جمع النهاية في بدء الخير وغاية الغاية

حديث: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي فوالله ما علمت..

[حديث: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي فوالله ما علمت..]
120 - عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قَالَتْ: كَانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَن يَخرجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَهُ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، وَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجٍ وَأُنْزَلُ فِيهِ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ،
ص101
دَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي، فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، فَأَقْبَلَ الَّذِينَ يُرَحِّلُونَ بِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي، فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ [عَلَيْهِ] ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقُلْنَ / وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ
ص102
يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ حِينَ رَفَعُوا ثِقَلَ الْهَوْدَجِ فَاحْتَمَلُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ وَلَيْسَ فيه أحدٌ، فَأمَّمتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِي ثُمَّ الذَّكْوَانِي مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَأتانِي،
ص103
وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ أناخَ راحِلَتَهُ، فَوَطِئَ يَدَهَا، فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا مُعَرِّسِيْنَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الإِفْكِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ. فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ بها شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ من قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ، وَيَرِيبُنِي فِي وَجَعِي/ أَنِّي لَا أرى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ
ص104
حِينَ أَمرض، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: «كَيْفَ تِيكُمْ؟» وَلَا أَشْعُرُ بشيءٍ مِن ذلكَ، حَتَّى خَرَجْتُ حِينَ نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ أنا وأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ، مُتَبَرَّزِنَا، [وَكُنَّا] لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُتَّخَذَ الْكُنُفُ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا. وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الأُوَلِ فِي الْبَرِّيَّةِ أو التَّنزُّه، فأقبلتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ بنت أَبِي رُهْمِ نمشي،
ص105
فَعَثَرَتْ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ. فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا! فَقَالَتْ: يا هَنْتَاهْ، أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالوا؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فَسَلَّمَ فَقَالَ: «كَيْفَ تِيكُمْ؟» فَقُلْتُ: ائذن لِي إلى أَبَوَيَّ، قَالَتْ: وأنا حينئذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فأتيت أبويَّ،
ص106
فَقُلْتُ لأُمِّي: مَا يَتَحَدَّثُ/ النَّاسُ بِهِ؟ قَالَتْ: يَا بُنَتَّي، هَوِّنِي على نَفْسِكِ الشَّأنَ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا ولَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا. فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَقَدْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا
ص107
أُسَامَةُ فَأَشَارَ عليه بِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ من الودِّ لهم، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَهْلُكَ يا رسول الله وَلَا نَعْلَمُ والله إِلَّا خَيْرًا. وَأَمَّا عَلِي فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَاسأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بَرِيرَةَ، فَقَالَ: «يا بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ فيها شَيْئًا يَرِيبُكِ؟» فَقَالَتْ بَرِيرَةُ: لا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ منها أَمْرًا أَغْمِصُهُ عليها قَطُّ أكثر / من أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ العَجِينِ، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْ يَوْمِهِ، فَاسْتَعْذَرَ
ص108
مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بن سلول، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي؟ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كان يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي». فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا وَاللهِ أَعْذِرُكَ منهُ، إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فيه أَمْرَكَ. فَقَامَ سعد بن عبادة وهو سيِّد الْخَزْرَجِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى ذلك، فَقَامَ
ص109
أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرٍ فَقَالَ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ/. فَثَارَ الْحَيَّانِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا [أَنْ يَقْتَتِلُوا] وَرَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فنزل فَخَفَّضَهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، وَبَكَيْتُ يَوْمِي لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، فَأَصْبَحَ عندي أَبَوَايَ وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا، حَتَّى أَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، قالت: فَبَيْنَمَا هما جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي فَاسْتَأْذَنَتْ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَذِنْتُ
ص110
لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فَجَلَسَ، وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي من يَوم قِيلَ فِيَّ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ مكثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي شَيْءٌ.
قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً، فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بذنبه ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ».
فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي/، حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً،
ص111
وَقُلْتُ لأَبِي: أَجِبْ عنِّي رَسُولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. فَقُلْتُ لأُمِّي: أَجِيبِي عنِّي رَسُولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فِيمَا قَالَ. قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.
قالت: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ، فقلت: إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أنَّكم سَمِعْتُمْ ما يَتَحدَّثُ بِهِ النَّاسُ، وَوَقرَ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي لبَرِيئَةٌ، لَا تُصَدِّقُونِي بذلكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي
ص112
لبَرِيئَةٌ، لَتُصَدِّقُنِّي، فَوَاللَّهِ لَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ إذ قَالَ: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] .
ثُمَّ تَحَوَّلْتُ عَلَى فِرَاشِي، وأنا أرجو أن يبرئني الله، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا ظننت أَنْ يُنْزِلَ فِي شَأْنِي وَحْيًا، ولأنا أَحْقَرَ في نفسي مِنْ أَنْ يُتكلَّمَ بالقرآنَ في / أَمْرِي، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ [بِهَا] ، فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مَجْلِسَهُ، وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، حَتَّى أَنْزَلَ الله عَلَيْهِ الوحي، فَأَخَذَهُ
ص113
مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ من العرق فِي يَوْمٍ شَاتٍ، فلمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وَهْوَ يَضْحَكُ، فَكَانَتْ أَوَّلُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ لي: «يَا عَائِشَةُ، احْمَدِي اللهَ فَقَدْ بَرَّأَكِ اللهُ». فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. فَقُلْتُ: لا وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، ولَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور: 11] الآيَاتِ، فلمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ هَذَا فِي بَرَاءَتِي
ص114
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ -: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَما قَالَ في عَائِشَةَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَلَا يَأْتَلِ/ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ السَّعَة أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى} الآية إِلَى قَوْلِهِ: {غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22] قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللَّهِ، إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي. فَرَجَّعَ إِلَى مِسْطَحٍ الذي كَانَ يجريه عَلَيْهِ.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: «يَا زَيْنَبُ مَا عَلِمْتِ، مَا رَأَيْتِ؟» فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا خَيْرًا. قَالَتْ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ. [خ¦2661]