جمع النهاية في بدء الخير وغاية الغاية

المقدمة

[المقدمة]
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آلهِ وصحبِهِ وسلِّم:
قالَ الشيخُ أبو محمَّد عبدُ اللهِ بنُ سعدِ بنِ أبي جَمْرَةَ الأزديُّ رضي اللهُ تعالى عنهُ:
الحمدُ للهِ حقَّ حمدِهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدنا محمد الخِيَرَةِ مِنْ خَلْقِهِ، وعلى الصَّحابةِ السَّادةِ المُختارِين لصحبَتِهِ، وبعدُ:
ص9
فلمَّا كانَ الحديثُ وحفظُهُ من أقربِ الوسائلِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ بمقتضى الآثار في ذلك، فمنها قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «مَن أدَّى إلى أمَّتي حديثًا واحدًا، يقيم به سنَّةً، أو يردُّ بدعةً، فله الجنَّة» [1] ، ومنها قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «مَن حَفِظَ على أمَّتي حديثًا واحدًا فله أجرُ أحدٍ وسبعين نبيًّا صِدِّيقًا» [2] .
ص10
والآثار في ذلك كثيرٌ.
ورأيتُ الهِممَ قدْ قَصُرتْ عن حفظها/ مع كثرة كُتُبِهَا من أجل أسانيدها، فرأيتُ أنْ آخذَ مِن أصحِّ كتبِهِ كِتابًا أختصرُ منهُ أحاديثَ بحسب الحاجة إليها، وأختصر أسانيدها ما عدا راوي الحديث، فلا بدَّ منه، فيسهُلَ حفظها وتَكْثُرَ الفائدة فيها إن شاء الله تعالى، فوقعَ لي أنْ يكون كتابَ البخاري؛ لكونه مِن أصحِّها، ولكونه رحمة الله عليه كان من الصَّالحين،
ص11
وكان مجاب الدَّعوة ودعا لقارئه، وقدْ قالَ لي مَنْ لقيتُهُ من القضاة الذين كانت لهم المعرفة والرِّحلةُ، عمَّن لقيَ من السَّادةِ المُقَرِّ لهم بالفضل: إنَّ كتابَ البخاريِّ ما قُرئَ في وقت شدَّةٍ إلَّا فُرِّجَتْ، ولا رُكِبَ به في مَرْكبٍ فغَرِقَ قطُّ، فرغِبتُ مع بركةِ الحديثِ في تلكَ البركاتِ، لِمَا في القلوبِ من الصَّدأ؛ فلعلَّه بفضلِ اللهِ أنْ يكشفَ عمَّا بها [3] ، وأن يُفرِّجَ عنها شديدَ [4] الأهواء التي تراكمَت عليها،
ص12
ولعلَّ بِحَمْل تلك/ الأحاديث الجليلة تُعْفَى من الغرق في بحور البدع والآثام.
فلمَّا كمُلَت بحسب ما وفَّق الله إليه، فإذا هي ثَلاثمائة حديثٍ غيرَ بضعٍ، فكان أوَّلها: كيف كان بدءُ الوحيِ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وآخرُها: دخول أهل الجنة الجنةَ، وإنعام الله عليهم بدوام رضاه فيها؛ فسمَّيتُه بمقتضى وضعه:
(جمع النِّهاية في بدء الخير وغاية الغاية)
ولم أُفرِّقْ بينها بتبويبٍ؛ رجاء أن يُتمِّمَ الله لي ولكلِّ مَنْ قرأهُ أو سمعه بدء الخير بغايته، فنسألُ اللهَ الكريمَ ربَّ العرشِ
ص13
العظيم أن يجعلها لقلوبِنا جلاءً، ولداءِ ديننا شفاءً، بمنِّه لا ربَّ سواه، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ خاتمِ النبيِّينَ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.


[1] رواه أبو نعيم في حلية الأولياء 10/44.
[2] قال العجلوني في كشف الخفاء 2/293 نقلاً عن ابن حجر المكي أنه حديث موضوع.
[3] بهامش (س): في نسخة: (عماها).
[4] بهامش (س): في نسخة: (شدائدَ).