أنَّ صاحبي هذين القبرين من غير أهل القبلة، قال شيخنا الشَّارح: (وفيه بُعد، وقد عيَّن بعضُهم صاحبَ أحد القبرين بما لا أوثر ذكره وإن ذكره القرطبيُّ في «التَّذكرة» حكاه ووهاه، انتهى، وقد رأيتُه في «التَّذكرة» للقرطبيِّ، وقال: (إنَّه باطل) انتهى.

وقال ابن شيخنا البلقينيِّ: (في «الأوسط» للطَّبرانيِّ: عن أنس رضي الله عنه قال: مرَّ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بقبرين لبني النَّجَّار يعذَّبان بالنَّميمة والبول) ، قال: (فهذا نوع تعيين) انتهى، ولا شكَّ أنَّ هذا الحديث يبطل قولَ من عيَّن أحد صاحبي القبرين؛ لأنَّ في هذا تصريحًا أنَّهما من بني النَّجَّار، والمعيَّن من الأوس ليس من بني النَّجَّار.

فائدة: تقدَّم قريبًا [5] اتفق مثل هذه القصَّة للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مرَّة أخرى، وهو في غزوة بُوَاطَ، كما رواها مُسْلِم في أواخر «صحيحه» من حديث جابر، وجَابِر قطع الغصنين من النَّخلة، وأرسل واحدًا يمين نفسه، وآخر عن شماله، فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: «إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَأَحْبَبْتُ بِشَفَاعَتِي [6] أَنْ يُرَفَّهَ ذاك عنهُمَا مَا دَامَ الغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ»، وهذه القصَّة كانت في غزوة بواط، كما هو مصرَّح به في «مسلم» كما تقدَّم أعلاه، وقد تفقَّه القرطبيُّ في «التَّذكرة» بأنَّهما قضيَّتان، وقد وافق المنقول في ذلك، وقد جعل ابن إسحاق بواط في ربيع الأوَّل بعد الأبواء، والأبواء على رأس اثني عشر شهرًا من الهجرة، والقصَّة الأولى كانت بالمدينة، والله أعلم.

قوله: (وَمَا يُعَذَّبَانِ في كَبِيرٍ): هو بالموحَّدة، هذا ممَّا لا أعرف فيه خلافًا، وقد رأيت الآن في أصلنا عُمِل بالوجهين؛ (كبير وكثير) ؛ بالموحَّدة -كما أحفظه- وبالمثلَّثة [7] ، وما أظنُّ المثلَّثة إلَّا طارئة على ما كنت أعرف، والله أعلم، وحَلُّ النَّاسِ الحديثَ يأبى ذلك، و (في) هنا: لِلسبب، وكذا في قوله: «أُدخِلت امرأة النَّار في هرَّة [8] »، وهما حجَّة على من أنكر مجيئها له، والله أعلم.

وقوله: «في كبير»؛ أي: في كبير في زعمهما، وقيل: كبيرٌ تركُه عليهما؛ بدليل قوله: (بلى؛ إنَّه كبير) ، وقال شيخنا الشَّارح في (الأدب): (أي: هو شيء حقير لِيَسارِة التَّحرُّز مِنْهُ، وقوله: «وإنَّه لكبير»؛ لورود الشَّرع بالوعيد فيها إذا لَمْ يعفُ الله) انتهى، وحَكى القاضي عياض تأويلًا ثَالِثًا: (أي: ليس بأكبر الكبائر) ، قال النوويُّ: (فعلى هذا: يكون المراد بهذا: الزَّجْر وَالتَّحْذِير لغيرهما [9] ؛ أي: لا يتوهَّم أحد أنَّ التَّعذيب لا يكون إلَّا في أكبر [10] الكبائر الموبقات فإنَّه يكون في غيرها) انتهى.

قوله: (لَا يَسْتَتِرُ [11] مِنْ بَوْلِهِ): قال ابن قُرقُول: (لاَيَسْتَبْرِئ؛ أي: لا يستقصي نفسه أو ما عنده، ويروى: «يَسْتَتِر»: من السُّترة، وفي كتاب «مسلم» من حديث أحمد بن يوسف: «لا يَسْتَنْزِه»؛ أي: لا يَبعد ويتحفَّظ، وهو بمعنى: يستتر؛ أي: لا يجعل بينه وبينه سترة، وقيل: معناه: لَمْ يستر عورته عنِ النَّاس عند بوله) انتهى، وقد روي: (يستنتر) ، وعن الإِسْمَاعِيليِّ: (أنَّ أشبه الرِّوايات: «يَسْتَبْرِئ») انتهى، وإنَّما كان عدم التنزُّه من البول كبيرة؛ لأنَّه يلزم منه بطلانُ الصَّلاة، وتركها كبيرة.

قوله: (بِالنَّمِيمَةِ): هي نقل الكلام بين النَّاس على جهة الإفساد، قاله العلماء، وقال الإمام أبو حامد الغزاليُّ في «الإحياء»: (واعلم أنَّ النَّمِيمَة تُطلق في الأكثر على مَنْ ينمُّ قول الغير إلى المَقول فيه، وليست النَّمِيمَة مخصوصة بهذا، بل حَدُّ النَّمِيمَة كشف ما يُكرَه كشفه، سواء كرهه المقول عنه أو المنقول إليه أو ثَالِث، وسواء كان الكشف بالكتابة أو بالرمز أو بالإيماء، فحقيقة النَّميمة إفشاء السِّرِّ وهتك السِّتر عمَّا يُكرَه كشفُه، فلو رآه يُخفي مالًا لنفسه فذكره؛ فهو نميمة) قال: (وكلُّ من حُمِلت إليه نميمة؛ فعليه ستَّة أمور: لا تصدِّقه؛ لأنَّ النَّمام فاسق، الثَّاني: أنْ تنهاه، الثَّالث: أنْ تُبغضه في الله، الرَّابع: ألَّا تظنَّ بأخيك الغائب السُّوء، الخامس: ألَّا يحمله ما حُكي له على التَّجسُّس والبحث عن ذلك، السَّادس: ألَّا يرضى لنفسه ما نهى عنه النَّمَّام؛ فلا يحكي نميمة عنه) انتهى ملخَّصًا، كلُّ ذلك إذا لَمْ يكن فيها مصلحة شرَّعَيَّة، فإنْ دعت حاجة إليها؛ فلا منع منها، والله أعلم.

قوله: (ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ [12] ): رأيت بخطِّ بعض الفُّضلاء: (أنَّ الآتي بها أبو بكرة [13] رضي الله عنه، رواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط»، وهو في «مسند أحمد» أيضًا) انتهت، وأمَّا الآتي في غزوة بواط بالغصنين؛ فهو جابر، كما هو مُصرَّح به في آواخر «مسلم».

[قوله: (كِسْرَتَيْنِ): هي بكسر الكاف؛ أي: قطعتين] [14] .

قوله: (لَعَلَّهُ..) إلى آخره: قال شيخنا الشَّارح: (قد حصل مَا ترجَّاه، فأورقا من ساعتهما، ففرح [15] بذلك، وقال: «رُفِع عنهما العذابُ بشفاعتي [16] ») انتهى.

وقال النوويُّ في «شرح مسلم»: (وأَمَّا وَضْعه صلَّى الله عليه وسلَّم الجَريد على القَبْرين؛ فقال العلماء: هو محمول على أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم سأل الشَّفاعة لهما، فأجيبت شفاعته صلَّى الله عليه وسلَّم بالتخفيف عنهما إلى أنْ يَبِسَا، وذكر مُسْلِم في آخر الكتاب في الحَدِيث الطَّويل في صاحبي القبرين: «فَأُجِيبَتْ [17] شَفَاعَتِي أَنْ يُرَفَّهَ [18] عنهُمَا ذَلِكَ مَا دَامَ القَضِيبَانِ رَطْبَيْنِ»، وقيل: يحتمل أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام كان يدعو لهما تلك [19] المدَّة، وقيل: لكونهما يسبِّحان ما داما رَطْبَين، وليس لليابس تسبيح، وهذا مذهب كثيرين أو الأكثرين من المفسِّرين في قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] ، قالوا: معناه: وإنْ مِنْ شيءٍ حيٍّ، ثُمَّ قالوا: وحياة كلِّ شيء بحسبه، والمحقِّقون من المفسِّرين وغيرهم أنَّه على عمومه، وتسبيحه حقيقة لا مجاز، قاله المحقِّقون) انتهى ملخَّصًا ببعض تلخيص.

قوله: (مَا لَمْ يَيْبَسَا أَوْ إلى أَنْ يَيْبَسَا): ظاهره شكٌّ من الرَّاوي، (يَيْبِسَا) ؛ بمثنَّاتين تحتُ، ثمَّ موحَّدة، مفتوح الأوَّل، ساكن الثَّاني، مفتوح الثَّالث، ويجوز كسره، وفي أصلنا الآن: بمثنَّاة فوقُ، ثُمَّ مثنَّاة تحتُ، ثُمَّ موحَّدة، والله أعلم.

[1] زيد في (ب): (ابن حنبل) .
[2] في النسخ: (عن) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[3] في (ب): (على) .
[4] زيد في (أ) و (ب): (وقد تقدَّم ذلك أعلاه) ، والصواب حذفها؛ إذ قد كُتِب ذلك سابقًا في (أ) ، ثمَّ جعل عليها علامة الزيادة.
[5] (تقدم قريبًا): ليس في (ج) .
[6] (بشفاعتي): ليس في (ج) .
[7] (وبالمثلَّثة): ليس في (ج) .
[8] في (ج): (امرأة) ، وليس بصحيح.
[9] في (ج): (بغيرهما) .
[10] في (ب): (كبير) .
[11] في هامش (ق): (أي: لا يتوارى، وفي موضعٍ: يستر) .
[12] في (ج): (جريدة) .
[13] في (ج): (بكر) .
[14] ما بين معقوفين ليس في (ج) .
[15] زيد في (ب): (من ساعتهما) .
[16] في (ب): (لشفاعتي) .
[17] في (ج): (فأجيب) ، وفي «مسلم»: (فأحببت) .
[18] في (ب): (يرقد) ، وفي (ج): (ترقد) ، وكلاهما تحريف.
[19] في (ج): (بذلك) .





216- ( بِحَائِطٍ ) أي: بستان.

( مِنْ حِيطَانِ مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ ) كَذَا، والصواب: المدينة.

( يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ ) بتاءين مثناتين، كَذَا للبخاريِّ، وروي: «يستبرئ»، وقال الإسماعيلي: إنها أشبه الروايات.

( كِسْرَتَيْنِ ) بكاف مكسورة: قطعة من الشيء المكسور، كقطعة وقِطَع.

( لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ ) ( لعلّ ) مثل «كاد» في أن الغالب تجرد خبرها من «أنْ»؛ كقوله تعالى: { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.

( يَيْبَسَا ) بِمُثَنَّاة من أوله من فوق أو من تحت، والباء الموحدة مفتوحة، وَحَكَى السَّفاقُسِي كسرها.

( لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، ولم يذكر سوى بول الناس ) أَرَادَ بيان معنى روايته: «لا يستتر من البول»؛ أي: بول الناس لا بول سائر الحيوان؛ لأنَّه رواه مرات: ( من بوله )، فَلَيْسَ فِيْهِ حُجَّة لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ سَائِرِ الْحَيَوَانِ وإن كان مأكولًا. [/ج1ص102/]


216- ( بِحَائِطٍ ) أي: بستان.

( مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ ): شكَّ ابن جرير وجزم في «الأدب» [خ:6055] [/ج1ص340/]بالأوَّل، وفي «الأفراد» للدَّارقطنيِّ من حديث جابر أنَّ الحائط كان لأمِّ مُبَشِّر الأنصاريَّة.

( وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، ثمَّ قَالَ: بَلَى ) أي: وإنَّه لكبير كما صرَّح به في «الأدب»، [خ:6055] والمعنى: أنَّه ليس بكبير في مشقَّة الاحتراز وفيما عند النَّاس، وهو كبير في الذُّنوب وفيما عند الله، كقوله: { وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ } [النور:15] ، وقيل: ضمير و«إنَّه» عائد إلى النَّميمة فقط، وقيل: إلى العذاب لما في «صحيح ابن حبَّان»: «يعذَّبان عذابًا شديدًا في ذنب هيِّن».

( لاَ يَسْتَتِرُ ): من الاستتار، ولابن عساكر: «يستبرىء» من الاستبراء، ولمسلم: «يستنزه» من الاستنزاه بالزَّاي والهاء، وهو المتُنزِّهُ من ملاقاة البول، ولأبي نعيم: «لا يتوقَّى»، والمراد برواية: (لا يستتر ): لا يجعل بينه وبين بوله سترة، يعني: لا يتحفَّظ منه ليوافق سائر الرِّوايات.

( النَّمِيمَةِ ): نقل كلام النَّاس على وجه الإفساد.

( بِجَرِيدَةٍ ) وفي لفظ: «بعسيب رطب».

( كِسْرتين ) بكسر الكاف، أي: قطعتين.

( يُخفَّف ) بالبناء للمفعول.

( ما لم تَيْبَسَا ) بالفوقيَّة أوَّله؛ أي: الكسرتان، وللمُسْتملي: «إلى أن ييبسا» بالتَّحتيَّة أوَّله، أي: العودان، وللكُشْمِيهنيِّ: «إلَّا أن ييبسا» بحرف الاستثناء.

والحكمة في ذلك: أنَّ الرَّطب يسبِّح فيحصل التَّخفيف ببركة التَّسبيح.

وقال الطِّيبيُّ: الحكمة في ذلك غير معقولة.

وقد اختلف في المقْبُورَينِ: هل هما كافران أو مسلمان ؟ والصَّواب الأوَّل، وبه جزم أبو موسى المدينيُّ، بدليل قصر تخفيف العذاب على مدَّة رطوبة الكسرتين، ولو كانا مسلمين لقُبِلَتِ الشَّفاعة منه صلَّى الله عليه وسلَّم في حقِّهما أبدًا، والشَّفاعة منه في التَّخفيف عن الكافر غير مستنكر بدليل قصَّة أبي طالب، فإنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لفرط رحمته لما سمع صوتهما لم يَستَجِزْ أن يجاوزهما لما عنده من [الرَّحمة] [1] حتَّى يفعل الممكن من طلب التَّخفيف فيشفع لهما إلى المدَّة المذكورة. [/ج1ص341/]

وما وقع في «تذكرة القرطبيِّ» من أنَّ أحدهما فلان، وسمَّى رجلًا جليلًا؛ [فهو باطل] [2] لا يحلُّ ذكره إلَّا لبيان بطلانه. [/ج1ص342/]

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (الرأفة)
[2] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .





216- وبه قال: ((حدثنا عثمان)) : هو ابن أبي شيبة الكوفي ((قال: حدثنا جَرير)) ؛ بفتح الجيم: هو ابن عبد الحميد، ((عن منصور)) : هو ابن المعتمر، ((عن مُجاهد)) ؛ بضم الميم: ابن جَبر _بفتح الجيم وسكون الموحدة_ الإمام في التفسير، وهذا الحديث رواه الأعمش عن مجاهد، فأدخل بينه وبين ابن عباس طاووسًا، كما يأتي عن قريب أن المؤلف أخرجه هكذا، وإخراجه بهذين الوجهين يقتضي أن كليهما صحيح عنده، فيحمل على أن مجاهدًا سمعه من طاووس عن ابن عباس، وسمعه أيضًا من ابن عباس بلا واسطة أو العكس، ويؤيد ذلك أن في سياق مجاهد عن طاووس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس، وصرح ابن حبان بصحة الطريقين معًا، وقال الترمذي: (رواية الأعمش أصح) ، وقال الترمذي في «العلل»: (سألت محمدًا أيهما [1] أصح؟ فقال: الأعمش أصح) ، فإن قيل: إذا كان حديث الأعمش أصح؛ فَلِمَ لمْ يخرجه وخرج الذي هو غير صحيح؟ قلت له: كلاهما صحيح، فحديث الأعمش أصح، فالأصح يستلزم الصحيح، كما لا يخفى، ويؤيده: أن شعبة بن الحجاج رواه عن الأعمش كما رواه منصور ولم يذكر طاووسًا، كذا في «عمدة القاري»، وتبعه ابن حجر.

قلت: ولا مانع من جعلهما حديثين مستقلين لا سيما مع الاختلاف في كثير من المسند وألفاظ المتن، فيكون هذا رواه مجاهد عن ابن عباس بدون واسطة، والآتي رواه عنه بواسطة طاووس؛ فتأمل.

((عن ابن عباس)) رضي الله عنهما: أنَّه ((قال: مرَّ النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم بحائط)) ؛ بالحاء والطاء المهملتين؛ أي: بستان من النخل إذا كان عليه جدار، ويجمع على حيطان وحوائط، وأصله: حواوط؛ بالواو، قلبت ياء؛ لأنَّه من الحوط؛ وهو الحفظ والحراسة، والبستان إذا عمل حواليه جدران؛ يحفظ من الداخل، لا يسمى البستان حائطًا إلا إذا كان عليه جدران، ((من حيطان المدينة)) المنورة، وعند المؤلف في (الأدب) ، ولفظه: (خرج رسول الله عليه السلام من حيطان المدينة) ، وبين هذه وبين ما هنا منافاة، أجاب في «عمدة القاري»: (بأن معناه: أن الحائط الذي خرج منه غير الحائط الذي مرَّ به، وفي «أفراد الدارقطني» من حديث جابر: «أن الحائط كان لأم مبشر الأنصارية») انتهى، ((أو مكة)) : شك من جرير، وأخرجه المؤلف في (الأدب) : (من حيطان المدينة) ؛ بالجزم من غير شك، ويؤيده رواية الدارقطني؛ لأنَّ حائط أم مبشر كان بالمدينة، وإنما عرَّف (المدينة) ولم يعرِّف (مكة) ؛ لأنَّ مكة عَلَم، فلا يحتاج إلى التعريف، والمدينة اسم جنس، فعرفت بالألف واللام؛ ليكون معهودًا عن مدينة النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم.

فإن قلت: هذا الحديث رواه ابن عباس، وعلى تقدير كون هذه في مكة على ما دل عليه السند كيف يتصور هذا؟ وكان ابن عباس عند هجرة النبي عليه السلام من مكة ابن ثلاث سنين، فكيف ضبط ما وقع في مكة؟

الجواب فيه من وجوه؛ الأول: أنه يحتمل وقوع هذه القضية بعد مراجعة النبي عليه السلام إلى مكة سنة الفتح أو سنة الحج، الثاني: أنه يحتمل أنه سمع من النبي عليه السلام ذلك، الثالث: أنه يكون ما رواه من مراسيل الصحابة، الرابع: أنه يحتمل أن يكون ابن عباس سمع ذلك من صحابي، فأسقط ذكره من بينه وبين النبي عليه السلام، ونظائره كثيرة، وفي الحقيقة هذا داخل في الوجه الثالث، كذا قرره في «عمدة القاري»؛ فافهم.

((فسمع)) ؛ أي: النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ((صوت إنسانين)) ؛ أي: بشرين، تثنية إنسان، يستوي فيه المذكر والمؤنث، والعامة تقول: إنسانة، ويجمع على أناسي، قال الله تعالى: {وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} [الفرقان: 49] ، وقد خفي هذا الجمع على من تصدر في زماننا؛ ليقال له أعلم العلماء وأفقه الفقهاء؛ فليحفظ، وقال الجوهري: الإنس: البشر [2] ، الواحد إِنْسي وأَنَسي؛ بالتحريك، والجمع: أناسي، وإن شئت جعلته إنسانًا، ثم جمعته أناسي، فتكون الياء عوضًا عن النُّون، وقال قوم: أصل إنسان: إنسيان على وزن (إفعلان) [3] ، فحذفت الياء؛ استخفافًا لكثير ما يجري على ألسنتهم، وإذا صغروها؛ ردوها، وقال ابن عباس: إنَّما سمي إنسانًا؛ لأنَّه عهد إليه فنسي، ويقال: من الإنس خلاف الوحشة، ويقال للمرأة أيضًا: إنسان، ولا يقال: إنسانة، والعامة تقوله، كذا في «عمدة القاري»، ((يعذبان)) : جملة وقعت حالًا من (إنسانين) أو صفة لهما ((في قبورهما)) ؛ أي: حال كونهما يعذبان وهما في قبورهما، وإنما قال: (في قبورهما) مع أن لهما قبرين؛ لأنَّ في مثل هذا استعمال التثنية قليل، والجمع أجود، كما في قوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] ، والأصل فيه: أن المضاف إلى المثنَّى إذا كان جزء ما أضيف إليه، يجوز فيه الإفراد والجمع، ولكن الجمع أجود؛ نحو: أكلت رأس الشاتين، وإن كان غير جزئه؛ فالأكثر مجيؤه بلفظ التثنية؛ نحو: سلَّ الزيدان سيفيهما [4] ، وإن أمن اللبس؛ جاز جعل المضاف بلفظ الجمع، كما في قوله: (في قبورهما) ، وقد يجتمع التثنية والجمع في قوله: ظهراهما مثل ظهور الترسين، وفي رواية الأعمش: (مر بقبرين) ، وزاد ابن ماجه في روايته: (بقبرين جديدين، فقال: «إنهما يعذبان») .

فإن قلت: [المعذب] ما في القبرين، فكيف أسند العذاب إلى القبرين؟

قلت: هذا من باب ذكر المحل وإرادة الحال، وزعم ابن حجر أنه يحتمل أن يكون الضمير عائدًا على غير مذكور؛ لأنَّ سياق الكلام يدل عليه، ورده في «عمدة القاري»: بأن هذا ليس بشيء؛ لأنَّ الذي يرجع إليه الضمير موجود، وهو القبران، ولو لم يكن موجودًا؛ لكان لكلامه وجه، والوجه ما ذكرناه؛ فافهم.

ولم يعرف اسم المقبورين ولا أحدهما.

قال في «عمدة القاري»: (والحكمة في عدم بيان اسمي المقبورين ولا أحدهما[/ص188/] يحتمل أنه عليه السلام لم يبين ذلك؛ قصدًا للتستر عليهما خوفًا من الافتضاح، وهو عمل مستحسن، ولا سيما من حضرة النبي الأعظم عليه السلام الذي من شأنه الرحمة والرأفة على عباد الله تعالى، ويحتمل أنه قد بينه؛ ليحترز عنه غيره عن مباشرة ما باشر صاحب القبرين، ولكن الراوي أبهمه عمدًا، كما ذكرنا) انتهى.

قلت: ويؤيد الأول أن عادته عليه السلام الإبهام عن مثل ذلك، فإن عائشة رضي الله عنها حين أرادت شراء بريرة وشرطوا عليها الولاء؛ فأخبرت بذلك النبي عليه السلام، فأمرها بالشراء، وصعد المنبر، وقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله عز وجل...» إلى آخر القصة، فأبهم الشارط، وهذه عادته عليه السلام؛ سترًا على أمَّته.

فإن قلت: قد ذكر القرطبي عن بعضهم: أن أحدهما كان سعد بن معاذ رضي الله عنه.

قلت: قد ردَّه في «عمدة القاري»: (بأن هذا قول فاسد لا يُلتَفَتُ إليه، ومما يدل على فساده أنَّ النبي الأعظم عليه السلام حضر جنازته كما ثبت في «الصحيح»، وسماه النبي عليه السلام سيدًا، حيث قال لأصحابه: «قوموا إلى سيدكم»، وقال: «إن حكمه وافق حكم الله تعالى»، وقال: «إن عرش الرحمن اهتز لموته»، وغير ذلك من مناقبه العظيمة، وقد حضر النبي عليه السلام دفن المقبورين دل عليه حديث أبي أمامة رواه أحمد، ولفظه: أنه عليه السلام قال لهم: «من دفنتم اليوم ههنا؟»، ولم ينقل عنه [5] عليه السلام ما ذكره القرطبي عن البعض، فدل ذلك على بطلانه في هذه القضية) انتهى.

((فقال النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم: يُعَذَّبان)) ؛ أي: الإنسانين، وفي حديث أبي بكرة من «تاريخ المؤلف» بسند جيد: مر النبي عليه السلام بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أمَّا أحدهما؛ فيُعَذَّبُ في البول، وأمَّا الآخر؛ فيُعَذَّب في الغيبة»، وفي حديث أبي هريرة من «صحيح ابن حبان»: مر عليه السلام بقبر، فوقف عليه، وقال: «ائتوني بجريدتين، فجعل إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه يخفف عنه بعض عذاب القبر»، وهو عند أبي موسى بلفظ: «قبرين؛ رجل لا يتطهر من البول، وامرأة تمشي بالنميمة»، وعند ابن أبي شيبة من حديث يعلى بن شبابة: مر عليه السلام بقبر يُعذَّب صاحبه، فقال: «إن هذا القبر يُعَذَّبُ صاحبهُ في غير كبير»، ولمَّا ذكره البرقي في «تاريخه»؛ فقال: «قبرين؛ أحدهما: يأكل لحوم الناس ويغتابهم، وكان هذا لا يتقي بوله»، وفي حديث الأعمش عن جابر: دخل النبي عليه السلام حائطًا لأبي مبشر، فإذا بقبرين؛ فدعا بجريدة رطبة فشقها، ثم وضع واحدة على أحد القبرين، والأخرى على الآخر، ثم قال: «لا يرفعان عنهما حتى يجفا»، وقال: «أمَّا أحدهما؛ فكان يمشي بالنميمة، والآخر كان لا يتنزه من البول»، وفي حديث أنس: مر عليه السلام بقبرين من بني النجار يعذبان في النميمة والبول، فأخذ سعفة رطبة فشقها، وجعل على ذا نصفًا، وعلى ذا نصفًا، وقال: «لا يزال يخفف عنهما العذاب ما داما رطبتين»، وورد في عذاب القبر أحاديث كثيرة، كذا في «عمدة القاري».

((وما يُعَذَّبان في كبير)) ؛ بالموحدة، و (ما) : نافية على الأظهر؛ أي: بكبير تركه عليهما إلا أنه كبير من حيث المعصية، وقيل: يحمل (كبير) على أكبر؛ تقديره: ليس هو أكبر الذنوب؛ إذ الكبائر متفاوتة، وقال القاضي عياض: إنه غير كبير عندكم؛ لقوله تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ} [النور: 15] ، وذلك أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة وتركها كبيرة، وفي «شرح السنة»: (ومعنى: «وما يعذبان في كبير»: أنهما لا يعذبان في أمر كان يكبر ويشق عليهما الاحتراز عنه؛ إذ لا مشقة في الاستتار عند البول، وترك النميمة، ولم يُرِد أنهما غير كبير في أمر الدين) ، وقال المازري: (الذنوب تنقسم: إلى ما يشق تركه طبعًا؛ كالملاذ المحرمة، وإلى ما ينفر منه طبعًا؛ كتارك السموم، وإلى ما [لا] يشق تركه طبعًا؛ كالغيبة والبول) ، كذا في «عمدة القاري».

ثم قال: وفيه: أن عذاب القبر حق حتى يجب الإيمان به والتسليم له، وعلى ذلك أهل السنة والجماعة خلافًا للمعتزلة، ولكن ذكر القاضي عبد الجبار رئيس المعتزلة في «الطبقات»: (إن قيل: مذهبكم أدَّاكم إلى إنكار عذاب القبر، وهو قد أطبقت عليه الأمة؛ قلت: إن هذا الأمر إنَّما أنكره أولًا ضرار بن عمرو لما كان من أصحاب واصل ظنوا أن ذلك بما أنكرته المعتزلة، وليس الأمر كذلك، بل المعتزلة رجلان؛ أحدهما: يجوِّز ذلك كما وردت به الأخبار، والثاني: يقطع بذلك، وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك، وإنما ينكرون قول جماعة من الجهلة: إنهم يعذبون وهم موتى، ودليل العقل يمنع من ذلك) ، ونحوه ذكره أبو عبيد الله المرزباني في «الطبقات»، وقال القرطبي: إن الملحدة ومن يذهب مذهب الفلاسفة أنكروه أيضًا، والإيمان به واجب لازم حسب ما أخبر به الصَّادق عليه السلام، وإن الله يحيي العبد ويرد إليه الحياة والعقل، وهذا نطقت به الأخبار، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وكذلك يكمل العقل للصغار؛ ليعلموا منزلتهم وسعادتهم، وقد جاء أن القبر ينضمُّ عليه كالكبير، وصار أبو الهذيل وبشر إلى أن من خرج عن سمة الإيمان؛ فإنه يُعَذَّبُ بين النفختين، وإأن المسألة إنَّما تقع في تلك الأوقات، وأثبت البلخي والجبائي وابنه عذاب القبر، ولكنهم نفوه عن المؤمنين، وأثبتوه للكافرين والفاسقين، وقال بعضهم: عذاب القبر جائز، وإنه يجري على الموتى من غير رد روحهم إلى الجسد، وإن الميت يجوز أن يتألم ويحس، وهذا مذهب جماعة من الكرامية، وقال بعض المعتزلة: إن الله تعالى يعذب الموتى في قبورهم، ويحدث الآلام وهم لا يشعرون، فإذا حشروا؛ وجدوا تلك الآلام، وأمَّا باقي المعتزلة مثل: ضرار بن عمرو، وبشر المريسي، ويحيى بن كامل، وغيرهم؛ فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلًا، وهذه الأقوال كلها فاسدة تردُّها الأحاديث الثابتة، وإلى الإنكار أيضًا ذهب الخوارج وبعض المرجئة، ثم المُعَذَّبُ عند أهل السنة: الجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة الروح إلى جسده أو إلى جزئه، وخالف في ذلك محمد بن جرير وطائفة، وقالوا: لا يشترط إعادة الروح، وهذا أيضًا فاسد، والله أعلم، انتهى.

((ثم قال)) ؛ أي: النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: ((بلى)) ؛ معناه: أي: إنَّه لكبير، وقد صرح بذلك المؤلف في رواية من طريق عبيدة بن حميد عن منصور، فقال: «وما يُعَذَّبان في كبير، وإنَّه لكبير»، وهذا من زيادات رواية منصور عن الأعمش، ومسلم لم يذكر الروايتين.

وقال الكرماني: فإن قلت: لفظ: (بلى) يختص بإيجاب النفي؛ فمعناه: بل إنهما ليُعَذَّبان في كبير، فما وجه التلفيق بينه وبين (ما يعذبان في كبير) ؟قلت: قال ابن بطال: (وما يعذبان بكبير) ؛ يعني: عندكم، (وهو كبير) ؛ يعني: عند الله تعالى، وقد ذكرناه، وقال عبد الملك البوني في قوله: «وإنَّه لكبير»: يحتمل أنه عليه السلام ظن أن ذلك غير كبير، فأوحى الله إليه في الحال بأنه كبير، وفيه نظر، قاله في «عمدة القاري».

ووجهه أنه يستلزم أن يكون نسخًا، وهو لا يدخل في الخبر.

وأجيب: بأن الخبر بالحكم يجوز نسخه، وهذا منه، وأجيب عن أصل الإيراد: بأن الضمير في (وإنَّه لكبير) الذي في الرواية الثانية يعود على العذاب؛ لما في «صحيح ابن حبان» من حديث أبي هريرة: «يُعَذَّبان عذابًا شديدًا في ذنب هين»، وقيل: إن الضمير يعود على أحد الذنبين، وهو النميمة؛ لأنَّها من الكبائر بخلاف كشف العورة، ورد: بأنه ضعيف، ومع ضعفه غير مستقيم؛ لأنَّ الاستتار المنفي ليس المراد به كشف العورة فقط، وأجيب: بأن (كبير) المنفي؛ بمعنى: أكبر، والمثبت واحد الكبائر، وقيل: المعنى: ليس بكبير في الصورة؛ لأنَّ تعاطي ذلك يدل على الدناءة والحقارة، وهو كبير في الذنب، وقيل: ليس بكبير في اعتقاد المخاطبين، وقيل: ليس بكبير في مشقة الاحتراز عنه، وجزم بهذا البغوي، ورجحه ابن دقيق العيد وجماعة، وقيل: ليس بكبير بمجرده، وإنما صار كبيرًا بالمواظبة عليه، ويدل له لفظ السياق، فإنه وصف كلًّا منهما بما يدل على تجدده منه، واستمراره عليه؛ حيث إنه أتى بالمضارع بعد (كان) ، واستظهر بعضهم أن يقال: إن (ما) مصدرية، وهي وصلتها في محل رفع على الابتداء، و (في كبير) : خبره؛ أي: وتعذيبهما في كبير، وهذا معنى الرواية الصحيحة، ولا يمنع من ذلك ذكر (بل) المختصة بإيجاب النفي؛ لأنَّها تستعمل بعد الإيجاب، كما نقله الرضي؛ كقوله:

~وقد بعدت بالوصل بيني وبينها بل إن من زارَ القبورَ ليبعدا

سلمنا أنه لا بد من تقديم النفي،[/ص189/] لكنهم قد يعطون الشيء حكم ما يشبهه في لفظه، كما فعلوا في (ما) المصدرية؛ عاملوها معاملة (ما) النافية في زيادة (إن) بعدها؛ كقوله:

~ورَجِّ الفَتى لِلْخيرِ مَا إِنْ رأَيتَهُ عَلَى السِّنِ خَيرًا لا يزالُ يَزيدُ

انتهى.

وفيه: أن (بعدت) في البيت الأول فيه معنى النفي، ولعلَّه لهذا قال: (سلمنا...) إلخ، وقد ذكر بعضهم: أن (في كبير) متعلق بـ (يُعَذَّبان) الأول، وجملة: (وما يُعَذَّبان) معترضة؛ أي: بين المتعلِّق والمتعلَّق، و (ما) : استفهامية؛ للتعظيم وتأكيد للتعذيب؛ فتأمل، والله أعلم.

وقوله: ((كان أحدهما لا يستَتِر من بوله)) ؛ استئناف بيانيٌّ وتعليل لما مر؛ بفتح المثناة فوق وكسر الثانية، من السترة؛ ومعناه: لا يستر جسده ولا ثوبه من مماسَّة البول، ووقع في رواية زيادة (كان) ثانيًا، فـ (كان) الثانية تأكيد لـ (كان) الأولى أو زائدة، والظاهر: أن معناه ما في رواية ابن عساكر: (لا يستَبْرئ) ؛ بالموحدة الساكنة بعد المثناة الفوقية المفتوحة، من الاستبراء؛ وهو طلب البراءة من البول، وقيل: معناه ما في رواية مسلم وأبي داود من حديث الأعمش: (لا يستَنْزِه) ؛ بمثناة فوقية مفتوحة، ونون ساكنة، وزاي مكسورة، بعدها هاء، من التنزه؛ وهو الإبعاد، وقيل: معناه ما في رواية: (لا يستَنْثِر) ؛ بمثناة فوقية مفتوحة، ونون ساكنة، ومثلثة مكسورة، من الاستنثار؛ وهو طلب النثر؛ يعني: نثر البول عن المحل، وروي: (لا ينْتتر) ؛ بمثناتين فوقيتين بعد النُّون الساكنة، من النتر؛ وهو جذب فيه قوةوجفوة [6] ، وفي الحديث: «إذا بال أحدكم؛ فليستنثر»، وروى أبو نعيم في «المستخرج»: (كان يتوقى) ؛ بالقاف بعد الواو، لكن الظاهر أن معناه: الاستبراء، كما ذكرنا.

ففي الحديث: وجوب الاستبراء؛ أي: افتراضه، وهو حجة لإمامنا الأعظم رئيس المجتهدين، وحجة على الشافعي بقوله: إنه سنة، وذلك فإن المراد بعدم الاستتار من البول: أنه لم يطلب البراءة منه، بل تركه يجري على أفخاذه، أو يقطر على سراويله، ثم يتوضأ ويصلي، وهو على هذه الحالة كما يفعله الأتراك في زماننا، وما قيل: إن معناه: لا يستر عورته؛ بعيد؛ لأنَّ التعذيب لو وقع على كشف العورة؛ لاستقل الكشف بالسببية، فيترتب العذاب عليه دون البول مع أن الحديث ظاهر في دلالته على اعتبار البول في السببية لعذاب القبر، كالحديث الذي صححه ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعًا: «أكثر عذاب القبر من البول»، بل المراد بالاستتار: الاستبراء، كما دلت عليه الرواية، وهو التحقيق، ويكون الاحتراز عن مفسدة تتعلق به كانتقاض الطهارة، كما ذكرنا، وعبر بالاستتار مجازًا عن الاحتراز؛ لأنَّ المستتر عن الشيء بعيد عنه، ومحتجب وهو شبيه بالبعد عن ملابسة البول، وأيضًا فـ (من) لما أضيفت إلى البول وهي لابتداء الغاية حقيقة أو مجازًا؛ اقتضى نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول؛ بمعنى: أن ابتداء سبب العذاب من البول، وإذا حمل على حقيقته؛ يلزم منه أن يكون سبب العذاب مجرد كشف العورة، وهو غير مراد، فتعين أن يكون المعنى ما ذكرناه، وتعين الحمل على المجاز؛ لتتفق ألفاظ الحديث على معنى واحد ولا تختلف، ويؤيده رواية أبي بكرة عند أحمد وابن ماجه: (أمَّا أحدهما؛ فيُعَذَّبُ في البول) ، ومثله عند الطبراني عن أنس، وكلمة (في) : للتعليل؛ أي: يُعَذَّبُ بسبب البول.

ففي الحديث: دليل على نجاسة الأبوال مطلقًا سواء كانت من بني آدم أو غيره، ومذهب الإمام الأعظم وأصحابه: أنه يعفى في النجاسة المائعة عن قدر مقعر الكف، وفي الجامدة يعفى عن قدر الدرهم؛ لما روي عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سئل عن قليل النجاسة، فقال: (مثل ظفري هذا لا يمنع) ، وظفره كان قدر الدرهم، وبهذا قال إبراهيم النخعي، وقد رخص الكوفيون في مثل رؤوس الإبر من البول؛ لأنَّه لا يمكن الاحتراز عنه، وإنما كان المعفو قدر الدرهم؛ اعتبارًا للمشقة، وقياسًا على المخرجين، وسهل في البول القاسم بن محمد، ومحمد بن علي، والشعبي.

وفي «الجواهر» للمالكية: (أن البول والعذرة من بني آدم نجسان، وطاهران من كل حيوان مباح الأكل، ومكروهان من المكروه أكله) ، وقيل: بل نجسان، وعامة الفقهاء لم يخففوا من الدم إلا اليسير.

واختلف أصحاب مالك في مقدار اليسير، والأرجح أنه قدر الدرهم الكبير، وهذا أيضًا مذهب رئيس المجتهدين الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، وقال الشافعي: قليل النجاسة وكثيرها سواء، لا يُعْفى عن شيء منها إلا ما لا يدركه الطرف، وفي هذا مشقة وعسر وحرج، وهو مدفوع بالنص؛ فافهم، ولا حجة له في هذا الحديث؛ لأنَّه عُذِّبَ على عدم صحة وضوئه مع نزول البول، وهو عدم الاستبراء من البول، أو لأنَّه يفعله عمدًا بغير عذر، فيبقى على بدنه من النجاسة زائدًا على قدر المعفو عنه، ولا شك أن هذا يوجب العذاب مع ما يلزم عليه من أداء الصلاة بغير طهارة، وإن تعمد ذلك؛ يخشى عليه الكفر، ويكفر عند بعض العلماء، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب».

((وكان الآخر يمشي بالنميمة)) ؛ أي: يسعى بنقلها وإفشائها بين الناس، ولهذا قال بعضهم: حقيقة النميمة: إفشاء السر وهتك الستر عما يُكْرَهُ كشفه، وفاعلها يقال له: نمام، وفي حديث الشيخين: «لا يدخل الجنة نمام»، وفي رواية: (قتات) ؛ بالقاف ومثناتين، النمام: الذي يكون مع الجمع يتحدثون حديثًا فينم عليهم، والقتات: الذي يستمع عليهم وهم لا يعلمون، ثم ينم، وعرَّفها في «عمدة القاري» بأنها هي نقل كلام الناس، وقال النووي: (هي نقل كلام الغير بقصد الإضرار) ، قلت: وتفسير الإمام في «عمدة القاري» تفسير بالأعم.

ثم إن النووي قال: (والمشي بالنميمة من أقبح القبائح) ؛ أي: من أكبر الكبائر، واعترضه الكرماني بأنه لا يصح على قاعدة الفقهاء؛ لأنَّهم يقولون: الكبيرة: هي الموجبة للحد، ولا حد على الماشي بالنميمة إلا أن يقال: الاستمرار المستفاد منه يجعله كبيرة؛ لأنَّ الإصرار على الصغيرة حكمه حكم الكبيرة، أو لا يريد بالكبيرة معناها الاصطلاحي.

وزعم ابن حجر: (وما نقله عن الفقهاء ليس قول جميعهم؛ لأنَّ كلام الرافعي يشعر ترجيحه؛ حيث حكى وجهين؛ أحدهما: هذا، والثاني: ما فيه وعيد شديد، قال: وهم إلى الأول أميل، والثاني أوفق) ، ورده في «عمدة القاري»: (بأنه لا وجه لتعقيبه على الكرماني؛ لأنَّه لم يميز قول الجميع عن قول البعض حتى يعترض على قوله: (على قاعدة الفقهاء) على أن الذنب المستمر عليه صاحبه وإن كانت صغيرة؛ فهي كبيرة في الحكم، وفيه وعيد؛ لقوله: «لا صغيرة مع الإصرار») انتهى، وهو جواب صحيح، وعليه جرى القسطلاني حيث قال: (ويجاب عن استشكال كون النميمة من الصغائر بأن الإصرار عليها المفهوم هنا من التعبير بـ«كان» المقتضية له يصير حكمها حكم الكبيرة) انتهى، وقد ركب العجلوني هنا متن عمياء، وخبط خبط عشواء، والصواب ما علمته؛ فليحفظ.

وإنما خص البول والنميمة بعذاب القبر؛ لأنَّ القبر أول منازل الآخرة، وفيه نموذج ما يقع في القيامة من العقاب والثواب، والمعاصي التي يُعاقَب عليها يوم القيامة نوعان: حق الله تعالى، وحق العباد، وأول ما يقضى فيه من حقوق الله: الصلاة، ومن حقوق العباد: الدماء، وأما البرزخ؛ فيقضى فيه مقدمات هذين الحقين ووسائلهما، فمقدمة الصلاة الطهارة من الحدث والخبث، ومقدمة الدماء النميمة، فيبدأ في البرزخ بالعقاب عليهما.

نسأله سبحانه العفو عن ذنوبنا والستر علينا، وأن يفرج عنا وعن المسلمين، ويكشف عنا هذا الضيق والمقت والقهر إنه على ما يشاء قدير، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

((ثم دعا)) ؛ أي: النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ((بجريدة)) ؛ من جريد النخل، وفي رواية الأعمش: (بعَسِيب رطب) ، وهو بفتح العين المهملة، وكسر السين المهملة، على وزن (فَعِيل) ؛ نحو: (كَرِيم) ؛ وهي الجريدة التي لم[/ص190/] ينبت فيها خوص، فإن نبت؛ فهي السعفة، وعُلم من هذا أن الجريدة هي الغصن من النخل بدون الورق، كذا في «عمدة القاري».

قيل: خص الجريد بذلك؛ لأنَّه بطيء الجفاف، والآتي بالجريدة بلال رضي الله عنه، كما في مشيخة يعقوب الفسوي من حديث أبي رافع بسند ضعيف: أن بلالًا قال: كنا مع النبي عليه السلام في جنازة؛ إذ سمع شيئًا في قبر، فقال لبلال: «ائتني بجريدة خضراء...»؛ الحديث، وقيل: الآتي بها أبو بكر الصديق كما عند أحمد والطبراني.

قلت: والظاهر أن هذه القصة غير قصة الباب؛ لأنَّه صرح فيها بقبرين، وصرح في حديث بلال بقبر واحد، وسيأتي تمامه؛ فافهم.

((فكسَرها)) ؛ بتخفيف المهملة؛ أي: بنفسه أو أمر غيره، والظاهر الأول ((كِسْرتين)) ؛ بكسر الكاف، وسكون المهملة، تثنية كسرة؛ وهي القطعة من الشيء المكسور، وقد تبين من رواية الأعمش أنه منصوب على الحال، وأنها كانت نصفًا، وفي رواية جرير عنه: (باثنتين) ، قال النووي: الباء زائدة؛ للتأكيد، وهو منصوب على الحال، كذا في «عمدة القاري».

ثم قال: (إن في متن الحديث: «ثم دعا بجريدة، فكسرها كِسْرتين»؛ يعني: أتي بها فكسرها؛ أي: فالفاء عاطفة على مقدر، وفي حديث أبي بكرة وجابر كما رواه مسلم وأحمد والطبراني أنه الذي قطع الغصنين، فهل هذه قضية واحدة أو قضيتان؟

الجواب: أنهما قضيتان، والمغايرة بينهما من أوجه؛ الأول: أن هذه كانت في المدينة، وكان مع النبي عليه السلام جماعة، وقضية جابر كانت في السفر، وكان خرج لحاجته، فتبعه جابر وحده، الثاني: أن في هذه القضية أنه عليه السلام غرس الجريدة بعد أن شقها نصفين، كما في رواية الأعمش الآتية، وفي حديث جابر: أمر عليه السلام جابرًا فقطع غصنين من شجرتين كان عليه السلام استتر بهما عند قضاء حاجته، ثم أمر جابرًا، فألقى الغصنين عن يمينه وعن يساره حيث كان النبي عليه السلام جالسًا، وأن جابرًا سأله عن ذلك، فقال: «مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرفعه عنهما ما دام الغصنان رطبين»، الثالث: لم يذكر في قصة جابر ما كان السبب في عذابهما، الرابع: لم يذكر فيه كلمة الترجي، فدل ذلك كله على أنهما قضيتان مختلفتان، بل روى ابن حبان في «صحيحه» عن أبي هريرة: أنه عليه السلام مر بقبر، فوقف عليه، فقال: «ائتوني بجريدتين»، فجعل إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، فهذا بظاهره يدل على أنَّها قضية ثالثة، فسقط بهذا كلام من ادعى أن القضية واحدة، كما مال إليه النووي والقرطبي، انتهى كلامه رحمه الله ورضي عنه، ومثله في «ابن حجر».

قلت: ويؤيد هذا الظاهر حديث أبي رافع، فإن فيه: (فسمع شيئًا في قبر، فكسرها باثنتين، وترك بعضها عند رأسه، وبعضها عند رجليه) ، وفي قصة الواحد: جعل نصفًا عند رأسه ونصفًا عند رجليه، وفي قصة الاثنين: جعل على كل قبر جريدة، ولا ريب أن هذه قضايا مختلفة في أحوال متعددة في أماكن متغايرة، فكل صحابي عبر بما رأى؛ فافهم، والله أعلم.

((فوضع)) ؛ أي: النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ((على كل قبر منهما كِسْرة)) ؛ بكسر الكاف؛ أي: واحدة؛ يعني: وضع كل كسرة منهما على ظهر القبر من جهة الرأس، وعلى الآخر كذلك، كما اعتيد في زماننا؛ لأنَّ كلمة (على) تفيد الاستعلاء، فالكسرة الموضوعة على كل قبر نصف، قال في «عمدة القاري»: (وفي رواية الأعمش: «فغرز»، والغرز مستلزم الوضع بدون العكس) انتهى.

والغرز بإزاء الرأس ثابت بإسناد صحيح، كما في «المصابيح»، وقول الزركشي: وفي رواية غندر: (نصفه عند رأسه، ونصفه عند رجليه) ، كما ذكره صاحب «الترغيب»؛ محمول على أنَّ القبر واحد؛ لما في «صحيح ابن حبان» من حديث أبي هريرة أنَّه قال: مر عليه السلام بقبر فوقف عليه، وقال: «ائتوني بجريدتين»، فجعل إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، ثم قال: «لعلَّه يخفف عنه بعض عذاب القبر»، لا أنه في هذه القصة، فيكون القطع حينئذ أربعًا، كما زعمه العجلوني؛ لأنَّ القضايا مختلفة في القبر والقبرين، ولأن مقصود النبي عليه السلام تخفيف العذاب ما دام الجريد رطبًا، ومع شقه أربع شقق لا يستقيم رطبًا؛ لصغر جرمه، والحر حر الحجاز؛ فافهم.

((فقيل له)) : وفي رواية: إسقاط لفظة: (له) ؛ أي: للنبي الأعظم عليه السلام: ((يا رسول الله)) : وفي رواية الأعمش: (قالوا) ؛ أي: الصحابة: ((لم فعلت هذا؟)) : الإشارة إلى وضع الجريدتين على القبرين، قال في «عمدة القاري»: (ولم يُعْلَم القائل من هو) انتهى ومثله في «ابن حجر»، قلت: وقد يقال: إن القائل له ذلك إما جابر كما في حديثه، أو بلال كما في حديثه، أو أبو بكر الصديق كما في حديثه، وكل قضية على حسبها، وهو الظاهر؛ فافهم.

((قال)) ؛ أي: النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: ((لعلَّه أنْ يخفف عنهما)) ؛ بضمير التثنية يعود إلى الإنسانين، و (يخفف) : مبني للمفعول، شبه (لعلَّ) بـ (عسى) ، فأتى بـ (أنْ) في خبره، وهو جائز، وإن كان الأكثر حذفها، كما في قوله تعالى: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ} [طه: 44] ، وقال في «عمدة القاري»: (الرواية: «أن يخفف عنها» على التوحيد والتأنيث، وهو ضمير النفس، فيجوز إعادة الضميرين في «لعلَّه» و«عنها» إلى الميت باعتبار كونه إنسانًا وكونه نفسًا، ويجوز أن يكون الضمير في «لعلَّه» ضمير الشأن، وفي «عنها» للنفس، وجاز تفسير الشأن بـ«أن» وصلتها مع أنها في تقدير مصدر؛ لأنَّها في حكم جملة؛ لاشتمالها على مسند ومسند إليه، ولذلك سدت مسد مفعولي «حسب» و«عسى» في نحو: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ} [آل عمران: 142] ، وفي: {عَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا} [البقرة: 216] ، ويجوز على قول الأخفش أن تكون «أن» زائدة مع كونها ناصبة؛ كزيادة الباء و«من» مع كونهما جارَّتين، ومن تفسير ضمير الشأن بـ«أن» وصلتها قول عمر رضي الله عنه: «فما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت حتى ما يقلني رجلاي»، وقال الطيبي: لعلَّ الظاهر أن يكون الضمير مبهمًا يفسره ما بعده، كما في قوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} [المؤمنون: 37] ، وقال العلَّامة جار الله الزمخشري: هذا ضمير لا يعلم ما يعني به إلا ما يتلوه من بيانه، وأصله: إن الحياة إلا الحياة الدنيا، ثم وضع «هي» موضع الحياة؛ لأنَّ الخبر يدل عليها ويبينها [7] ، ومنه: هي النفس تحمل ما حملت، والرواية بتثنية الضمير في «عنهما» لا يستدعي إلا هذا التأويل) انتهى كلامه رحمه الله ورضي عنه.

ثم قال: (وهل للجريد معنى يخصه في الغرز على القبر ليخفف العذاب؟

والجواب: أنه لا لمعنى يخصه، بل المقصود أن يكون ما فيه رطوبة من أي شجر كان، ولهذا أنكر الخطابي ومن تبعه وضع الجريد اليابس، وكذلك ما يفعله أكثر الناس من وضع ما فيه الرطوبة من الرياحين والبقول ونحوهما على القبور ليس بشيء، وإنما السنة الغرز.

فإن قلت: في الحديث: «فوضع على كل قبر منهما كِسرة».

قلت: في رواية الأعمش: «فغرز»، فينبغي الغرز؛ لأنَّ الوضع يوجد في الغرز بخلاف الوضع، كما قدمناه.

فإن قيل: إنه عليه السلام قد علل غرزهما على القبر بأمر معين من العذاب، ونحن لا نعلم ذلك مطلقًا.

والجواب: أنه لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا أن نترك ذلك، ألا ترى أنَّا ندعو للميت بالرحمة، ولا نعلم أنه يرحم أم لا؟

فإن قلت: وهل لأحد أن يأمر بذلك لأحد أم الشرط أن يباشره بيده؟

والجواب: ظانه لا يلزم ذلك، والدليل عليه أن بريدة [بن] الحصيب [8] رضي الله عنه أوصى أن يوضع على قبره جريدتان، كما يأتي في هذا الكتاب) .

وزعم ابن حجر أنه ليس في السياق ما يقطع أنه باشر الوضع بيده الكريمة عليه السلام، بل يحتمل أن يكون أمر به، وردَّه في «عمدة القاري»: بأن هذا كلام واهٍ جدًّا، وكيف يقول ذلك وقد صرح في الحديث: (ثم دعا بجريدتين، فكسرهما، فوضع على كل قبر منهما كسرة) ؟! وهذا تصريح في أنه عليه السلام وضعه بيده الكريمة، ودعوى احتمال الأمر لغيره به بعيدة، وهذه كدعوى احتمال مجيء غلام زيد في قولك: جاء زيد، ومثل هذا الاحتمال لا يعتد به؛ فافهم، انتهى كلامه رحمه الله ورضي عنه.

((ما لم ييبَسا)) ؛ بمثناتين تحتيتين،[/ص191/] ثم موحدة، وهذه في أكثر الروايات، وفي رواية: (ما لم تيبَسا) ؛ بمثناة فوقية بعدها تحتية، ثم موحدة؛ أي: الكسرتان، وفي رواية: (إلا أن تيبَسا) ؛ بحرف الاستثناء، وفي رواية: (إلى أن ييبَسا) ؛ بكلمة (إلى) التي للغاية، ويجوز فيه التذكير والتأنيث، أمَّا التأنيث؛ فباعتبار رجوع الضمير فيه إلى الكسرتين، وأمَّا التذكير؛ فباعتبار رجوع الضمير إلى العُود؛ لأنَّ الكسرتين عودان، والباء الموحدة مفتوحة في جميع الروايات؛ لأنَّه من باب (علم يعلم) ، وفيه لغة شاذة، وهي الكسر، وكلمة (ما) : مصدرية زمانية، وأصله: لعلَّه يخفف مدة دوامهما إلى زمن اليبس، أو مدة عدم يبسهما، وذلك بسبب التبرك بأثره عليه السلام، ودعائه بالتخفيف عنهما، فكأنه عليه السلام جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدًّا لما وقعت له المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الرطب معنى ليس في اليابس، وقال النووي: (قال العلماء: هو محمول على أنه عليه السلام سأل الشفاعة لهما، فأجيبت شفاعته بالتخفيف عنهما إلى أن ييبسا) ، وقال ابن الملقن: وقد حصل ما ترجَّاه في الحال، فأورقا في ساعتهما، ففرح بذلك، وقال: «رُفِعَ العذابُ عنهما بشفاعتي»، وقيل: يحتمل أنه عليه السلام يدعو لهما تلك المدة، وقيل: لأنَّهما يسبحان ما داما رطبين، وليس لليابس تسبيح، قالوا في قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] ؛ معناه: وإن من شيء حي، ثم حياة كل شيء بحسبه، فحياة الخشبة ما لم تيبس، وحياة الحجر ما لم يقطع، وذهب المحققون إلى أنه على عمومه، ثم اختلفوا هل يسبح حقيقة أم فيه دلالة على الصانع، فيكون مسبحًا منزهًا بصورة حاله؟ وأهل التحقيق على أنه يسبح حقيقة، وإذا كان العقل لا يحيل جعل التمييز فيها، وجاء النص به؛ وجب المصير إليه، واستحب العلماء قراءة القرآن والأذكار عند القبر؛ لهذا الحديث؛ لأنَّه إذا كان يرجى التخفيف لتسبيح الجريدة؛ فتلاوة القرآن والذكر أولى.

فإن قلت: ما الحكمة في كونهما ما داما رطبين يمنعان العذاب بعد دعوى العموم في تسبيح كل شيء؟

قلت: يمكن أن يكون معرفة هذا كمعرفة [عدد] الزبانية في أنه تعالى هو المختص بها، كذا في «عمدة القاري».

وقال المازري: (يحتمل أن يكون أوحي إليه أن العذاب يُخَفَّفُ عنهما هذه المدة) ، واعترضه القرطبي بأنه لو علم بالوحي؛ لما أتى بحرف الترجي، قال ابن حجر: (وإذا حملناها على التعليل؛ لا يرد هذا) ، قلت: وهذا الحمل فاسد، فإن النحاة أجمعوا على أن معنى (لعلَّ) : الترجي، وهو مراد النبي عليه السلام؛ بدليل أن هذه الكيفية من أخذ الجريدة وغرزها ونحوه شفاعة، وهي ترجى بلا ريب، وأما التعليل؛ فإنه معنى شاذ، على أنه إنَّما يأتي بالتعليل في مقام الجزم واليقين، وهنا المقام مقام تردد بين التخفيف وعدمه؛ فافهم.

قال في «عمدة القاري»: واختلفوا في المقبورَيْن هل كانا مسلمين أو كافرين؟

فقيل: كانا كافرين، وبه جزم أبو موسى المديني في كتاب «الترغيب»، واحتج على ذلك بما رواه من حديث ابن لهيعة، عن أسامة بن زيد، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه قال: «مر نبي الله عليه السلام على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية، فسمعهما يعذبان في البول والنميمة»، قال: هذا حديث حسن، وإن كان إسناده ليس بالقوي؛ لأنَّهما لو كانا مسلمين؛ لما كان لشفاعته عليه السلام لهما إلى أن ييبسا معنًى، ولكنه لما رآهما يعذبان؛ لم يستجز من عطفه ولطفه عليه السلام حرمانهما من ذلك، فشفع لهما إلى المدة المذكورة، ولما رواه الطبراني في «الأوسط»: «مر النبي عليه السلام على قبور نساء من بني النجار هلكن في الجاهلية، فسُمِعْنَ يُعَذَّبْنَ في النميمة»، قال: لم يروه عن أسامة إلا ابن لهيعة.

وقيل: كانا مسلمين، وجزم به بعضهم؛ لأنَّهما لو كانا كافرين؛ لم يَدْعُ عليه السلام لهما بتخفيف العذاب، ولا ترجاه لهما، ويقوي هذا ما في بعض طرق حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «مرَّ بقبرَيْن من قبور الأنصار جديدَيْن»، فإن تعددت الطرق وهو الأقرب لاختلاف الألفاظ؛ فلا بأس، وإن لم يتعدد؛ فهو بالمعنى المذكور؛ لأنَّ بني النجار من الأنصار، وهو لقب إسلامي لقبوا به؛ لنصرهم النبي عليه السلام، ولم يعرف بهما سَمِيٌّ في الجاهلية، ويقويه أيضًا ما في رواية مسلم: «فأجيبت بشفاعتي»، والشفاعة لا تكون إلا للمؤمن، وما في رواية أحمد المذكورة، فقال: «من دفنتم اليوم ههنا؟»، فهذا أيضًا يدل على أنهما كانا مسلمَيْن؛ لأنَّ البقيع مقبرة المسلمين، والخطاب لهم.

فإن قلت: لمَ لا يجوز أن يكونا كافرين، كما ذهب إليه أبو موسى، وكان دعاء النبي عليه السلام لهما من خصائصه كما في قصة أبي طالب؟

قلت: لو كان ذلك من خصائصه عليه السلام؛ لبينه، على أنا نقول: إن هذه القضية متعددة كما ذكرنا، فيجوز تعدد حال المقبورَيْن.

فإن قلت: ذكر البول والنميمة ينافي ذلك؛ لأنَّ الكافر وإن عُذِّبَ على أحكام الإسلام؛ فإنه يُعَذَّبُ مع ذلك على الكفر بلا خلاف.

قلت: لم يبين في حديث جابر المذكور سبب العذاب ما هو، ولا ذكر فيه الترجي لرفع العذاب، كما في حديث غيره، فظهر من ذلك صحة ما ذكرنا من تعدد الحال.

ورد بعضهم احتجاج أبي موسى بالحديث المذكور بأنه ضعيف كما اعترف به، وقد رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم، وليس فيه ذكر سبب التعذيب، فهو من تخليط ابن لهيعة.

قلت: هذا من تخليط هذا القائل؛ لأنَّ أبا موسى لم يصرح بأنه ضعيف، بل قال: (هذا حديث حسن وإن كان إسناده ليس بقوي) ، ولم يعلم هذا القائل الفرق بين الحسن والضعيف؛ لأنَّ بعضهم عد الحسن من الصحيح لا قسيمه، ولذلك يقال للحديث الواحد: إنه حسن صحيح، وقال الترمذي: الحسن: ما ليس في إسناده من اتُّهم بالكذب، وعبد الله بن لهيعة المصري لا يتهم بالكذب، على أن طائفة منهم قد صححوا حديثه ووثقوه؛ منهم: الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله تعالى انتهى كلامه رحمه الله ورضي الله.

والمراد بهذا القائل: ابن حجر العسقلاني، وهذا داء به يذكر الكلام مخبطًا من غير تحرير، وقد بين ذلك في «كشف الحجاب عن العوام» وفي «منهل العليل المطل»؛ فليحفظ.

قال الخطابي: فيه دليل على استحباب تلاوة الكتاب العزيز على القبور؛ لأنَّه إذا يرجى عن الميت التخفيف بتسبيح الشجر؛ فتلاوة القرآن العظيم أعظم رجاء وبركة.

قال في «عمدة القاري»: (قلت: اختلف الناس في هذه المسألة؛ فذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين وأصحابه والإمام أحمد ابن حنبل رضي الله تعالى عنهم أجمعين إلى وصول ثواب القرآن إلى الميت؛ لما روى أبو بكر النجار في كتاب «السنن» عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مر بين المقابر، فقرأ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} أحد عشر مرة، ثم وهب أجرها للأموات؛ أعطي من الأجر بعدد الأموات»، وفي «سننه» أيضًا عن أنس يرفعه: «من دخل المقابر، فقرأ سورة (يس) ؛ خفف الله عنهم يومئذ»، وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: قال رسول الله عليه السلام: «من زار قبر والديه أو أحدهما، فقرأ عنده أو عندهما (يس) ؛ غفر له»، وروى أبو حفص بن شاهين عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه السلام: «من قال: الحمد لله رب العالمين رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله الكبرياء في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم، لله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله العظمة في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم، هو الملك رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله النور في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم، مرة واحدة، ثم قال: اللهم اجعل ثوابها لوالدي؛ لم يبق لوالديه حق إلا أداه إليهما»، وقال الثوري: المشهور عند الشافعي وجماعة أن قراءة القرآن لا تصل إلى الميت، والأخبار المذكورة حجة عليهم، ولكن أجمع العلماء على أن الدعاء ينفعهم ويصلهم ثوابه؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} [الحشر: 10] ، وغير ذلك من الآيات والأحاديث المشهورة؛ منها: قوله عليه السلام: «اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد»، ومنها: قوله عليه السلام: «اللهم اغفر لحيِّنا وميتنا»، وغير ذلك.

فإن قلت: هل يَبْلُغُه ثواب الصوم أو الصدقة أو العتق؟

قلت: روى أبو بكر النجار في كتاب «السنن» من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنه سأل النبي عليه السلام، فقال: يا رسول الله؛

[/ص192/]

إن العاصي بن وائل كان نذر في الجاهلية أن ينحر مئة بدنة، وإن هشام بن العاصي نحر حصته خمسين، أفيجزئ عنه؟ فقال عليه السلام: «إن أباك لو كان أقر بالتوحيد فصُمْتَ عنه، أو تصدَّقْتَ عنه، أو أعتقْتَ عنه؛ بَلَغَهُ ذلك»، وروى الدارقطني: قال رجل: يا رسول الله؛ كيف أبر أَبَوَيَّ بعد موتهما؟ فقال: «إن من البر بعد البر أن تصلِّي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك، وأن تصدق عنهما مع صدقتك»، وفي كتاب القاضي الإمام أبي الحسين ابن الفراء عن أنس رضي الله عنه: أنه سأل رسول الله عليه السلام، فقال: يا رسول الله؛ إنا نتصدق عن موتانا، ونحج عنهم، وندعو لهم، فهل يصل ذلك إليهم؟ قال: «نعم»، وعن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين: (أن الحسن والحسين رضي الله عنهما كانا يعتقان عن علي رضي الله عنه) ، وفي «الصحيح»: قال رجل: يا رسول الله؛ إن أمي توفيت أينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: «نعم».

فإن قلت: قال الله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39] ، وهو يدل على عدم وصول ثواب القرآن للميت؟

قلت: اختلف العلماء في هذه الآية على ثمانية أقوال:

أحدها: أنها منسوخة بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَأتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ } [الطور: 21] أدخل الآباء الجنة بصلاح الأبناء، قاله ابن عباس رضي الله عنهما.

الثاني: أنها خاصة بقوم إبراهيم وموسى عليهما السلام، وأمَّا هذه الأمة؛ فلهم ما سعوا أو ما سعى لهم غيرهم، قاله عكرمة.

الثالث: المراد بـ (الإنسان) : الكافر، قاله الربيع بن أنس.

الرابع: ليس للإنسان إلا ما سعى بطريق العدل، فأمَّا من باب الفضل؛ فجائز أن يزيده الله تعالى ما يشاء، قاله الحسين بن فضل.

الخامس: أن معنى {مَا سَعَى}: ما نوى، قاله أبو بكر الوراق.

السادس: ليس للكافر من الخير إلا ما عمله في الدنيا، فيثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة شيء، ذكره الثعلبي.

السابع: أن اللام في {للإنسان} بمعنى (على) ؛ تقديره: ليس على الإنسان إلا ما سعى.

الثامن: أنه ليس له إلا سعيه غير أن الأسباب مختلفة، فتارة يكون سعيه في تحصيل الشيء بنفسه، وتارة يكون سعيه في تحصيله سببه مثل سعيه في تحصيل قرابة [9] وولد يترحم عليه، وصديق يستغفر له، وتارة يسعى في خدمة الدين والعبادة فيكتسب محبة [10] أهل الدين فيكون ذلك سببًا حصل بسيعه، حكاه أبو الفرج عن شيخه ابن الزعفراني، انتهى كلام صاحب «عمدة القاري» رحمه الله ورضي عنه، وسيأتي مزيد لذلك في (الجنائز) إن شاء الله تعالى.

اللهم فرج عنا وعن المسلمين، وارفع البلاء عنا وعنهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

[1] في الأصل: (أيما).
[2] في الأصل: (الشيء)، والمثبت موافق لما في «الصحاح».
[3] في الأصل: (إفعال) .
[4] في الأصل: (سيفهما)، ولعل المثبت هو الصواب.
[5] زيد في الأصل: (أنه).
[6] في الأصل: (وهو حدث فيه قعرة وجفرة)، وهو تحريف.
[7] في الأصل: (وبينها) .
[8] في الأصل: (الخطيب)، وهو تحريف.
[9] في الأصل: (قواته)، ولعل المثبت هو الصواب.
[10] في الأصل: (بحبه)، ولعل المثبت هو الصواب.